
ماذا تقصدين ؟
تلعثمت الكلمات على شفتيها وهي تحاول أن تتظاهر بالتماسك والهدوء، بالرغم من الأعاصير التي تعصف بها.
جلست السيدة لويزا بجوارها وقالت: لماذا تزوجتي من ولدي؟، لا تخبريني أنكما في حالة حب!!، تلك التمثيلية التي قمتما بها في الداخل لا تجدي نفعا معي، أنا أعلم ولدي جيدا، هو لم يكن عاشقا طوال الفترة الماضية ..وبالتأكيد لم يقع في غرامك فجأة، لذا أخبريني الحقيقة الآن حتى تأمني غضبي.
أغمضت إيڤ عينيها وزفرت الهواء ببطء من صدرها وهي تشعر أن رأسها يدور في دوامات متلاحقة لا تتمكن من الإفلات منها، ثم أسدلت اهدابها إلى الأسفل تحدق بأناملها التي تفركها بقوة وقلق .. عقلها يتداعى أمام كل تلك الضغوطات، لم يعد قادراً على الصمود كما كان يفعل دائما، بل أنه تآمر عليها وبدأ يرسل ذبذبات إلى جسدها الذي خذلها تماما وانهار أمام المرأة، فبدأت ترتجف رغما عنها.
تأملتها لويزا بعينين خبيرتين، وبحنكة امرأة ذات خبرة طويلة بألاعيب النساء اللاتي دوما يلتففن حول أسرتها...حدثت نفسها قائلة: تلك الفتاة تحمل سرًا خطيرًا، لا تزال لم تبح به ...ولكنها أيضا صادقة، يبدو أنها مرت بالكثير، وعانت من الكثيرين حتى أنها فقدت الثقة في الجميع ...ثم أشاحت بوجهها نحو الطفلة الصغيرة تيرا واستطردت: كيف أصدق ما قالته وأكذب عقلي وقلبي؟، كيف أفعل هذا وكل الدلائل تشير إلى شيئا آخر؟.
أطلقت تنهيدة طويلة ومدت يدها نحو إيڤ تربت على يديها بلطف قائلة: استرخي حبيبتي، أنا لا أنوي بكِ شرا، أنا فقط أريد الحقيقة، ولكن يبدو أنكِ ما زلتِ غير مستعدة، وأنا أتفهم هذا، أنتِ لم تثقي بي بعد، ولكنني أريدك أن تعلمي شيئا، أنا هنا من أجلك، حينما تشعرين بالراحة الكافية والثقة والرغبة في البوح بما يثقل صدرك سأكون بانتظارك، لذا مهما كان ما ستخبرينني به، كوني على يقين أني سأقف بجوارك مهما حدث.
نهضت من جوارها وخطت مبتعدة عدة خطوات ثم توقفت فجأة واستدرات مرة أخرى قائلة: ولكني أيضا يجب أن احذرك، لقد قضيت سنوات طويلة أحافظ على عائلتي وعلى لقب المغازي، ولو اقتضى الأمر فأنا على استعداد أن أقتل من أجل ابنائي، لذا توخي الحذر ولا تلعبين بالنيران حتى لا تحترقين بها.
ثم سارت مبتعدة إلى الداخل تاركة إياها غارقة في بحر حيرتها وخوفها مما اقترفته، تحدث نفسها بصمت، هل آن الآوان أن تعترف بما فعلت؟، أم أن الآوان قد فات منذ ليلة الحادثة؟.
**********************
جلس آدم في غرفه المكتب خاصته ينهي بعض الأوراق الهامة قبل سفره المفاجيء الذي لم يكن في الحسبان، كان يتملكه شعور منذ مغادرته للمنزل، أن والدته قد نصبت له فخا وقد وقع فيه بكامل إرادته، حتى لا تزداد شكوكها، فهو يعلم جيدا مغزى تلك الرحلة، بل هو يفهم والدته عن ظهر قلب، عينيها كانت تروي ما بداخلها، كانت تنظر لهما وتبتسم ولكن نظراتها كان تقول (كاذبان)، لم تقتنع بقصة حبهما المفاجيء، ولا بروايتهما المتقنة، دوما تتمكن من كشف الحقيقة، بالرغم من أنه استطاع خداع عشرات النساء إلا أنها مازالت المرأة الوحيدة التي لم يتمكن يوما من خداعها مهما كان بارع في خدعته.
هو مجبر على المضي في هذا الهراء إلى النهاية حتى تصبح عقود ملكية الشركة في يده، حينها لن يهتم بشيء ولا بأحد.
ظل غارقا في أفكاره، عقله في صراع مستمر بين طموحاته التي لا حدود لها، وبين علاقته المدمرة بأبيه والتي يستطيع الآن قول أنها أصبحت في القاع، ولكن أبدا لن يتقبل اللوم على هذا، فالصدع الذي حدث بينهما لا يمكن ترميمه.
عاد إلى أرض الواقع عندما سرت في جسده رجفة يعلم سببها جيدا، أناملها تعبث بازار قميصه، رفع رأسه وكما توقع كانت هي، تقف أمامه بكامل أنوثتها المعهودة التي لطالما أذهبت عقله وجعلته يلهث خلفها بلا وعي، رفع حاجبيه بسخرية وقال بالإيطالية: أي رياح ألقت بكِ هنا؟.
تذمرت بصوتها الذي تفوح منه عطر الأنوثة الطاغية، وتمايلت بجسدها أمامه بجرأة ثم ألقت بنفسها على قدميه وهي تقول: اهكذا يكون الترحيب، ألم تشتاق إلي!!، ...حرك آدم رأسه نافيا وهو يعلم أنه يكذب فهو لم يتخلص بعد من ترياق حبها السام الذي لا زال يسري في شرايينه، مهما حاول أن يقول عكس هذا.
رفعت ذراعيها حول رقبته تعانقها وهي تداعب عنقه من الخلف، ومالت برأسها على كتفه وقالت: أما أنا فقد اشتقت إليك حد الجنون، اشتقت إلى ليالينا الطويلة التي كنا نسهر فيها حتى الصباح، اشتقت لعناقك الذي لم يتمكن أحد أن يضاهيه.
كان غارقا في لمساتها الناعمة وكلماتها، حتى عطرها ..حدث نفسه قائلا: ملعونة، حتى العطر الذي يذهب عقلي تضعينه، ملعونة ولعنتي قلبي بكِ.
اقتربت منه بقوة وقالت: قل أنك تحترق من دون حبيبتك (اليسيا)، مثلما أنا أحترق بدونك.
تنبه آدم إلى ما تحاول فعله فقام بدفعها عن قدميه ونهض من مكانه في اتجاه النافذة وهو يقول: لماذا؟، هل أصبح فراشك خاويا؟، أين ذهب حبيب القلب؟.
وقفت اليسيا خلفه تنظر له وهي تحدث نفسها: لا تكابر كل عضلة في جسدك تصرخ بإسمي، إن أوردتك تبرز من عنقك كطفل يتوق للعبته، فقط تحتاج مزيد من الضغط.
تحركت الفتاة نحو باب المكتب ثم أغلقته بالمفتاح من الداخل، وحملت المفتاح بين يديها.
التفت نحوها آدم وهتف بها في غضب: ماذا تفعلين؟
_ ما كنا دوما نفعله ...أجابت وهي تتقدم نحوه ببطء شديد، تحطم به أعصابه التي يدعي صلابتها، دوما كانت هي نقطة ضعفه، الوحيدة التي استطاعت أن تملكه، لم تتمكن أي امرأة من منافستها أو ازاحتها من مكانتها لديه، تلك المكانة التي لم تكن تعلمها جيدا، كانت تنظر لعلاقتهما أنها مجرد علاقة عابرة غير جدية، لم تكن تكترث بالأمر ، فقط تمضي وقت ممتع مع رجل مثير، لم تكن تعلم أنه يتوقع منها أكثر من هذا، وأنه كان يظن أنه في علاقة حصرية، ولكنها أدركت ذلك عندما رأت نظرته لها وهي بين أحضان رجل آخر في الملهى، تلك النظرة التي لن تنساها قط، علمت أنها لم تكن مجرد صديقة للمتعة بل كانت أكثر بكثير، كانت الوحيدة التي حطمت قلب آدم المغازي إلى أشلاء، وهي الآن عازمة أن تعيد كل شيء كما كان...مهما حاول الإنكار عينيه تفضحه.. تخبرها أنه لازال متيم بها.
حدق بها وهو يحاول أن يستدعي غضبه وألمه بدلا من رغبته القاتلة بها، ولكن عينيه خدعته وصارت ترتوي من النظر إلى فاتنته التي دوما كانت الوحيدة التي تحول جبل الثلج بداخله إلى بركان، انزلقت عينيه على كل ما يعشقه بها، شعرها الأسود الحالك، الذي يصل إلى خصرها، عينيها السوداء اللامعة اللتان تبدوان كقمرين يسطعان في وجهها، أنفها الصغير، شفتيها المثيرتان واللتان دوما تصبغهما باللون الأحمر القاني لتشعل قلبه بمذاقهما، ثوبها القصير الأحمر الذي يكشف عن منحنيات جسدها المثيرة، التي لطالما عبر من خلالهم إلى شواطيء الفردوس، ظل يتأملها وقلبه يدق بعنف كلما اقتربت منه.
وعندما أصبحت أمامه مباشرة وقفت تحدق في عينيه، ترسل إشارات يعلمها جيدا...حاول التملص من تأثيرها الفتاك به، استدار وهو يقول بنبرة كاذبة: Forget, لن يحدث.
تحركت حوله ووقفت أمامه وهي تضع يدها على صدره وقالت بدلال: بلى ..سيحدث.
اللعنة على هذا القلب الذي يحرق صاحبه، اللعنة على كل نساء الأرض، كلكن ساقطات، حتى العفيفات منكن، هن فقط لم تسنح لهن الفرصة لتسقط القناع عن براءتهن، كلكن حيات، لا يسلم الرجل من لدغاتكن، ظل يردد هذا بداخله حتى وهو معها، غارق في هذا الإثم الذي يقترفه ..قابع تحت تأثير سحرها المسمم.
لماذا لا يكتفي منها؟، لماذا لازالت لمساتها تشعل النيران في جسده؟، إنها مجرد جسد، كلهن مجرد أجساد جميلة، ليس مهم إسم صاحبته طالما يفيد الغرض، إذن لماذا هي؟، تلك الساقطة التي تعرف جيدا كيف تدير رأسه.
نفض عن ذهنه كل تلك الأفكار، حاول تحرير عاطفته نحوها باقتناص تلك اللحظات الأخيرة بينهما، طالما وقع في الشرك فلتكن المتعة دون ذنب حتى ينتهي منها تماما...وعندما أشبع تلك العاطفة التي تساوره تجاهها من الحين للآخر، نفض يديه عنها، وتركها سريعا كمن يبتعد عن وباء يخشى الإصابة به.
وقف يرتدي قميصه ببرود، ثم نظر نحوها وقال باشمئزاز: أشكرك على أنكِ أعدتي إلى ذهني ما قد نسيته.
نظرت له بنعومة وقالت: وهل تستطيع نسياني؟
ابتسم بوقاحة وقال: لقد حدث الآن، فقد كنت في حاجة لمرة أخيرة قبل أن أنتهي منك إلى الأبد.
نهضت من مكانها وتقدمت نحوه وتشبثت بياقة قميصه قائلة: كفى ...لقد انتهينا من اللعب، أنت تعلم جيدًا أن قلبك ملكي، مهما حاولت إيذائي بكلماتك هذا، فلن تتمكن ..جسدك وكل مشاعرك أخبراني كل شيء منذ قليل، فلا تعبث معي، يكفي هذا الجدال واعترف انك تعشقني.
قبض آدم على معصمها وجذبها نحوه بقوة واقترب من أذنها قائلا: أاخبرك سرا، قبل قليل لم أكن على يقين، ولكن بعد ما حدث أصبحت واثقا أنني لن ألمس تلك النفاية ثانية، لقد أحببت فقط أن امنحك مرة أخيرة كي تتذكريني جيدا، قبل أن ألقي بكِ للأبد..وقبل أيضا حفل زفافي ..فلا يصح أن أخدع عروسي الجميلة بعد زفافنا القريب.. وبالطبع أنتي مدعوة.
انتفضت اليسيا بين ذراعيه وجذبت نفسها مبتعدة عنه وقد اتسعت حدقتا عينيها وصرخت به قائلة: ماذا تقول؟، هل جننت؟، أي زفاف!!.
_ زفافي بعد أيام قليلة على حبيبتي الفاتنة، سيكون الحفل يوم ميلادي.
صرخت به قائلة: كفى هذيان..توقف عن الكذب، لا يمكن أن تكون لفتاة غيري، لن يحدث، لن تستطيع.
ضحك بقوة وقال: بل حدث بالفعل، حتى أنني لا أستطيع أن أبعد يدي عنها، لذا سأخدها إلى البيت الريفي لنقضي تجربة شهر عسل استعدادا للزفاف.
هتفت بدهشة: البيت الريفي!، خلوتنا أنا وأنت، كيف تجرأ وتصطحب فتاة أخرى غيري هناك؟، هل جننت؟ .
اشتعل وجهه غضبا ونشب أظافره في ذراعها العاري وهو يصيح بصوت غاضب: كيف تجرأت!؟، مثلما فعلتي تماما، ألم تكوني في احضان الكثير، ألم تتمكني من عدم الاكتفاء بي وكنتِ دوما تبحثين عن الإثارة مع كل رجل تلتقين به، ماذا تنتظرين؟، هل ظننتي أن آدم المغازي سيتحطم؟، أو سيجن جنونه بدونك؟، أنتِ لا شيء، مجرد حشرة اسحقها بقدمي، ليس لكِ أي قيمة، ولن يكون، والآن اغربي عن وجهي قبل أن تري غضبي الحقيقى.
جذبها خلفه ووضع المفتاح بالباب، وألقى بها وهي تصرخ قائلة: سنرى يا آدم، سنرى ماذا تستطيع الحشرة أن تفعل؟، فقط اعلم أنك لن تكون لغيري.
ألقى بها آدم خارج الحجرة، وأغلق الباب في وجهها بعنف، ثم عاد إلى مكتبه والغضب قد تملكه تماما من نفسه، كيف استطاعت أن تنسل من بين الألم الذي تسببت له فيه، وتحيي نيران الرغبة بداخله؟، كيف سولت له نفسه أن يستسلم لها بعد خيانتها؟، كيف استطاع رجل بجبروت آدم المغازي أن يقع أمام سحر امرأة خائنة؟، اللعنة عليه وعلى تلك الحقيرة...منذ اليوم لن يقع في الحب ثانية، لن يسقط في هذا الفخ مرة أخرى، سيعود ثانية إلى لقبه المعتاد ( الرجل ذو القلب الثلجي)، محطم قلوب النساء، لن يدع امرأة أخرى تتسلل إلى صومعته، أو تحاول أن تذيب هذا الصقيع الذي بداخله..لن يحدث.
* وفي غرفة أخرى في الشركة، غرفة سرية، لا يعلم أحد من الموظفين عنها شيئاً، ولا عما تحتويه، جلس هو أمام شاشة صغيرة، يراقب كل ماحدث في مكتب آدم، يستمتع بمشاهدة تلك المشاهد الساخنة، وكل ما يدور بينهما، وقد قام بتسجيل ما حدث، وعندما انتهى، حمل شريحة الذاكرة بين يديه وهو يحدق بها ويبتسم في زهو . لقد أصبح يملك شيء بين يديه ..يجعله قادر على مساومة الطرفين، وبالتأكيد سيربح الكثير ، وحينها لن يتمكن أحد من الإفلات من قبضته .
*************************
في صباح اليوم التالي .. كانت إيڤا تقف في المهبط الخاص بالطائرة الهليكوبتر التي ستقلهم إلى البلدة الأخرى، مهبط مصنوع خصيصا خلف القصر، صعدت وهي تحمل طفلتها وهو بجوارها ..يرافقهما المربية، والعاملة العجوز الإيطالية التي هزأت بها في لقائهم الأول، والتي أصرت السيدة لويزا على أن تكون في صحبتهم.
جلست إيڤا تحمل ابنتها وهي تتشبث بها بين ذراعيها بقوة، تنظر من النافذة وتشاهد الأرض وهي تبتعد، لا تنكر أنها تبغض الطيران ولكن ما تبغضه أكثر الطائرات الصغيرة الخاصة كالهليكوبتر، صوتها يثير الفزع فيها، كما أنها كانت دوما تتابع أخبار المشاهير..وتتذكر أن البعض منهم انتهت حياته بشكل مأساوي في حوادث كهذه.
جلست في صمت تحاول أن تصرف ذهنها عن تلك الوساوس المزعجة، وعندما لم تتمكن، حولت انتباهها إلى الصغيرة القابعة بين ذراعيها، بدأت تداعبها بلطف وتضع بين يديها بعض الألعاب الصغيرة ...كل هذا وهو يجلس بجوارها، لا يشعر بها ..عينيه معلقتان بشاشة هاتفه المحمول، مستغرقا في عمله كما لو كان يجلس على سطح مكتبه وليس معلق بين السحب في السماء ..(يالبرودة أعصابه)،حدثت نفسها وهي تلتفت نحوه، تختلس النظر إليه وقد شردت قليلا في ليلة أمس، عندما عاد من الخارج، شعرت أنه مختلف، لم يكن على طبيعته، بل كان يبدو غريبا، لقد طرأ عليه أمر ما، جعله مشتت، صامت، لم يتحدث معها، لم يحاول اغاظتها، أو حتى مضايقتها، فقط أخبرها بموعد السفر، ثم دلف إلى الفراش بدون اي كلمة أخرى.
حتى أنها ترددت في أن تستلقي بجواره، ودت لو تذهب إلى غرفة ابنتها، ولكنها خشيت أن يستيقظ ولا يجدها..لذا استسلمت للأمر الواقع فهي لا تريد أن تثير معه جدال من أي نوع، يكفيها ما مرت به مع السيدة لويزا.
إحمرت وجنتيها فجأة عندما تذكرت ما فعله معها بالأمس، وسرت رعشة في جسدها تذكرها بهذا الشعور الغريب الذي طرأ عليها في الليل ...وتسائلت هل بالفعل كان نائما؟، أم أنه ادعى ذلك؟