
تعالت الأصوات الغاضبة، وفي أقل من دقيقة تحولت قاعة الطعام إلى ساحة حرب، هناك من يصرخ ويوجه الاتهامات، وهناك من يبكي ويتدافع من أجل رؤية ما حل بوجيه المغازي...وهناك من تقف في الزاوية، لا تهتم بأحد، كل ما يعنيها هي كلمة زوجتي التي قالها آدم وأصابت قلبها في مقتل، وقفت بجمود تحدق في العروس بحسرة وغل، وهي تتوعد بانتقام سريع.
لم يكترث آدم بكل هذا، لم يستمع لأحد، فقط هرع نحو أبيه وحمله مع ابن عمه إلى غرفة المكتب التي بالطابق السفلي واستدعى الطبيب في الحال.
أما هي فظلت مكانها لا تحرك ساكنا، الكل من حولها في حالة ثورة وخوف، وهي وحيدة لا تعلم ماذا تفعل، ولا كيف تتصرف؟.
ظلت هكذا قرابة النصف ساعة، برغم أن الجميع انفضّ من حولها منذ زمن، ولكنها لم تكن تدرك ما الذي يجب عليها فعله؟، هل يحق لها اللحاق بزوجها؟، أم الانتظار في المكان الذي تركها فيه.
ظلت هكذا حتى شعرت بخدر في ساقيها، وبدأ الإرهاق والملل ينال منها وهي في انتظاره، وعندما طال الوقت تحركت بحذر في بهو القصر تستكشف المكان، إلى أن حملتها قدميها إلى جناح آخر منفصل، عندما عبرت بابه وجدت نفسها قد انتقلت إلى عالم آخر، عالم مختلف، واقعي، أقل كلفة، لا يحتوي على مظاهر البذخ والفخامة التي خارج هذا الباب، بسيط وأنيق بتواضعه.
سارت تتحسس خطاها في الدهليز الخاص بهذا المكان، أبواب عدة جميعها مغلقة، خشت الطرق عليها أو فتحها، حتى التقطت أذناها صوت همسات خافتة قادمة من حجرة مفتوحة في نهاية هذا الدهليز.
اقتربت نحوها ببطء، ثم توقفت أمام الباب، وألقت نظرة خاطفة للداخل، فشاهدت امرأة عجوز تجلس وهي تحمل ابنتها وبجوارهما فتاتين ورجل آخر .. يبدو أن هذا الجناح خاص بعاملين القصر، وتلك الحجرة هي لإعداد الطعام، تقدمت بخطوات مهذبة وطرقت الباب ثم قالت باللغة الإيطالية :
Se vi piace Voglio sapere la posizione della mia stanza
(لو سمحت، اريد معرفة مكان حجرتي).
انتبهت لها المرأة العجوز، وتفحصتها جيدا ثم أجابتها بصوت حاد ونبرة قاسية:
Sei una sposa sciocca?
هل أنتِ العروس الحمقاء؟
نظرت لها إيڤا بدهشة ولكنها تمالكت نفسها وأجابتها ببرود : نعم، أنا هي، هلا أخبرتني بمكان غرفتي الآن.
لم تنظر لها المرأة الإيطالية، بل واصلت إطعام الطفلة ثم قالت بلا مبالاة: انتظري حتى أنتهى مما أفعله، ثم أخذك إلى هناك.
حدقت إيڤا بها بغضب، وكادت أن توبخها ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، لقد عاهدت نفسها ألا تثير المشاكل وتتجنب أي شخص أو شيء قد يحاول أن يجرها معه في جدال أو خلافات قد تلحق بها الأذى، أنها هنا في مهمة محددة ستقوم بتنفيذها وترحل، وليست عروس حقيقية تحتاج إلى تدليل وحب.
جالت إيڤا بعينيها في الحجرة حتى استقرت على مقعد جانبي بجوار الحائط، فاتجهت إليه وجلست في صمت وهي تستمع إلى كلمات المرأة العجوز، التي تعمدت تجاهلها تماما والحديث عنها مع العاملين :
_ لا أعلم من أي ملهى أو زقاق أحضرها إلينا، ومعها طفلة، أي زواج هذا، إنه خراب، بمجرد قدومها والنحس حل على البيت، ولكن ماذا نفعل؟، هكذا دوما كان السيد الصغير يفعل ما يحلو له، بدون أن يفكر في عواقب فعلته، وخاصة إذا كان الأمر متعلق بالوقوف أمام السيد وجيه، لندعو الله جميعا أن يمر الأمر على خير، وألا يصيب السيد الكبير أي مكروه.
ظلت الثرثرة والأحاديث الجانبية تدور وإيڤا قابعة في زاوية الغرفة، شاردة، حزينة، لم تعد تستمع لأحد، فقط هي في عالمها الخاص، عالم يتشح بالسواد، لا تملك فيه أي بقعة ضوء تدفعها إلى الاستمرار أو التفاؤل ...دقائق وسمعت صوت المرأة يحثها على النهوض وإتباعها.
تحركت معها عبر الأروقة الداخلية إلى أن وصلت إلى سلم جانبي مخصص للعاملين ينقلهما إلى الطابق العلوي.
ومرة أخرى تعبر من باب آخر لتنتقل إلى عالم آخر خيالي، لا يتشابه مع عالمها الذي اعتادت عليه، ممر طويل به حجرات عديدة، مزين بالتحف والمرايا واللوحات الفخمة على الجانبين.
دقائق وتوقفت أمام باب الجناح الخاص بهما ...لا تعلم لما أصابتها رهبة مفاجئة، ولكنها تجمدت بعض الوقت قبل أن تعبر الباب للداخل.
تقدمت بحذر وهي تشعر أنها تتجه بإرادتها نحو عرين الأسد، وأنها توقع نفسها بين مخالبه، ولن تستطيع الإفلات.
وقفت برهة تتأمل المكان حولها، غرفة كبيرة فخمة، تحتوي على لونين فقط أبيض وأسود، حتى الأرضية مزيج منهما، يتوسطها فراش ضخم من العاج الأبيض مغطى بالوسائد والأغطية الحريرية السوداء، أمامه أريكة كبيرة باللون الأسود، وعلى الجانب الأيمن يوجد باب يصل إلى غرفة أصغر حجماً، وضع بها سرير صغير وبجواره مهد للأطفال حديثي السن وبعض الألعاب.
أما في الجهة الأخري من الغرفة يوجد باب آخر، عندما دلفت منه شهقت بصوت خافت من فخامة المكان، فهو ليس حماما عاديا، بلى، إنه ملكي، كما لو كان صنع خصيصا لملك بريطانيا، لونه أسود مطعم بالذهب، يحتوي على مغطس كبير بمجرد أن وقعت عيناها عليه، أغراها كثيرًا وودت أن تخلع عنها ثيابها وتغمر جسدها في مياهه الدافئة الممزوجة بسوائل الاستحمام ذات الرائحة النفاذة التي تجعلك تسترخي بمجرد أن تستنشقها، ثم لمحت بابا في المدخل وهو خاص بغرفة تبديل الملابس..
لم تستطع حبس أنفاسها وهي تقف داخلها، وتري الثياب والأحذية المتراصة أمامها، ساعات اليد، العطور، حتى الجانب الخاص بها،
يحتوي على أثواب نسائية ذات ماركات عالمية، ملحق بها احذيتها وحقائبها الخاصة، كما يوجد أيضا اكسسوارات وعطور وأدوات تجميل لم تقتني مثلها قط، كل شيء فاتن، وجديد لم تُزال منه حتى تعريفة السعر.
وقفت في دهشة من أمره، لم تكن تتوقع أنه سيهتم بكل تلك التفاصيل كما لو كان زواجا حقيقيًا، ولكن لا يوجد شيء غير منطقي، فكل تلك الأشياء ليست بالأهمية إليه، هو فقط يريد أن يتقن الدور حتى النهاية.
اقتربت منها المرأة العجوز وقالت لها: هذا جناحك، حاولي أن تتجنبي الظهور كثيرا حتى نري ما سيحدث، هناك زر بجوار الفراش تستطيعين طلب الخادمة وستحضر في الحال، هناك واحدة مخصصة لكل جناح، خاصتك تدعى جوليانا، لا تتفوهي بالكثير مع أحد، ولا تقتربي من آدم الآن فبعد ما حدث ستجدين أمامكِ ثورا هائجًا بدون أي زمام، فلا تفتعلي معه أي حديث، تجاهليه حتى تمر الأزمة،ستجدين كل ما يلزمك في الغرفة، يمكنك الاستحمام الآن، وابنتك ستبقى معي حتى قدوم المربية ثم ستصعد بها إليكِ.
غادرت المرأة بعدما ألقت عليها كل الأوامر والتحذيرات، ولكنها توقفت مرة أخرى عند باب الغرفة وقالت: أيامك هنا معدودة، فلا تحاولي أن تنهيها سريعاً، أنا أعلم كل شيء، فلا تختبري صبري معكِ ....ألقت بكلماتها وأغلقت الباب خلفها ...لتقف إيڤا وحيدة في منتصف غرفة كبيرة باردة قاسية رغم جمالها.
ظلت برهة من الوقت ساكنة لا تتحرك، عقلها توقف عن التفكير، وقلبها ينبض فقط ليتنفس، تفتقر لكل شيء، حتى الأحاسيس لم تعد تشعر بها، أصبحت الحياة أمامها جامدة خالية من الألوان، تماما كلون الحجرة.
لحظات وتحركت بطريقة آلية نحو غرفة الثياب لتبحث عما ترتديه بعد الاستحمام، بحثت في الأرفف الجانبية، وتفاجئت عندما وجدت كل ثياب النوم عبارة عن أثواب من الحرير أو الدانتيل مكشوفة...حدثت نفسها قائلة : ايه الهبل ده، طب اللبس ماشي، لكن اللانجيري وبالمنظر الفاضح ده ليه، هو فاكر نفسه حيلعب لعبة عريس وعروسة وإلا ايه، ايه العك ده ألبس ايه دلوقتي.
ظلت تائهة بعض الوقت ثم جذبت من الجارور قميص طويل باللون الأسود مفتوح الصدر بحمالات رفيعة، وفتحة من على الساق، ولكنه أفضل المتاح، ومعه روب أسود طويل.
وضعت الملابس والمنشفة بجوارها، وخلعت عنها ملابسها، ثم دست جسدها بالكامل في المغطس...واستلقت في حالة سكون، لعل جسدها المنهك ينال بعض الراحة، وعقلها يستطيع الاسترخاء بين كل تلك الأحداث والصراعات التي تدور بداخله.
أغمضت عينيها عن كل شيء، حاولت أن تستعيد اخر ذكرى بينها وبين صديقتها، تذكرت الشجار الأخير، وحديثهما المشتعل..كلماتها القاسية، التي خلفت غصة في قلبها من الصعب إزالتها، وشعور كبير بالذنب سيظل يلاحقها مدى الحياة ...سالت دموع دافئة على وجنتيها ..دموع حبستها طويلاً ...حركت جسدها في المياه الدافئة، واسترخت أكثر، وهي ممددة بالكامل لا يظهر منها سوى رأسها الذي وضعته على مسند الرأس خلفها، واستسلمت لهذا الشعور اللذيذ بالخدر الذي انتابها.
لا تعلم كم طال بها الوقت وهي على هذا الحال، حتى جاءها صوتاً مرتفعا ..أجش.. يحمل برودة شتاء ليالي ايطاليا: هافضل مستني كتير.
فتحت عيناها ببطء وخمول، وبدأت تعي تدريجيا أنها قد غفت بداخل المغطس، لم تدرك الأمر بعد، ولا أنه يقف بالفعل أمامها، ظنت أنها استيقظت على كابوس، ولكن الصوت عاد ثانية ليخبرها أن ما يحدث حقيقة: إيه اتجمدتي؟ تحبي أجي اطلعك.
إتسعت حدقتا عيناها، والتفتت نحوه، فوجدته يقف بجوار المغطس تماما، يحدق بها بلامبالاة، عيناه تتفحصها ببرود، ورغم ذلك الصقيع الذي يتغلفه تشعر خلف كل هذا بألسنة نيران تتطاير وتنذر بحريق مشتعل بداخله.
هلعت من الخوف، وانكمشت في مكانها وهي تتفحص المياه التي تغمرها وتتاكد أن الفقاقيع مازالت تغطي جسدها، ثم قالت بصوت متحشرج : إنت .. إنت دخلت ازاي، وازاي تدخل عليا الحمام من غير إذن.
زفر الهواء بضيق وقال : إزاى أدخل، فدخلت من الباب ، أما موضوع الإذن، انا مش بستأذن في بيتي وفي أوضتي وحمامي، وبعدين انا قعدت برا مستني سعاتك نص ساعة وحضرتك هنا نائمة ولا على بالك، تحبي كنت اسيبك أكتر عشان تبوشي أو يجيلك التهاب رئوي.
أطرقت رأسها خجلا، وتلعثمت في كلماتها قائلة: آسفة ..ممكن تستنى دقيقة برا ..وانا حاخرج على طول.
نظر لها بضيق وقال: أنا هادخل اطلع هدومي وهاستنى خمس دقائق وادخل تاني ..ياريت تكوني خلصتي.
تحرك نحو غرفة الثياب، وبمجرد أن اختفى عن الانظار، نهضت إيڤا مسرعة، والتقطت المنشفة ووضعتها حول جسدها، ثم جذبت الثياب سريعا وهرعت نحو الغرفة الأخرى حتى ترتدي ملابسها.
أغلقت عليها باب الحجرة جيدا ووقفت تجفف جسدها، ثم ارتدت الثوب الحريري الذي انسدل على جسدها بنعومة شديدة لم تختبرها من قبل، ثم وضعت الروب عليها، وخرجت تعيد تجفيف شعرها جيدا بالمنشفة الصغيرة، ثم جلست أمام المزينة، تمشط شعرها جيدا قبل استخدام مجفف الشعر الكهربائي، بعدما انتهت من التصفيف والتجفيف، ورفعت شعرها إلى الأعلى، ثم وضعت على وجهها كريم للبشرة ملمسه كالحرير، وغطت شفاهها بحمرة شفاه باللون الوردي المائل للكشمير، المعتاد لديها والذي لا غنى لها عنه.
وبمجرد الانتهاء مما تفعله...انتقلت إلى الغرفة الأخرى تنتظر طفلتها تيرا على الفراش الصغير.
مضت عدة دقائق قبل أن تجده يقف على باب الحجرة ينظر إليها بغضب شديد ثم هتف بها قائلاً: انتي بتعملي إيه هنا.
نظرت له في دهشة وقالت بعفوية: مستنية بنتي، وقلت اسيبك براحتك في الأوضة التانية عشان ما اعملش إزعاج.
تأفف بضيق وقال : اتفضلي ارجعي الأوضة، وخدي بالك من تصرفاتك كويس مش عايز فضائح، لو المربية جت ولقتك هناك هتقول إيه.
تأملته ببرود وقالت : هتقول أم مستنية بنتها عشان تطمئن عليها..مش عيب ولا حرام .
زفر الهواء بقوة وقال : واضح أننا هنتعب اوي مع بعض ....بصي يا هانم انا مش بحب الكلام الكتير ..اللي اقوله يتنفذ .
شعرت بالضجر من تصرفاته فقالت بصوت حاد ولكنه يرتجف: يعني ايه، احنا اتفاقنا اننا نتجوز مدة عشان تقدر تأخد شركتك وبس مكانش من ضمن الاتفاق اني بقيت عبدة عندك ، ولا أنك تأمر وأنا أنفذ .
وقف أمامها وعينيه ينطلق منها شرر متطاير وقال بصوتا غاضب لا يتراجع : أنتي لسه متعرفيش الظاهر بتتكلمي مع مين ؟، انصحك متلعبيش معايا اللعبة دي...صدقيني هتخسري كتير، اوعي تختبري صبري، لأني معنديش صبر، كلامي يتسمع من مرة واحدة، أو مترجعيش تلومي الا نفسك .
صمتت قليلا تبحث عن كلمات تجيب بها ولكنها تذكرت كلمات المرأة الإيطالية عن ضرورة تجنبه الآن وعدم استفزازه، لذا ألتزمت الصمت وحاولت أن تنتظر حتى تمر العاصفة ثم بعد ذلك تحاول أن تضع قواعد جديدة لها .
نهضت من على الفراش وتحركت أمامه وهو يقف على المدخل يغلق نصف الباب بجسده، مرت بمحازاته وهي تحاول أن تتفادى الاحتكاك به، ولكنه قبض على ذراعها بقوة وجذبها إليه وهي يمسك بيده الأخرى طرف الروب ويزيله عن كتفها قائلا: ايوه كده شاطرة، بس قوليلي ، عرفتي منين اني بحب القمصان السوداء.. ثم اقترب بوجهه من وجنتها وقال: متأكدة انك مش عايزة نخليه جواز حقيقي ومش على الورق بس .. ثم اقترب بشفاهه نحو شفتيها وهي تحاول التقاط أنفاسها المذعورة ....