رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل السابع عشر17 الاخير بقلم مروه نصار

رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل السابع عشر17 الاخير بقلم مروه نصار
الخذلان ..عدوي الأكبر في الحياة، لا يفارقني يجذبني دوما في صراعات يعلم أنه الفائز بها. 
لقد خُذلت من الجميع، كل من مرَّ بحياتي ...لم يتساهل معي أحد؛ لذا أخيرا سئمت، لم أعد أحتمل تلك الدائرة المهلكة التي تحتجزني، كرهت ثوب الضحية الذي لا أرتدي سواه، لم يعد يلائمني، بل أصبحت اختنق بداخله. 
يكفيني ما مضى، طوال حياتي وأنا هاربة أتسلل في جنح الليل، أتوارى عن الأنظار، أتفادى الحياة. 
قائمة طويلة من الخيبات والانكسارات، ودوما أتقن دور الضحية ببراعة. 
ضحية لجشع عمي وجبروته، ضحية لخديعة صديقتي وفشلها، ضحية زوجي الذي أجبرني على الزواج كوسيلة له، ثم عاد وتزوجني ثانية ليعيدني لنفس المكان وأصبح ضحية خيانته. 

وقبل كل شيء فأنا ضحية نفسي، أنا من تسببت لها في كل هذة الآلام، أنا الواهنة، الضعيفة، التي تخشى كل شيء، أخشي الطرق المضاءة الكبيرة، أجد نفسي ألجأ دوما إلى الخفاء، حتى عندما أبحث عن حريتي، تجدني أحصل عليها في الظلام، دون أن يراني أحد. 

دوما أبحث عن نفسي في الهروب، ودوما أجد نفسي أركض من خوف لخوف أكبر ..ومن مصيبة لكارثة مخيفة ...أنا خانعة للجميع إلا نفسي ...أنا من تألمت .. كُسرت ..وهُزمت ..ولكنني تعلمت أنني قادرة على المواجهة، وأن النصر يجب أن يكون حليفي في معاركي، فقط عندما أتوقف عن الركض من الجميع ومن نفسي أولا. 

**************

مكتب المغازي 

- المحامي كلمني وقال إن روح عايزة الانفصال في أقرب وقت، وإنه عايز يحدد جلسة مع المحامي بتاعي  عشان الإجراءات. 

تسائل  صخر باهتمام :
- وانت ردك إيه؟ 

حدق به آدم وقال : 
  - رفضت إن الجلسة تكون بين المحامين بس وطلبت حضورنا وإلا مفيش طلاق ....ثم شرد بعينيه قليلا وأضاف: 
  - بس تيجي بين إيدي ومش هاسيبها.

ابتسم صخر وقال : 
  - واللي يجيبها ليك قبل الجلسة؟ 
لمعت عينيه وأجاب :
  - تبقي غلطانة يا روح لو افتكرتي اني هاسلم بسهولة، شكلك لسه ماتعرفيش انتي متجوزة مين ...ثم تأمل صخر وأضاف:
  - قولي كل اللي عرفته ، الموضوع لازم نخطط له كويس عشان أقدر ارجعها من غير مشاكل وقبل الجلسة .

*********************

_ لا يوجد لدي مشكلة، فقط أريد الانتهاء من الأمر سريعا ...أشكرك .. إلى اللقاء. 

أغلقت الهاتف مع المحامي بعد أن ابلغها بضرورة حضورها الجلسة ..رعشة سرت في جسدها ولكن حاولت أن تتجاهلها....لا تريد التقاعس من البداية يجب أن تكمل طريقها. 

مرر فاليريو عينيه على وجهها وتأملها طويلا ثم قال :
- ما بكِ؟ 

تجاهلت الإشارات التي يرسلها جسدها للجميع عن خوفها وضعفها وقالت بثبات : 
- لا شيء، فقط أريد الانتهاء من الأمر .

إقترب منها وجلس بجوارها على الأريكة وقال وهو يضع يده على كتفها بلطف :
- لا تقلقي أنا معك، لن اتركك تمرين بالأمر بمفردك، لن أتخلى عنكِ. 

رفعت رأسها ونظرت له بعينين لامعتين ووجه يملؤه الشجن والاحتياج...إحتياج لرجل لم تعشق غيره ولن يحدث بعده، رجل اجتاحها بالكامل حتى أصبحت بدونه تائهة مشتتة ..لا تعرف هويتها، رجل جعلها الآن تبحث عن ذاتها من جديد ...ترسم ملامح شخصيتها التي لم تعد تعرفها. 

كان وجهها كتلة من المشاعر والألم والرغبة، رغبة قام فاليريو بترجمتها بطريقة خاطئة، شعر أنها في حاجة له هو، إلى حبه واحتوائه، إلى قوته وأمنه، اقترب من وجهها بدون تردد ولامس شفتيها بشفاهه بعفوية شديدة ...انتفض معها جسد روح وقفزت من مكانها وهي تبتعد للخلف بغضب شديد. 

حدق بها وتدارك الأمر، لم تكن رغبة به بل حنين لماضيها، مرر أصابعه في شعره بغضب ونهض قائلا :
- اغفري لي، لن يتكرر الأمر ثانية، كانت مجرد مواساة لا أكثر ..أكرر أسفي ..وأيضا أكرر كلامي، أنا تحت خدمتك إذا كنتِ بحاجة لي.

وقفت تنظر إليه وهي تشعر بالتمزق الشديد في أحشائها، إنها دوما ضعيفة، دوما ترسل الإشارات الخاطئة ولكن لا ..ليس بعد الآن ..ستعترض ولن تختار الصمت ..شاهدته وهو يغادر بعد أن قال كلماته ولكنها اعترضت طريقه بكلماتها :
- أدرك أنك تواسيني، كما أدرك أيضا أنك تظن أنك تمتلك مشاعر خاصة لي...أنا امرأة تستطيع أن تترجم لغة العيون ..ولكن الأهم أنا موقنة أنك لن تتخطى يوما الحدود؛ فأنت تعلم أنني امرأة شرقية ومتزوجة؛ لذا أتمنى أن تكون المواساة من صديق أحببت جدا أنه دخل حياتي مؤخرا وأتمنى أن يبقى الأمر هكذا. 

عاد لها واقترب منها وهو يحدق بها بغضب وقال : 
  - وأنا أعلم جيدا أنكِ لستِ بلهاء، ولكنكِ يا عزيزتي ساذجة، وتهوي القصص الخيالية ..نعم أنتِ مؤقتا امرأة متزوجة ولكن ماذا بعد؟. 
هل بمجرد أن تنقشي اسمك على ورق الطلاق ستكونين حرة؟ 
أم ستستمرين في القيود التي تصنعيها لنفسك كل يوم ...هل ستتحررين من تلك الزنزانة التي تسميها حب؟ 
هل ستمنحين نفسك فرصة أخرى مع رجل أخر ؟ أم ستمضي حياتك تبكين على الأطلال ؟..

قد أكون رجل غربي بالنسبة لكِ، ولكن يا طفلتي في الأخير كل الرجال متشابهين ... إلا من أحب بصدق ..حينها قد تتفاجئين مما يفعله الرجل من أجلك ...ولكنني أخشى أنك لن تمنحيه الفرصة ليفعل هذا ...إلي اللقاء. 

*******************

جلست لويزا في الحديقة تداعب حفيدتها الصغيرة، تضع الألعاب على قدمها وتحركها أمامها، لم تتمكن من كبح جماح عقلها عن التفكير في روح، تشعر أن تصرفها هذا لم يكن فقط من أجل الخيانة بل من أجل نفسها، إن هذه الفتاة محطمة بالكامل وكان تصرف إليسيا هو القشة التي قصمت ظهر البعير، ولكن أين هي؟، لماذا لم تلجأ لها كما اعتادت، إن قلقها عليها يزداد كل يوم، وغيابها الذي امتد لأيام كثيرة أصبح مريبًا وغير مفهوم، كما أن ابنتها الصغيرة في حاجة إليها ...الطفلة برغم أن روح ليست أمها الحقيقية ولكن بعد موت إيڤا ورحيل روح ..تبدو كمن فقدت أمها للتو .. نظراتها حزينة برغم لهوها وحركتها الدائمة، بكائها في الليل ...إنها تحن إلى حضن أمها. 

_ كيف حالك اليوم عزيزتي؟ ...اقترب وجيه من زوجته. 

رفعت وجهها نحوه وقالت : بخير . .كيف حالك وحال العمل ؟

_ أنا بخير ، لقد أصبحت عاطلا، ولدك سحب كل العمل من تحت يدي، وجعلني صورة فقط ..أجابها بسخرية .

ابتسمت بهدوء وقالت :
- وهل يزعجك هذا ؟ .

تأملها بخبث وقال : 
- ماذا ترين؟ .
أجابته ممازحة: 
- أرى عجوزا يريد أن يعيد شبابه ثانية، ويتحايل على الشيب. 

اقترب منها على الأريكة وأجابها: 
- عجوزا!!، اممم هكذا إذن، فليكن عجوزا ولكن لا تنتظرين من العجوز شيء مثل ليلة أمس ، فقط كل ما ستحصلين عليه هو  قبلة على الخد حتى أحتفظ بما تبقى لدي من صحة لمن يقدر شبابي الجميل. 

وكزته في كتفه بغيظ وقالت :
- فكر أن تقترب من أي امرأة أخرى وسأجعلك تندم على ما تبقى لك يا عزيزي. 

ابتسم بلطف وقبل جبهتها قائلا:
- وهل هناك امرأة تضاهيكِ يا محبوبتي ..ثم تطرق إلى حديث آخر : 
- هل هناك أي أخبار عن زوجة ابنك المصونة؟ .

تغيرت ملامح وجهها وعاد الحزن يكسوه قائلة :
- لا ..والقلق ينهش قلبي .

تأفف الرجل وأردف : لقد ضاق بي الحال من أفعال ولدك ومغامراته، والآن نحن على أعتاب فضيحة أخرى مع زوجته المجنونة، لقد أخبرتك أنها لا تليق بنا ولكنكِ لا تستمعي لي قط.

همت لويزا بالرد على زوجها ولكن قاطعهما آدم قائلا :
- قد لا تليق بك، ولكن زوجتي أنا لا يليق لي سواها، لذا اعتد الأمر. 

نظر له وقال بسخرية : 
- وكيف أعتادها وهي ليست هنا ؟ ..

حمل آدم طفلته بين يديه وقال:
-قريبا جدا ستكون هنا ولن ترحل بعدها أبدا. 

تهلل وجه لويزا وقالت:
  هل وجدتها ؟ 
ابتسم آدم وقال:
نعم وأنا ذاهب الآن  لأعود بها ..إلى اللقاء. 

************************

أصبح القلق مصاحب لها، شعور بالضيق الشديد، تكاد تختنق كما لو كانت محاصرة ولا تتمكن من الإفلات ، عيونها دوما شاردة، وقلبها يخفق، وكثيرا ما تتلفت حولها كما لو كانت تبحث عنه بعينها، تشعر أنه قريب منها، ربما لعلمها أنها ستراه قريبا. 

ولكن الأيام القليلة الماضية كانت كالطعنات في ظهرها العاري، طعنات الانتظار والخوف مما هو قادم. 
ظلت شاردة هكذا مع أفكارها المتلاحقة ثم انتبهت إلى أنها تترك السيدة إلينا بمفردها؛ لذا نهضت على الفور وغادرت الشرفة صوب غرفتها بالأعلى.

غافلة تماما عن العيون التي ترصدها منذ عدة أيام، تتابع كل خطواتها وتعرف كل شيء عما حدث لها في الشهر الماضي. 

صعدت روح إلى السيدة وجلست معها قليلا تتحدثان، في فترة سابقة كانت روح قد روت كل شيء عن حياتها إلى إلينا، والآن لم يعد هناك ما تخفيه، استمعت المرأة إلى أحاديثها الغير مرتبة التي تحاول أن تجريها معها، ولكنها أدركت أن ذهنها غير حاضر تماما وأنها بحاجة لبعض الوقت، وليست قادرة على أن تكون بصحبة أحد الآن، همهمت الأم ببعض كلمات ثم قالت :
- عزيزتي أرى أنكِ في حاجة للاسترخاء قليلا، أو ربما أن تبتعدي عن أي شيء يزعجك، يمكنك أن تخرجي اليوم وتحاولي الترفيه عن نفسك، أو تذهبين إلى المقهى لجلب بعض المؤن للبيت ..إفعلي ما تفضلين. 

انتبهت روح لحديثها وقالت بحزن :
- ولكنني أحب الجلوس بصحبتك. 

_ عزيزتي، أنتِ مشتتة تماما ولا تشعرين بأحد حتى نفسك، لذا أتفهمك تماما ولكن أريد أن أخبرك نصيحة صغيرة، أعلم أنكِ على مشارف الطلاق، ولكن تريثي فما أراه الآن منك يجعلني على يقين أن ابتعادك عن زوجك يقتلك، لذا لا تتعجلي الأمر، ولأكون منصفة لقد تعاملتِ مع الأمر بتسرع، كان ينبغي عليكِ أن تواجهيه عوضا عن الهروب، ربما يكون فيديو مفبرك، أو هناك شيء خاطيء، أنتِ لم تنتظري حتى لتستمعي لتبريره، لقد أصدرتي الحكم سريعا وهذا ضعف شديد منك، أدرك أن ماضيه سيء، ولكن يحسب له أنه ترك الجميع وتزوجك أنتِ، بل أنه برغم كل ما اكتشفه بعد الزواج والكذبة الكبرى التي عاش بها أن له ابنة من امرأة وأنه تزوج من امرأة أخرى ولكن مشاعره تجاهك كانت أصدق من كل الأكاذيب ولم  يعرِّض حبه للخطر من أجل كبريائه، حتى لو أظهر عكس ذلك في البداية ولكنه لم يتخلى عنك كما فعلتِ أنتِ وكما تفعلين دوما .. ثم ما ذنب ابنتك في كل هذا !!، ألم تشتاقي إليها؟ 

_ بلى ..إنني أموت كل يوم شوقا لها، ولكن قلبي لم يعد يحتمل كل هذا، أشعر بالألم لمجرد أن أتذكر ما رأيته، لا ليس الألم فقط بل إنها سياط تجلد جسدي بلا رحمة، طعنات متتالية بلا هوادة، أنا أمشي على جمر ملتهب لا يريد الانطفاء. أجابتها بحرقة شديدة. 

_ ولهذا أخبرك أن تتريثي، بالرغم من أنني أدرك أن هذا الأمر قد يؤذي ولدي ولكن عائلتك بحاجة إليكِ، ابنتك لن يكون هيناً عليها أن تفقد أمها مرتين، زوجك أيضا بالتأكيد فقد عقله الآن، حاولي أن تفكري جيدا، وامنحيه الفرصة ليخبرك بما حدث ربما هناك شيء خاطيء. تحدثت المرأة بصدق شديد. 

نظرت لها روح بحب وقالت: 
 - أتعلمين لو كانت والدتي مازالت على قيد الحياة، أنا على يقين أنها ستتحدث معي مثلك تماما، شكرا لكِ. 

_ لا داعي للشكر ، والآن اذهبي واحضري ما طلبته وحاولي أن ترفهي عن نفسك قليلاً، قالت المرأة بلطف .

*********************

غادرت البيت بعد نصف ساعة، وهي ترتدي الوشاح الذي يخفى رأسها وجزء من وجهها، عبرت الطريق نحو البحيرة وسارت على الممشى الخاص، كانت الشمس في طريقها للغروب، تلامس سطح المياه، كما لو كانا يتعانقان حتى تغرق فيه وتذوب تماما بداخله. 

سارت ببطء تشاهد الغروب، وموسيقى المقاهي الهادئة تتهادى إلى أذنيها، قشعريرة سرت في جسدها...تذكرت ليلة زفافهم في الجزيرة ..لقد غرقت في عناقه كما فعلت الشمس الآن...تاهت بين تفاصيله وذاب قلبها بين يديه كذوبان الثلج في ليلة ساخنة.

تدثرت بوشاحها الكبير جيدا وسارت تحتضن جسدها بذراعيها وهي تستعيد ذكرياتها معه، كانت شاردة تماما عن كل شيء سواه، حتى عندما هتف باسمها لم تنتبه في البداية، ولكنه اقترب ولمس ذراعها بشوق وهو يردد :
- روح ..حبيبتي .

تجمدت في مكانها، لم تعي الأمر بعد، هل اختلطت ذكرياتها عليها وأصبحت تراه أمامها، أم أن الهذيان أصابها ولم تعد تفرق بين الحقيقة والخيال. 

تحرك بضع خطوات ووقف أمامها يواجهها وهو مازال محتفظ بذراعيها بين يديه وتأمل وجهها بشوق غامر لكل كيانه ثم قال : روح ..حبيبتي ..ده أنا...آدم جوزك .

انتبهت أخيرا أن هذا هو الواقع وأنه يقف أمامها بالفعل، انتفض جسدها وتراجعت للخلف وهي تهذي بكلمات غير متصلة : إنت ...ازاي ...لا ...أنا ...مكاني ..عرفت ..انت 

اقترب منها وهو لم يفلت يدها بعد وقال : إهدي يا حبيبتي، أنا آدم جوزك، أرجوكي إهدي واسمعيني .

ازداد ارتعاش جسدها، مررت عينيها على وجهه، عينيه مرهقتان تحيطهما هالات سوداء، شعره ازداد طوله، ولحيته كثيفة، يبدو أنه لم يحلقها منذ أن غادرت. 
اللعنة عليَّ، حتى وهو هكذا يزداد وسامة وجاذبية، تبا لقلبي. 
فاجأتها مشاعرها المتدفقة له، نهرت نفسها على هذا الضعف القاتل، ثم رفعت وجهها إليه ورمته بنظرة واثقة وقالت : 
 - إيه اللي جابك هنا؟ ..عرفت مكاني منين؟.

ابتسم لها بطريقة ساحرة وقال: 
 - أولا جيت عشانك.. عشان مراتي. 
ثانيا قلبي عرف مكانك وجه على طول .

قطبت جبينها غاضبة وقالت :
- بلاش تستخف بيا، الأسلوب ده مش هينفع معايا. 

لمس وجهها بيده وقال بهدوء:
- إنتي عارفة انك وحشتيني، كل حاجة فيكي وحشتني، حتى زعلك مني، وخناقك معايا وانتي في حضني، وحشني قعدتنا في العربية واحنا بنأكل آيس كريم، والحركة اللي بتعصبني منك كل مرة لما تحطي الآيس كريم في وشي، وكل مرة تقولي آخر مرة وترجعي تعمليها تاني. 
وحشني لما ندخل ننام وتيرا تصمم تفضل في حضنك، حتي وانتي وحشاني، والليلة تتقلب كلها أفلام كارتون لحد ما ننام من التعب قدام فيلم سيمبا اللي عشانك شفته مليون مرة. 
وحشني لما بتودعيني الصبح وأنا رايح الشغل، وابقي مش عايز أسيبك وانتي تقعدي تزقي فيا وتطرديني من البيت، وحشني حضنك والدفا اللي فيه، من وقت ما مشيتي وأنا حاسس بالبرد ...وحشتني طبطبتك عليا لما أكون متضايق ...وكوباية الينسون اللي بتصممي اشربها كل يوم قبل ما انام بالغصب وأنا أصلا مش بحب الينسون ...وحشني لما تحلمي بكابوس وتصحي خايفة وتفضلي في حضني لحد الصبح نايمة ومتشعلقة فيا ...وحشتني ضحتك ودمعتك ..وحشتني الدنيا وانتي فيها ...
صمت قليلا وهو يرى الدموع تتلألأ في عينيها ثم أضاف قائلا :  - ارجعيلي يا روح، ارجعيلي وانا أوعدك هاسيبك تبوظى وشي بالآيس كريم ومش هزعل تاني، هامشي الصبح على طول من غير ما ازهقك مني ...هاتفرج على كل أفلام الكارتون معاكي حتى لو مليون مرة ..وهاشرب كل يوم الينسون ..أنا اصلا من وقت ما مشيتي وانا بشربه كل يوم عشان خاطرك ..بس ارجعيلي ..ارجعي عشان روحي ترجعلي. 

خانها ثباتها، حاولت ألا تتأثر بكلماته ولكن رغما عنها خدعتها دموعها .. موجة جارفة من الأحاسيس اجتاحتها، حنين إلى ما مضى ازداد بداخلها ...ولكن أي حنين لها أم لعشيقته..
رمقته بعينين حزينتين وقالت : 
- كفاية بقى، كفاية كذب وغش ..كفاية ..أنا تعبت ..تعبت ...خلاص مش قادرة استحمل ارحموني ..كان فين الحب وانت في حضنها ..كانت فين روحك وانت بتلمس جسمها ...كان فين قلبك وانت مش قادر تبعد عنها ...صوت نفسكم لسه في ودني ...صوتك وانت معاها بسمعه في كل ثانية ..مش راضي يسكت ...اللقطات اللي شفتها بينكم أحقر بكتير من إني اتكلم عليها أو اصدق كلمة واحدة من كلامك ...
كفاية.. انت واحد غشاش وكذاب ...ضحكت عليا في كل وعد قلته ..وعدتني انك مش هتخوني وخلفت وعدك ... 
زفرت بقوة ..وجسدها يرتجف ثم أردفت : ازاي تعمل فيا كده ..ازاي ...أنا عمري ما حبيت حد غيرك ...أنا اديتك نفسي ..إنت كنت كل حاجة ليا ...ازاي توجعني كده ..

أطلقت تنهيدة قوية ثم قالت : 
- انا مش طايقاك...مش طايقة اشوفك قدامي ..مش طايقة ألمسك ...كل ما اشوفك بفتكرها معاك ...لما إيدك تلمسني بفتكر  ايديك وهي عليها ...أنا قرفانة منك، ومش عايزة اشوفك تاني ....ثم بدأت تدفعه بعيدا عنها وهو متشبث بها ...حتى علا صوتها وهي تدفعه وهو يحاول الحديث :
- أرجوكي اسمعيني، كل ده مش حقيقي ..اديني فرصة اشرحلك ..اسمعيني .

_ كفاية ...إبعد عني ..إبعد عني ...مش عايزة اشوفك ...ظلت تصرخ وهي تدفعه بعيدا ...

وفي نفس اللحظة لكمة قوية طالت وجه آدم أوقعته أرضا ثم التفت فاليريو صوب روح وهو يطوق كتفها بذراعه قائلا : ماذا بكِ؟، ماذا يحدث ؟، هل أنتِ بخير؟ .
زاد ارتجافها وقالت : أريد أن أعود للبيت.
فأجابها فاليريو : هيا بنا.

صدح صوت آدم من الخلف وهو يهتف غاضبا :
  - بيتك هو بيت زوجك، ليس أي بيت آخر.

التفت له فاليريو، ووقف الرجلان متواجهان ينظر كلا منهما للآخر بتحدٍ وغضب ثم قال فاليريو بهدوء : 
- غادري أنتِ إلى البيت الآن .

نظرت روح إلى الرجلان وقلبها يخفق بشدة وقالت : 
- ولكن ...لا 
فاضاف فاليريو بحدة : 
- الآن روح .

اشتد الغضب بآدم وقال : 
- أنا فقط من أقرر لها أن تغادر ..من أنت حتى تملي عليها ما تفعله ..هل فقدت عقلك؟، أنا زوجها ...من أنت؟ ..

أجابه فاليريو بحنق: أنا من سألقنك درسا لعلك تتعلم كيف تصون زوجتك ؟ ..
ثم صرخ بها عاليا :
- إرحلي الآن .

وبدأ بتسديد اللكمات له وكمثل فعل آدم ، التحم الرجلان في نزال من المستحيل أن تحدد من الفائز به، كلاهما قوي وعنيد ولن يستسلم أحدهما بسهولة .
شاهدت إيڤا المشهد في ذعر ثم هرعت نحو البيت وهي تبكي من الصدمة، لا تعي ما الصواب وما الخطأ ولكنه قلبه يدفعها للعودة والدفاع عنه حتى لو كان خائناً.

*********************

تجمد صخر أمام البوابة الحديدية، حاول التراجع عما يفعله ولكن لا ...هناك قوى غريبة تجذبه ..أصبح من المستحيل أن يتظاهر بالعكس ...امتدت يده إلى الجرس ولكن لمع هاتفه برسالة ..أمسك به وقرأ المكتوب...دهشة كبيرة انتابته ثم على الفور قام بالاتصال بآدم : 
_ألو ..أيوه يا ابني إيه الأخبار؟ 
_...طيب في خبر مهم عايز اقولهولك ..إليسيا اتقتلت ...
_مش عارف الخبر مش واضح أوي ...التحريات بتقول ان في أكتر من سيناريو متوقع وخصوصا ان تم الاعتداء عليها، متوقعين ان حد تعرفه وحب ينتقم منها، أو حرامي دخل يسرق ولاقاها اعتدى عليها وقتلها في الآخر..
_المهم في النهاية انها ماتت  ......
_طيب أسيبك وادعيلي عشان انا رايح أعمل كارثة .....
_ لا هاحكيلك بعدين ...سلام .

اغلق هاتفه وزفر الهواء من صدره بقوة ثم طرق على الباب ...لحظات وكانت هي أمامه ..تقف بكامل هيئتها ...جميلة، عنيدة ، عينيها تنطق بكبريائها، زاغت عينيه على حسنها وقبل أن تتكلم بادر قائلا : أحبك.

حدقت به في دهشة وقالت : ماذا؟

_ تلك هي الإجابة على سؤالك...ثم تقدم إلى الداخل وأغلق الباب بقدمه ...وأردف : لم أخبرك بها من قبل لأنني لم أرد أن أصدق أن صخر يستطيع أن يحب، ظننت أننا معا فقط، وأن كلا منا لن يتنازل عن سلطته، ولكنكِ كنتِ اقوى مني ...تمكنتِ من السيطرة على كل شيء بهذا السؤال المفاجيء...أجل غادرت ولم أبح لكِ بشعوري ...ربما لأنني ارتبكت أو حاولت التظاهر بالعكس ولكنني لم أتمكن من الابتعاد طويلا ..لذا بمنتهى البساطة أحبك.

رمقته بنظرات حادة ثم أدارت ظهرها له قائلة : أظن أن الإجابة جاءت بعد فوات الأوان، انا لا أحب الأوقات الخاطئة ..لا أحب أن يأتي الاهتمام في غير أوانه .

اقترب منها واحتضنها من الخلف بقوة، وضغط جسدها إلى جسده وهو يحجب فمها بيده قائلا:
ششش، اصمتي، لا تزيدي، أنتِ امرأة ليست بالغباء الذي لا تستطيع أن تفرق بين الرجل الصادق والمخادع، وأنا يا عزيزتي مخادع ولكن معكِ بقلب صادق...لا تتفوهي بما ستندمين عليه لاحقا، أعلم أن كبريائك هو ما يحركك، وأنكِ تفضلين سحق قلبك عن إهدار كرامتك، ولكن حبيبتي لو فعلتي فسيكون قلبك قد سحق هدرا لأني لن اتنازل عنكِ. 

صمت قليلا ثم أدارها نحوه وهو يحتضنها بذراعه واليد الأخر تداعب وجهها ورقبتها ثم أضاف : لذا لا تقاوميني، لأني لن أمنحكِ الفرصة، أنتِ لي وانتهى الأمر ...

فتحت فمها لتعارض حديثه ولكنه احتجز شفتيها بين شفتيه في قبلة سحق معها كل دفاعاته، احتل بها كل مشاعرها وسجن معها كل غضبها وعندما انتهى قال وهو يهمس في أذنها : أخبرتك انكِ لي وانتهى الأمر ...لا سلطة لكِ في هذا .

********"*******"""

ظهيرة اليوم التالي 

جلست مع السيدة إلينا صامتة، لازالت تحت تأثير ليلة أمس الصاخبة، التي جعلتها مستيقظة طوال الليل ...
قلق وخوف شديدان تملكاها، رؤيتهما سويا وهما يتعاركان أصابتها بالذعر الشديد...

عادت إلى البيت لعل اختفاءها من أمامهما يجعلاهما يدركا أن سبب القتال انتهى... ظلت تذرع البيت ذهابا و إيابا في محاولة إلى كبح رغبتها الملحة للاتصال به والاطمئنان عليه، أو حتى الاتصال بفاليريو ومعرفة كيف انتهى الأمر؟، ولكنها كانت تخشى ما قد تستمع إليه .
حاولت أن تتماسك وتباشر مهامها، بالرغم من قلبها الذي يعتصر بداخلها ...

طرقات على الباب أعادتها إلى رشدها، تحركت سريعا ربما يكون فاليريو ..ولكن المفاجأة كانت صاقعة لها ....
_ إزيك يا حبيبتي ...بادرها بالحديث مبتسما رغم الجروح التي تعلو وجهه ..
لم يكن الأمر غير متوقع لها ولكن ما جعلها تصعق هو ما يحمله بين ذراعيه ...( تيرا) ابنتها الحبيبة. 
غمرها الشوق إلى طفلتها، وجرفها الحنين فالتقطتها من بين ذراعيه إلى صدرها مباشرة وهي تمطرها بقبلات قوية، تستنشق عطرها الطفولي ورائحة طعامها التي تفوح من ملابسها 
كانت تعلم أنها تفتقدها ولكن فقط الآن أدركت حجم اشتياقها إليها، لم تطلقها من بين ذراعيها ولكن أطلقت فقط دموعها التي انسابت في صمت تكتسح معها كل ألمها السابق. 

دام الأمر عدة دقائق حتى استعادت توازنها، وأدركت أنه ما زال يقف بالخارج، اقتربت منه وهي تحتضن طفلتها تخشى أن تبتعد ثانية عنها وقالت بهدوء: إنت بخير؟ ...كانت آثار العراك واضحة عليه. 

إبتسم بثقة وقال : طبعا كويس، شكلك ماشفتيش التاني وشه عامل ازاي.

امتعض وجهها وقالت بضيق : آسفة على اللي حصل من فاليريو امبارح ..هو بس بيدافع عني مش أكتر.

أجابها بسخرية : اممم ...حلو ...واضح ان مهمة الدفاع عنك بقت مش من اختصاصاتي... لا وكمان في راجل تاني اتولى المهمة. 

أجابت باندفاع وقد لمحت نبرة الاتهام في كلماته : فاليريو مجرد صديق وصاحب البيت اللي أنا بشتغل فيه، علاقتى بيه في حدود الشغل والصداقة بس. 

حدق بها وعلى شفتيه حديث طويل، ولكن يجب أن يتحلى بالصبر لو أراد استرجاعها أطلق تنهيدة توحي بأنه لم يعد يقو على الاحتمال ثم قال : 
 - حبيت اجيبلك بنتك، من وقت ما سيبتيها وهي مش مبسوطة، قلت تقضي معاها اليوم وارجع اخدها بالليل. 
ثم نظر إلى طفلته وقال : اتبسطي مع ماما يا قلبي وراجعلك تاني، ثم التفت مغادرا، ولكنها اعترضت طريقه بكلماتها : طيب ما تسيبها تبات معايا النهارده.

توقف عن الحركة ثم التفت وأجابها بقوة: 
 - بنتي ماتباتش في بيت راجل غريب، بنتي ليها بيت زي ما أمها ليها بيت، ولو حتى أمها مش عايزة أبوها، المفروض ماتطلعش من بيتها، أنا اللي أطلع، لكن هي لا، ثم ارتدى نظارته الشمسية وقال : سلام. 
والتفت مغادرا تاركا إياها خلفه تفكر في كلماته الصادقة. 

أمضت اليوم مع ابنتها والسيدة إلينا، انقلب الحال في البيت وأصبح مفعما بالحيوية والمرح، حتى المرأة العجوز جلست تلهو مع الصغيرة بسعادة كما لو كانت عادت للوراء عشرات السنوات. 

أما روح فكانت مذعورة من فقدان ابنتها مرة اخرى، لا تعلم ماذا ينوي آدم ولكنها على يقين أنه يضمر شيئا ما؟ 
جلست تتأمل صغيرتها بشغف إلى أن لمحت قلادة غربية تتدلى من عنقها، اقتربت منها وتناولت المدلاة بين يديها تقلب فيها حتى اكتشفت أنه جهاز صغير، خلعت القلادة من رقبتها وابتعدت قليلا عنهما وضغطت على الزر الذي به، واستمتعت في دهشة للصوت المسجل : 

روح حبيبتي، أحلفلك بإيه إن أنا بريء...الفيديو اللي انتي شفتيه ده قديم من قبل جوازنا، ولو تفتكري كويس انتي اللي بتختاري لبسي كل يوم، عمرك شفتي اللبس ده عندي، إستحالة، لأني حرقته بعد اليوم الزبالة ده، وعشان أكون صريح معاكي أكتر، اللي حصل ده كان بعد جوازنا الأول بيوم، بعد كلامنا مع بعض ورجوعي المكتب، 
عايز اعترفلك بحاجة اللي حصل ده كان أحسن حاجة في حياتي، أنا لحد اليوم ده كنت فاكر اني بحب الانسانه دي، لكن اكتشفت ان اللي جوايا كان كره وغيظ مش أكتر ...صدقيني الإنسانة دي اتمسحت من حياتي تماما، والفيديو ده لعبة منها عشان تفرقنا، أنا مخلص ليكي من يوم ما حبك دخل قلبي، عمري ما شفت واحدة غيرك ولا قلبي فكر في إنسانة تانية، إنتي روحي اللي عايش بيها يا روح، من يوم ما مشيتي وأنا بموت من غيرك، آدم المغازي اللي كان كله قوة وجبروت بين إيديكي بقى طفل صغير، أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرك، مش قادر أفكر ان ممكن تنسيني بسهولة، أنا بحبك يا روح.. بحبك وماقدرش أتخيل عدم وجودك في حياتي ...انتي كده بتحكمي عليا بالإعدام، ماتكابريش يا حبيبتي، وبلاش عِند، لو عايزة إثباتات، أنا مستعد، ولو ان عدم ثقتك فيا بتجرح كبريائي، لكن انتي أهم من الدنيا كلها، أرجوكي يا قلبي إمسحي أي ذكرى وحشة وارجعي بيتك، إرجعي لجوزك وبنتك، أنا نفسي أرجع انام في حضنك تاني، ريحتك وحشتني، كل حاجة فيكي وحشتني، ارجعي يا روح وسامحي وصدقيني أنا عمري ما خنتك "

إنتهت الكلمات وانتهت معها قدرتها على التحمل، هل كانت تستمع إليه بالفعل؟، هل يخبرها بالحقيقة؟، 
آآه ..قلبها منهك بشدة، لم تعد ترغب في تلقي المزيد، شعور بالتشتت مع رغبة قوية في الخروج من السجن الذي لا ينتهي، زنزانة لا تخرج منها أبدا، تزداد في الضيق حتى باتت تختنق بداخلها، الأرض تتأرجح كما لو كانت تحتاج للمزيد من الخذلان، شعور بالدوار انتابها، وبدأ الظلام يزحف إليها وهي تتخبط بين ظنونها وما رأته بعينيها وما قاسته طوال حياتها، أثقلت بالعديد من الذكريات حتى انهالت عليها كمبني ينهار فوق رأسها، لتسقط معه أرضا مغشيا عليها. 
***********
أضواء تلمع وتخبو، ممرات بيضاء،أصوات عديدة لا تستطيع تمييزها، لا ..لا تحتاج إلى غلق عينيها... الظلام يعود لها من جديد...ينتشلها من هذا الزحام ويعيدها مرة أخرى إلى وحدتها وسط العتمة التي تحيطها ...

دقائق أخرى ويصل إلى مسامعها صوته يقترب من أذنها ببطء شديد، كما لو كان يأتي من بعيد ويزداد اقترابا ... حبيبتي .. أجل هو ..يدعوها للعودة إليه ...
شعرت بأنامله تلمس وجهها، وأنفاسه تحرق بشرتها البارده. فتحت عينيها ببطء شديد ..لترى عينيه تتأملها. 

طبع قبلة على جبينها وقال : حمد لله على سلامتك حبيبتي، الحمد لله انك بخير.

فتحت فمها تتحدث ولكن صحراء قاحلة في حلقها تقتل الكلمات لا تسمح لها بالمرور ..

تناول آدم كوبا من المياه وبلل شفتيها ثم رفعها لأعلى حتى ترتشف قليلا وعندما انتهت قالت بضعف : إيه اللي حصل؟ 

إبتسم لها آدم وقال : 
 - حصل حاجات كتير ...أولهم إنك مهما تحاولي تهربي مني، القدر ليه رأي تاني، وخلانا أقرب من الأول بكتير.

نظرت له وقالت : تقصد إيه؟ 

زحفت يديه على وجهها نزولا إلى رقبتها، صدرها، ببطء شديد وهو يدرك أنها تحترق الآن تحت أنامله حتى توقفت يديه فوق المكان المراد، ومرر يده بنعومة على بطنها وهو يشير قائلا : عشان في ضيف جاي محتاج اننا نكون إحنا الاتنين مع بعض. 

اتسعت عينيها وكست الصدمة ملامحها، لم تتمكن من استيعاب الأمر بعد...ماذا يقول؟.

شعر بحيرتها فقال: 
 - إنتي حامل يا روح، حامل في ابننا ...أنا مش مصدق، مش متخيلة فرحتي كانت ازاي والدكتور بيقولي الخبر...كان نفسي تكوني فايقة وتسمعيه معايا، أنا كنت بتنطط من الفرحة، بجد مش مصدق كرم ربنا علينا، حبيبتي ربنا بعت لينا رسالة إننا لبعض..إننا مهما هانبعد لازم نرجع تاني.

صمتت روح وخفضت بصرها لأسفل ودموعها تنساب بغزارة ...
جلس آدم بجوارها واحتضنها قائلا: مالك يا حبيبتي ..زعلانة ليه، مش مبسوطة أن ربنا رزقنا بهدية جميلة.

رفعت عينيها بحزن وقالت : أيوه مش مبسوطة، مش عايزة إبني يجي وأنا ضعيفة، تعبت من الضعف، تعبت من الوجع، كنت عايزاه يجي، لما أكون أنا تاني، لما ارجع نفسي الأول، مابقتش عايزة استسلم للظروف، لازم أغيرها...عمي اللي سرقني وحبسني لازم يتعاقب، إيڤا اللي خدعتني وعيشتني في عذاب ضمير كبير لدرجة اني مابقتش قادرة أتخيل إني أكون معاك، وانت اللي دوست عليا في الأول بجبروتك ورجعت دوست عليا تاني بماضيك المقرف، أنا تعبت من كل ده، مش عايزة أبقى ضعيفة تاني، مش عايزة أبقى خايفة. 

ضمها إلى صدره بقوة وأجابها بهدوء: 
 - دايما بتبهريني بغبائك، بجد انتي فاكرة إنك ضعيفة ومستسلمة، إنتي ليه مصممة تشوفي الحاجة بالعكس، 
الضعف إنك كنت تستسلمي لعمك وتتجوزي ابنه مش إنك تهربي وتروحي بلد غريبة من غير ولا مليم وتبدأي حياة من أول وجديد. 

الضعف إنك لم صاحبتك ماتت، كنتي اتخليتي عن بنتها لكن إنك تألفي مصيبة عشان تفضلي تحميها وجنبها ده مش ضعف. 

الاستسلام إنك كنتي تقبلي بكل حاجة مني مش تقاومي وتواجهيني لحد ما وقعت في حبك، إنتي ضعفك يا حبيبتي هو مصدر قوتك، خوفك على اللي حواليكي وعلى نفسك بيخليك تكسري في الصخر عشان تستمري، عمرك ما استسلمتي لحد ولا حتى ليا، إنتي دايما لوحدك زي تمر الحنه قوية مش محتاجة حد يسندك، أنا بقيت أقوى بيكي ..

صمت قليلا ثم استطرد قائلا:
-تفتكري واحدة  قدرت بسهولة توقعني في حبها واتجوزها وألف وراها في كل حته، وأسامحها على هروبها مني، وابقى عامل زي الطفل اليتيم من غيرها .. ينفع يتقال عليها ضعيفة.

تأملته بحب وهي تعي ما يقوله جيدا، تستشعر الصدق في كلماته، إنه يراها هكذا بالفعل. حاولت الحديث ولكنه أشار لها بالصمت وقال:
- بالنسبة لموضوع عمك فده خلص خلاص، من يوم ما اتجوزنا وأنا خدت عهد على نفسي إني أرجعلك حقك واعاقب أي حد في يوم أذاكي، عمك اتنازل خلاص عن كل ميراثك، واعتذر عن تصرفاته واتعهد أنه مش هيقربلك تاني ... أنا لا يمكن اسامح أو اسكت على واحد في يوم قرب ليكي .

احتضنته بقوة وهي تبكي وقالت : وحشتني اوي ..

_ لا إيه وحشتني وجو العيال الصغيرة دي، أنا عايز رد اعتبار واعتذار قوي جدا عشان أقدر أسامحك ...أجابها بخبث وهو يتأملها بحب.

نظرت في عينيه ثم جذبت وجهه نحوها وامتلكت شفتيه في قبلة تبث له فيها كل حنينها إليه، تخبره أنه ملكها فقط ولن تتشاركه يوما مع أحد ..قبلة تروي مشاعر لا تحكى ...
لم يتمكن آدم من تمالك نفسه معها ضمها بقوة وعانقها بشوق كبير وأنامله تجري على جسدها كما لو كانت تعيده إلى ذاكرتها من جديد ...إلى أن أبعدته عنها روح قائلة :
 - إحنا في المستشفى ..

أجابها بخدر : 
 - مش مهم ..المهم انك معايا ..مش عايز غير كده. 

حاولت أن تتملص منه فقالت : فين تيرا ؟.

انتبه وأجاب: 
 - برا مع صاحبة البيت وابنها.

اعتدلت في جلستها وقالت : طيب خليهم يدخلوا.
رمقها بنظرات مخيفة فأجابت :  - لازم اشكرهم على تعبهم معايا.

تقبل الأمر بتذمر وقام باستقبالهم وبالفعل دخلت المرأة وولدها وحمل آدم ابنته بين يديه. 
 

جلست السيدة إلينا بجوار روح وبادرت قائلة: 
 - تهاني القلبية بهذا الخبر السار ، أتمنى أن تكوني سعيدة. 

ابتسمت روح لها وقالت : أجل ..إنني أشعر بسعادة كبيرة، أنتظر طفل، وزوجي العزيز معي، هو وابنتي، وكل الأمور أصبحت على مايرام. 

غمزت لها المرأة وقالت :
- ألم أقل لكِ ألا تتسرعي في اتخاذ القرار ..

أجابتها بخجل : 
 - نعم ..لقد كنت حمقاء ولكن كل شيء انتهى الآن ....وألقت نظرة إلى زوجها ثم أضافت، زوجي عانى الكثير من أجلي ويجب أن أعوضه عما فات. 

_ نعم بالتأكيد ..لا أعلم ما الحكمة فيما حدث، ولماذا اختارنا الله لكِ؟، ولكنني سعيدة بمعرفتك وأتمنى أن أراكِ مرة أخرى. 

كان فاليريو يستمع لكل ما يدور بينهما وعيناه لا تبارحها، يحاول أن يختزن صورتها في ذكرياته جيدا، لقد كانت لحظات حلوة وانتهت سريعا، شعر بأنه لو استمر به الحال وظل واقفا ربما يتصرف برعونة ويطلب منها البقاء معه، كان يستشيط غضبا من زوجها، يريد أن يوسعه ضربا ولكن لم يعد هناك مبرر. 
تأملها جيدا ثم قال : حمد لله على سلامتك، نتمنى لكِ حياة سعيدة ..وكوني على يقين أن بيتنا دائما سيكون في استقبالك متى تشائين. 

ابتسمت له وقالت : بل شكرا على حسن ضيافتكم ..لقد كنتم لي كأسرتي ..وسيظل هذا شعوري دائما. 

تطلع لها بحب ثم قال :
 - هيا يا أمي يجب أن لا نجهدها، إلى اللقاء سبيريتو، أنا على يقين أننا سنراكِ ثانية، قبلتها المرأة وقامت بتوديعها ثم غادر الاثنان. 

وضع آدم من ابنته النائمة على الفراش المجاور لزوجته وأغلق الباب بإحكام قائلا : 
 - أخيرا بقينا لوحدنا، فكريني كنا بنقول إيه قبل ما يدخلوا. 

إحمر وجهها خجلا وقالت :
- مش فاكرة. 

اقترب منها حتى بات ملاصقا لها وقال : 
 - ماتقلقيش أنا هافكرك بكل حاجة ..ورانا مجهود كبير ..ده تعويض شهر وأسبوع بحاله مش حاجة سهلة. 

أطلقت ضحكة مثيرة وقالت بدلال : والحل إيه؟ 

دفعها إلى الفراش بلطف وقالها : كلام قليل، فعل أكثر ...كفاية تضييع وقت لو سمحتي، ماتعطلنيش عن مهمتي. 

نظرت إلي عينيه بشوق وقالت : - أنا كنت بتعذب من غيرك الفترة دي ...أنا بحبك أوي يا آدم ومش متخيلة حياتي من غيرك. 

مال باتجاهها وطبع قبلات متقطعة على شفتيها وهو يقول : أنا كنت ميت ..كنت ماشي من غير روحي ...كنت حاسس إني في كابوس مش عارف اصحى منه ..تخيلي من كتر الوجع لحد دلوقتي مش مصدق إنك معايا، خايف يطلع حلم وافوق منه ألاقي الكابوس لسه موجود.

وضعت يديها على صدره ثم جذبته نحوها وقالت :
 - إنت أحلى حقيقة في حياتي .. وحشتني اوي ..

ثم غابا سويا في دوامة عشق لا تنتهي .. ليعود العاشقان كلا منهما إلى الحياة بعد أن كان الجسد بلا روح، ويعود الحب ليكتب قصة حب بين نقيضان ولكنهما مكتملان ببعضهما البعض ...
*******************

غادر فاليريو مع والدته المشفى واستقلا السيارة في طريقهما للمنزل ...ظل طوال الطريق صامتا يبدو عليه الحزن الشديد. 

ترددت والدته في الحديث ولكن أخيرا قالت : 
 - عزيزي ...لا أريدك أن تكون حزينا، لقد عادت لحياتها الحقيقية ويجب أن نكون سعداء من أجلها. 
لم يتكلم فاليريو واستمر الصمت فأضافت : 
 - لا أعلم سبب دخولها لحياتنا ..ولكنه القدر.

أطلق تنهيدة قصيرة وقال :
 - نعم القدر ...القدر جاء بها إلى عتبة البيت ...جاء بها إلي.

_ نعم يا ولدي ..ربما لأنها كانت في محنة والله يعلم أننا سنحافظ عليها ...أجابت والدته والقلق يساورها من ولدها. 

حدق فاليريو في الطريق وقال بثقة :
- القدر أتى بها إلي لسبب ...وأنا على يقين أن قصتنا لم تنتهي بعد. 
                      تمت بحمد الله 

تعليقات



<>