رواية لأنك أنت الفصل العاشر10 بقلم ندي محمود توفيق

رواية لأنك أنت الفصل العاشر10 بقلم ندي محمود توفيق
تجاهلت سؤاله وردت عليه دون مقدمات تخبره عن قرارها النهائي:
_أنا موافقة 
غضن حاجبيه باستغراب وللحظة لم يفهم مقصدها فسأل بحيرة:
_موافقة ؟!!!
هتفت موضحة له كلماتها أكثر بنبرة أكثر قوة وحدة:
_موافقة على عرضك ياسليم.. موافقة أننا نقعد عندك في البيت وتحمينا
أطال النظر في وجهها المذعور وعقله يطرح ألف سؤال بنفس اللحظة، نظراته الثاقبة تتحدث عن كل شيء لم ينطقه لسانه، فلاحظت فيروز نظرات الشك والحيرة بعيناه وهو يتمعنها فتنفست الصعداء بقوة وقالت في ضيق وخزي:
_لو غيرت رأيك في عرضك ياسليم اعتبرني مقولتش حاجة.. وأنا آسفة
استدارت وتحركت عائدة لمنزلها لكنه اسرع بعد أول خطوة تخطوها بعيد عنه وقبض على ذراعها يوفقها ويستديرها باتجاهه مصححًا تحليلها الخاطئ لنظراته هاتفًا:
_لا أنا مغيرتش رأى أنا بس مستغرب سرعة ردك كنت متوقع تاخدي يومين على الأقل تفكري، وكمان مجيتك في وقت متأخر زي كدا وأنتي مرعوبة خلتني اتأكد أن في حاجة حصلت معاكي
 تنهدت بأسى وهزت رأسها بالموافقة مجيبة عليه في صدق:
_فعلًا في حاجة حصلت بس مش هينفع احكيلك في الشارع كدا وكمان ياسين وحده في البيت نايم 
رد سليم برزانة تامة:
_تمام بكرا تحكيلي اللي حصل وتكوني برضوا جهزتي حاجتك وتيجي عندي و....
 قاطعته فيروز بنظرة تحمل إنذارات الخطر الحقيقية مع نبرة مضطربة كلها صلابة:
_لو صبرت لبكرا لا أنا ولا ياسين هنبقى موجودين، أنا جهزت كل حاجتي دلوقتي 
اتسعت عيني سليم بصدمة من ردها أنها انتهت من كل شيء الآن لتنتقل لمنزله الليلة، واستحوذت صدمته عليه للحظات يفكر ثم رد باستسلام ورسوخ رجولي:
_تمام بما أن الموضوع واضح أنه خطير للدرجة خلاص الليلة دي تيجي عندي.. تعالي يلا عشان نشيل الشنط والحاجة وننقلها عندي 
أماءت له بالموافقة وسارت معه عائدة إلى منزلها وفتحت الباب لتدخل هي أولًا ثم لحق بها سليم فوجد كل الحقائب أمامه مرتصة بالصالون، بينما هي فدخلت إلى غرفة أخيها الصغير لتوقظه.
 راحت فيروز تهزه برفق وهي توقظه بصوتها الدافئ:
_ياسين قوم ياحبيبي يلا عشان هنمشي 
 لم يستجيب الصغير لندائها من عمق نومه فعادت تحاول مجددًا بلهجة أكثر حدة وقوة هاتفة:
_ياســـين.. قوم يلا ياحبيبي ماشيين 
رد عليها بصوت خافت يكاد لا يسمع وهو يتململ في فراشه منزعجًا من إيقاظها له ويسأل بعدم وعي:
_ ماشيين فين.. سبيني يافيروز ابعدي 
خرج صوت فيروز جاد ونبرة عالية قليلًا:
_هنمشي نروح عند عمو سليم 
 فتح ياسين عيناه دفعة واحدة على آخرهم مصدومًا فور سماعه لاسم سليم والجملة التي سبقت اسمه وهب جالسًا يسأل أخته بعدم استيعاب:
_احنا هنروح نعيش في بيت عمو سليم بجد يافيروز 
 أجابته فيروز يإيجاب مؤكدة كلامه:
_أيوة بجد قوم يلا لأنه مستنينا برا وهناخد الشنط بتاعتنا وهدومنا وحجاتنا ونوديها في بيته
وثب الصغير واقفًا من الفراش فرحًا وهرول راكضًا للخارج وفور سقوط عيناه على سليم ركض نحوه وارتمى بين ذراعيه يعانقه بحرارة ويهتف ضاحكًا من فرط سعادتها:
_أنا مبسوط أوي أنا هنقعد عندك ياعمو سليم
مسح سليم على شعره بقوة وهو يبتسم له بحب مجيبًا:
_وأنا كمان مبسوط أنك هتكون معايا دايمًا وجمبي يابطل..  مش عايزك تخاف من هنا ورايح من أي حاجة لأن مفيش حد هيقدر يأذيك
ابتسم ياسين براحة وآمان وكانت فيروز تراقبهم بشبه ابتسامة خافتة حزينة حتى وجدت سليم ينتصب واقفًا ويوجه لها سؤال جاد وهو ينقل نظره بين الحقائب:
_دي كل حاجة مش كدا؟ 
 هزت رأسها بالموافقة فبدأ سليم في حمل الحقائب وهي راحت تساعده وتحمل معه البعض حتى ياسين حمل ما يقدر عليه من الأكياس.. ونقلوا كل شيء من منزلها إلى منزل سليم.

وفقت أمام الباب بعد انتهائهم من نقل كل شيء وكانت هي تحمل آخر حقيبة بيدها وظلت تحدق بالمنزل في تردد دون أن تخطو خطوة إلى عتبته، فقد بدأت أصوات عقلها المزعجة والمتداخلة تتصارع بين الرفض والرضا عن ذلك القرار المتهور الذي اتخذته دون التفكير في عواقبه، هي فقط فكرت أن ذلك الحل قد يحميها هي وأخيها من بطش عمتها وحازم فاتبعت الحل دون تفكير أو تردد، خصوصًا وهي لديها موعد نهائي إلى الغد فأن لم تتخذ قرار سينتهي كل شيء.
 انتشلها من شرودخا صوت سليم وهو يحثها على الدخول بنظرة متعجبة:
_ادخلي يافيروز واقفة كدا ليه؟! 
 تنفست الصعداء بقوة ودخلت بخطوات بطيئة ومترددة وعيناها تتجول في أرجاء المنزل كأنها تراه للمرة الأولى، سارت بخطواتها حتى وصلت إلى الصالون وجلست على الأريكة وهي ساكنة تمامًا وعيناها عالقة على الحائط أمامها بتيه وحزن، وصل سليم لها بعدما أغلق باب المنزل وجلس على مقعد بجوار الأريكة وراح يراقب بنظراته ياسين الصغير وهو يتجول في المنزل بفرحة يتفقد كل شيء وكل جزء بالمنزل ثم عاد وجلس بجوار أخته وسألها بتعجب:
_في اوضتين بس يا فيروز.. أنتي هتقعدي في أوضة وأنا في أوضة كدا عمو سليم هينام فين.. بس ممكن ينام معايا 
 قال اقتراحه الأخير بسعادة وهو ينظر لسليم متأملًا، لكن فيروز نقلت نظرها باضطراب من أخيها إلى سليم الذي تولى هو مهمة الرد وأجاب بدلّا من فيروز على ياسين متمتمًا:
_لا أنا مش هقعد معاكم في نفس البيت يا بطل.. أنتوا اللي هتقعدوا هنا وأنا هقعد فوق في الدور اللي فوق
 حول ياسين نظره من سليم إلى أخته وهتف بدهشة وضيق:
_بس فوق سطح مفيش شقة هتقعد ازاي فوق؟!!
أخذت فيروز نفسًا عميقًا وقررت إنهاء اسألة أخيها الطفولية الفضولية هاتفية بحزم بسيط وهي تعطيه هاتفها:
_خلاص يا ياسين مش وقته الاسئلة دي دلوقتي بعدين هفهمك كل حاجة.. ادخل بقى جوا في الأوضة وخد التلفون أهو  واتفرج على الكرتون اللي بتحبه لغاية ما اخلص كلام مع عمو سليم
أطلق الصغير تأففًا بخنق من أمرها له بالذهاب للغرفة وعدم مشاركتهم في جلستهم وحديثهم، فاستقام واقفًا على مضض واتجه إلى الغرفة الداخلية التي كانت بجوار غرفة سليم، بينما فيروز فنظرت فورًا إلى سليم وقالت بشعور بالندم والضيق:
_أنت هتقعد فوق ازاي فعلًا.. أنا هشوف مكان تاني بكرا واتصرف وامشي مش هقدر اجبرك تعيش في وضع مش مريح زي ده
رد سليم بنبرة رجولية قوية:
_أنتي مش جبراني على حاجة يافيروز أنا اللي طلبت منك تيجي عندي، زائد أن فوق مش سيء بالعكس أنا متعود اقعد فوق وكنت اوقات كتير لما بكون عند الحج....
قطع حديثه قبل أن يكمله ثم تابع وهو يصحح آخر كلماته هاتفًا:
_عند والدي الحج صبحي يعني الله يرحمه كنت ببات فوق.. وفوق في أوضة كاملة من كل حاجة وفي حمام والوضع مريح جدًا وأنا اللي مجهز الأوضة دي بنفسي زمان 
سألت فيروز بفضول وتعجب:
_أنت ليه مكنتش موجود مع والدك فعلًا وعمري ما شوفتك أبدًا.. دايمًا كان عم صبحي عايش وحده
تنهد سليم مطولًا ورد بخفوت وهو يسرد لها سبب كاذب يخفي عنها الحقائق:
_كنت شغال برا مصر وكنت بنزل أجازات صغيرة بزوره وبمشي تاني
هزت رأسها بتفهم ورددت بتأثر بسيط:
_ربنا يرحمه كان راجل طيب وعمرنا ما سمعنا عنه حاجة وحشة
ردد سليم خلفها " أمين " ثم انتصب في جلسته وحدق لها بعينان ثاقبة وبآذان صاغية لها سألها:
_بصي بقى يافيروز هنتفق اتفاق بما أنك هتقعدي عندي وأنا هساعدكم لغاية ما تلاقوا مكان مناسب وآمن ليكم عايزك تعرفيني كل حاجة عنك وتفهميني ومتخبيش حاجة عني.. عشان ابقى فاهم وعلى علم بكل حاجة وبكل شخص بيحاول يأذيكم وليه علاقة بيكم ونهاية باللي حصل الليلة وخلاكي تاخدي قرار سريع كدا
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا قبل أن تبدأ في سرد حكايتها كاملة له متمتمة بصوت هادئ وبائس:
_ياسين للأسف مش أخويا شقيقي يعني احنا أخوات في الرضاعة بس.. أنا بابا وماما اللي يرحمهم اتبنوني لأنهم مكنوش بيخلفوا بس ربنا أراد وحصلت معجزة بعد ما أنا كبرت وخلفوا ياسين.. هما اتبنوني وأنا كنت لسا طفلة رضيعة مكملتش شهر أو اتنين
رغم اندهاشه من الحكاية التالي تسردها له إلا أنها حافظ على ثبات ملامحه وسألها باهتمام:
_اتبنوكي ازاي ولقيوكي فين ؟!! 
زمت فيروز شفتيها بقهر وقالت وهي تبتسم بألم:
_كانوا راجعين من سفر ومعديين من قدام دار أيتام فشافوا ست بتحطني قدام باب الدار فراحوا ليها عشان يحاولوا يفهموا منها بتعمل كدا ليه ويصحوا ضميرها ويخلوها تاخد بنتها وترجع بيها وأنها لو محتاجة فلوس ومش عارفة تصرف على بنتها هما هيساعدوها فـ لقيوا الموضوع ملوش علاقة بالفلوس وهي مش عايزاني أصلًا فبابا وماما قالوا إن هما اللي هياخدوني فهي لما لقيت أن في حد عايزني استغلت الوضع وطلبت منهم فلوس مقابل أنهم ياخدوني فدفعوا ليها مبلغ واخدوني
سأل سليم بفضول:
_وأنتي محاولتيش تدوري أو تعرفي حاجة عن أمك الحقيقية دي ؟
رمقته بنظرة ممتلئة بالنقم والنفور وقالت بغضب:
_ادور على واحدة رمتني في الشارع وباعتني بالفلوس.. أنا الحمدلله أن ربنا عوضني بماما وبابا الله يرحمهم وربوني زي بنتهم الحقيقية بظبط، بس عمتي عمرها ما حبتني وكانت دايمًا شيفاني بنت حـ..... مش كويسة يعني وحازم ابنها اللي أنت اتخانقت معاه بيحبني لدرجة الهوس والجنون وأنا مش عايزاه وهو شخص بشع ودلوقتي استغل فرصة أن بقيت وحدي وبقى بيحاول يضغط عليا بكل الطرق عشان يخليني اتجوزه وياخدني أما عمتي فـ رافضة اللي بعمله ابنها لأنها مش بتحبني ودلوقتي بتحاول تاخد ياسين لأني في نظرها مش من دمهم ولا بنتهم وابن أخوها ميقعدش معايا خصوصًا بعد ما عرفت الكلام اللي طالع عليا، باختصار كدا الكل مستغل فكرة أني ست وحيدة ومفيش حد معايا يقف في ضهري يحميني، وده اللي طمع سمير فيا وخلى حازم يتجرأ يعمل معايا كدا
شرد سليم للحظة وهو يتذكر العم صبحي عندما سرد له عن زوجته عندما حاول التواصل معها بعد هروبها بطفلتهم فأجابته  بأنها تركت ابنته أمام دار للأيتام ورفضت إخباره بالعنوان، فراح يبحث في كل دور الأيتام الموجودة بكل مكان يعرفه ولم يجد أي أثر لابنته حتى فقد الأمل في العثور عليها وترك الأمر بيد الله متأملًا أن في يوم قد تعود له ابنته أو يعثر عليها بالصدفة...
لم يهتم سليم كثيرًا بذكرياته التي قذفت لعقله مبررًا أنها بالتأكيد لن تكون فيروز ابنة صبحي وربما فقط هذا مجرد تشابه في القصص، وراح يهتف يحثها على سرد ما حدث معها الليلة هاتفًا:
_طيب وإيه اللي حصل معاكي قبل ما تجيني دلوقتي؟
بدأت في سرد كل شيء حدث معها الليلة ومحاولات عمتها في أخذ أخيها منها وجعل ذلك الرجل المرعب ينل منها بعد رحيلهم، وكيف نجحت بالنهاية في التخلص منهم ووعدها بأنها ستجلب أخيها إلى بيتها غدًا، بعد انتهائها طرح سليم سؤالًا بوجه مريب لشعرها بالاضطراب منه:
_فاكرة شكل الراجل اللي كان معاهم يعني لو شفتي شكله أو صورته تفتكريه 
هزت رأسها بالإيجاب وهي تحدقه بعدم فهم وراح تسأل مستفهمة:
 _ليه بتسأل السؤال ده؟!
 استقام واقفًا وهو يجيبها بغلظة صوته الرجولي وإيجاز:
_هتعرفي بعدين.. متقلقيش من عمتك مش هتقدر تعملك حاجة تاني ولو حاولت سعتها أنا هتصرف، وحازم ده أمره سهل أهم حاجة ياسين ميطلعش من البيت وأنتي كمان
هتفت فيروز باستغراب شديد ورفض تام:
_مطلعش ازاي أنا معايا شغلي ومقدرش اسيبه أنا ده اللي بصرف منه وكمان أنا دلوقتي محتاجة الفلوس عشان اقدر الاقي شقة اسكن فيها واصرف علينا أنا وياسين 
 خرج صوت سليم الحاد والمخيف وهو يقول:
_أنا بقولك كدا لمصلحتك لو مش خايفة على نفسك ومش فارق معاكي براحتك اطلعي أنا مش همنعك.. همنعك في حالة واحدة لو فكرتي تطلعي ياسين غير كدا براحتك
انهي عباراته واندفع إلى غرفته بالداخل وتركها تحدق في أثره مغتاظة من أسلوبه الفظ معها وتلمحياته الصريحة بأنه لا يكترث لأمرها ذرة واحدة وكل ما يهمه هو أخيها.
غاب داخل الغرفة لدقائق ثم خرج وهو يحمل غطاء ووسادته ومعهم ملابس يقضى بها ليلته وقال قبل أن ينصرف:
_التلاجة فيها كل حاجة لو احتجتوا أي حاجة بلغيني وسبتلك رقمي على السرير جوا عشان لو احتجتي حاجة تتصلي بيا
 لم تجيب واكتفت بنظراتها المحتقنة والمنزعجة منه ثم راقبته وهو ينصرف ويترك المنزل كله فاستقامت واقفة وهرولت خلفه لتحكم إغلاق الباب بالمفتاح وهي تفكر في أمره بغيظ لكن عادت تنهر نفسها متذكرة أفضاله عليهم ومساعدته لهم وحمايته وإدخاله لهم في منزله، فهدأت نفسها المغتاظة وقررت تجاهل كل ما سمعته والتفكير في القادم.
                                    ***
 بصباح اليوم التالي داخل النادي الخاص بأمير تحديدًا بغرفة مريم الخاصة.. كانت جالسة بصحبة صديقتها المقربة ريهام وتسرد لها عن خلافها الأخير مع أمير وكيف كان يعاملها بأسلوب جاف وفظ.
هتفت ريهام بغضب شديد وهي تنتقد تصرف أمير:
_إيه اللي عمله ده وازاي يكلمك كدا.. لا طبعًا أنتي عندك حق يا مريم في ردة فعلك 
تنهدت مريم بحيرة وقالت في ندم:
_اوكي أنا عارفة أن عندي حق ازعل بس حاسة أني زودتها هو ليه يومين بيحاول يصالحني وأنا مديهاله وش خشب، كمان متنسيش يا ريهام يعني أمير مش وحش بالعكس هو عمل معايا مواقف كتير كويسة وأنا فكرهاله وفي بينا عِشرة جميلة وأنا عارفة أنه أكيد مكنش قصده
لوت ريهام فمها على مضض من دفاع مريم عنه ومشاعرها بالامتنان والحب له، فقالت وهي تتعمد أن تثير حنقها وتحفز طاقة الكره في داخلها تجاهه عازمة على تصعيد الخلاف بينهم أكثر:
_تمام يامريم أنا مقولتش أمير وحش ولا مكنش جدع معاكي.. بس ده برضوا نيدهوش الحق يتدخل فيكي ويعترض على أنك قاعدة فين ومع مين أو يكلمك بالطريقة دي.. أنا راضية زمتك أنتي هل بتقبلي حد ميخصوش منك شيء يقولك كدا، وأمير من النوع اللي لو سكتي ليه هيزيد فيها أكتر لعلمك 
 تأففت مريم بحنق وقد بدأت بالفعل مشاعر الانزعاج منه تستحوذ عليها مجددًا فردت على ريهام بحيرة:
_يعني أنتي دلوقتي عايزاني أعمل إيه؟
 لمعت عيني ريهام بابتسامة شيطانية فقد حصلت على فرصتها في التأثير الحقيقي الآن وتدمير تلك العلاقة قبل أن تبدأ، فـ راحت تجيب على مريم بنظرة كلها حب وخوف صادق مع لهجة جادة:
_أنا من رأى خلي علاقتك بأمير مقتصرة على الشغل بس يا مريم ده كدا آمان ليكي أكتر صدقيني ياحبيبتي أنا خايفة عليكي، بعدين متنسيش مهما كان هو كويس معاكي لكن هو في الأول والآخر ابن عيلة الطوخي وأنتي عارفة العيلة دي ازاي مش بتسمى على حد وسمعتها سبقاهم.. سواء كان عوني الطوخي أو حتى سليم أخوه
 سيطر على مريم الصمت التام وهي منكسة نظرها أرضًا تفكر في نصائح صديقتها وكلماتها المقلقة، أما ريهام ابتسمت بخبث وهي ترى مشاعر التخبط والاضطراب على وجه صديقتها، فاستقامت واقفة وقالت مودعة مريم:
_بصي نبقى نكمل كلامنا بعدين يامريومة أنا معايا شغل كتير عايزة اخلصه وهجيلك نكمل كلامنا تاني، بس أنتي برضوا فكري في اللي قولته ليكي لغاية ما نكمل كلامنا اتفقنا
أماءت مريم لها بالموافقة وهي عابسة الوجه وحائرة بينما ريهام فغادرت الغرفة وفور مغادرتها قابلت أمير في وجهها وهو يتجه نحو غرفة مريم فهرولت نحوه محاولة منعه وهي تهتف بابتسامة عريضة وعينان لامعة بالغرام:
_أمير أنا كنت لسا جاية ليك كنت عايزة اقولك ننزل نقعد في الكافتيريا عايزة اتكلم معاك شوية في حاجة مهمة
 رسم على ثغره ابتسامة صفراء ورد بلطف:
_معلش يا ريهام خليها وقت تاني مش فاضي دلوقتي
 تلاشت ابتسامتها واختفت تمامًا بعد رده الذي ثبط معنوياتها وردت عليه في محاولة أخيرة منها لمنعه من الذهاب لمريم:
_طيب لو رايح لمريم هي مش فاضية وأنا سبتها وطلعت لأنها  قالتلي بتعمل شغل مهم
ابتسم أمير هذه المرة بثقة ونظرة قوية وثاقبة اربكتها قليلًا ثم خرج صوته الرجولي يجيب:
_أنا الشغل هنا يا ريهام.. يعني محدش يقول مش فاضي غيري 
ابتلعت حقدها وغيظها في حلقها وتحول لريبة من أسلوبه، وتابعته بصمت وهو يتجه إلى غرفة مريم ثم يطرق الباب وينتظر للحظات قبل أن يفتح الباب ويدخل ويغلقه خلفه.
داخل الغرفة كانت مريم جالسة على الأريكة عندما دخل أمير واقترب ليجلس بجوارها ويقول مبتسمًا بعبث:
_أنتي مش عارفة أن بالي طويل ولا إيه.. يعني الأفضل تنهي الخصام ده لأنك مش هسبلك خيار تاني غير أنك تقبلي اعتذاري 
رمقته مريم رافعة حاجبها باستنكار لغروره ورغمًا عنها ابتسمت بقلة حيلة وقالت:
_أمير من فضلك اطلع وسيبني بقى أنا مش فاضية 
طالعها مطولًا بغرام وغمز لها بخبث هامسًا في لطف:
_طيب ممكن بعد أذنك تفضيلي نفسك شوية.. أو اقولك خليها اليوم كله النهاردة؟
ضحكت بسخرية وقالت بانزعاج ملحوظ:
_يعني أيه اليوم كله وليه أن شاء الله.. لا طبعًا! 
 تأفف أمير بنفاذ صبر منها وقال بنظرة قوية مفعمة بالحب وصوت دافئ:
_عشان أنا عازمك على العشا الليلة هنطلع نتعشى برا
 لجمت الدهشة لسانها للحظات وهي تتطلعه بعدم استيعاب ثم همت بأن تجيب عليه بالرفض فوجدته يقاطعها بلهجة حازمة وهو يزين ثغره بابتسامة ديموقراطية مزيفة:
_أنا راجل ديموقراطي وأنتي عارفة عني ده طبعًا.. عشان كدا أنا مش هستنى منك رد وهعتبر الرد وصل فجهزي نفسك بقى بليل على الساعة تسعة عشان هعدى عليكي وأخدك يا برنس
ولم ينتظر الرد منها بل اندفع إلى الخارج يتركها في صدمتها من ردوده المثيرة للجنون، لكنها حاولت تمالك أعصابها وعدم الانفعال وعلى العكس راحت تضحك ساخرة منه ومن ثقته المفرطة في ذاته...
                                     ***
 عودة إلى منزل العم صبحي...
 كانت فيروز تقف بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الأفطار وبانتظار عودة أخيها الصغير الذي صمم على أن يتناول سليم معهم الأفطار فغادر وصعد إليه بالطابق الأخير من البناية لكي يدعوه للأكل معهم.. وهي لم تعترض بل رحبت بالفكرة لأنها كانت تنوي أن تقوم بتحضير طعام مخصص له ليأكله.. بالتأكيد لن تتركه بتلك الغرفة بالأعلى دون أكل بعد أن فتح لهم منزله.
 سمعت صوت رنين الباب فظنت أن الطارق ياسين وسليم فتركت ما بيدها وأسرعت نحو الباب وهي مرتدية ثوب قطني أزرق طويل بنصف أكمام وفتحة دائرية عند الصدر لا تظهر شيء من داخلها وتاركة العنان لشعرها، لكن ضيقت عيناها بتعجب وارتباك بسيط عندما رأى رجل غريب أمامها عندما فتحت الباب.. كان ذلك الرجل " مروان " .
ظهرت علامات الدهشة على معالم مروان وهو يتطلع بفيروز وبهيئتها الجميلة وملابسها، متسائلًا عن هويتها في عقله.. لو لم يكن يعرف صديقه جيدًا لظن أنها فتاة طلبها لكي تشاركه وحشة الليالي وتمتعه، لكن بالتأكيد أن هناك شيء غريب حدث لا يعرفه.
 طرح مروان السؤال الذي يجوب في عقله منذ رؤيتها:
_أنتي مين ؟!
همت بأن تجيب فيروز في قوة وهي تعيد عليه نفس السؤال لكن ظهر سليم وهو ينزل الدرج من الأعلى برفقة ياسين، فاستدار مروان وحدق بسليم مذهولًا ولم يتمكن من ربط لسانه الذي تفوه لا إراديًا بتلك الكلمات وهو يبتسم ساخرًا:
_ماشاء الله أنت خلفت كمان.. كل ده في اليومين اللي سبتك فيهم!!!
حجب سليم ابتسامته بصعوبة وربت على كتف صديقه بعدما وقف أمامه وهمس له بتحذير بين ابتسامته:
_خف مش وقت ظرفك ده!!
ثم التفت سليم برأسه ونظر لفيروز متمتمًا في هدوء:
_ده مروان صديقي يافيروز 
أماءت فيروز لسليم بتفهم والقت نظرة مرحبة لمروان ثم افسحت الطريق لهم فدخلوا ونظرات مروان المستفهمة مازالت عالقة على فيروز، حتى جلس على الأريكة بالصالة وجلس سليم بجواره وبدأ يسرد له الأحداث الأخيرة كاملة بتفاصيلها.
بينما داخل المطبخ كانت فيروز جالسة على طاولة الطعام الصغيرة المتوسطة في منتصف المطبخ وسألت ياسين:
_أنتوا ليه اتأخرتوا كدا ؟ 
رد ياسين مبتسمًا ومتحمسًا للحديث:
_عم سليم مكنش عايز ينزل يفطر معانا بس أنا فضلت ازن عليه واترجاه لغاية ما وافق.. بس تعرفي يافيروز الأوضة اللي بينام فيها  عمو سليم والسطح فوق حلوووين اوووي وأنا قولتله عايز أنام معاك النهاردة وافق 
هتفت فيروز باعتراض وبهجة حازمة لكنها رقيقة:
_لا طبعًا يا ياسين تنام معاه إيه احنا مش كفاية القلق اللي عاملينه للراجل كمان هتكبس على نفسه وتخنقه.. مينفعش ياحبيبي بعدين أنا مش عايزاك تنسى أن احنا مش هنقعد هنا كتير
 زم ياسين شفتيه بيأس وقال في حزن:
_عارف أننا هنمشى بس أنا حبيت عمو سليم أوي ومش عايز اسيبه هو بيعاملني زي ما كان بابا بيعاملني
ارتخت عضلات وجه فيروز الاسى والشفقة على أخيها الصغير الذي حرم من حب الأب وحنان الأم في سن صغير، ولم تلبس لتعيش لحظة الحزن كفاية حتى افحمها بعبارة صدمتها هاتفًا في عفوية طفولية:
_اتجوزي عمو سليم يا فيروز وكدا هنعيش مع بعض ومش هنسيبه وكمان هو هيعيش معانا في بيت واحد 
اتسعت عيني فيروز بصدمة امتزجت بارتباكها الملحوظ وهتفت بغضب وحدة معنفة أخيها وهي تأمره:
_ولد إيه الكلام اللي بتقوله ده.. اتفضل قوم يلا وادخل اوضتك وذاكر الدرس بتاعك لغاية ما احط الفطار وأنده عليك
 أطلق ياسين زفيرًا حارًا بضيق من توبيخها له ثم استقام واقفًا وغادر المطبخ وهو يهمس بكلمات غير مسموعة تنم عن خنقه من رفض أخته لفكرة زواجها من سليم، بينما فيروز فبقت مكانها وهي مازالت لا تستوعب ما سمعته من ذلك الطفل وهو يقترح عليها الزواج من سليم، متعجبة من فكر وجرأة أطفال هذا الجيل الغريب.
                                      ***
داخل منزل عوني الطوخي.....
كان عوني جالسًا على كرسيه حول طاولة الطعام وبجواره تجلس كاميليا وهم يتناولون وجبة الأفطار، وسط الصمت القاتل الذي يعم الأجواء قطعه صوت عوني الغليظ وهو يسأل زوجته:
_سليم بيكلمك ؟
أجابته كاميليا على مضض دون أن تنظر لوجهه:
_ايوة بيتصل بيا وبيطمني عليه كل يوم بس رافض يقولي قاعد فين
مد عوني يده في لحظة ود وحب نادرة منه وراح يحتضن كف كاميليا بحنان متمتمًا:
_متزعليش لو أنا شديت عليه ياحبيبتي بس كان لازم اعمل كدا ولو هو دلوقتي عمل اللي في دماغه فأنا هرجعه عن اللي في دماغه ده وهيرجعلك متقلقيش 
هتفت كاميليا بحزن شديد وقلق:
_لا مكنش لازم ياعوني أنت طريقتك غلط ولازم تعترف بده وسليم في شبه كبير منك يعني مبيجيش بلوى الدراع ودماغه ناشفة ومش عيل ده راجل مالي مركزه مينفعش اللي عملته مع ابنك ده
ابتسم عوني بثقة وقال في نظرة ماكرة:
_وعشان أنا عارف أنه شبهي وراجل ليه مركزه فأنا عشان ارجعه لازم اتعامل معاه معاملة رجال البزنس مش أب وابنه أبدًا
ضحكت كاميليا بعدم استيعاب لما يقوله وهتفت بغضب شديد وهي تحذره:
_تمام ياعوني بس خليك فاكر أن لو عملت حاجة وضيعت ابنك وابني من ايدي تاني ومرجعش لينا سعتها أنت اللي هتشوف معاملة كاميليا العليلي وأنت عارفني كويس
قهقه عوني بتلذذ ورد عليها وهو يغمز بحب:
_رغم أني محدش بيتجرأ يهددني ولا يكلمني بالأسلوب ده، بس أنتي تهددي براحتك على قلبي زي العسل وبيعجبني يا كارميلا
رمقته مندهشة من كلماته ومريحه الذي لا يناسب الوضع ولا أجواء الحديث أبدًا وراحت تبتسم ساخرة منه وتهتف:
_يا راجل احنا مش كبرنا خلاص على الحركات دي وبعدين هو ده وقته 
استقام واقفًا بعدما أنهى طعامه وانحنى على رأسها يلثم شعرها بقبلة عاشقة متمتمًا:
_وقته يا كاميليا وقته.. جهزي أنتي نفسك بس عشان المحروس سليم بيه هيرجع قريب
ابتعد عنها وانتصب في وقفته ثم قاد خطواته باتجاه باب المنزل لينصرف ويستقل بسيارته بالمقعد الخلفي ويعطى الإشارة لسائقه الخاص بالانطلاق بالسيارة متجهًا إلى مقر شركة الطوخي....
                                       ***
عودة لمنزل صبحي....
بعدما انتهى سليم من سرد كل شيء لمروان أجاب مروان منزعجًا بصوت خافت حتى لا يصل لمسامع فيروز وهو يلوم صديقه ويوبخه:
_أنت أكيد اتجننت ياسليم إيه اللي يدخلك في المشاكل دي مش كفاية عليك مشاكلك مع أبوك.. وكمان جايبها تعيش في البيت عندك 
رد سليم بثبات رجولي:
_مكنش قدامي حل غير ده.. بعدين مكنتش هقدر اشوف الطفل ده في خطر كدا واسكت أنت عارفني يامروان مقدرتش مقدمش المساعدة 
مروان بحنق وهو يتأفف بقلة حيلة من تصرفات سليم:
_ماشي أنا مقولتش متساعدهمش بس كان ممكن تشوف أي طريقة أو حل تاني غير ده.. كنت كلمتني وأنا كنت هتصرف.. لكن أنت دلوقتي هتدخل نفسك في مشاكل وحوارات أنت في غنى عنها ده غير السمعة والكلام اللي هيطلع ويزيد عليكم.. ده قاعدة معاك في بيت واحد والناس مش عارفة أنك بتبات في السطح مع معاها في بيت واحد 
أجاب عليه بلهجة رجولية خشنة وعدم مبالاة مع نظرته المرعبة المعتادة عند الغضب:
_ما اللي يقول يقول وأنا يهمني في إيه.. أنا هنا لفترة مؤقتة ومسيري هرجع لحياتي أكيد مش هعيش في المكان ده للأبد، كل ما في الفكرة أني اتعلقت بالعيل الصغير ده وعايز اطمن أنه في آمان وميتأذيش ومش هطمن غير وهو معايا ولما اوفرلهم مكان آمن بعيد عن هنا وتضمن أنه محدش يوصلهم وقتها خلاص
هز مروان رأسه مغلوبًا وقرر عدم النقاش معه أكثر لأنه يدرك جيدًا أن سليم أن عزم على أمر فلن يستطيع أحد ردعه عنه، وراح يهتف مبتسمًا بنظرة خبيثة:
_طيب على سيرة حياتك اللي عايز ترجعلها عوني بيه كان قاعد مع صلاح امبارح وأنت فاهم صلاح طبعًا وظيفته إيه فربنا يستر وميعرفش مكانك بذات في الوقت ده والوضع اللي أنت فيه ده 
علقت نظرات سليم في الفراغ وهو يفكر في ما قاله مروان للتو محاولًا توقع ردة الفعل من والده كيف ستكون إذا اكتشف مكانه، ما الأفكار الشيطانية التي قد تدور في ذهنه...
                                     ***
على الجهة الأخرى بمنزل شاهين وداليا....
كان يقف أمام المرآة يهندم ملابسه وينثر عطره الرجولي كآخر خطوة قبل الانطلاق للعمل، لكن رأى انعكاس داليا في المرآة وهي تتقدم نحوه وتحتضنه من الخلف هامسة بنبرة نادمة وابتسامة مغرمة:
_متزعلش مني يا شاهين على اللي قولته امبارح أنا مكنش قصدي زي ما فهمتني ياحبيبي والله بس قولت الكلام ده وقت عصبية وأنا مش حاسة بنفسي
امسك شاهين بذراعيها الملتفين حول خصره وافلتهم بلطف ثم استدار لها وقال بنظرة عتاب حقيقية:
_وشكك فيا ده كان لحظة غضب برضوا !!
نكست رأسها أرضًا بضيق من نفسها ثم عادت تنظر له وهي تلف ذراعيها حول رقبته وتتعلق به في دلال متمتمة:
_لا كانت لحظات حب وخوف وقلق عليك، مقدرش اشك فيك ياروحي.. خلاص بقى متزعلش مني واضحك 
ابتسم شاهين لا إراديًا معجبًا بدلالها وغنجها المثير عليه فمال عليها ولثم جانب ثغرها بقلة حميمية هامسًا:
_عارفاني أنتي بضعف قدام الدلع ومبقدرش اقاومك فبتستغلي نقطة الضعف دي
ضحكت داليا عاليًا برقة وقالت في نعومة:
_طبعًا.. وكمان أنا قررت أني اروح معاك ازور صاحبك ده مش هو متجوز نروح أنا وأنت وأنا اقعد مع مراته واقولها ألف سلامة على جوزها
اختفت ابتسامة شاهين بلحظة وظهرت الارتباك على محياه وهو يفكر في رد سريع يسعف به الموقف وينقذ نفسه فرد بثبات مزيف:
_لا مش متجوز ياحبيبتي بعدين هو هيطلع النهاردة الحمدلله بقى كويس.. هو مكنش حادث صعب كان حاجة بسيطة
هزت رأسها بالتفهم ثم قالت برقة:
_اوكي ياحبيبي طيب يلا بينا ننزل عشان الولاد مستنينا على السفرة تحت عشان نفطر مع بعض
سار معها وغادروا غرفتهم ونزلوا الدرج حتى وصلوا لطاولة الطعام فكان كل من طارق ولارا بانتظار والديهم، ورفعت لارا نظرها تراقب والدها وهو ينزل ضامًا أمها احضنه ويضحكون بمرح فابتسمت بحب وسعادة لسعادتهم على عكس طارق الذي كانت نظراته كلها امتعاض وعدم رضا، واستمرت نظراته المحتقنة لوالده حتى جلس هو وأمه على الطاولة وبدأوا جميعًا في تناول الطعام، وبعد دقائق قصيرة قطعت لارا الصمت وهي تهتف موجهة الحديث لوالدها متمتمة:
_لما روحت الشركة يابابا عشان اشوف جدو وخالو أمير شوفت واحدة من الموظفين في الشركة اسمها مروة وكانت ست لطيفة جدًا فضلنا نحكي أنا هي وحبيتها جدًا، عايزة اروح معاك في يوم الشركة وأشوفها تاني
التزم شاهين الصمت التام على كلمات ابنته ولم يعرف لماذا يجيبها وكيف يمسك زمام الحديث بحكمة، لكن طارق استشاط غيظًا فور سماعه لأخته وهي تذكر اسم تلك المرأة وقال بلهجة حازمة وهو يلقى بأوامره على شقيقته:
_لا الست دي متتكلميش معاها تاني!
نظرت لارا لأخيها باستغراب وقالت بحنق منه معترضة بعناد:
_متكلمش معاها ليه أنت كمان هتتحكم فيا وتقولي اكلم مين ومكلمش مين ياطارق.. شايف يابابا بيعمل إيه معايا 
رمق شاهين ابنه بحيرة وللحظة شك أنه يعرف شيء عن علاقته بمروة فراح يسأل ابنه بترقب:
_ليه بتقولها متتكلمش معاها ياطارق مالها مروة؟
حاول طارق التحكم في انفعالاته بالأخص بعد سؤال والده وكأنه يدافع عن تلك المرأة أمامهم، وصرّ على أسنانه مغتاظًا ثم نظر إلى أبيه ورد عليه ببرود متصنع:
_كدا ست محبتهاش وحسيتها مش مريحة فاعتقد لارا ملوش لزمة تختلط بيها جامد يابابا
زادت نظرات الشك من شاهين لابنه بينما داليا فكانت تراقب الحوار بين ثلاثتهم وهي تنقل نظرها بين انفعالات وجه كل منهم بتعجب وعدم فهم، أما لارا فكانت تحدق بأخيها في غيظ من محاولته لفرض تحكماته وأوامراه عليها لكن وجود والدها كان يشعرها بالراحة قليلًا ويهدأ من عصبيتها، وما لبث للحظات حتى استقام طارق واقفًا بعدما انتهى من طعامه وأخبر والديه بأنه ذاهب للمدرسة قبل أن يتأخر عن مواعيد محاضراته وحصصه...
                                        ***
عودة لسليم وفيروز حيث كانوا ثلاثتهم مع ياسين يجلسون حول طاولة طعام واحدة ويتناولون طعامهم بتركيز صامت معادا فيروز التي كانت عيناها عالقة على سليم تتمعنه بتفكير، تحاول استيعاب الأحداث الأخيرة التي حدثت والمصائب التي تعرضت لها بداية من وفاة والديها وأخيرًا بوفاة " جمالات " ، وظهور ذلك الفارس العجيب الجالس أمامها.. نعم وصفته بالفارس لأنه لم يكن سوى رجل مريب ظهر فجأة من العدم وأصبح جزء من حياتها والآن أصبح أشبه بالفارس المغوار الذي يقف حارسًا على بوابة القصر يحمي أملاكه من هجمات الأعداء.
والعجيب حقًا في كل هذا أنها وثقت به وقبلت أن تكون مع وتسير طريق محفوفًا بالمخاطر وهي لا تعرف عنه سوى معلومة واحدة أنه ابن ذلك الرجل الطيب الذي طالما أحبته، مازالت حتى الآن لا تفهم كيف عرض عليها المساعدة وطلب بقائها بمنزله رغم عدم ثقته بها والادعاءات المنتشرة حول أخلاقها غير مهتمًا أنه سيكون جزءًا من تلك الادعاءات الآن، هل حقًا كان كل هذا بدافع حبه لأخيها ورغبته في حمايته كما أخبرها أم أنه لديه أغراض أخرى.
انتبه سليم لنظراتها العميقة له وشرودها به فضيق عيناه بتعجب ثم عاد يدفن نظره في صحن طعامه ويهتف ببرود دون أن ينظر لها:
_بتبصيلي كدا ليه عايزة تقولي حاجة ولا إيه؟
تنحنحت فيروز بإحراج ملحوظ وردت في خفوت بالنفي:
_لا 
هتف بصوت أجشَّ بعد ثواني متجاهلًا ما حدث للتو بعدم اهتمام:
_سمير اتمسك النهاردة الصبح 
تهللت اسارير فيروز بفرحة شديد وقالت وهي ترفع يدها للسماء تدعى بصدق من القلب:
_الحمدلله.. ربنا ينتقم منه يارب وأن شاء الله يطلع من السجن في كفن يارب
لحظات معدودة وانتهى من طعامه فاستقام واقفًا وقال بوجه خالي من التعابير:
_تسلم ايدك شكرًا
ابتسمت فيروز بود وردت في نعومة:
_بالهنا والشفا 
 ثم تحرك باتجاه الحمام ليغسل يديه وبعد خروجه كان بطريقه لخارج المنزل ليغادر لكنه توقف أمام باب المنزل عندما سمع صوتها من خلفه تهتف:
_سليم استنى 
التفت لها بجسده كاملًا وحدقها مطولًا باستفهام منتظرًا منها أن يسمع ما تريد قوله فوقفت أمامه مباشرة وقالت بنظرة امتنان حقيقية ونبرة خافتة رقيقة وناعمة مثلها:
_شكرًا بجد على اللي عملته معانا ومازالت بتعمله
كان سيهم بالرد عليها لكنها سبقته وتابعت تهتف قبله برد توقعته منه:
_أنا عارفة أنك مش بتعمل كدا عشاني بس فكرة أنك وقفت جمبي وساعدتني احمي ياسين دي كبيرة عندي ومش هنساها ليك أبدًا حتى لما نفترق
أجاب سليم بعد تنهيدة طويلة بهدوء:
_وأنا اتمنى أن بعد ما نفترق أنتي تاخدي بالك من أخوكي وتربيه تربية كويسة.. والعفو أنا لسا معملتش حاجة لما اوفرلكم مكان آمان وقتها اشكريني
طالعته دون رد واكتفت بنظرة الموافقة والامتنان ثم تابعته وهو ينصرف بعد عبارته فأطلقت زفيرًا حارًا بقلق وهي تدعي ربها أن يحميها هي وأخيها.....
                                     ***
  بمساء ذلك الليل....
 بقت وحيدة في المنزل بعد إلحاح ياسين في إقناعها بالسماح له أن يقضى الليلة بصبحة سليم بالأعلى، فوافقت بالنهاية مستسلمة لإصرار الصغير.
 لكن استقامت من فراشها وخرجت من غرفتها وهي مرتدية بيجامة نوم من السيتان باللون الأخضر عندما سمعت صوت رنين الجرس فظنت أن ياسين نسى شيء وعاد ليأخذه، فتحت الباب وهي وترسم على وجهه علامات التأفف والملل المزيف من أخيها.. لكن اختفت تلك التعابير وحل محلها الصدمة عندما رأت حازم أمامها فتقهقهرت للخلف لا إراديًا وهتفت:
_إيه اللي جايبك يا حازم امشي احسن لك 
ضحك حازم بسخرية ونظرة ملتهبة من فرط الغضب:
_امشي ده إيه أنتي كمان ليكي عين تتكلمي يا ***.. مش مكفيكي الفضايح اللي جبتيها لنفسك ولأبوكي اللي يرحمه كمان قاعدة مع راجل غريب في البيت.. ده أنا هقتلك واقتله
تسارعت نبضات قلبها خوفًا منه لكن بلحظة واحدة دون تفكير كثير وقعت عيناها على مزهرية موضوعة فوق منضدة بجوار الباب فالتقطها ورفعتها للأعلى وهتفت تهدده باستياء:
_ابعد عني وامشي يا حازم ملكش دعوة بيا وألا أنا اللي هقتلك واخلص من شرك 
ازداد ضحكه أكثر ورد باستهزاء منها وهو يتقدم نحوها بخطواته البطيئة:
_وريني هتقتليني ازاي يلا.. صحيح هو فين ال**** اللي قاعدة معاه في البيت 
التفتت فيروز للخلف إلى حيث ينظر فاستغل هو الفرصة وجذب من يدها المزهرية بعنف وجذبها من ذراعها عنوة لكنها بدأت في مقاومته بكل ما لديها من قوة وهي تضربه بقدمها وراحت تغرز أسنانها في لحم ذراعه فتأوه متألمًا وافلت ذراعها من قبضتها.. وقبل أن تفر هاربة لخارج المنزل عرقل قدميها فسقطت على الأرض وانقض عليها يجذبها عنوة من على الأرض لكنها كانت تركله بكلتا قدميها ثم بدأت في الصراخ عندما شعرت بدنو نيله منها وصاحت بصوتها العالي تستغيث:
_ ســــلـــيــم

تعليقات



<>