رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الخامس 5 بقلم سارة بركات

           

رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الخامس 5 بقلم سارة بركات

اللهم أنت المُيسّر وأنت المُسهَّل سَهِّل أمري وحقق مطلبي اللهم لا تبتليني بمن أحب بُعدًا ولا فَقدًا ولا حزنًا، اللهم إني أعوذ بك من عين تصيب القلب فتُحزنه والرزق فتُنقصه، والبال فتتعبه والنجاح فتُفشله اللهم أخرجني من أشد الضيق إلى أوسع الفرج.

متنسوش اللايك
الفصل الخامس

ذُهلَت جوداء مما سمعت هل هذا حقيقيٌ حقًا؟؟ .. وتسائلت بعدم فهم واستيعابٍ في آنٍ واحد
- ماذا قُلتي سيلفانا؟
ولكنها لم تقم بالرد عليها حيث كان غارقة في ظلام  الذكريات .. لم تُرِد جوداء أن تضغط عليها في الحديث وضمتها بقوة تُربت على ظهرها وفي ذات الوقت تحاول أن تهدأ بسبب ماعاشته منذ دقائق؛ فلولا ذلك الرجل الذي أنقذها منذ دقائق لكانت الآن ميتة، همست برضا وهي تُربت على ظهر سيلفانا المُنهارة بين ذراعيها.
- الحمدلله.
……………………….
دخل ديميتري للقصر وتقابل مع ستيفانو بمجرد ولوجه للداخل،..
- ديميتري هل أنت بخير؟ مكالمتك بي أقلقتني عليك.
التفت ديميتري له بهدوء:
- أنا بخير لا تقلق، أين الباقون؟
أجاب ستيفانو بهدوء:
- دييجو في غرفته يقوم ببعض الأعمال، ولوكا نائم.
- حسنًا، يجب أن نتجمع غدا بخصوص ما سيتم في الفترة القادمة.
كاد ستيفانو أن يتحدث ولكن قاطعه ديميتري:
- من فضلك ستيفانو قُم بتأجيل أي موعد لديك في الغد إن الأمر طارئ. 
أومأ ستيفانو بهدوء ثم صعد ديميتري لغرفته ليستحِم وفي عقله الكثير من الأمور.
كان دييجو جالسًا في غرفته يبحث عن شريكة لحياته داخل ذلك الموقع رأى الكثير من البيانات ولكنه لم يلفت انتباهه أي واحدة منهن، تنهد باستسلام وكاد أن يُغلق حاسوبه المحمول ولكن آتاه إشعار من الموقع يُفيد بوصول بيانات إضافية، قام دييجو بمراجعة ذلك الإشعار وقرأ البيانات المُرَشَحَةُ إليه ..
" إيلينا لورينزو .. إثنان وثلاثونَ عامًا .. طبيبة."
قام بفتح ملفها الشخصي وأخذ يتصفحه يبدو أنه قد أُنشِئ حديثًا حيث لا يوجد أي بيانات إضافية عَقِدَ حاجبيه عندما رأى صورتها تظهر أمامه كانت جميلة بأعينٍ زرقاء وشعرٍ كِستنائي مموج متوسط الطول وبشرتها البيضاء مرسومة بامتياز ببعض البُقَعِ البنية البسيطة والتي تُبرز جمالها ظل يُطالعها بهدوء حتى قرر وضغط على زِر الموافقة.
...............................
كانت سيلفانا مُستكينة وهادئة بين ذراعي جوداء والتي تتلو بهمس بعضًا من آياتِ القرآن الكريم وتُربِتُ على ظهرها وبعد أن انتهت أخذت تدعو الله أن يهدي بالها .. تنهدت سيلفانا بارتياح وأكملت نومها حيث أغمضت عينيها دون أن تشعر، بعدها شعرت جوداء بثقل رأسها قامت بإعادتها للفراش مرة أخرى وأغلقت أضواء الغرفة قبل أن تخرج منها. 
ذهبت لغرفتها لتقوم بتغيير ثيابها وتفكر في عملها ماذا سيحدث بعد اليوم؟؟ هل تقوم بالإستقالة؟؟ أم تعود لموطنها؟؟ والكثير من الأسئلة في مخيلتها وقبل أن تغوص في تفكيرها أكثر رفعت هاتفها وأرسلت رسالة لمديرها السيد ماركوس.
- أعتذر ولكن طبقًا لما حدث لي اليوم، سأبقى في المنزل لعدة أيام لأُعيدَ التفكير في كل شيءٍ يخصُّ حياتي .. ومن فضلك لن يكون هُناك برنامجٌ ليليٌ بعد اليوم! .. وإذا أردت أن تعلم ماذا حدث لي بالضبط .. إسأل السائق الذي قُمتَ بإرساله لي بالأمس عن ماذا حدث.
ثم أغلقت هاتفها بعدما ضغطت زر الإرسال وذهبت لكي تتوضأ وبعدما انتهت بدأت صلاتها والتي هي بحاجة إليها كثيرًا لتترك كل شيءٍ على الله؛ إذ أن الأمر كله بيده حينما يقول كٌن فيكون.
....................................
في صباح اليوم التالي وفي متجر المخبوزات الشهير كانت جلوريا جالسةً به بهدوء رفعت يدها لكي يأتِ لها من سيأخذ طلباتها حتى أتى الفتى المُراهق والذي يُدعَى ماولو ليُدون ما تُريد. 

- أمرُكِ آنستي .. هل تريدين طعام فطورٍ مُختلف أم مثل كل يوم.
ابتسمت بهدوء وأردفت:
- كعادة كل يومٍ، ماولو.
ابتسم ماولو وأردف برسمية:
- حسنًا آنستي دقائق وسيكون كل شيءٍ جاهز.
أومأت بهدوء وأخذت تتسائل أين الشاب الذي كان موجودًا بالأمس حيث أنها لم تستنشق رائحة عطره بمجرد دخولها المتجر مثلما حدث بالأمس! حيث كانت رائحة عطره هي المُنتشرة وكان تعمل خليطًا مثاليًا مع  رائحة المخبوزات الشهية، لكن الآن المتجر به رائحة المخبوزات فقط!.
في شقة جوداء وسيلفانا:

كانت سيلفانا نائمة وعلى وجهها علامات الإرهاق ولكنها شعرت بانزعاجٍ قليلاً أثناء نومها مما جعلها تفتح عينيها ونظرت أمامها بروحٍ شاردة، اعتدلت لتُطالِع ساعة هاتفها وصُعِقَت عندما اكتشفت أنها قد تأخرت.
- لا!!!!!
ذلك ما أردفت به بذهول ودخلت الحمام بسرعة لكي تقوم بعمل روتينها اليومي ولكن بشكل أسرع وبعد أن انتهت عادت لغرفتها لتقوم بارتداء ثياب العمل وأخذت تلك المرة حُلةّ رمادية تتكون من بنطالٍ رمادي واسع الأرجل قليلا وصديرية رمادية تُبرز رشافة خصرها يعلوهما سُترةً رمادية طويلة وحقيبةٌ رمادية وارتدت اكسسواراتها الهادئة على عجل ثم ارتدت حذائها الأسود الطويل وأسرعت لتخرج من المنزل ولكنها قابلت جوداء بطريقها والتي قامت بتجهيز طعام الفطور للتو وأردفت بذهول:
- هل مازلتي هُنا سيلفانا؟ لقد ظننتكِ خرجتي باكرًا!
تحدثت سيلفانا على عَجَل:
- لا .. لقد طالت غفوتي قليلا .. ثم ماذا تفعلين هنا ألن تذهبي إلى عملك؟
ابتسمت جوداء بهدوء وأردفت: 
- أنا في عُطلة، الفترة القادمة سأبقى هُنا قليلا.
طالعتها سيلفانا بحيرة ولكن الوقت لم يُسعفها وأردفت بسرعة وهي تخرج من المنزل بهرولة:
- حسنا حسنا، سنتحدث عندما أعود لأعلم ماذا بكِ يا فتاة.
ثم أغلقت باب الشقة خلفها .. تنهدت  جوداء وتمتمت:
- أنا من تُريدُ أن تعرف ماذا حدث لكِ أنتِ سيلفانا!
وفي مقر عمل جوداء:
صُعِقَ السيد ماركوس عندما رأى الرسالة المُرسَلَةُ إليهِ من جوداء وأخذ يحاول الإتصال بها كثيرًا ولكن هاتفها كان مُغلقًا على غير العادة أمر زميلها زميلها السيد مالِك بالقدوم إليه والذي أتى فور طلبه إياه ..
- ماذا هُناك سيدي؟؟
أردف ماركوس بقلق:
- لا أستطيع الوصول لجوداء يا مالك، أرسلت لي رسالة بأنها ستبقى في منزلها تلك الفترة القادمة أي ما فهمته من حديثها هو أنه لن يكون هناك برنامج " اضحك وانسى" .. 
صُعِقَ مالك من حديثه وأردف بذهول: 
- كيف؟! ماذا حدث سيدي؟ ثم إن جوداء تحب عملها كثيرًا.
أردف السيد ماركوس بحيرة:
-  لا أدري ولكن دعني أسأل السائق ماذا حدث في الليل .. ثم إن ذلك لا يهمني .. مايهمني هو أن نجاح البرنامج متوقفٌ على جوداء! ماذا أفعل مع جميع المستمعين؟؟ ماذا نُخبرهم حينما  يجدوا أن برنامجهم المُفضل لن يُذاع اليوم! 
صمت مالك يُفكرُ قليلاً ثم قال:
- ما رأيُك أن نقوم بإذاعة حلقة قديمة من بدايات البرنامج سيدي؟؟ من جهة نستفيد بأن البرنامج لن يتوقف إذاعته ومن الجهة الأخرى يتعرف الجمهور الجديد على البرنامج .. من ناحية معلوماته وغايته وأيضًا ليتعرفوا على جود.
ظل ماركوس يُفكرُ قليلاً ثم أردف بموافقة:
- حسنا؛ دقائق بسيطة وسنبدأ البرنامج، قُم بإذاعة الحلقة الأولى منه.
أردف مالك بانضباط:
- أمرٌكَ سيدي.
ثم عاد مالك إلى غرفة الإعداد الخاصة ببرنامج هو وجوداء وأخذ يبحث عن الحلقة الأولى من بين الحلقات السابقة.
..........................
دخلت سيلفانا مقرَّ الشركة وقد تأخرت بالفعل قرابة الساعة، هرولت مسرعةً نحو المصعد قبل أن اتُغلَق أبوابه، ومدّت ذراعها سريعًا لتمنعه من الإغلاق، فانفتح من جديد.
كان صدرها يعلو ويهبط من أثر ركضها، وما إن اعتدلت حتى تفاجأت به… نفس الرجل، يقف أمامها بهيبته وغموضه الغريب.
تنحنحت بخفة، ثم دخلت المصعد بثباتٍ مصطنع، وضغطت زر الطابق الخامس عشر أُغلقت الأبواب، ورفعت يدها ترتّب خصلات شعرها الأسود المموّج، وكأن وجوده لا يعنيها.
كامت نظراته مثبتة ومسلّطة عليها؛ باردة، ثابتة، ومُربِكة وقال بهدوء:
- مُتأخِرَة!
تحدثت بهدوءٍ مماثل:
- لست وحدي.
لمتحه يبتسم ابتسامة خافتة ثم أردف بنبرة أعمق: 
- ماذا كان بكِ يوم أمس؟ لم تكوني بخيرٍ تمامًا.
التفتت إليه ببطء وأردفت وهي تحاول أن تُحافظ على هدوءها:
- ليس من شأنِك، وبالمناسبة أشكرك كثيرًا على شهامتك تلك.
ثم عادت تنظر أمامها بملامح هادئة أما سايلس فقد عقد حاجبيه من طريقتها تلك ولكن ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه في ذات اللحظة التي فُتِحَ بها باب المصعد وما أن خطَى إلى الخارج  توقّف جميع من في المكاتب عمّا يفعلونه، ووقفوا باحترامٍ واضح.
طالعتهم سيلفانا بدهشةٍ ممزوجة بريبة، وهي تسير إلى جواره، قبل أن يتردد صوتهم جميعًا بنبرةٍ واحدة:
- مرحبا بك سيد سايلس.
عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم من ترحيبهم ذلك وتسللت نظراتها ببطء نحو الرجل الواقف بجانبها، لتجد أعين الجميع تتجه إليه هو.
اكتفى بإيماءة هادئة .. وفي تلك اللحظة توقفت قدماها عن الحركة، وجفّ حلقها وهي تستوعب ما يحدث؛ بينما تابع سايلس سيره نحو مكتبه دون أن يلتفت للخلف، بخطواتٍ واثقة وقوية،
ولحق به عددٌ من الرجالِ يحملون ملفاتٍ بين أيديهم، يسيرون خلفه بانضباطٍ واضح .. 
- إنه وسيمٌ حقًا كما رويتي لنا.
تسلّل همس الفتيات إلى سمعها من خلفها، فشدّت سيلفانا على نفسها وضبطت أنفاسها سريعًا، وكأنها ترفض أن تُظهر أيّ ارتباك.
استعادت توازنها، وعادت إلى مكتبها بخطواتٍ محسوبة، قبل أن تعقد حاجبيها بضيقٍ واضح،ثم جلست في مقعدها، تحاول استعادة هدوئها.
هي … وسايلِس، مالك تلك الشركة بأكملها، كانا في مصعدٍ واحد!
وليس ذلك فحسب… بل هو نفسه من أوصلها إلى منزلها بالأمس، حينما كانت مريضة .. كانت يحملها بين ذراعيه!!!! اتسعت عيناها قليلًا مع تتابع الأفكار ثم أغمضتهما بسرعةٍ كأنها تحاول إيقاف ذلك السيل المتدفق في رأسها.
أخذت نفسًا عميقًا، وزفرته ببطئ … محاولةً أن تهدأ، ولكنها هدأت قليلا عندما أشغلت نفسها بالعمل.
..............
كان ديميتري جالسًا في سيارة جديدة ويُمسك بيده حاسوبه المحمول يقوم بإنهاء الأعمال من خلاله؛ بينما كان سائقة أثناء قيادته يبحث في قنوات الإذاعة عن البرنامج، وانتبه ديميتري على تأفف السائق، ولكن سُرعان ماتبدلَت ملامحه وابتسم حينما استمع لموسيقى البرنامج ولكن عقد حاجبيه عندما وجد أن الحلقة مُعَادة لأن هذه هي بداية البرنامج حيث أن جود تقوم بالتعريف عن نفسها..
- مرحبًا بكم معكم جود أنا مصرية الجنسية ولكنني أعيش هُنا بإيطاليا لأجل العمل وبالطبع هذه أولى حلقاتي معكم في البرنامج الإذاعي الإيطالي " اضحك وانسى " والذي تكمُن فكرته الأساسية عن مساعدتكم في إخراج الكلام للتعبير عن المشاعر المكبوتة لتخفيف الضغط النفسي الذي تتعرضون له في حياتِكم......
أردف السائق بتمتمه وصلت لديميتري:
- لماذا لا تُذاعُ حلقة جديدة اليوم؟؟؟ 
رفع ديميتري رأسه نحو سائقة وشرد للحظات بها ولكنه عاد ينظر لحاسوبه ثم شرع في إرسال بريدٍ إلكتروني إلى جميع مستثمريهم داخل إيطاليا وخارجها بخطواتٍ دقيقة تعكس خبرته وصرامته، وفي الوقت ذاته، وصل ذلك البريد إلى سايلس الجالس على مكتبه الضخم بهيبة وقوة حيث كانت عيناه تمران على المحتوى الموجود في البريد بسرعة قبل أن ترتسم على شفتيه إبتسامة باردة وأردف بصوتٍ خفيضٍ وقاتل:
- أنت لست سوى هاوٍ ديميتري.
ثم أضاف بقسوة أكبر وهو يُطالع محتوى البريد مرة أخرى:
- أنت وعائلتُك التي تتباهى بها… سأقتلع جذوركم، ولن أُبقي لكم اسمًا ولا أثرًا.
ثم أرسل موافقته ردًّا على بريد ديميتري.
وما إن اطّلع ديميتري على الرد انعقد حاجباه فورًا، حالما أدرك أن مجموعة شركات آل إيفانوف كانت أوّل الموافقين على ذلك الاقتراح والذي سيُناقَش على نطاقٍ أوسع خلال الفترة القادمة، لكن بالنسبة لديميتري بدا واضحًا أن ما وراء هذه الموافقة السريعة ليس بالبساطة التي يبدو عليها بل هُنَاك شيءٌ خلف ذلك .. ارتسمت على فمه إبتسامة رسمية باردة، ثم أغلق حاسوبه في اللحظة التي توقّفت فيها سيارته أمام مقرّ الشركة ثم ترجل من سيارة بهالة قوية وغامضة لكل من يراه وتوقف ينتظر ستيفانو، وعلى بُعد أمتارٍ قليلة، كان ستيفانو يقود سيارته بسرعةٍ عبر الشوارع بينما كان لوكا جالسًا بجواره يحدّق أمامه بشرودٍ ثقيل.
قال ستيفانو بهدوء يُقطع شروده:
- فيمَ تفكّر، عزيزي لوكا؟
أجابه لوكا دون أن يلتفت إليه بنبرةٍ يغلب عليها السأم:
- أنت تعلم جيدًا أنني لا أحب أعمال العائلة يا ستيفانو؛ فأنا أجد ذاتي في عالم الكتابة، أمّا تلك الأمور فلا تعنيني.
تنفّس ستيفانو بعمق، ثم قال بنبرةٍ عملية:
-  إنه جحيمٌ لا مفرّ منه، أخي… هيا، ابتهج قليلًا؛ فاليوم لدينا اجتماعٌ مهم مع ديميتري.
تنهد لوكا بثقل، ثم أردف ببرودٍ واضح:
- يبدو أنني سأضطر لتحمّل وجودي معه في المكان ذاته.
رمقه ستيفانو بنظرة متعجبة:
- لماذا تكره ديميتري؟ إنه أكثر شخصٌ يقلق لأجل حياتنا ومستقبلنا لوكا.
أردف لوكا بضيق:
- لا أخي، هذا الأمر ظاهريًا فقط أمامنا لأن كل ذلك يصبُّ فوق مصلحته الشخصية بالطبع .. أوتدري أنه لا يوجد لدي أي اعتراض أن يكون ديميتري هو من يرأُسُ العائلة فهو الأكثر خبرة بيننا في إدارة الأعمال وفي كل شيء، أنا كُلُ مايهمني أن ديميتري قتل أختنا.
تحدث ستيفانو  بشرود:
- أنت لا ترى ماذا يحدث بين السطور لوكا، ولا تفهم لماذا فعل ديميتري كل ذلك.
أردف لوكا بإصرار:
- بل أُدرك كل شيءٍ ستيفانو .. وأدرك تمامًا أن الشخص الوحيد الذي أُكنُّ له كره العالم بأكمله هو أخي ديميتري!
وفي تلك اللحظة، ضغط ستيفانو على المكابح فجأة؛ فاندفع جسد لوكا إلى الأمام بعنفٍ مع اندفاع السيارة، قبل أن يجذبه حزام الأمان بقوةٍ إلى الخلف.
ارتطمت كتفاه بالمقعد، وانتفض جسده من شدّة التوقّف المفاجئ، بينما انقطعت أنفاسه لثانيةٍ قصيرة.
التفت إليه لوكا بحدّة، وعيناه تشتعلان غضبًا:
- ما هذا الذي فعلته؟!
غير أنّه ما لبث أن نظر حوله، ليدرك أنهما قد وصلا بالفعل، ولم يكن ذلك فحسب، بل كان ديميتري يقف هناك بانتظارهما.
تبدّلت ملامح لوكا في لحظةٍ واحدة، وانسحب الغضب من عينيه ليحلّ محلّه هدوءٌ مصطنع، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة:
- مرحبًا، أخي.
التفت ديميتري نحوهم ببطء وعيناه تستقرّان على لوكا بنظرةٍ ثابتة… هادئة حدّ البرود.
لم يُبادله الابتسامة، بل ظلّ يتأمّله لثوانٍ طويلة،  ابتلع لوكا بتوتر وحاول ستيفانو أن لا يُظهر أي ملامح متوترة لأجل لوكا، أزال ديميتري نظره عن لوكا ووجه حديثه لستيفانو:
- أين دييجو؟
- خلفَنا.
وفي تلك الأثناء، كان دييجو يقود سيارته الجديدة بسرعةٍ هادئة، يربّت على المقود بحب، وفي الوقت ذاته يبحث عن رقمٍ كان قد حفظه مؤخرًا في سجلّ الاتصالات.
تنحنح بخفة، ثم أجرى الاتصال وبعد ثوانٍ قليلة وصلَهُ صوتٌ أنثوي:
- مرحبًا، من معي؟
أجاب دييجو برسمية:
- مرحبًا أنا دييجو خافيير .. أودُ تحديد موعد لنلتقي.
تعجبت صاحبة الرقم وعقدت حاجبيها بدهشة ثم تسائلت مرة أخرى:
- دييجو من؟؟
قطب حاجبيه قليلا متسائلا:
- إيلينا لورينزو معي؟
- نعم، أنا هي من أنت؟
أجاب باستغرابٍ واضح:
- أنا الشخص الذي أرسل لك بالأمس الموافقة عبر موقع الزواج.
صرخت فجأة:
- موقع زواج!!!! 
ثم سمعها تصرخ لشخصٍ آخر:
- أمي!!! هل فعلتها مجددًا؟؟ أنتِ تعلمين أنني لا أريد الزواج؛ فالرجال حَمقَى.
ثم انقطع الإتصال مما جعل دييجو يتجمد لثوانٍ، ثم تنحنح وهمس ساخرًا:
- شكرًا على إطرائِك.
تنهد بيأس، ومضت دقائق قليلة قبل أن يضغط على المكابح، وبينما كان على وشك النزول من السيارة، أضاءت شاشة هاتفه باسمها، عقد حاجبيه بدهشةٍ وأجاب بحذر:
- مرحبًا.
أما هي فقد أردفت بغضب:
- حسنًا أين سنلتقي أيها الرجل؟؟ أيًا يكُن اسمك بالطبع.
ذُهِلَ من طريقتها تلك في الحديث، وهي تضايقت من صمته مما جعلها تردف بانزعاج:
- هاي أنت تحدث؛ فأنا لا يوجد لدي متسعٌ من الوقت وقت لأنني ذاهبة للعمل الآن. 
حمحم دييجو بهدوء ثم أردف:
- هل يمكننا أن نتقابل اليوم في السادسة مساءًا؟ أعني أن هُنَاكَ مطعمٌ جديدٌ بأحد شوارع روما .. ما رأيُك؟
تأففت قائلة: 
- حسنًا، أرسل لي عنوانه بالضبط وسأكون بالموعد.
وقبل أن تودعه كانت المكالمة قد انتهت. 
- حسنًا إنه موعدٌ واحدٌ فقط .. ماذا سيحدث؟؟ 
ذلك ماهمس به دييجو لنفسه وهو يترجل من السيارة بعدما أوقفها في جراج السيارات وتنهد وهو يحمل حاسوبه المحمول وأخذ المصعد ليصعد حيث يوجد ديميتري و الباقون.
...........
رواية/ جحيم آل مارينتوس  .. بقلم/ سارة بركات 

كانت سيلفانا منغمسة في عملها ترتب بعض الأوراق داخل الملفات قبل أن يقطع تركيزها رنة هاتف داخلي .. أجابت بهدوء:
- مرحبًا.
أتاها صوتٌ رسمي:
-  مرحبًا آنسة سيلفانا .. معكِ رئيس قسمِ الموارد البشرية هل من الممكن الحضور الآن في مكتبي؟ هناك أمرٌ إداري أود مناقشتكِ معك.
- حسنًا
- أنا في انتظارك.
عقدت حاجبيها بعدم فهم لما يحدث ثم اعتدلت من مقعدها وذهبت باتجاه رقم المكتب الذي قام بالاتصال بها حيث كان في الطابق العاشر وحينما وصلت أمام المكتب طرقت على الباب ودلفت للداخل..
- تفضلي يا آنسة.
جلست أمام رئيس قسم الموارد البشرية والذي رمقها بنظرةٍ متحفظة وأردف بهدوء:
- وصَلَني أمرٌ مباشر من السيد سايلِس في التحقق بشأن ما حدث يوم أمس.
تسارعت دقّات قلبها، لكنها ظلّت صامتة، تتابعه بنظراتٍ متوجّسة، استأنف حديثه بهدوء:
- أعلم أن وظيفتكِ لا تتضمّن تقديم القهوة، ولكن كان بإمكانكِ القيام بذلك لمرةٍ واحدة… احترامًا لمنصبِه.
توقّف للحظة ثم استأنف حديثه بنبرةٍ مُتحفظة:
- لكن ليس من المقبول إطلاقًا أن تُسيئي إليه بتلك الطريقة.
تشنّجت ملامحها فورًا، واشتعلت عيناها بغضبٍ ولم تمنحه فرصةً لإكمال حديثه حيث نهضت فجأة بدون مقدمات واستدارت لتغادر المكتب بخطواتٍ سريعة حادّة وعادت مجددًا للطابق الخامس عشر ولكن ليس للعودة لمكتبها بل للذهاب لمكتبه! كان الغضب يزداد داخلها، توقّفت أمام المكتب رقم خمسمائة ثم دفعت الباب دون استئذان.
وفي الداخل، كان سايلِس جالسًا خلف مكتبه، يُطالع بعض الأوراق بهدوءٍ تام قبل أن يرفع عينيه نحوها، وحينما تقابلت نظراتهما تقدمت نحوه بضيق وأردفت بغضب:
- إسمع يا هذا .. إذا كان لديكَ مُشكلة شخصية معي أخبرني لنتواحه سويًا .. لكن لا تفعل بي ذلك.
ظل يُطالعها بهدوءٍ غريب، وكأن انفعالها لا يعنيه شيء، ثم وضع القلم بين أصابعه بتأنٍ وأجاب بنبرةٍ هادئة وباردة:
- وماذا فعلتُ بكِ تحديدًا يا آنسة؟
اتسعت عيناها أكثر من برودته في الرد، واقتربت خطوة إضافية حتى أصبحت أمام مكتبه مباشرة، وضغطت بكفّيها على سطحه بقوة:
- لا تتظاهر بالبراءة؛ فأنت تعرف جيدًا ما الذي تفعله.
مال قليلًا للخلف في مقعده، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وعيناه لم تتركا وجهها لحظة، وأردف ببرودٍ استفزها:
- أُفضِّلُ الوضوح يا آنسة، اتهاماتكِ لي مُبهمة.
انفلتت منها ضحكة قصيرة ساخرة، لكنها كانت مشحونة بالغضب:
- تريدُ تدمير مُستقبل حياتي العملية لأجل أنني رفضت تحضير القهوة لك؟؟
أغمض سايلس عينيه بهدوء ثم قام بفتحهما مرة أخرى وأردف: 
- تلك ليست مُشكلتي يا آنسة.
عقدت حاجبيها بضيقٍ ثم تسائلت:
- إذا أخبرني ماهي مشكلتك حقًا معي؟
اعتدل سايلس على مكتبه حيث أصبح وجهيهما قريبان جدا:
- تلك ليست مهمتي .. من المفترض أن رئيس قسم الموارد البشرية قد أبلغكِ بذلك، وكان سيبحث عن العقاب المناسب لكِ.
تشنج وجهها عندما نطق كلمة عقاب .. وأردفت بسخرية:
- أنا حقًا أدري ماهي مشكلتك سيد سايلس؛ فأنت طفلٌ صغيرٌ لم تحتويه والدته مُنذُ الصغر فأصبحت هويته الوحيدة هو إيذاء مَن حوله.

تحولت ملامح سايلِس للغضب تلك المرة بعدما كان البرود يغلف وجهه واعتدل ليقترب منها  وكادت أن تبتعد عنه ولكنه أمسك بيدها يمنعها من الإبتعاد؛ فاصطدمت بصدره العريض الممتلئ بالصلابة، فتجمدت للحظة بسبب قربه المفاجئ والذي سلب منها رد الفعل.
قبض على معصمها بإحكام لكي لا تتحرك دون أن يؤلمها؛ بينما صوته خرج هذه المرة مختلفًا تمامًا خاليًا من البرود، ممتلئًا بغضبٍ حقيقي:
- إياك أن تتحدثي معي بهذا الشكل مرةً أخرى.
رفعت عينيها نحوه رغم اقترابهما الشديد، وأنفاسها تختلط بأنفاسه، لكن عنادها كان أقوى وأردفت بهسيس:
- أو ماذا سيد سايلس؟
اشتدت قبضته قليلًا، وعيناه تظلمتا بطريقةٍ جعلت قلبها يخفق أسرع رغمًا عنها، لكنه لم يجب فورًا… بل ظل ينظر إليها وكأنه يقاوم شيئًا بداخله، أردف وصوتٍ هامس:
- أنتِ لا تعرفين من أنا حقًا، أنا أٌحذركِ يا آنسة.
ابتسمت بسخرية خفيفة، رغم التوتر الذي بدأ يتسلل إلى أطرافها:
- ولا أريد أن أعلم أي شيءٍ عنك.
ساد صمتٌ مشحون بينهما، كانت لحظة طويلة جدا كأن الزمن قد توقف فيها ولكنه أرخى قبضته وظل بمكانه وهي أيضًا لم تبتعد 
بقيت المسافة بينهما كما هي حيث كانت قريبة بشكلٍ غير مريح أخفض بصرُه للحظة إلى شفتيها دون وعي، قبل أن يعود سريعًا إلى عينيها، وكأنه لام نفسه على تلك اللحظة؛ أما هي فقد أربكتها تلك النظرة أكثر مما أربكها غضبه.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت بنبرةٍ أخف لكنها لم تفقد حدّتها تمامًا:
- ابتعد عني.
توقف قليلاً في مكانه كأن جسده لا يريد الابتعاد  ولكنه ابتعد خطوة للخلف أخيرًا، تاركًا المسافة تعود بينهما، لكن عينيه مازالت تخترقانها، وأردف ببرود شديد:
- اذهبي إلى عملك يا آنسة .. قبل أن أُضيف سببًا آخرًا للعقاب.
اشتعلت عيناها مجددًا، لكن هذه المرة كان هناك شيء آخر مختلطًا بالغضب، شيءٌ لم تستطع تفسيره.
استدارت بسرعة، متجهة نحو الباب ثم غادرت وصفقته خلفها بقوة؛ أما هو فبقي واقفًا مكانه، ينظر إلى الباب الذي أُغلق خلفها بعدم فهم من حالتها التي تبدلت تلك.
.................
في شركة آل مارينتوس:
كان ديميتري جالسًا في غرفة الإجتماعات الضخمة مع أبناء عمومته يُطالعهم بهدوء .. حيث كان الثلاثة جالسون أمامه منهم من  ينظر إليه باستفسار  ومنهم من كان متحمسًا لمعرفة سبب الاجتماع ومنهم من لم يكن مهتمًا من الأساس .. 
- اليوم أنا أجتمع معكم لأمرٍ مُهمٍ يخصنا نحن " آل مارينتوس" 
تسائل دييجو باهتمام: 
- ماهو أخي؟ .. تفضل.
طالعهم ديميتري للحظات وأردف:
- قام سايلس إيفانوف ببدء أولى خطواته في محاولة نسف إسم آل مارينتوس من قائمة سوق العمل، وبحكم خبرته في العمل والتي تفوق خبرتي أنا بالطبع؛ فأنا أعلم جيدًا ما سيفعله سايلس في الفترات القادمة إذا لم نقم بردعه، وأنا بحاجتكم كثيرًا في الفترة القادمة، بحاجة لإخوتي .. بحاجة لأن نعمل معًا ونُبقي إسم آل مارينتوس في رأس قائمة الشركات القوية على مستوى العالم!
أردف لوكا بسخرية مبهمة:
- ما شأننا نحن؟ لماذا ترمي حِملَ أخطائك دائمًا على إسم العائلة، ثم إن عداوتك مع سايلس ديميتري لا شأن لنا بها.
طالعه ديميتري بهدوءٍ قاتل ثم أردف ببرود:
- نحن عائلة واحدة يا لوكا ما يمَسُ أحدنا فهو يمُسُنا جميعا .. ثم إنك تعلم جيدًا أن عداوتنا مع آل إيفانوف قديمةٌ جدا!؛ فلم تُنكر الأمر وهو أن لا دخل لي بعداوتنا مع سايلس منذ البداية؟
كاد لوكا أن يهم ليعترض ويتحدث في أمر فيرونيكا ولكن أوقفه ستيفانو الذي تحدث ببرودٍ مماثل لبرود ديميتري:
- أنا معك أخي أخبرني بالخطة وسنقوم بالتنفيذ. 
وقعت عين ديميتري على دييجو والذي تحدث بإبتسامة هادئة:
- أنا أيضًا معكَ أخي، سنسحق سايلس ونجعله يتمنى الموت ولكنه لن يَطاله.
ابتسم ديميتري له بهدوء ثم وقعت عينيه على لوكا الذي تأفف:
- حسنًا .. لكنكم ستقومون بتعليمي تلك الأشياء لأنني لا أفهم ماذا تقولون.
قهقه الجميع بينما ابتسم ديميتري ابتسامة لم تصل إلى عينيه اللتان بهما نارٌ جحيمية قَرُبَت أن تخرج لعدوها.
                  الفصل السادس من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا
تعليقات



<>