
جُمانة
مُتأسف قصدي أستاذة جُمانة.
ابتسمت برقة قائلة:
ولا يهمك، جُمانة من غير ألقاب أسهل… إحنا مفيش بينا راسميات يا محسن ناسي إننا كنا زملاء فى الجامعة.
قالت ذلك ثم مالت قليلًا برأسها، ونظرتها الهادئة كانت تحمل مزيجًا من اللطف والتحفُظ، قبل أن تضيف بنبرة خفيفة:
متأسفه المفروض لقائنا كان يبقي فى البنك، بس أنا قولت نتكلم خارج المكاتب فى مكان هادي..أفضل .
تردد لثانية، كأنه يحاول ترتيب كلماته، ثم تقدم خطوة وهو يقول بابتسامة خفيفة يخفي خلفها توتر غريب عليه:
لا بالعكس… كده أحسن. البنك دايمًا يخلي الكلام ناشف شوية، وأنا كنت محتاج أتكلم معاكِِ براحتنا.
ثبت نظره عليها لحظة أطول مما ينبغي، ثم أضاف بنبرة أخف:
وبصراحة… وجودك قدامي هنا بعيد عن البنك فكرني بأيام الجامعة أكتر مما كنت متوقع.
لم تفقد جُمانة ابتسامتها، لكنها شبكت يديها أمامها بحركة لا إرادية، كأنها تضع مسافة غير مرئية بينهما، وقالت بهدوء محسوب:
الأيام دي عدت يا محسن، وكل واحد فينا بقى في مكان مختلف. خلينا في سبب المقابلة.
هز رأسه موافقًا، ثم زفر زفرة قصيرة قبل أن يقول:
عندك حق… أنا جيت علشان الملف اللي قدمتيه، فيه شغل كبير ومجهود واضح، وحابب أفهم بعض النقاط منك مباشرة.
أومأت برأسها بخفة، وعيناها تتابعانه بانتباه مهني خالص، قبل أن يُشير بيده نحو الطاولة القريبة:
خلينا نقعد مش هينفع الكلام وإحنا واقفين هيكون أطول.
أومأت برأسها موافقة...
جلسا متقابلين، لحظة صمت خفيفة مرت بينهما قبل أن يفتح محسن الملف، لكن عينيه لم تستقرا على الأوراق طويلًا... رفع نظره إليها فجأة، وكأن خاطرًا قد باغته، وقال بنبرة حاول يجعلها عابرة لكنها خانته قليلًا:
أنا فاكر إن لما كنا فى الجامعة كنتِ مرتبطة.
لم يتغير وجه جُمانة كثيرًا، فقط ارتخت ابتسامتها درجة، وأومأت برأسها بهدوء تام:
أيوه… بس للآسف إنفصلت من فترة.
أغلق الملف ببطء، وكأن المعلومة سحبت انتباهه بعيدًا عن الأرقام،وتحدث بآسف:
متأسف، مكنتش أقصد.
نظرت إليه نظرة ثابتة، لا تحمل وجعًا ولا انكسارًا،أو هزيمة.. فقط نضج امرأة دفعت ثمن تجربة ربما لم تكُن ناجحة.. قائلة بثقة هادئة:
أنا تمام يا محسن، الطلاق مش دايمًا خسارة… أحيانًا بيبقى بداية.
هز رأسه موافقًا، وفي عينيه شيء لم يصل الى إعجاب،كان فقط مجرد فضول، ثم أعاد فتح الملف وكأنه يجبر نفسه على الرجوع للواقع:
واضح إنكِ بقتي أقوى… وده باين في شغلك.
مالت قليلًا للأمام، نبرة صوتها عادت عملية واضحة:
خلينا في الشغل بقى، علشان ده الأهم.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وفي داخله اعتراف لم ينطقه: جُمانة التي أمامه الآن، لم تعد تلك الزميلة القديمة التي كانت تمتاز بالحيوية والمرونة كذالك الهدوء والرزانة… بل أصبحت امرأة مختلفة تمامًا... امرأة عملية بحته.
حديث قليل حول العمل، ثم إنسحب بينهم حديث عن بعض ذكريات الجامعة حتي فاجئته بسؤال:
عرفت أنك إتجوزت بعد ما خلصنا دراسة مباشرةً.
لوهلة صمت داخله شعور مُختلف ثم إجابها:
أيوة، أتجوزت بنت خالي.
ابتسمت قائلة:
أكيد جواز عن حُب.
نظر نحوها رسم بسمة بالنسبة لها كانت تؤكد ما تفوهت به،بالنسبة له كانت حِيرة بين قلبه وعقله..
…عقله لو لم يتم زواجهم بذلك النمط، ربما كان اختار طريقًا آخر تمامًا… طريقًا أقل أمانًا، وأكثر صدقًا مع نفسه.
... قلبه... ربما أراد أن يعيش تحربة لوعة الحب والإشتياق
جنب الملف قليلًا، ثم أسند ظهره إلى المقعد،وشعر بوخز فى قلبه فهو تزوج بمرامرة،أخفي ذلك بعقله،قائلًا بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
حب يمكن… أو يمكن تعود، أو قرار اتاخد بدري قبل ما الواحد يفهم نفسه كويس.
راقبته جُمانة بصمت، تلك النظرة السريعة التي لا تُدين ولا تُواسي، فقط تُسجل... هزت رأسها بخفة وكأنها تفهم رده
تلاقت أعينهما لثوانٍ قصيرة، كأن الزمن عاد خطوة للوراء ثم تراجع سريعًا... تنحنح محسن وأعاد ترتيب الأوراق أمامه:
تمام خلينا نرجع لبنود الملف… عايزين نخلص النهارده.
اعتدلت في جلستها، عادت المرأة العملية تفرض حضورها، واختفت الطالبة القديمة خلف جدار من النضج والتجربة:
تمام،خلينا نبدأ بالبند الأول.
لكن رغم انشغالهما بالكلمات والأرقام، ظل سؤال واحد معلقًا في الهواء…
هل ما تغير فعلًا هو الزمن..
أم هما فقط من تعلما كيف يُخفيا ما لم يعد مسموحًا له بالظهور.
❈-❈-❈
بالغورية
صدفة قد يقتنصها طامع...
أمام منزل أم صبري توقفت غزال عينيها تتبع تلك السيارة التي تقترب تتمني أن يتوقف الوقت حتى لو دقائق تنظر فيها الى كنان ربما تُشبع عينيها منه.. بنفس الوقت إقترب منها زوج عمتها فى البداية لم ينتبه الى نظرتها، الا حين تحدث كثيرًا… لكنها لم تنتبه له كانت شاردة.
لاحظ ذلك،كذالك لاحظ شرود عينيها، تلك النظرة البعيدة التي لا ترى ولا تسمع من أمامها...
توقف فجأة عن الكلام،للحظات ثم وكزها بكتفها قائلًا بنبرة خافتة:
سرحانة في إيه يا غزال.
انتفضت، كأنها أُمسكت متلبسة بأفكارها، ابتسمت ابتسامة باهتة قائلة بتوتر ونفي:
مش سرحانه...مخدتش بالي قولت إيه.
لكنه لم يقتنع...
العين لا تكذب، وهو يعرف تلك النظرات جيدًا… يعرف معناها حين تطول أكثر من اللازم، وحين يلمع فيها شيء محرم لا يُقال...
ضيق عينيه قليلًا، وتسللت ابتسامة جانبية باردة إلى شفتيه، ابتسامة رجل التقط الخيط ولم يشده بعد...
تحدث وهو يعاود السير ببطء، نبرته متعمدة الهدوء:
كنان يعني.
تجمدت غزال في مكانها، وكأن الاسم سُحب من صدرها لا من فمه... ارتبكت أنفاسها، وسارعت تهز رأسها بنفي مبالغ فيه:
إيه اللي بتقوله ده يا جوز عمتي.. كنان جارنا… وبس... ده ابن الحج محي الدين الدباغ.
ضحك ضحكة خافتة، قصيرة، لم تصل لعينيه، ثم مال قليلًا نحوها، صوته انخفض أكثر:
الجيران ما يتبصلهمش كده برضوا… ولا نتمني الزمن يتوقف عشانهم، دي مش أول مرة ألاحظ نظرة عيونك له.
عضّت على شفتيها في حنق، وعادت تنظر للأمام، السيارة كانت قد ابتعدت، وكنان صار مجرد ظلٍ ينسحب من المشهد… لكن أثره ظل معلقًا في قلبها قبل عينيها...
أما ذلك الطامع فكان يراقب انعكاس خيبتها، ويحسبها جيدًا…
صدفة صغيرة، نعم، لكنها قد تكون كافية لطامع يعرف متى يمد يده، ومتى ينتظر...
سارت غزال جواره بخطوات شبه متزنة، كأن الأرض صارت أضيق فجأة... حاولت أن تجمع شتات نفسها، أن تُعيد تلك الملامح الهادئة التي اعتادت ارتداءها كقناع، لكن قلبها كان يسبقها بخطوتين، يركض خلف سيارة ابتعدت وأختفت..
أما هو، فكان صامتًا على غير عادته… صمتٌ مُريب، يختزن أكثر مما يتحدث..
توقف عند باب المنزل، أشعل سيجارة ببطء، نفث دخانها أمامه ثم التفت إليها بنظرة جانبية فاحصة... قاىلًا بنبرة نُصح باطنها غرض آخر:
الدنيا صعبة يا غزال… واللي ما يلحقش الفرصة، الفرصة ما تستناهوش.
رمقته باستغراب، حاولت أن تبدو غير معنية:
مش فاهمة قصدك.
ابتسم، ابتسامة أوسع هذه المرة، لكنها أثقل… محمّلة بنوايا غير بريئة:
هتفهمي… لما تكبري شوية، أو لما تحتاجي حد يقف جنبك بجد.
تصلبت ملامحها، وشعرت بانقباض غامض في صدرها. لم يعجبها وقع كلماته، ولا نظرته التي تجاوزت حدود القرب المسموح...
خطت خطوة للخلف دون وعي، وكأن جسدها يسبق عقلها في الحذر.
أنا مش محتاجة حد، الحمد لله.
أطفأ سيجارته تحت حذائه، واقترب نصف خطوة، لا أكثر… لكن المسافة كانت كافية لتشعر بالاختناق.
محدش في الدنيا دي مش محتاج، بس الشاطر اللي يعرف يختار.
صمتت... وفي عينيها، بين خوفٍ مكتوم وحنينٍ مكسور، فهم أنها لم تكن ضعيفة… لكنها مشغولة القلب.
والمشغول قلبه… طريق الوصول اليه أسهل مما يتخيل الطامعون.
❈-❈-❈
أثناء قيادته للسيارة لاحظ من إنعكاس صورة بالمرآة الجانبية للسيارة سهل عليه معرفة صاحب ذلك الانعكاس هو ذلك الضعيف الشخصية، زوج أم صبري، لاحظ إشارته له، لم يُبالي بذلك،لكن لاحظ كأن هنالك شخص آخر خلفه، خمن ربما هي أم صبري، شيء داخله مقت من ذلك المنظر للإثنين..
بعد وقت بداخل ممر بالجامعه كان يسير برتابة...لم ينتبه لتلك التي تُنادبي عليه،لم بنتبه الا حين وضعت يدها على ذراعه...
توقف ينظر لها رسم بسمه خفيفة،لتلك التي تتحدث بثقة مبالغ فيها، بينما هو يستمع بنصف انتباه... عيناه لم تكن عليها…كأنه يبحث عن شخص آخر.
لاحظت راندا ذلك، فاعتدلت في وقفتها قائلة بحدة خفيفة:
أستاذ كنان إنت مش سامعني كأن دماغك مشغولة ومش منتبه لكلامي..
نظر إليها أخيرًا، ابتسم ابتسامة سريعة قائلًا بنفي:
لا.. سامعك، كملي.
لكنها أدركت أن هناك شيء خطف انتباهه، ولو من بعيد... لكن لم تعرف لك الشيء... تعمدت التحدث بدلال حتى تلفت انتباهه بالكامل:
كنت بقول لحضرتك...عيد ميلادي بعد أسبوع وعامله حفله صغيرة كده فى البيت عندنا فى الغورية ،وعازمه كل الناس القريبة مني..وإنت..
توقفت تدعي الخجل للحظات ثم أخفضت وجهها بحياء مُصطنع:
قصدي طبعًا حضورك تشرفنا يعني.
رفعت عينيها له ببطء، نظرة محسوبة بعناية، فيها دلال أكتر ما فيها خجل، وكأنها تختبر أثر كلماتها عليه..
بنفس الوقت كان بعض الطُلاب يندفعون كي يلحقوا محاضرتهم.. دون إنتباه أحدهم إصطتدم بـ راندا،لعدم إنتباهها كادت أن تصتطدم بصدر كنان لكن
كنان عاد للخلف، والتصق ضهره على الحائط،وهي إعتدلت،تذم زميلها فى صدرها... نظراته استقرت عليها بثبات مختلف عن سرحانه السابق...
-الحفله في الغورية.
سألها بنبرة هادئة، لكن اهتمامه كان واضحً.
هزت رأسها بخفة، وابتسامتها اتسعت كأنها التقطت الخيط:
آه… بيتنا هناك، حفلة بسيطة مقتصرة، على العيلة والصحاب… يعني مفيش تكلف.
صمت لحظة، لكنها شبه تحايلت بنعومة مقصودة:
وجودك هيبقى تشريف كبير ليا.
ابتسم كنان ابتسامة جانبية، قصيرة، بها شيء مقروء قائلًا:
واضح إنك مجهزة الدعوة كويس.
ضحكت بخفة، ضحكة أنثوية مدروسة:
أصل عيد الميلاد مايتعوضش… خصوصًا لما الواحد يحب يفرح مع ناس مهمة فى حياته.
نظر لها مطولًا، وكأنه يزن الجملة الأخيرة، ثم قال بنبرة لا تخلو من الغموض:
هشوف ظروفي… وأبلغك قبلها.
ورغم إنها حافظت على ابتسامتها، إلا إن عينيها لمعت بانتصار صغير…يكفي إنها قد تستحوز أخيرًا...
مالت قليلًا للأمام، نبرة صوتها بقت أهدى وأقرب، كأنها تغلق الدائرة عليه يشبه رجاء:
أكيد… طبعًا ظروفك مهمة... كمان حضورك حفلة عيد ميلادي شيء مهم بالطلنسبة لى.
عقلها كان يصور لها موافقته دون تحايُل منها هكذا،لكن خاب توقعها...بينما .
كنان لم يكُن سهلًا كما توقعت ويوافق فورًا، تنهد وسألها وكأنه سؤال عابر:
مين هيبقى موجود
رفعت كتفها بخفة مصطنعة:
شوية قرايب… وصحاب من الجامعة… ناس بتحبني.
وتداركت بسرعة، بنعومة فيها قصد:
أهلى وأصحابي وبعض المعارف يعني.
رفع حاجبه، ابتسامة خفيفة لمست طرف شفته:
أهل ومعارف وبعض أصدقاء والدك... طب حضوري هيبقي بأي صفة.
ابتسمت، ورفعت عينيها بثبات محسوب:
مش لازم وجود صفة، بس وجودك يفرق معايا .
ساد صمت قصير، قطعه
كنان أخيرًا بعدما وزن كلامها برأسه
تمام إن شاء الله هحاول أحضر.
قلبها دق أسرع، لكن ملامحها ظلت هادية:
بجد...بجد مبسوطة أوي وهكون أسعد لما تحضر الحفلة.
تبسم وهو يمُر جنبها،لكن توقف جزء من ثانية، وقال بنبرة أقرب للتحذير منها للدعابة:
بس ماتزعليش لو اتأخرت،لأنى مش متعود عالحفلات دي..
لفت وجهها له، ابتسامتها كانت أهدى وأعمق:
المهم تيجي… ولو على آخر الحفلة.
أومأ رأسه
غادرت من أمامه، وخطواتها كانت واثقة، وهي داخلها متأكدة من حاجة واحدة:
السرحان الذي كان في عينيه… أصبح ليها نصيب منه الآن.
تركته وغادرت وهي تحتفظ بابتسامتها لآخر لحظة، حين ابتعدت عن مجال رؤيته سحبت نفسًا طويلًا، كأنها كانت تحبس روحها...
همست لنفسها بثقة:
متأكدة دخلت دماغك… خطوة خطوة هتلين وهشكلك على مزاجي يا إبن محي الدين الدباغ، أنا اللى هخليك تيجي لحد عندي من غير ما أطلب، هتفتكر إنك المسيطر، وإن كل خطوة منك محسوبة… ومش هتاخد بالك إني سابقة بخطوتين.
عدّلت وضع حقيبتها على كتفها، واستقامت أكثر، عادت الملامح هادئة كأن شيئًا لم يكن، لكن بداخلها ضجيج انتصار صغير...
بداخلها تظن أن هذا النوع من الرجال؛ الصامتون، المتحفزون، لا يعطون مساحة لمن أمامهم بسهولة
بينما كنان ، ما زال واقفًا مكانه، عينيه متسمرتين في الفراغ التي تركته خلفها
هزّ رأسه بخفة، كأنه يُرحب بفكرة اقتحمت عقله فقط.
بينما وقفت راندا مع إحد صديقاتها تأخذ منها الهاتف نظرت الى تلك الصورة قائلة بعصبية:
إيه الغباء ده، معرفتيش تاخدي صورة أوضح من دي... الصورة تبان عادية، إتنين واقفين قصاد بعض.
ردت صديقتها:
ما اهو كنان رجع لورا، وإنتِ مقربتيش منه، زي ما كنا متفقين انك تسندي على صدره، عشان تبان الصورة انك فى حضنه.
زفرت راندا نفسها بغضب قائلة:
للآسف هو خد حذره ورجع لورا وأنا خوفت أقع هيبقي منظري إيه، المهم جزء من الخطة اتحقق، شبه وافق على حضور عيد ميلادي، وسهل أنفذ الجزء ده فى حفلة عيد ميلادي، بعدها... هنشر صور تجمعني معاه، والصور تنتشر فى الجامعة مع شوية كلمات وإشاعة إرتباط وقتها إبن الدباغ هيقع فى قبضة إيدي.
❈-❈-❈
ليلًا
سحبت اجلال طرفي الستائر، ضمتهما على بعضهما ثم تنفست بقوة... لاحظ محي ذلك... تمدد على الفراش قائلًا:
مالك بتتنفسي بقوة كده ليه.
توجهت نحو الفراش وتمددت لجواره قائلة:
عهد.
استغرب ذلك سائلًا:
مالها عهد.
أجابته بتوضيح:
لسه راجعه مع ياسين.. أكيد كانت عند بيت اهلها... كل يوم كده تخرج من الصبح ترجع المسا، زي ما يكون بتتجنب وجودنا... مش راضية اتكلم معاها، …أوقات بحس إنها شايلة مننا، منزوية.
سكتت لحظة، وعينيها ثابتة في السقف كأنها تبحث عن إجابة مُقنعه...
اعتدل محي على الفراش، سند على كوعه ونظر لها بتركيز قائلًا:
وهتشيل مننا ليه ، بلاش توهمي نفسك، كل الحكاية مسألة وقت
ابتسمت إجلال ابتسامة باهتة، أقرب للتنهيدة: ما هو ده اللي مقلقني… عهد مش من النوع اللي بيتعود عالناس بسرعة عكس فرح إتأقلمت معانا بسرعة.. قلبي حاسس إنها حتي مع فاروق بنفس التحفُظ، أوقات بديها حق ان طريقة جوازهم اللى تم بسرعة ومفاتش وقت على وفاة فرح، لهم تأثير على رد فعلها، حتي فاروق أوقات بحس إنه شايل فى قلبه، رغم اننا عارفين ان مشاعره اتجاة عهد قوية.
لفّ محي وجهه نحوها، فكر ثواني قبل ان يقول بتفسير :
زي ما قولتي ظروف جوازهم،كمان عهد مش نفس طباع فرح... يمكن محتاجة وقت… أو يمكن حاسة إنها غريبة هنا مع الوقت هتتأقلم...بلاش تشغلى عقلك،أنا حاسس إنك متوترة فى الفترة الأخيرة.
تنهدت بضجر قائلة:
حاسه بزهق وملل...حتى حال يارا تاعب أعصابي،رفضها للعرسان ولما اتكلمت معاها مخدتش منها كلمة مفيدة،والعمر بيجرى،دي بنت مش ولد.
ضمها محي لصدره قائلًا:
كل شئ بوقته يا اجلال انا حاسس ان أعصابك تعبانه،إيه رايك نروح نعمل عُمره،اكيد أجواء الحرموهتهدي أعصابك.
اومأت رأسها بموافقة...قائلة:
نروح حاسه بخانقه،وايه رأيك ناخد أم صبري معانا،كانت كلمتني ووعدتها ناخدها معانا.
تفوه محي بسؤال تجي معانا مش مشكله،بس بنت اخوها هتسيبها لمين ... دي بنت ومتنسيش ابو صبري وإبنه اغراب عنها.
فكرت اجلال لحظات ثم قالت:
وماله ناخدها معانا العُمره اهو كله ثواب لينا.
❈-❈-❈
باليوم التالي صباح
بشقة فاروق
دلف ياسين الى المطبخ، تبسمت له عهد وهي تضع آخر طبق للطعام قائلة:
خلصت تحضير الفطار يلا...
قاطعها قائلًا ببراءة طفل وهو يجذب يدها للسير معه :
وبابا لسه نايم تعالي نصحيه يفطر معانا، عشان أنا عاوز أطلب منه طلب.
مسكت عهد يده بإعتراض قائلة:
طلب إيه قولى وأنا هعمله.
إعترض ياسين ببراءة قائلًا:
لاء أنا عاوز بابا، تعالي بس معايا.
غصبً سارت مع ياسين نحو غرفة النوم الثالثة، توقفت كان الباب مواربً دفعه ياسين، نظرت الى الداخل شعرت بحياء
كان فاروق نائمًا على جانبه، أنفاسه منتظمة، وظهره العاري يلمع تحت ضوء الصباح الخافت... توترت عهد حين سحبها ياسين الى الداخل توقفا جوار الفراش، زاد توترها حين ترك ياسين يدها وصعد على الفراش إنحنى على أذن فاروق قائلاً بمرح:
بابا… اصحى.
تحرك فاروق ببطء، فتح عينيه على ابتسامة ابنه، فابتسم بدوره وهو يتمطئ:
صباح الخير يا بطل.
ابتسم له ببراءة قائلًا:
انا وعهد جينا نصحيك عشان تفطر معانا كمان...
صمت ياسين، وإقترب من أذن فاروق همس له ببعض الكلمات.
تبسم فاروق وأومأ رأسه بموافقة... بينما دخل الفضول الى عهد وتحدثت وهي تنظر لـ ياسين بعتاب واهي:
وشوشت باباك قولت له إيه... تمام مش عاوزني أسمع أنا ماشية و...
إنقطع حديثها حين إستدار فاروق فجأة وجذب يدها لعدم إنتباهها إختل توازنها سقطت نصف مُمددة على الفراش ساعداه يحيطان بها ليمنعاها من السقوط الكامل تجمد الزمن لثواني.. شهقة عهد خرجت مرتجفة، شفتاها المنفرجتان وعيناها المتسعتان كانتا أول ما وقع عليه بصره... شعر بتصلُب أنفاسه دون إرادة، وتوقف عقله عند قربها المفاجئ… أقرب مما ينبغي...
أما هي، فكان عقلها في غفوة حقيقية؛ لا تسمع سوى دقات قلبها، ولا ترى سوى ملامحه القريبة، دفء أنفاسه، وثقل حضوره....مشاعر مضطربة يشعر بها الإثنان... إزدادت حين إنخفض فاروق بوجهه منها وكاد يُقبلها لكن
تدخّل صوت ياسين ببراءة كسر حدة اللحظة:حين تحدث بعدم فهم:
بابا؟ إنت نايم فوق عهد ليه.
انتفض فاروق سريعًا، اعتدل في جلسته وكأنه أفاق من حلم مباغت، بينما ابتعدت عهد على الفور، جلست على طرف الفراش وهي تعدّل خصلات شعرها بارتباك واضح.
تنحنح فاروق محاولًا استعادة رباطة جأشه قائلًا بتبرير:
لا يا حبيبي، عهد كانت هتقع بس.
نهض ياسين من على الفراش وقال بحماس:
طب يلا بقى نفطر، عشان الطلب.
وقفت عهد بسرعة، تجنّبت النظر إليه، وقالت بصوتٍ خافت:
أنا… أنا هرجع المطبخ.
خرجت بخطوات سريعة، وكأن الجدران تضيق عليها، بينما بقي فاروق مكانه لثواني، يمرّر يده على وجهه زافرًا، مدركًا أن تلك اللحظة العابرة لم تكن عادية… ولن تُمحى بسهولة.
وفي الخارج، وقفت عهد تستند إلى رخامة المطبخ، تضع كفها فوق صدرها، تحاول تهدئة قلبها الذي خانها فجأة، وتهمس لنفسها:
إيه اللي حصل ده…؟
لكنها، رغم محاولتها الإنكار، كانت تعلم أن شيئًا ما تغير.
شيئًا بدأ… ولن يتوقف عند هذه اللحظة.