
بـ. منزل أم صبري
أغلقت غزال باب المنزل تتنهد بإرهاق تبسمت لـ أم صبري التى فتحت يديها لها، سريعًا فهمت ذلك وذهبت نحوها ترتمي بحضنها، أغمضت عبنيها تكبت دموعها، ما شعرته فى الأيام السابقة كان صعبً، كانت كالشريدة، بل شريدة فعلًا... ربتت أم صبري على ظهرها بحنان قائلة بمودة:
دعيت لك فى الحرم، دعيت لكِ بالستر والسعادة.
ارتجفت شفتاها رغمًا عنها، وانفلتت منها دمعة كانت محبوسة، وهي تتمسك بها أكثر، كأنها أخيرًا وجدت مكانًا تأوي إليه بعد تيه طويل..
همست بصوتٍ مبحوح:
ربنا يخليكِ يا عمتي، وإن شاء الله عُمرة مقبولة وعقبال الحج ياااارب قريب.
ضمتها أم صبري بحنان قائلة:
الحمد لله إني طولت عُمرة كان نفسي فيها وربنا كتبهالي، بس أنا زعلانه منك إزاي تسيبي دار الحج محي وأعرف من رابيا لما بكلمها، انا كنت بكلمك كل يوم ليه مقولتش ليا إنك روحتى عند أبوكِ.
شعرت غزال بغصة قوية فى قلبها ثم بررت ذلك بكذب:
والله كان صدفة، بكلم بابا قالي تعالي عاوز أشولك، ولما روحت له مسك فيا وقالى خليكِ معانا لحد ما عمتك ترجع، إتكسفت أقول لاء، وكنت هقولك بس رابيا سبقتني.
نظرت أم صبري لعينيها اللتان تتهربان من النظر إليها ثم تهكمت بيقين قائلة:
ابوكِ يعمل كده، ده جه يا دوب سلم عليا هو ومراته ومجرد ما خدوا الهدية عملوا زي
"الضيف المجنون ياكل ويقوم" خدوا بعض ومشيوا، هعمل نفسي مصدقه، رغم عندي إحساس إن يمكن فى سبب تاني، بس هسيبك على راحتك...
توقفت وضمتها بدفئ قائلة:
بس وحشتيني أوي الفترة اللى فاتت والله أكتر من الواد صبري إبني مش عارفة لما ربنا يبعت لك نصيب وتتجوزي هعقد لوحدي فى وش...
صمتت ثم زفرت نفسها قائلة:
مالوش لازمه لسه جاية من العُمرة، تعبها لسه جسمي همدان، حتى الفلوس مبردتش.
فى البداية غص قلب غزال، ثم ضحكت قائلة بحب:
أنا بحبك يا عمتي، وعد إن شاء الله فى يوم هروح أنا وإنتِ الحرم سوا.
ضمتها أم صبري بحب قائلة:
إن ربنا اراد... ربنا يرزقك على قد قلبك يا حبيبتي، قلبي حاسس ربنا هيعوضك براجل يصونك.
سئم وجه غزال لم تنتبه لذلك عمتها، بنفس اللوقت دلف عليهن زوجها الذى رأي إحتضانهن هكذا فتهكم متحدثًا بسخرية:
خفي شوفيه فى أحضانك، إنتِ محضنتيش إبنك كده،.
نظرت له أم صبري وإستغفرت قائلة:
وإنت مالك، إبني راضي وعارف إن مكانة غزال متقلش عن مكانته فى قلبي، إطلع إنت منهو وبلاش تخسرني العُمرة، شوف كنت رايح فين.
شعر بغضب لكن نظر لـ غزال التي تبسما، فى البداية شعر بغيظ، لكن تذكر تلك الصور التي على هاتفه هي كنز معه الآن ولابد من إستغلاله.
بعد وقت قليل
دلفت غزال الى غرفتها بمنزل عمتها عاد القليل من الدفء تشعر به، ربما ليس المكان بل وجود عمتها التي ببضع الكلمات تطبطب علي جرح قلبها بهم.. تبسمت حين وقع بصرها على تلك القطة التي كانت نائمة فوق الفراش وبمجرد دخولها قفزت وتوجهت نحوها تقف جوار قدمها، تبسمت لها وإنحنت تحملها ثم ذهبت نحو الفراش وضعتها جوارها تلمس فرائها الذي أصبح نظيف... وعاد رونقها من بضع ساعات وجدت فيها إهتمام.. تمددت على الفراش وهي جوارها، تبسمت بدمعة متحجرة فى عينيها، وغصة فى قلبها... تشعر بضيق من عدم ذهابها لاستقبال إجلال وزوجها ومباركتها بعودتهم، والسبب هو ذلك الأحمق لا تود رؤيته...
كأن القطة شعرت بشرودها فحاولت لفت نظرها لها، عبثت فوق يدها برفق، تبسمت لها وهمست، هقولك سر يا ونيسة إنتِ خلاص بقيتي صاحبتي...
توقفت تتنهد بيأس ثم إستطردت الحديث تخبرها بوخزات قوية تضرب قلبها:
أنا بحب كنان من اول مرة شوفته، بس هو مكنش شايفني، حتى لما شافني حاسه إنه مش قابلني او يمكن ببيستقل من شأني ...
صمتت لحظة، وعيناها ثابتتان على القطة التي كانت تنظر لها بعينيها الواسعتين، كأنها فعلًا تسمعها.
ابتسمت غزال ابتسامة مكسورة، وأخذت تمرر أصابعها فوق رأسها الصغير وهي تهمس: ـط تعرفي... أنا كنت بغضب منه، وأقول مغرور... بارد... شايف نفسه. لكن الحقيقة... كنت بزعل لأنه عمره ما شافني بالطريقة اللي أنا شوفته بيها...
أغمضت عينيها، وانسابت دمعة أخيرًا على جانب وجهها.
أول ما بسمع صوته قلبي يدق... أول ما يدخل مكان أبقى عارفة إنه موجود حتى لو مبُصتش. كنت بفرح بأي كلمة... بأي نظرة... وأرجع أعيش عليها يوم كامل كأنها حاجة كبيرة.
شهقت ضاحكة بمرارة:
وأنا ولا حاجة بالنسبة له...
رفعت القطة كفها الصغيرة ولمست ذقنها بخفة، فابتسمت غزال رغم دموعها قائلة:
عارفة الأصعب إيه إن حتى بعد كل اللي حصل... وبعد ما وجعني... وبعد ما خلاني أهرب وأستخبى منه... لسه أول ما أفتكره قلبي يوجعني مش منه... من نفسي.
ضمت القطة إلى صدرها بقوة، وأغلقت عينيها.
ـبس خلاص... أنا وعدت نفسي... هنساه... حتى لو اضطرّيت كل يوم أفوق نفسي ألف مرة وأقولها: كنان مش ليكِ.. ولا عمره هيكون... مش هعيش نفسي فى وهم مستحيل... أنا هركز على دراستي وبعدها هدور على شغل مناسب لشهادتي.. مش هفضل شغاله فى مركز العلاج الطبيعي.
تثأبت تشعر ببوادر نعاس وضعت رأسها على.الوسادة تنظر للقطة التي منامت فوق الوسادة تنظر لها رفعت يدها تمسد عليها قائلة:
تصبحي على.خير يا ونيسة،إدعي مشوفش كنان فى الأحلام... لحظات وشعرت بالدفء عكس الليالي الماضية لم تشعر كيف غفت.
❈-❈-❈
بالغردقة
عهد وفاروق
قبلات.. لمسات... همسات.. وأنفاسهم تختلط ببعضها.. عضلات صدره الناشفة مقابل لين جسدها... لا حاجر سوا قطعة ملابس داخلية.. أقترب بجسده أكثر مما ينبغي، حتى شعرت بحرارة وجوده تحيط بها من كل اتجاه.
تحاول أن تستعيد أنفاسها، لكن تنجرف مع قبلاته... أنفاسها تختلط بأنفاسه، بينما عيناه لم تفارقا وجهها لحظة... رفع يده ببطء، مررها على وجنتها، ثم أزاح خصلات شعرها خلف أذنها، كأنه يحفظ ملامحها عن ظهر قلب...
همس بصوتٍ منخفض كأنه إعتراف:
إنتِ عارفة بتعملي فيا إيه.
ارتجفت شفتاها دون أن تجيب، واكتفت بأن تقترب أكثر، حتى شعرت بحرارة صدره تحت كفها... شدها إليه بذراع واحدة، فاستندت عليه، وعيناها مغمضتان، كأنها تذوب داخل ذلك القرب الذي طالما حاولت الهروب منه...
دفن وجهه عند عنقها للحظة، وأنفاسه الدافئة بعثرت ثباتها، بينما همست باسمه بصوتٍ ضعيف:
فاروق...
رفع وجهه إليها ببطء، وكأنه يمنحها فرصة للتراجع... لكنها لم تفعل. ظلت تنظر إليه بنفس اللهفة التي حاولت طويلًا أن تخفيها...
اقترب أكثر، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها، تبعتها أخرى عند طرف وجنتها، قبل أن تستقر شفاهه على شفتيها في قبلةٍ هادئة أول الأمر... ثم امتلأت بكل ما يخفيه من شوق، حتى لم يعد هناك شيء في العالم سوى قربه... وقلبها الذي كان يخفق بين ذراعيه... رفع يده ببطء، مرر أطراف أصابعه فوق يدها أولًا، ثم تشابكت أصابعه بأصابعها، قبل أن يجذبها برفق نحوه. استندت برأسها إلى كتفه دون أن تشعر، بينما ذراعه التفّت حولها تلقائيًا.....
همس عند أذنها بنبرة رجاء:
كفاية تبعدي عني.
أغمضت عينيها، وشعرت بقلبها يرتجف داخلها. رفعت وجهها إليه ببطء، فوجدته ينظر إليها وكأنها الشيء الوحيد الذي يراه.
اقترب منها حتى لامست جبهته جبهتها، وبقي هكذا للحظة، أنفاسهما تختلط، وصمتهما يقول أكثر من أي كلام...
ثم انحنى يقبلها قبلة طويلة، هادئة، جعلتها تتشبث بكتفه دون وعي. ضمها إليه أكثر، فاستكانت بين ذراعيه فوق الأريكة، تسمع دقات قلبه تحت أذنها، وتشعر بأن العالم كله اختفى... ولم يبقي سوى هو... توقفت عهد فجأة، وابتعدت عنه بخجلٍ شديد، تضم ذراعيها إلى صدرها وكأنها تحاول أن تخفي ارتباكها... ليس فقط جسدها..
نظر إليها فاروق بدهشة، قبل أن يعقد حاجبيه،لوهلة شعر بخيبة أن تقول ما يُفسد ما يشعر به من إنسجام...
تنهد ينظر لها قلبلّا ثم تسأل:
مالك يا عهد أنا..
أخفضت عينيها إلى الأرض، وعجزت عن النظر إليه وهي تهمس بصوت خافت مرتبك:
أنا... أنا... مش هينفع.
لوهلة شعر بخيبة وكاد يتحدث لكن..
عضت على شفتيها قائلة بخجل:
أنا عندي عذر شرعي.
ساد الصمت للحظة، ثم فهم ما تعنيه.. تبدلت ملامحه فورًا، ليست خيبة كما ظن.. اقترب منها ببطء، ثم رفع ذقنها بأصابعه حتى أجبرها أن تنظر إليه وتحدث بصدق:
إنتِ فاكرة إن ده ممكن يفرق معايا.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه، بينما تمدد بجوارها من جديد، جذبها إلى حضنه برفق، حتى استقرت رأسها فوق صدره...
همس وهو يقبل أعلى رأسها:
أنا كل اللي محتاجه إنك تكوني جنبي... وبس.
أغمضت عينيها، وشعرت للمرة الأولى أن قربه لا يخيفها... بل هنالك شعور آخر لا تفهم منه سوا، راحة تشعر بها ظلت برأسها على صدره، تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة، بينما كانت أصابعه تتحرك ببطء فوق شعرها..
رفعت رأسها قليلًا تنظر إليه، فوجدته يبتسم... رفعت يدها نحو صدره تنحنحت بخجل قائلة:
فاروق إنت مش سقعان.
هز رأسه بخفة، ثم قرب يدها إلى شفتيه وطبع قبلة خفيفة فوق أصابعها وضمها لجسده:
لاء مش سقعان، بالعكس أنا دفيان.
ذ
ابتسمت رغماً عنها، بينما جذبها إليه أكثر يقبل جبينها مرة أخرى، ثم بقي يحتضنها بصمت...
بعد لحظات، همس قرب أذنها بنبرةٍ دافئة:
على فكرة... أنا مبسوط.
ضحكت بخفة وهي ترفع عينيها إليه تسأله: مبسوط من إيه.
ضحك بصوت منخفض، ثم قربها إليه أكثر وهو يهمس بمكر:
مبسوط كده... وإنتِ فى حضني.
توترت من نظراته وهمساته، تشعر ان لجام قلبها ينقلت، لكن عقلها يُحذر من ذلك، حاول عقلها التمرُد.. فتحدثت:
بس أنا سقعانه، خلينا ندخل ننام عالسرير دفا، كمان ياسين...
قاطعها بقُبلة جامحة، جعلتها تصمت للحظات ثم إبتعد فجأة ونهض من جوارها.. برد غزا جسدها للحظة قبل أن يعود بدثار وتمدد لجورها يجذبها إليه قائلًا:
ياسين نايم وأكيد مش هيصحي قبل الصبح،أكيد هلكان من اللعب طول اليوم، وإنتِ الليلة هتدفي بحضني... ومفيش إعتراض.
شعرت بالخجل لم تعترض... فقط أخفت وجهها عند عنقه، بينما ضحكته الخافتة وذراعاه حولها جعلا قلبها يمتلئ بدفء لم تعرفه من قبل.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
بالنادي الرياضي، كانت تسير بخطوات واثقة، تشعر بنسيم من الهدوء النفسي يغمرها بعد فترة طويلة من القلق والتوتر الذي عاشته في الماضي القريب... كل خطوة كانت تمنحها شعورًا بالتحرر، وكأن الأجواء حولها تشهد على بداية فصل جديد من السكينة، حيث صوت الموسيقى الخافتة مع أصوات الطابة مع المضرب بداخل المربع الزجاجي... كل ذاك ينسجم مع تنفسها الغير المنتظم، ليعيد لها جزءًا من توازنها الداخلي الذي افتقدته لفترة سابقة...
إنتهت من مباراة كانت سهل مكسبها...تشعر بصفاء نفسي،لم تتفاخر كعادتها القديمة .. كأنها تعيد ترتيب نفسها من الداخل... شعرت بطاقة جديدة تتدفق عبرها، قوة خفية تحثها على المضي قدمًا، وعلى مواجهة أي قرار كانت تترد فيه في الأيام الماضية... في لحظة خروجها من ذلك المربع الزجاجي، رفعت رأسها وقعت عينها على نديم، الذي كان يقف عند زاوية قريبه يراقبها بلمحة مفاجأة وابتسامة خفيفة، وكأن الزمن توقف للحظة بينهما، كل شيء آخر تلاشى، تاركًا فقط تلك النظرة المشحونة بالمشاعر الغامضة التي لم تفصح عن نفسها..اقتربت يارا بخطوات هادئة، وعينها لا تفارق نديم، كأنها تحاول قراءة كل تعابير وجهه قبل أن يقترب منها. وقف الاثنان فى المنتصف للحظة قصيرة، وأصبح الجو مشحونًا بمشاعر جديدة...
تبسم لها قائلًا بمرح:
إستغربت لما شوفت عربيتك فى الجراچ كنت متوقع بعد العُمرة تاخدي فترة راحة، توقعت وحودك هنا.
ضحكت برِقة محاولة أن تُخفي تسرُع دقات قلبها، وتحدثت بابتسامة هادئة:
واضح إنك متابع كل حاجة… حتى عربيتي.
إبتسم تلك الابتسامة خففت قليلًا من التوتر بينهما، وأضاف بنبرة مرحة:
أكيد… ما ينفعش أسيب أي حاجة تفوتني.
تبسمت فقط بينما هو طلب منها:
ممكن اعزمك على قهوة.
أومأت برأسها موافقة تقول:
أنا فعلًا محتاجة لقهوة، تمام.
اومأ برأسه وأشار بيده لها لتتقدم أمامه.
بعد دقائق وضع النادل القهوة وغادر، نظر لها، ملامحها هدأت عن قبل قليل، بسبب المجهود التي بذلته بالمباراة... حذب فنجان القهوة نحوها، قائلًا:
غريبة كنت بكلمك إمبارح مقولتيش إنك هتجي النادي.
وضعت يدها على كوب القهوة قائلة:
وإنت كمان مقولتش، إنك جاي، ده يبقى معناه إيه.
- توارد أفكار.
هكذا هي بررت، بينما هو إعترض قائلًا:
لا توارد مشاعر... إننا إحنا الإتنين نجي نفس المكان اللى كان له ذكريات بينا فى نفس الوقت، يبقي "توارد مشاعر"
تبسمت ربما كذالك بالفعل.. لكن جاء لذاكرتها يوم أن جاء لمنزل والدها رأته يقف مع عهد بسؤال منها تفوهت:
اه نسيت اسألك، إنت لما جيت عندنا البيت شوفتك واقف مع عهد مرات فاروق أخويا، إنت تعرفها منين.
أجابها بيساطة وصدق:
شوفتها مرتين، لقاء عابر.
- لقاء عابر
أعادتها يارا بإستفهام سائلة بنبرة بفضول:
مش غريبة يكون لقاء عابر وتفضل فاكرها.
أجابها بصدق:
لا مش غريبة، يمكن اللى خلاني فاكرها الموقف الأول اللى قابلتها فيه، كان واضح عليها العصبية... فلما قابلتها في البيت عندكم إستغربت وجودها، وإتفاجئت بأنها متجوزة ومعاها طفل كمان، لأن فاكر وقتها كان عصبيتها بسبب شخص أظن كانت خطيبها، هو قال كده وقتها... دي كل القصة.
شعور لا تعرف فحواه لكن يضيق بصدرها وتفوهت بتوضيح:
عهد فعلًا مرات فاروق، بس ياسين مش إبنها... إبن أختها، هي إتجوزت فاروق من فترة قريبة بعد وفاة مراته الأولانية اللى تبقي أختها.
إندهش سائلّا:
غريبة اللى لاحظته من رد فعل أخوكِ ان بينهم سنين جواز طويلة... عالعموم
زي ما قولتلك لقاء عابر خلينا فى موضوعنا.
إستغرقت عليه سألة:
موضوع إيه.
علم انها تراوغ فتبسم قائلًا:
موضوع إرتباطنا، الوقت بيمُر، أظن كفاية كده وقولي قرارك.
كادت تراوغ يارا قائلة:
على فكرة أنا جبت لك هديه معايا من العُمرة.
هاودها رغم يقينه إنها تراوغ:
وفين الهدية دي.
جذبت حقيبتها الرياضيه وفتحتها وأخرجت علبة ورقية صغير ظهر بوضوح ما بداخلها.. تبسم قائلًا:
"سِبحة" ٠
أومأت بتوافق وهي تمد يدها بها نحوه، اخذها بترحاب وفتحها، كانت باللون الزمردي، تبسم قائلًا:
سِبحة بلون عيونك.
أومأت له مبتسمة، تبسم هو الآخر بخفقان قلب قاىلًا بقبول:
هدية مقبولة.
توقف للحظات ثم فاجئها بسؤاله مرة أخري:
مقولتيش قرارك فى شأن إرتباطنا.
خجل ظهر بوضوح على ملامحه وأجابته:
تقدر تحدد مع بابا لقاء، أنا موافقة.
زادت خفقات قلبه لوهلة كاد ينهض كي يعانقها لكن منعه الأخلاق.
❈-❈-❈
ليلًا
بمنزل الدباغ
كان محسن يجلس بالمكتب مع محي يتناقشان ببعض الأعمال تبسم كنان الذي دخل عليهما قائلًا:
طلبتني يا حج محي.
تفوه محي بضجر قائلًا:
والله غبي، فى المقر يقولي يا بابا وهنا فى البيت يقولى يا حج محي.
ضحك محسن كذالك كنان الذي تفوه بمرح:
إنت اللى ليك رهبة خاصة يا حج محي، وانا بتلخبط.
ضحك محي قائلًا:
طبعًا جاي من عند أمك كنت بتتحنجل لها فى إيه.
ضحك كنان قائلًا:
لا والله ظلمتني يا حج أنا كنت بتفرج على فيلم رعب مع البت يارا.. هتدخل النار قولت لها نسمع فيلم كوميدي مفيش فايدة، أهو أنا سيبتها تكمل الفيلم لوحدها يمكن عفريته من اللى فى الفيلم تطلع وتلبسها.
زغر له محي، كذالك ضحك محسن، الذي غمز له فهو يعلم مكانة يارا.. تنحنح كنان قائلًا:
خير يا بابا طلبتني ليه.
أشار له محي ان يجلس.. اطاعه وجلس على مقعد مقابل لـ محسن غامزًا بهمس:
قولي بابا بفكر فى إيه.
صمت محسن بينما تفوه محي بنزق قائلًا:
بفكر أتبرى منك وأخلص من غبائك.. قولى مش فاروق إتصل عليك وقالك تابع مع رئيس عمال المدابغ، وإنت طنشت.
تذكر كنان قائلًا:
تصدق إني نسيت، وبعدين يعني يرضيك هو ياخد مراته وإبنه ويروح يتفسح وأنا هنا أتفسخ فى المدابغ.. ده مش إستعباد.
كتم محسن ضحكته بينما نظر محي حوله يبحث عن شئ يقذفه به، لوهلة مسك قطعة ديكور نحاسيه وكاد يقذفه لكن تراجع قائلًا:
القطعة خسارة فيك ممكن تتكسر ودماغك ميجراش لها حاجة... تنهد بضيق قائلًا:
شكلك حنيت لضرب زمان... بص بقي إنت من بكرة تنزل تلف عالمدابغ وتعمل اللى قالك فاروق عليه... وإلا..
قاطعه كنان ببرود:
بكرة عندي محاضرة فى الجامعة، هبقي فاضي من بعد الضهر.
لم يستطيع محسن كتم ضحكته.. بينما زاد غيظ محي قائلًا:
عارف بكرة لو ملتزمتش وعملت اللى فاروق قالك عليه، قسمً بالله ما فى دفع لاقساط العربية بتاعتك..ولا فى مرتب من عندي ليك،وإبقي ادفع بقي من مرتبك فى الجامعة.
ببرود تفوه كنان:
ليه بس يا حج قطع الأرزاق حرام.. مرتب الجامعة مش بيكمل حق بنزين العربية.
نظر له محسن قائلًا بسخرية:
طب وليه مُتمسك بالشغل فى الجامعة.
- وجاهه
هكذا اجاب كنان وأكمل...
كمان بريستيج كده، إنى مدرس جامعي.. ده كفاية جدًا.
إنفجر محسن ضاحكًا حتى إضطر أن يضع يده فوق فمه، بينما رمقه محي بنظرة مشتعلة وتحدث بحدة:
بريستيج إيه... إنت ينفع معاك بريستيج.
رفع كنان كتفيه بلا مبالاة، وأجاب وهو يعدل ياقة قميصه كأن الحديث لا يعنيه:
العلم نور، وأنا بحاول أنور مستقبل الطلبة.
شهق محسن من الضحك، بينما أمسك محي بالقلم الذي أمامه وقذفه نحوه وهو يهتف:
تصدق بالله إنت ربنا بعتلك ليا عقاب.
إلتقط كنان القلم بسهولة،ثم تحدث بهدوء مريب :
على فكرة، الطالبات بالذات بيبقوا مبسوطين جدًا بطريقة الشرح بتاعتي.
ضيق محي عينيه وهو يحدق به لحظة، ثم قال بشك:
طريقة الشرح... ولا الدكتور نفسه.
إبتسم كنان ابتسامة جانبية مستفزة قائلًا:ـ العلم له ناسه يا حج.
أصدر محسن صوتًا مكتومًا وهو يكاد يختنق من الضحك، ثم مال ناحية محي قائلًا:
سيبه يا بابا ، الواد خلاص صدق نفسه.
لكن محي لم يهدأ، بل أشار إليه بإصبعه محذرًا:
إسمع يا كنان، بكرة بعد الضهر تروح المدابغ، وتشوف الشغل بنفسك، وتلف على العمال والمخازن... ولو رجعت تقولى كان عندى سيكشن ولا دكتور الجامعة هبيع العربية دي حتة حتة.
تنهد كنان باستسلام قائلًا ببرود:
حاضر... هروح... مع ان ده إستبداد يا حج.
نظر له محي فصمت.. بنفس الوقت سمعوا طرقًا خفيفً ثم دخول رابيا...
نظر نحوها محسن الذي شعر بزيادة نبضات قلبه، بينما قام كنان بالتصفير قائلًا بغزل مرح:
إيه الجمال ده يا رابيا، إنتِ رايحة فرح ولا رايحة تعملي إعلان موديلز.
إرتبكت رابيا قليلًا تحت نظراتهما، ثم رفعت يدها تعدل طرف وشاحها بخجل وهي تقول محاولة إخفاء ارتباكها:
رايحة فرح بنت طنط عواطف جارة ماما.
نعومة ملامحها بشكل مُلفت جعلت محسن ينسى للحظة حتى أن يتنفس. بقي واقفًا مكانه يحدق بها بصمت، كأن عقله توقف عند تلك الصورة ولم يعد قادرًا على تجاوزها... رغم انها
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون بنفسجي هادئ، لكنه أبرز جمالها.. بوضوح.
بينما كنان، فمال برأسه وهو يرمقها بإعجاب متعمد وقال بمرح:
لا لا... أكيد فى حاجة غلط. هو حد ينزل كده عادي؟ ده أنا لو شوفتك فى الشارع هفتكرك خارجة من إعلان عن موديلز... وإنتِ النموذج اللى مطلوب.
رمقته رابيا بنظرة ضاحكة ممتزجة بالخجل:
ـإنت مبتبطلش هزار.
لكنها رغم ذلك لم تستطع منع ابتسامتها الصغيرة.
في تلك اللحظة، انتبهت إلى صمت محسن، فنظرت نحوه باستغراب. كان لا يزال يحدق بها، بعينين امتلأتا بشيء لم تستطع تفسيره بالكامل... دهشة.. إعجاب.
شعر محسن بغيظ من مديح كنان لـ رابيا يعلم أنه مزح لكن تضايق ثم تنحنح وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا:
خليك فى اوامر بابا، ويلا بينا يا رابيا عشان منتأخرش.
بالفعل غادر محسن مع رابيا التى شعرت بنظرات محسن فارتبكت بعد قليل، بالسيارة.. همس لنفسه، يعلم أن رابيا جميلة لكن الليلة هنالك بهاءً خاص بها كانها هالة ربانية:
حلوة... أوي.
ظن انه همس لنفسه لكن رابيا سمعته فتسألت:
مين اللى حلوة أوي.
أجابها:
إنتِ
إتسعت عينيها وشعرت بحرارة تسري فى وجنتيها فجأة، صمتت بخجل.
بعض قليل بقاعة العُرس
شعر بالغصب من ذلك الذي وضع يده على كتف رابيا وإنحني قليلًا يقول بمودة:
عقبال بناتك يا رابيا تفرحي بيهم.
إبتسمت له بقبول تومئ برأسها بصمت حين رأت نظرة محسن لها، شعرت بتوتر وإرتباك... حين رفع كوب المياة وإحتسي منه القليل.. نظرت نحو منصة العروسين حتى تتهرب من نظراته..
نهض من مكانه وقف جوارها قائلّا:
أنا زهقت.
إرتبكت قائلة:
خلينا نبارك للعرسان وبعدها نمشي.
زفر نفسه وأومأ بموافقة.. نهضت تسير الى جواره الى أن توقفا أمام العروسين، عانقت العروس وهنئتها، ثم شعرت بالحرج حين رأت يد العريس ممدودة نحوها بإرتباك صافحته، سُرعان ما سلتت يدها من يده تشعر بريبة من نظرة محسن لها.، وتذكرت أنه منعها سابقًا من مصافحة الرجال... بداخلها تعتقد أن ذلك شكً منه بها بسبب طريقة زواجهم، بينما هو لا يعلم سبب ذلك الشعور،لكن تدارك غضبه.. حتى إتتهيا من المُباركة.. بنفس الوقت صدحت موسيقى ناعمة.. كادت أن تكمل سيرها بعيدا عن حلقة الرقص، لكن تفاجۍت حين جذبها من عضدها وضمها رفع بده لها لإشارة من عينيه
وضعت يدها في قبضة يده،
فتشابكت أصابعهما بهدوءٍ دافئ… كأن تلك اللحظة الصغيرة تحمل اعترافًا صامتًا لم تجرؤ الكلمات على قوله...
قادها بخطوات بطيئة إلى منتصف المنصة...
والموسيقى تنساب حولهما بنعومة…
توقفت لحظة، تنظر إليه بتردد خفيف،
فابتسم ابتسامة مطمئنة وقال بصوتٍ خافت:
متخافيش… سيبي نفسك للموسيقى.
بدأت الرقصة بخطواتٍ مترددة منها،
لكن مع كل دورةٍ خفيفة كان يقربها أكثر،
حتى صارت تتحرك بثقة بين ذراعيه...
ثوبها دار حولها مع الحركة، عيناه لم تفارقا وجهها…
وفي لحظةٍ قصيرة توقفت الموسيقى،
لكن يده بقيت حول يدها،
وكأن الرقصة انتهت…
لكن شيئًا بينهما كان قد ظهرت حقيقته للتو.
❈-❈-❈
باليوم التالي
صباحً
بسبب إستعجالها أثناء جروجها من باب المنزل كذالك لإنشغالها فى رنين الهاتف، دون انتباه منها إصتطدمت بزوج عمتها.. عادت بتلقائية خطوة للخلف.. كاد الهاتف ان يسقط من يدها لكن لحقته على آخر لحظة تنهدت بإرتياح .. بينما نظر لها زوج عمتها لوهلة متذمرًا يقول بتجهم:
مش تشوفي قدامك.
رفعت رأسها نحوه قائلة بإعتذار:
معليش يا جوز عمتي،مخدتش بالي.
تحدث باستهزاء:
وإيه اللى شاغلك اوي كده عالصبح مخليكِ مش شايفه قدامك ومين اللى بيتصل عليكِ، ومش مبطل رن عالصبح.
نظر للهاتف الذي يصدح بيدها قائلة:
دي واحدة صاحبتي... اكيد بتتصل تفكرني بميعاد المحاضرة، عن إذنك يا جوز عمتي، عشان الحق المواصلات.
بالفعل كادت تتخطاه لكن لمح سيارة كنان تقترب، لمعت عينيه بخُبث، أمسك يدها، فتوقفت، شعرت برعشة فى قلبها حين رأت أقتراب سيارة كنان، لكن لا هي أجزمت على نسيانه... حاولت سلت يدها من يد زوج عمتها، لكن هو لديه فرصة ولابد أن ينتهزها.. أشار بيده لـ كنان الذي توقف رأي إمساكه ليد غزال، شعر بغضب، لكن برر ذلك أن ذلك الغضب طبيعي مازال يتذكر آخر موقف بينهما، بينما غزال كادت تسلت يدها وتغادر تترك ذلك الأفاق زوج عمتها، يُفخم فى ذلك المعتوة قليل الذوق... لكن تيبست يدها حين طلب من كنان:
غزال عندها محاضرة وهتتأخر عليها وإنت رايح الجامعة خدها معاك.
ود أن يرفض كذالك هي لكن سماجة زوج عمتها فازت، وأخذها من يدها نحو الباب الآخر وقام بفتحه، غصبً صعدت للسيارة، لحظات وغادر الاثنين، لمعت عينيه بخباثة ثم فتح هاتفه ونظر الى تلك الصور، تبسم قائلًا بظفر:
كده الخطة تمام، ناقص خطوة واحدة بس.
❈-❈-❈
بالغردقة
أثناء سير عهد وفاروق اللذان يبتسمان لـ ياسين الذي يتقدمهم بمرح يلهو أمامهم، صدح رنين هاتف فاروق فتوقف للرد، بينما أكملت عهد السير خلف ياسين تبتسم، الى أن توقف أمامها شخصً ما، إرتبكت عهد، بينما تبسم الآخر قائلًا:
عهد.. إنت هنا فى رحلة تبع شركة الطيران، إنت هتبقي من ضمن طقم المضيفة اللى هتبقي على طيارة المسا، عرفت إنك بقيتي بتشتغلي على خط الطيران الداخلي.
كادت أن ترد لكن وصل فاروق وتوقف جوارها... نظرة عيناه لا تُبشر، إرتجف جسدها حين تحدث بأمر:
ياسين كفاية.
تبدلت ملامحه في لحظة… اختفت تلك الراحة التي كانت تملأ وجهه منذ قليل، وحل محلها ذلك الجمود القاسي الذي لأول مرة تراه.
❈-❈-❈
بالمقر الخاص بـ الدباغ
سمح محي لذلك الضيف بالدخول بعدما أخبرته السكرتيرة عن هويته. دخل يقوم بالانحناء قليلًا... يتحدث بتفخيم... رحب به محي قائلًا:
أهلًا يا ابو صبري أول مرة تجي لهنا المقر خير.
أجابه بطريقة أفزعته:
مش خير يا حج محي.