رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل السابع7 بقلم مروه نصار

رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل السابع7 بقلم مروه نصار
جلست تسترجع مشهد أمس في مخيلتها، تستعيد لحظات ليلة البارحة، وتأثيرها عليها، والأثر الذي تركته في نفسها، والدهشة التي اعترتها منذ ردة فعلها على تصرفه وقتئذ.

كانت المفاجأة هي بطلة الموقف، لم تتوقع الأمر في البداية، ولكن بعد حدوثه، كان ما فعلته هي الذي فاق توقعاتها.

لقد عاد من الخارج يبدو عليه الحيرة والغضب، شعرت بأن هناك أمرًا قد حدث، لذا لم تحاول أن تتحدث معه كما نصحتها من قبل تلك السيدة العجوز، فقط شاهدته في صمت وهو يتنقل في الغرفة، حتى استقر أخيرا على الفراش بدون أن يعر لها أي انتباه، لم تكترث، فقد دلفت بجواره في صمت مستسلمة لحياتها التي لم تألفها بعد، والتزمت ببقعتها بأقصى طرف في الفراش موالية له ظهرها.

مرت دقائق طويلة تستمع فيها إلى صوت أنفاسه التي تعلن عن استغراقه في النوم، لم تعتد بعد على النوم بجوار أحد وخاصة رجل لا تعرفه، ويبدو أنها لن تعتاد أبدًا، أن تظل مستيقظة فترات طويلة، وحتى عندما يغلبها النعاس، لا يدوم طويلا، أصبح القلق مصاحب لها دائما، ولا تعرف متى ستتخلص منه، وهي تعلم أنها ستمضي طوال حياتها مطاردة وهاربة.

استغرقت في أفكارها كالعادة حتى انتبهت لصوت جسده وهو يتدحرج على الفراش، ثم تفأجات بيده تتحسس ذراعها، وما لبث سوى ثوانٍ قليلة وجذبها نحوه يضمها بقوة إلى صدره كما لو كان يحتضن الوسادة، اضطربت كثيرا وتجمدت حركتها، لقد أصبح ملاصقًا لها تمامًا، يحتويها بذراعيه، يشل حركتها حتى باتت لا تتمكن من التخلص منه سوى بإيقاظه.

قبعت صامتة بين ذراعيه، تستمع إلى أنفاسه المنتظمة، ونومه العميق، تعي أنه لا يشعر بها، لذا لم تتذمر أو تعترض، فقط ظلت ساكنة في هدوء على صدره، وبالرغم من دقات قلبها المتسارعة ولكنها استطاعت أن تحافظ على انتظام أنفاسها، وهدوء جسدها حتى لا تتسبب في إزعاجه.

ولكن ما آلمها حقا، هو استسلامها، صمتها، بل  واستمتاعها بتلك اللحظات، لا تعلم ما الذي اعتراها؟، ولكنها كانت بالفعل في حاجة إلى أن يضمها أحد إلى قلبه حتى ولو بالخطأ، كانت في احتياج لبعض المشاعر الزائفة، أن يحتويها أحد، يعتصر آلامها ..يسحقها بين ذراعيه ..ويجعلها تبتعد عن كل ما يحزنها ولو لمرة واحدة .. لذا استسلمت وهي تسرق من علاقتهما المزيفة تلك اللحظات، تقنع نفسها أنها لا تخطئ..ففي الأخير هو زوجها.

*******************

ظل طوال الطريق صامت، عينيه ثابتة على شاشة الهاتف، ينقر على الأزرار بعض الرسائل الهامة، يحاول أن يثبت لحاله أنه استعاد توازنه وقوته، بعد حادثة أمس.

شرد قليلا بعينيه حتى أصبحت الكلمات أمامه ضبابية، ولم يعد يرى سوى ما حدث بينهما .. عاد بذاكرته إلى ليلة أمس بأكملها منذ لحظة أن وضعت أناملها على صدره حتى اللحظة التي ألقى بها خارج غرفة مكتبه، كان يشعر بالغثيان من حالته، لم يكن يوما عبدًا لشهواته أو رغباته، بل دوما هو السيد الذي يتحكم في كل شيء، ولا يرضخ لسحر امرأة مهما بلغت فتنتها، بل يجبر الجميع على الطاعة والانصياع له.

إلا هي كانت دوما متمردة، لعل هذا ما جذبه إليها، جنونها، أنوثتها، توقها الدائم له، ولكن صدمته كانت كبيرة عندما اكتشف أنها تتوق للجميع، وأنها مجرد زهرة برية جامحة لا تقبل الترويض، تهوى أن يتذوق رحيقها كل الرجال.

ظل يؤنب نفسه على ضعفه أمامها ليلة أمس، لقد أقسم من قبل أن ينتزعها من عقله وقلبه، ألا يجعل لها أي ندبة بداخله، ولكن يبدو أن تأثيرها عليه كالسم الذي يسري في الجسد ..لا يمكن التخلص منه.

شدد على قبضته في غضب حتى اصبحت أنامله شديدة البياض ..لقد كانت ليلة أمس جنونية خارجة عن السيطرة، تحول بعدها إلى ثور هائج، في إمكانه أن يؤذي أي أحد ، لذلك حاول الابتعاد وتجنب الجميع، فعاد مباشرة إلى إلبيت، وهرع على الفور إلى غرفته،خلع عنه ثيابه، وغمر جسده في مياه المغطس، وظل يفرك بشرته بعنف..كما لو كانت لمساتها تركت أثر عليه يحاول إزالته، يتخلص من ترياقها السام الذي يسيطر عليه كلعنة أصيب بها، ولكن ليس طويلا، لقد أقسم أن لا يفعلها ثانية، لن يدع امرأة تقترب من قلبه إلى هذا الحد،  آدم المغازي يملك جبروت وقوة تجعله قادر على حرق الجميع بدون أن يُخدش، وهي الآن لم يعد لها وجود، مجرد امرأة، نال منها ما يريد، خاتمة لقصة قد انتهت ولم تكن نهايتها قد وضعت بعد، والآن بعد أن نالها، سيغلق تلك الصفحة تماما ولن يكرر الخطأ ثانية.

عاد بعقله إلى أرض الواقع، وتذكر الفتاة التي تجلس بجواره، التفت ينظر إليها ووجهه مازال يحمل علامات تعجب من مشهد الصباح، لقد خرج من المغطس ليلة أمس إلى الفراش مباشرة، وغط على الفور في النوم، كطفل أنهكه اللعب طوال اليوم، لم يلتفت نحوها أو يتحدث معها، ولكن عندما استيقظ في الصباح كانت المفاجأة أنه وجدها بين ذراعيه، غافية على صدره، راحتيها تلامسان قلبه، لم يعي في البداية ما يحدث، أو ما حدث، كل ما يتذكره أنه سقط في النوم، ولم يفعل أي شيء آخر..

والذي أثار دهشته أكثر ولم يستطع إنكاره، هو أنه شعر بالدفء وهي بين ذراعيه، استمتع بقربها منه.. بشرتها الناعمة الدافئة تدغدغ بشرته القاسية، جسدها البريء يرسل إشارات له أنها في حاجة إليه، رائحتها النقية، ليست كرائحة فتاته التي كانت تذهب عقله، بل هي مختلفة، شهية، بريئة، تتغلغل داخل أنفك فتجد أنك اعتدت عليها، واحببتها، رائحة تبدو كرائحة الأطفال، ظل يتأملها قليلا وهي نائمة كالملاك الصغير، خصلاتها تداعب وجهها، أنفاسها منتظمة وهادئة، لا يعلم لماذا شعر حينها هكذا؟، بدت كمن وجد ضالته أخيرًا، الأمان، وجهها أكثر راحة وهدوء، تعجب من أمرها، وشعر بالتشتت قليلا، ولكنه على الفور  انتبه إلى الأمر،  وابتعد عنها في صمت قبل أن تستيقظ وتظن أن شيئا قد حدث.

*********************

وصلت الطائرة أخيراً إلى قرية ماتيرا Matera

قرية  لها شهرة واسعة بين قرى الريف الإيطالي، حيث تم تصوير العديد من أفلام هوليود بها مما زاد من شهرتها.

وتعد واحدة من أجمل معالم الريف الإيطالي وذلك بسبب كهوفها الجميلة والمناظر الطبيعية الخلابة بها، كما تشتهر بالمنازل المصفحة على التلال وشوارعها المرشوشة بالحصى والمتاحف والكنائس التاريخية الساحرة.

هبط الجميع من الطائرة في المهبط الخاص بها بالقصر، وحمل العاملين الأمتعة، والمربية حملت الطفلة الصغيرة، أما هو فلم ينتظر طويلا، أو حتى يهتم بأن يتحدث معها، فقط قبض على ذراعها واحتجز أناملها بين أنامله بتسلط شديد وبدون سابق إنذار، ثم جذبها خلفه إلى الداخل كما لو كان يعلن لها ملكيته وسيطرته عليها.

لم تهتم إيڤا بفعلته كثيرا، ولم تعر له أي اهتمام، تعلم جيدا أنه يجب أن يتقن دور المحب أمام الجميع ويؤدي كل المشاهد المطلوبة لكى لا يثير ريبتهم، حتى لو كان يفعلها ببرود وبافتعال واضح ومسيء.

ما كان يشغلها حقا الآن، هو انبهارها بالمكان، لقد كان له الغلبة في الأحداث، قصر كبير مبني على تلة مرتفعة، من الحجارة الحمراء الكبيرة، طريق المدخل معبأ بقطع صغيرة من الحجارة الملونة، ترسم أشكالًا زخرفية جميلة، وعلى الجانبين تماثيل جميلة متوسطة الحجم لنساء من العصر الاغريقي، أما الحديقة فهي عبارة عن تحفة فنية بديعة، توجد بها زهور مختلفة الألوان والأنواع وشجيرات ترسم ممرات وحدود للمكان.

و لمحت أيضا أثناء مرورها حمام سباحة كبير وبعض الملاعب، كل شيء هنا مختلف حتى الهواء، منعش جميل يدغدغ الحواس، لا تعلم ما هذا الشعور الجديد الذي اجتاحها، بداية جديدة، مختلفة، لقد كانت دوما تقف عند مفترق الطرق لا تعلم أي من الطرق تسلك، مشتتة، تائهة بين الماضي والحاضر، بين جرأتها وهلعها من المجهول، مشاعرها المتناقضة دوما كانت تردعها عن التقدم أو اتخاذ القرار، خوفها المصاحب لها لا يريد التحرر منها.

والآن تشعر أنها في أبعد مكان في العالم، بعيدة عن كل شيء، حتى عن مخاوفها وقلقها الدائم، كما لو كان هواء الريف الايطالي له تأثير السحر، بمجرد أن استنشقته وضع بصمته عليها وحررها من كل الأثقال التي تحملها على عنقها.

جذبت يدها من بين قبضته سريعا، ووقفت مغمضة العينين للحظة، تتنفس الهواء، تملأ رئتيها وقلبها به، لحظة صمت واحدة فقط تريد أن تشعر بها داخل قلبها وعقلها.

تفاجأ بردة فعلها والتفت يتأملها وهي تقف أمامه، تبدو كطفلة صغيرة ترى الشاطيء للمرة الأولى في حياتها، تحجب عينيها عنه ولكن وجهها يخبره بأنها سعيدة، بل أكثر أنها أخيرًا في أمان، تضم جسدها بذراعيها، تحتضن الهواء بقوة كما لو كان عشيقها الوحيد، شفاهها تبتسم ابتسامة نضرة ناعمة، وخصلاتها تتمايل مع الهواء وتعانقه.

(من انتِ؟) سؤال ظل يتردد بداخله وهو يحدق بها، يتمعن بالتفاصيل التي كان غافلا عنها من قبل، ماذا حدث لإيڤا القديمة؟، لقد تحولت إلى امرأة أخرى تماما، خجولة... بريئة...ناعمة...دوما كانت فاتنة ومثيرة، ولكن إثارتها الآن تكمن في براءتها، نظراتها اختلفت، حتى شفاهها لم تعد وقحة كما في السابق، بل إنها الآن نقية ناعمة كما لو كانت شفاه عذرية لم يمسها أحد.

(ماذا حدث لكِ؟) تسائل بداخله وهو يتعجب أن يكون الحادث له كل هذا التأثير على تغييرها الملحوظ، أنها تبدو كامرأة أخرى تماما، خرجت للتو من شرنقتها ولا زالت تكتشف العالم من حولها.

فتحت إيڤا عينيها وقالت بمرح: كل الجمال ده موجود وسايبينه...التفتت حولها وهي تتأمل المشهد وأردفت: انا حاسه ان انا في الجنة، ومش عايزة اطلع منها .

ثم نظرت له بابتسامة رقيقة وقالت : بص بقى عشان نتفق من أولها، انا مودي حلو أوي مجرد ما وصلت، وانت الصراحة كلك طاقة سلبية من امبارح، ومش عايزاك تضايقني، أحسن حاجة تبعد عني وتسيبني استمتع بكل حاجة من غير نكد، وانت خليك في الكآبة بتاعتك .

قالت كلماتها وانطلقت إلى الداخل تاركة إياه يقف مذهولا من تحولها الغريب، من هذه المرأة؟؛ انها تتحول في الثانية الواحدة إلى عدة نساء، خانعة، قوية، طفلة، امرأة، ضعيفة، جريئة...سيطر على دهشته وحدث نفسه قائلا: مجنونة.

انطلقت نحو الداخل بمفردها، عينيها تجري في كل مكان حولها، تستكشف كل زاوية، ثم وقفت في منتصف القاعة، تتأمل البيت من الداخل، لقد كان اجمل بكثير من قصر روما، الذي يبدو كتحفة فنية أقرب من أن يكون منزل، ولكن هذا يبدو منزل بالفعل، أكثر بساطة ودفء، ألوانه العديدة، وأثاثه المريح الفخم، إنه منزل يحتويك تشعر بداخله أنك في أمان، ولست جزء من لوحة فنية لرسام مشهور.

ظلت تتجول في القاعة تشاهد اللوحات الفنية الجميلة بألوانها المفعمة بالحياة، وبلاط الأرضية الملون كما لو كنت في مهرجان هولي بالهند، الستائر ذات الألوان البرتقالية الدافئة، المدفأة الكبيرة المصنوعة من الحجر الملون والمقعدين الوثيران اللذان امامها.

_مممممم...جنة، جنة جميلة وهادئة...حدثت نفسها بصوت مسموع ثم التقطت تيرا من يد المربية وهي تداعبها، وتحركت بها في أرجاء المكان قائلة : شفتي يا تيرا بيتنا الجديد، هانقضي فيه وقت حلو مع بعض، هانلعب ونجري وبالليل هاقعد انا وأنتي هنا قدام الدفاية واحكيلك حواديت لغاية ما تنامي، هنا محدش هايضايقنا ولا يزعجنا.

كانت تحدثها وهي تحملها وتدور بها في دوائر كأنها ترقص معها على أنغام موسيقى هادئة، بينما هو يقف يشاهدها، للحظات عاد إليه مشهد من ذكرياته القديمة مع والدته، كانت تقوم بالمثل تماما معه في نفس المكان أمام المدفأة.

ابتسم رغما عنه واقترب نحوهما ولمس بأنامله وجنة الطفلة الصغيرة قائلا: فيها منك بس عنيها مختلفة.

ارتبكت إيڤا وقالت بتردد: شبه عيون باباها.

صمت آدم قليلا ثم أردف قائلا: ما أقدرش ألومه على اللي ممكن يعمله لما يعرف ان عنده بنت بالجمال ده وأنتي مخبياها منه، أنا لو اكتشفت أن ليا بنت ومامتها حرمتني منها، وقتها عقابي ليها هايبقى أسوأ من الموت.

ارتجف جسدها وابتعدت للخلف عنه في حركة لا إرادية، ثم قالت : فين أوضتي أنا وبنتي.

ابتسم لها وأجاب: ماتخافيش، هنا هاسيبك براحتك، الكل عارف اننا لسه هنتجوز، وطبيعي يكون ليكي اوضة منفصلة، في فوق حوالي ست أوض نوم، وهنا في واحدة بس للضيوف، اختاري اللي تحبيه.

أجابته سريعا: أقعد في الأوضة اللي هنا، اقرب للجنينة عشان تيرا .

_ خلاص براحتك، هابلغ المربية والخدم ينقلوا حاجتك فيها، وشوفي تحبي تعملي ايه النهارده ...

تنهدت بعمق وقالت : هاخد تيرا في حضني وأنام شوية، عشان حضنها وحشني، ولما نصحى ممكن انزلها الpool  شوية( حمام السباحة) .

_ ok , وانا هادخل المكتب أخلص شوية شغل، وخدي بالك البلد هنا تحفة متضيعيش عليكي الفرصة انك تشوفيها، ده غير أن لازم تستعدي للفرح وفستان الفرح.

زفرت بقوة معلنة عن ضيقها من كل هذه الأمور وقالت : كنت أتمنى ان كل ده مايحصلش، بس مقدرة كلام والدتك، ومفيش مشكلة، ارتاح بس النهارده ولو تحب نبدأ من بكره أن شاء الله .

_ اتفقنا، تعالي اوصلك للأوضة ...قال آدم وهو يمسك ذراعها ويتجه بها إلى باب جانبي أسفل السلالم التي تصل للطابق العلوي، دخلا سويا فوجدت نفسها في ممر صغير يحتوي على ثلات ابواب، تحدث وهو يسير معها قائلا: هنا اوضة المكتب، وقدامها على طول أوضتك، والاوضة التالتة دي فيها شوية ادوات للترفيه والرياضة .

لعنت حظها السيء، عندما أرادت أن تختار مكان لتبتعد عنه، اختارت الغرفة التي أمام مكتبه، فأصبحت ملاصقة له، ما أتعسها بحظها الأسود الذي لا يفارقها، ابتسمت على مضض وقالت : أوك أسيبك وادخل انا وتيتو اوضتنا.

راوده إحساس أنها تريد التخلص منه سريعا، لا يعلم لماذا اغتاظ من هذا الشعور، لذا قرر أن يطيل من ازعاجها وقال : إزاى لازم اوصلك الأوضة واعرفك كل حاجة فيها .

حدقت به في تعجب وقالت بتهكم: ليه يعني، مش هاعرف أمشي الخطوتين دول، وإلا ممكن أتوه فيها!!، متتعبش نفسك أنا هاتعامل .

_ أصول الضيافة كده عندنا، لازم نتطمن على الضيف وراحته ...أجاب وهو يدير مقبض الباب براحته، ويجذبها إلى الداخل.

دلفت إيڤا داخل الغرفة وعينيها تلمعان بشدة من جمالها، فراش كبير مرتفع له أعمدة عالية، منسدل عليه ستائر رقيقة بيضاء، صوفا كبيرة مريحة يمكن استعمالها كفراش أيضا، متعددة الألوان، الأرضية مصقولة ببلاط صغير مربع باللون الطوب الأحمر، والجدران مزينة ببعض اللوحات الجميلة، وقماش سيرما مطرز ببراعة، والمزينة بجوار الفراش من الجانب الآخر، مصنوعة من الخشب الماهوجني المميز تبدو كقطعة اثرية دقيقة الصنع، ويوجد أمام باب التراس كرسيان هزاز من الخشب.

تقدم آدم نحو باب التراس وقام بفتحه فدخلت أشعة شمس إيطاليا لتملأ الغرفة، اقتربت إيڤا وشاهدت المنظر بالخارج، إنه بالفعل يحبس الأنفاس، الغرفة تطل على حديقة صغيرة خاصة بها، بها منضدة دائرية وعدة كراسي يحاط بهم سياج من الورود المختلفة وبعض الشجيرات القصيرة، كما أنها ترى المسبح لا يبتعد كثيرا عن غرفتها .

ابتسمت إيڤا لابنتها وقالت : شكلك هاتلعبي كتير، وهتقضي أجازة حلوة اوي يا قلبي.

قاطعها آدم متسائلا ً: انتى ليه بتكلميها عربي، المفروض تتكلمي معاها ايطالي .

تنهدت إيڤا بحزن وقالت : دي وصية صاحبتي، كانت دايما تقولي كلميها عربي، بلاش تخليها تنسى أصلها، وانا قررت أسمع كلامها في كل نصايحها اللي كنت معترضة عليها.

_ اممم، وايه حكاية تيتو دي بقا؟ ...حاول أن يلهيها عن تذكر صديقتها بحديثا اخر .

ابتسمت وقالت : ده دلع كل ما كنت اقولها اسمها عشان تقوله، كانت لما تحاول تنطقه تقول تيتو، فقررت ادلعها بيه .

تأملهما معا، لوحة جميلة لأم وابنتها الصغيرة، لوحة تضج بالجمال والحب، بها بهجة وسعادة رغم الحزن الذي يختبئ خلف عينيها.. زفر الهواء من صدره ببطء وقال: اسيبك ترتاحي، ولو احتاجتي أي حاجة عندك جرس جنب السرير، وانا موجود في المكتب قدامك.

_ شكرا ليك، إحنا هاننام علطول، بس ارجوك تطلب منهم يصحوني على الساعة ٣ نلحق الشمس قبل ما تغيب شوية، عشان انا لما بنام ممكن أواصل يومين عادي ...ابتسمت وهي تحدثه برقة .

أجابها وهو يتجه نحو الباب : تحت امر معاليكي .

★★★★★★★★★★★★

نقل العاملين الحقائب إلى الغرف، وقامت إيفا بتغيير ملابسها هي وابنتها، ودست جسدها في الفراش وهي تحتضن تيرا، وأسدلت الستائر الشفافة، وبدأت تشدو لها أغنيتها المفضلة بصوت هاديء ورقيق، حتى غفت الاثنتان:

يللا تنام تيرا.. يللا يجيها النوم

يللا تحب الصلا.. يللا تحب الصوم

يللا تجيها العوافي.. كلّ يوم بيوم

 يللا تنام يللا تنام.. لادبحلا طير الحمام

روح يا حمام لا تصدّق.. بضحك عَ تيرا تَ تنام

تيرا تيرا الحندقّة.. شعرك أشقر ومنقّى

واللي حبّك بيبوسك.. اللي بغضك شو بيترقّى

 يا بيّاع العنب والعنبية.. قولوا لإمّي قولوا لبيّي

خطفوني الغجر.. من تحت خيمة مجدلية

 التشتشة والتشتشة.. والخوخ تحت المشمشة

وكلّ ما هبّ الهوا.. لاقطف لتيرا مشمشة

هاي هاي هاي لِنا.. دستك لَكَنِك عيرينا

تَ نغسّل تياب تيرا.. وننشرهن عالياسمينة .

قبع آدم في مكتبه حوالي نصف ساعة، قام فيها بإرسال عدة رسائل هامة، ثم قرر أن يصعد إلى غرفته وأثناء مروره من أمام حجرتها سمع صوت نغمات رقيقة صادرة من الداخل، التفت حوله وعندما لم يجد أحد، اقترب من الباب وألصق أذنه واستمع إلى صوتها وهي تدندن لصغيرتها بصوتٍ عذبٍ جميل، كأصوات الملائكة في السماء، لا يعلم لماذا ظل مكانه يستمع إليها حتى اختفى الصوت، كل ما يدركه أنه شعر بنشوة كبيرة عند سماعها، نشوة جعلته يراها بصورة جديدة ومختلفة عما سبق، صورة يريد أن يكتشف تفاصيلها أكثر،  وسيفعل.

**************************

أنهى آدم بعض الأمور العالقة بالعمل، وأخبر عمال المنزل بكل الترتيبات للأيام القادمة، ثم قام بتغيير ثيابه وارتدي طقم رياضي مكون من بنطال قصير وتيشيرت وحذاء رياضي، وعندما دقت الساعة الثالثة، قرر أن يقوم هو بإيقاظها.

تسلل داخل الغرفة بهدوء، واقترب من الفراش، كانت الستائر مسدلة، ولكنه استطاع رؤيتها جيدا من خلفها، بدت كالأميرة النائمة، ناعمة ..رقيقة...تحتضن طفلتها بين ذراعيها، كما لو كانت تحميها من العالم أجمع، رأس الصغيرة يغفو على صدرها.

تمهل في التأمل، صار يدرسها جيدا، ملامحها، انفاسها، خصلات شعرها...ثم حدث نفسه قائلا: جميلة ..إنها حقا جميلة، ولكن لا تحاول أن تستمتع بهذا الجمال، لا تحاول الاقتراب أكثر،ليس من أجلك، بل من أجلها، فهي بحاجة لما لا تملكه.

رفع الستائر وجلس بجوارها، لم يتمكن من السيطرة على أنامله التي راحت تلمس وجنتها، قشعريرة مختلفة سرت في جسده، عندما لامسها، جال بعينيه على وجهها وشفتيها، وانزلق إلى كتفيها العاريتان، ثم فجأة هب من مكانه ووقف ينفض رأسه، يخرج الأفكار التي بدأت تجتاحه، واقترب ثانية منها ووضع يده على كتفها بلطف وقال: إيڤ...إيڤ...يلا قومي.

تململت في الفراش بكسل، اهدابها ترتجف على جفنيها، ما زالت بعد غافية، لم تعي أنه أمامها، همهمت بصوت ناعم وبنبرة ملفتة.

اقترب منها أكثر وهمس في أذنها: إيڤا قومي.

همست بصوت ناعس رقيق يشوبه الحزن: روح .

قطب جبينه وقال: أروح فين ...ثم اقترب أكثر وهمس بصوت اعلى قليلا: إيڤ، قومي..أنا آدم .

كانت أنفاسها الحارة تلفح رقبته، تدغدغه، فاقترب بشفتيه وقبل جبهتها وأطال البقاء...فتحت إيڤا عينيها فوجدته جاثم فوق جسدها يقبل رأسها، انتفضت من الذعر، وقفزت مبتعدة عنه وهي تقول: في ايه؟، إنت بتعمل إيه هنا؟ .

تراجع آدم للخلف وقد انتابه الحرج ولكنه تدارك الموقف وقال : بقالي نص ساعة بصحي فيكي، لدرجة اني حسيت انك تعبانة، فقلت اشوف حرارتك .

رفعت حاجبها وقالت بسخرية: بشفايفك !!

_ والله انا مش بعرف أقيس الحرارة إلا كده، إذا كان عاجبك, وبعدين ده بدل ما تقولي شكرا....أجابها بمكر وهو يبتسم .

تنهدت ببطء وقالت : شكرا ...انا خلاص صحيت، هاصحي تيرا ونلبس ونخرج .

أردف قائلا بخبث: مش محتاجاني اساعدك في حاجة ..

_لاااا ..أجابت سريعا، شكرا اتفضل انت واحنا وراك على طول .

**********************

غادرت إيڤا الغرفة من باب التراس، واتجهت نحو المسبح بدون أن تمر على آدم كما وعدته، لا تعلم لماذا؟، بالرغم من أنها وقفت مترددة طويلا بين ارتداء ثوب السباحة خاصتها، الأحمر اللون ذو القطعة الواحدة، أو ترتدي الثوب الآخر الأسود بخيوط رفيعة على الظهر بيضاء والمكون من قطعتين، القطعة العلوية بحمالات رفيعة وتصل حتى الخصر والقطعة الأخري شورت قصير جدا، ولكنه على الأقل أكثر احتشاما من الثوب الاخر، استقرت أخيرا على الأسود اللون.

لا تعلم لماذا كان ينتابها الحرج الشديد؟، حتى أنها ارتدت عليه ثوب قصير( كاش مايوه)، وقررت ألا تخلعه.

لقد كانت وجنتيها تشتعلان من الخجل بمجرد أن يجول بخاطرها أنها ستقف أمامه بثوب السباحة، بالرغم من أنها اعتادت ارتداءه على الشاطيء، ولكن أمامه لا تستطيع أن تقف وجسدها يظهر منه الكثير، تخشى أن يظن أنها دعوة منها إليه، فمهما بلغت ثقافة الرجل وتحضره سيبقى دوما يفكر بنفس الطريقة التقليدية المتحجرة .

حملت تيرا واتجهت نحو المسبح ولكنها تفأجات به يجلس هناك مع الكمبيوتر المحمول، اقتربت في هدوء وخجل، وألقت عليه التحية ثم جلست بجواره وبدأت تخلع الثوب عن طفلتها حتى تضعها في المياه.

تأملها آدم من خلف عدسات نظارته الشمسية، لقد ازدادت جمالا، في ثوبها الرقيق الشفاف المرسوم عليه أزهار الربيع، وشعرها المرفوع لأعلى ووجهها الخالي من مساحيق التجميل، فقط القليل من حمرة الشفاه الجذابة .

انتبه من شروده فيها على صوتها وهي تتذمر قائلة: يوووه، نسيت الصن بلوك  ...نظرت نحوها ورفعت الصغيرة في وجهه قائلة: خد تيرا شوية لحد ما اجيب الكريم واجي .

حدق بها وقال : أنا !!، لا مش هاينفع.

عقدت حاجبيها وقالت : ليه، خايف البنت المفترسة دي تاكلك ...اتفضل بلاش دلع شيل البنت ..ولو رجعت لقيته بتعيط يا ويلك مني .

ألقت بكلماتها ووضعت تيرا على ساقه وغادرت، وهو يحدق بها متعجبا.

حمل الطفلة متضررا، وأجلسها على ساقيه وهو يداعب وجنتها ويحاول أن يلهيها حتى تعود والدتها ..ظل يردد اسمها : تيرا...قولي تيرا .

ابتسمت الصغيرة بمرح ورددت : دادا ...دادا .

ثم رفعت أناملها الصغيرة وجذبت النظارة الشمسية من على عينيه وحاولت ارتدائها وهي تنظر له بمرح وتردد : دادا ..دادا .

إقشعر بدنه من تصرفها الطفولي، وعانقها وهو يقبل وجنتها ، ثم نهض من مكانه وبدأ يلهو معها بكرة صغيرة، وهي تضحك وتتجاوب مع حركاته وكلماته، وبمجرد أن يقذف الكرة في يدها، تقفز بين يديه وتسقطها أرضا وهي تضحك وتطالبها بمعاودة الكرة .

اقتربت إيڤا منهما وهي تتابع المشهد عن كثب، قلبها يخبرها بالكثير، ولكن عقلها يرفض الاستسلام لتلك اللحظات الصغيرة التي لا تعبر عن شيء، وصلت إليهما وقالت بمرح: شكلكم اتبسطتوا في غيابي..وحاولت أن تلتقط الصغيرة من بين يديه ولكنه جذب الواقي وقال: انا اللي هاحط لها الصن بلوك .

جلس الثلاثة معا يتحدثان وسط ضحكات الصغيرة وآدم يضع لها الواقي وهو يدغدغها، وبينما يفعل هذا يلطخ وجه إيڤا به وهي تتوعد له ...هتفت الطفلة بحماس: دادا ... دادا .

انتفضت إيڤا من مكانها، وعندما همت بالحديث سمع كلاهما صوت أنثوي قادم من خلفهما تقول بالايطالية : دادا ..من هذه الصغيرة يا آدم ؟، هل لك ابنه ولم تخبرني؟ .

التفت آدم وإيڤا وكانت المفاجأة أنه وجد اليسيا تقف أمامه تلتهم بنظراتها إيڤا وبجوارها يقف صخر الذي يبدو على وجهه علامات النصر .

كيف سيكون اللقاء؟ وهل سيحدث تصادم؟، ماذا ينوي صخر؟...وماذا سيكون مصير آدم وإيفا وسط كل تلك الأحداث؟
تعليقات



<>