رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل الثامن8 بقلم مروه نصار

رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل الثامن8 بقلم مروه نصار 
جلست على الفراش تجفف خصلات شعرها المبتلة، بعد أن استطاعت أخيرًا أن تقتنص بعض الوقت الخاص بها، وحصلت على حمام دافيء...فور أن انتهت من إطعام تيرا وتحميمها، وبعد أن تأكدت أنها خلدت إلى النوم.
ورغم أنها مكثت في المغطس برهة طويلة من الوقت، إلا أن  عقلها ما زال في حالة تفكير دائم ومحاولة لاستيعاب ما حدث بالخارج منذ قليل، تحاول أن ترتب أفكارها وما استطاعت فهمه مما كان يدور حولها.

كانت شبه موقنة أن حسها الأنثوي صادق، وأن تلك  المدعوة( إليسيا) ليست صديقة صخر، وأن هناك أمرًا ما يحدث من خلف ظهرها، نظرات تلك المرأة وارتباك آدم فور رؤيتها، مع المكر الذي كان في عيني صخر، كل هذا يخبرها الكثير، حاولت أن تدعي اللامبالاة وأن الأمر لا يعنيها، ولكنها كأي أنثى لا تقبل بالمساس بكرامتها أمام أخرى مثلها، شعرت بنيران تتآكلها من الداخل لمجرد التفكير في هذا.

نهضت من على الفراش واتجهت نحو الخزانة تبحث عن منامة ترتديها، وهي توبخ نفسه على عدم شرائها ملابس أخرى إلى الآن، ولكن لسوء حظها لم يسعفها الوقت.
مررت يديها بين الثياب حتى وجدت منامة حريرية مكونة من ثلاث قطع بلون الكشمير تفي بالغرض، وبنطال طويل له فتحات جانبية تصل حتى منتصف الساق، والقطعة العلوية تشبه البلوزة الحريرة القصيرة بحمالات رفيعة وفتحة على الصدر ..والدانتيل يغطي نصفها ويكشف عن بشرتها، ثم روب من الدانتيل والحرير قصير يصل إلى الأرداف .. قد يظهر أجزاء من بشرتها .. ولكنه أفضل من الأثواب الأخرى....شعرت بالراحة لأنها وجدت أخيرًا شيئا أقل خطورة ترتديه ..  

ارتدت المنامة وجلست أمام المزينة تمشط شعرها ثم قامت برفعه إلى أعلى، وبدأت تدلك  وجهها وذراعيها بالكريم المرطب الذي تعشق رائحته، حاولت أن تصرف ذهنها عن التفكير في آدم ومكانه الآن، ولكن خيالها بدأ ينسج لها العديد من المشاهد، كأن يكون الآن مع تلك الفتاة الإيطالية في غرفتها أو غرفته.

زفرت في غضب وقفزت من مكانها وهي تشعر بضربات قلبها تتسارع، ألقت نظرة على صغيرتها، وعندما تأكدت أنها مستغرقة في النوم، عقدت ربطة الروب على جسدها، ثم تحركت نحو باب الغرفة وقررت أن تتسلل بدون أن يراها أحد وتبحث عن مكانه.

أدارت مقبض الباب ببطء شديد، وأطلت برأسها من فتحة صغيرة وعندما لم تجد أحد، تقدمت خارج الغرفة ومشت على أطراف أصابعها نحو حجرة المكتب، ألصقت أذنها على الباب ولكن لا يوجد صوت بالداخل.
إذن ظنها قد يكون صائب وهو الآن معها، كم هي غبية لماذا انسحبت بعد تناول العشاء وتركتهم؟، كان يجب أن تظل حتى تكتشف الحقيقة أو تدرك الأمر جيدًا.
سارت بحذر في الممر ورأسها يتقاذف التوقعات واحدة تلو الأخرى، فتحت الباب ببطء، لتعبر إلى القاعة الكبيرة وقد عزمت على التسلل إلى الطابق العلوي لترى ما يحدث هناك،  ولكنها تصلبت من الفزع عندما اصطدم جسدها بآخر. 

الصدمة شلت حركتها، ولم تتدارك الأمر سريعا، الا عندما شعرت بجسده يلتصق بها ويده تحاوط خصرها والأخرى تلمس رقبتها ... رفعت بصرها بخوف وتشنجت عضلاتها عندما وجدت صخر أمامها ...قفزت للخلف سريعا وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة: أنا....أنا كنت ... لبن ...عشان.
اقترب نحوها بجرأة وهي ترجع إلى الخلف وقال: طب ينفع تخرجي لوحدك بالليل كده، وبالبيچامة دي، انتي ماتعرفيش أن الشيطان شاطر ولا إيه.
حاولت أن تسيطر على خوفها، أخذت شهيقا ثم زفرت الهواء بقوة وقالت : شيطان إيه يا أستاذ صخر هو أنا في الشارع، أنا في بيتي وبيت جوزي، وبعدين أنا لابسة بيچامة وعليها روب مش ماشية من غير هدوم. 
_ تؤتؤتؤ ..إيه أستاذ دي ..أنا اسمي صخر على طول ..وبعدين إيه موضوع جوزي دي انتي صدقتي اللعبة ولا إيه. 

حدقت به في دهشة وهي تشعر بالحماقة الشديدة، كيف وثقت به؟، كيف توقعت أنه سيلتزم باتفاقهما؟، ويبادلها الإحترام الذي كان من ضمن مطالبها ..حاولت أن تسيطر على دهشتها فقالت وهي ما زالت تبتعد بخطوات صغيرة للخلف: أنا مش فاهمة تقصد إيه.

ابتسم صخر بوقاحة وقال : أنا فاهم وانتي فاهمة، ومش محتاجة تمثلي قدامي أنا عارف كل حاجة، ومش كده وبس ده انا مستنيكي بفارغ الصبر ... ومد يده على كتفها يتحسس جسدها بجرأة ...وباليد الأخرى يحاول أن يجذبها نحوه. 
دفعته إيڤا بقوة وهي تصرخ بحدة: إنت اتجننت، أنا مرات ابن عمك، يعني اخوك، إبعد عني. 
_Sweetie stop pretending, I told you that I know everything
(حبيبتي توقفي عن الادعاء لقد أبلغتك أنني أعلم كل شيء)
_are you crazy?, 
إنت مجنون ..إبعد عني. 

_ اممم ...حلوة الطريقة دي ..بتثيرني أكتر ، واضح إنك متعودة تلعبي على إنك صعبة المنال، أنا بحب أوي التحدى وقبلته، ومتأكد انك مش هتستحملي كتير وهاتقعي ....أجابها  ويديه لا زالت تحاول العبث معها. 
_ انا مش صعبة، انا مستحيلة، واوعى تتعامل معايا إني لعبة، أنا مرات آدم وبس ...صرخت به وهي تدفعه عنها وتبتعد للخلف، ولكنها وجدت نفسها تصطدم مرة أخرى بجسد آخر، ولكن تلك المرة، لم تستطع الإفلات من ذراعيه اللذين احتجزاها، وفي لحظات وجدت آدم الذي كان يعمل بهدوء في المكتب، يحتضنها ويدير جسدها لتواجه نظراته المشتعلة، ثم يجذبها إلى صدره بملكية شديدة، ويخفي وجهها بيده في عنقه،وهو يحدق شزرًا في ابن عمه ...ثم وفي ثوانٍ قليلة سدد لكمة قوية إلى فكه جعلته يترنح وهو يصيح قائلا : مراتي خط أحمر يا صخر، فاهم ولا أقول كمان ...إيڤا خط أحمر، لو شفتك قربت منها تاني، متلومش إلا نفسك.

ارتجف صخر..ولكنه حاول أن يستعيد توازنه.. وقال بخبث : إنت بتضربني يا آدم عشانها..إنت اتجننت.
_ لا شكلك انت اللي اتجننت ..لما تحاول تتهجم عليها تبقى أكيد مجنون ...إيڤا مش إليسيا يا صخر ..فاهمني ولا محتاج أوضح ..إيڤا مراتي ..على إسمي مش صاحبتي ..وأوعى عقلك يقولك انها متاحة ليك ...صاح به آدم وهو ما زال يحتفظ بها على صدره ..لا يفلتها ..وهي تستمع لكل ما يدور وقلبها يرجف مما يحدث، ولكنها التقطت شيء، أن هذه ليست المرة الأولى لصخر أن يحاول الوصول لما يخص آدم ..

إبتعد صخر إلى الخلف وقال بهدوء : أكيد يا بن عمي، سمعا وطاعة، عامة انا كنت بهزر معاها... ثم أضاف بمكر : أنا بس  كنت جاي اطمن عليك لما لقيتك اتأخرت، حتى إليسيا سألت عنك وبعتتني اشوفك فين.

_ لا متقلقش، وروح قول للست هانم اني كويس وهانام مع مراتي، في اوضتنا، مش هاسيبها لوحدها واطلع انا فوق..تصبح على خير .

ابتسم صخر وقال وهو ينسحب : براحتك يا زعيم.
**********************

دلفت إيڤا إلى الغرفة وهو خلفها، وبمجرد أن أغلق الباب قالت بنبرة حادة: ممكن تفهمني إيه اللي بيحصل بالضبط.
تأملها ببرود وهو يخلع قميصه وجلس على الأريكة قائلا : انتي خرجتي ليه من الأوضة؟.
ارتبكت قليلاً ..وتبعثرت الكلمات على شفتيها: انا ...انا كنت ..عايزة ..كنت رايحة اشوف ..ثم صمتت قليلا وعادت تقول : متردش على سؤالي بسؤال.
خلع حذائه وظل بالبنطال الرياضي ..ثم تمدد على الأريكة وقال : حاجة متخصكيش .
زفرت بغضب وقالت : ok ..بس اوعى تنسى اتفاقنا ...لو للحظة حسيت بإهانة ليا هامشي من غير كلمة واحدة ..افتكر ده كويس. 

ألقت بكلماتها ولم تنتظر الرد، اتجهت على الفور إلى الفراش ونامت بجوار ابنتها وهي تفكر في القادم.. الذي من الواضح أنه سيكون به الكثير .
**********************

ظهرت شمس يوم جديد في الأفق، واستيقظ الجميع وكلا منهم تدور برأسه افكار وخطط مختلفة، 
جلست إيڤا أمام المرآة تضع زينتها وهي تفكر كيف تتعامل مع الجميع؟، وخاصة تلك الفتاة الوقحة.
صففت شعرها وتركته منسدل على كتفيها...بعد أن قامت بتجعيد خصلاته، فظهرت أكثر إشراقة وجمال وجرأة .. ووضعت حمرة شفاه وردية بنفس لون الثوب الذي ترتديه، ورسمت عينيها بالكحل الأسود فبرز جمالها أكثر، ثم ارتدت حذاء رياضي خفيف يتناسب مع ثوبها النهاري القصير ...وبعد أن انتهت وقفت تتأمل مظهرها أمام المرآة وقالت بابتسامة : Game on ( اللعبة بدأت) .

وفي الأعلى كان آدم لازال تحت تأثير النوم المرهق على الأريكة طوال الليل، ولكنه حاول أن يستعيد نشاطه بحمام بارد سريع... لذا عند استيقاظه صعد إلى غرفته مباشرة ...
وبعد عشر دقائق كان خارج الحمام ..يلف المنشفة على خصره ...ويبحث في الخزانة عن ملابس يرتديها.
كان لايزال مرهقًا قليلا لذا لم ينتبه في البداية أنه ليس بمفرده في الغرفة ...لم يدرك سوى عندما شعر بذراعيها تلتف حول جذعه وتلتصق به من الخلف وهي تهمس في أذنيه بصوتها الناعم الذي لطالما كان يسقطه دوما : افتقدك كثيرا. 
نزع آدم ذراعيها من حوله والتف سريعا وهو يحدق فيها بغضب وقال : ماذا تفعلين هنا بحق السماء؟ 
سارت ببطء وهي تتمايل بجسدها الذي لا تخفي منه الكثير، ترتدي ثوب السباحة المكون من قطعتين (بكيني) باللون الأحمر الصارخ، وتضع فوقه ثوب خفيف شفاف قصير( كاش مايوه) لا يخفي شيئا، وتركت شعرها منسدل على كتفيها ...مع حمرة شفاه صارخة اللون ...ثم جلست على الفراش ووضعت ساق على آخر وقالت بغنج: انتظرك...لقد انتظرتك طوال الليل ..فهل تلومني على اشتياقي لك؟

رمقها بنظرات غاضبة وقال بنبرة حادة : هل أصابك الجنون؟، أم انك لا تتحملين تقبل الحقيقة؟ .

انحنت للأمام في حركة مثيرة وقالت : أي حقيقة !! .
_ أنكِ أصبحتِ خارج حياتي ...وأن هناك امرأة أخرى فيها الآن ..وليست أي امرأة أنها زوجتي ...أجابها ببرود وهو يوليها ظهره. 

نهضت من مكانها وتوجهت له ..ثم دارت حوله وهي تمرر أناملها بنعومة على جسده وقالت : لم تكن تلك الحقيقة لها وجود من يومان في المكتب ... بل استطيع أن أجزم أنك لازلت تعشقني ...أنت تعلم أني خبيرة ..نظراتك ولمساتك لي تخبرني عكس ما تتفوه به. 

قبض آدم على أناملها بقوة وقال محذرا: ما حدث كان نهاية لما كان بيننا ...وأحب أن أخبرك أني أدركت بعدها كم أصبحت احتقرك؟، أنتِ لم يعد لكِ مكان بداخلي سوى أنني أكرهك. 
ابتسمت بعناد وقالت: الكره والحب وجهان لعملة واحدة يا عزيزي، إذا كنت بالفعل لم تعد تبالي فلن تكرهني ...ولكن كرهك هذا دليل على أن ما أقوله هو الحقيقة الكاملة. 

_ بلى ..هناك حقيقة أخرى تغيب عنكِ ويجب أن تعرفيها جيدا ...
تفأجا الاثنان بصوت إيڤا وهي تقف عند مدخل الغرفة ...تحدق بهما، ابتعد آدم عن اليسيا في رد فعل لا إرادي ...أما اليسيا فكانت تقف في برود مستمتعة بما يحدث ..تظن أنها قد وصلت لمبتغاها ولكنها تفاجئت أكثر عندما ..أردفت إيڤا قائلة بعد أن تقدمت نحوهما ثم جذبت زوجها صوبها وتعلقت برقبته، ثم طبعت شفاهها على شفتيه في قبلة طويلة لم تثر غيرة اليسيا فقط بل ألهبت مشاعر آدم أيضا، وبعدها ألصقت ظهرها بصدره وتأملت اليسيا ببرود قائلة : آدم زوجي ...وسيظل هكذا ..ولن أدع أي حمقاء غبية تظن أنها قد تتمكن من الاقتراب أكثر مما أسمح به ...والآن أرجو أن تتركيني مع زوجي قليلا ..لقد صعد قبل استيقاظي ولم أمنحه الصباح المميز الذي اعتدنا عليه ...لن نتأخر أعدك ...فقط نصف ساعة وسنلحق بكما على الفطور ...ثم التفت لزوجها ولمست وجهه برقة وقالت : اعتقد نصف ساعة كافية يا حبيبي ...

لم تنتظر طويلا بمجرد أن سمعت صوت باب الغرفة يغلق بعنف وعلمت أن تلك المرأة غادرت ..ابتعدت عنه بغضب وسارت نحو النافذة ..ووقفت أمامها وصدرها يعلو ويهبط من شدة الضيق. 

مرر آدم  أصابعه بين خصلات شعره بضيق، ونفث الهواء من صدره بغضب ...وقف يتأملها وهي تحدق في النافذة ..لا يرى وجهها ولكنه يستطيع تخيله... وضع يده على شفاهه يلمس قبلتها الماجنة... لا يعلم هل كانت قبلة امرأة تنتقم لكرامتها؟، أم حبيبة تعلن ملكيتها!!، ولكنه يدرك أنها تركت أثر في نفسه ..لقد أربكته .. فهي ليست كالأخريات ...شفاهها برغم جرأتها ولكن تشعر معها أنها شفاه عذراء لم تمس من قبل ..والآن هو في حيرة بين محاولة ارضاءها، أو عدم الاكتراث لها ..ففي الأخير كل هذا مجرد زيف ...ولكن بداخله في مكان عميق يشعر برغبة شديدة بأن يذهب إليها ويوضح الأمر لها، ولكن كيف؟. 

أما هي فكانت قد وصلت إلى أعلى درجات الغضب ...ولكنها حاولت أن تتمالك نفسها ...ظلت صامتة حتى هدأت أنفاسها وتمكنت من السيطرة على غضبها ..ثم قالت بصوت قوي ثائر لا يخشى شيء: قانون واحد بس طلبت منك انك تحترمه، واحد بس قصاد كل اللي هاقدمه ليك، ورغم كده مقدرتش تعمله...لو انت مش فاهم يعني إيه تحترم مشاعر الناس وكرامتهم ..تبقى مشكلتك ...لكن طلبي ده مكانش رجاء ولا خدمة ..كان شرطي الوحيد اللي أنت خلفته ...واللي يخليني ببساطة أنهى اتفاقي معاك. 

صمت آدم وهو يستمع لصوتها..يدرك مدى ألمها مما حدث ...تقدم نحوها في خطوات صغيرة ..ثم توقف خلفها وحدق في البحر أمامه وقال بصوت يشبه الهمس : متعودتش حد يملي عليا شروط...ولا اتعودت التزم بقوانين غير قوانيني الخاصة ...ثم تنهد ببطء وأردف قائلاً : عارف انك ليكي حقوق عليا حتى ولو كل ده تمثيل بس العقد حقيقي ..يعني لازم في الفترة دي تأخدي حقوقك ...اي حاجة حصلت من قبل اللحظة دي انسيها ..ومن دلوقتي اوعدك اني هاحافظ على صورتك قدام أي حد، وليكي الحرية في انك تأخدي القرارات اللي تشوفيها مناسبة، لو عايزة تطردي اليسيا وصخر من البيت مش هقولك لأ ...أجابها وعينيه شاردتان وعندما لم يتلقى الرد ...نظر إليها ووضع يديه على كتفيها وأدارها لتواجهه ...ولكنه تفاجأ بدمعات متلألئة على وجنتيها ..وعيناها الحزينتان تتطلع فيه ..لم يتمكن من الصمود طويلا ...مرر أنامله والتقط دموعها وبدون وعي قال : أنا أسف ...للمرة الأولى يعتذر ..تفاجأ من فعلته ..ولكنه لم يستطع مقاومة حزنها...ثم أردف : ارجوكي تنسي أي حاجة ...وصدقيني لما اقولك أن اليسيا مالهاش أي صفة عندي ..كانت غلطة قديمة ..وخلاص بصححها دلوقتى. 

صمتت إيڤا تستمع إليه ثم قالت بعد تفكير طويل : أول وآخر مرة ..صدقني المرة الجاية مش هاقف واواجه...لا هامشي على طول من غير كلمة واحدة ..
ابتسم لها وضمها إلى صدره بقوة وهو يقول : رغم انك ماتقدريش ..بس أنا متأكد أن مفيش مرة تانية. 

مكثت بين ذراعيه في هدوء، شعور بالراحة يجتاحها كما لو كانت في أمان ... في مخبأ عن كل شيء ..عن كل من يريد أذيتها ...عمن يلاحقها ..أرخت يديها على صدره وسكنت قليلاً وعندما أدركت أنه لم يرتدي بعد ملابسه، قفزت للخلف وقالت : طيب يلا غير هدومك وأنا هاستناك هنا عشان ننزل سوا.

ابتسم بخبث وقال : إيه ده! بس كده ...أمال فين الصباح المميز اللي قلتي عليه ..وغمز لها بعينيه وهو يتحدث.

إحمرت وجنتيها وتلعثمت الكلمات على شفتيها وهي تقول : إيه ...لا ...أنا ..كنت بقول ...اوووف .. يلا خلص بلاش هزار .

سار نحو الخزانة وهو يقول بسخرية : براحتي انتي قلتي نص ساعة ..مقدرش انزل قبل كده وإلا سمعتي تبوظ ....ثم وقف يتفحص ملابسه وأردف قائلا : ناوية تعملي ايه بعد الفطار ..عايزة تخرجي في البلد ولا نفضل هنا.
_ لا نخرج ...قالتها سريعا فهي لا تريد أن تظل مع تلك الحقيرة طوال اليوم ...ثم أردفت وهي تشدد على الكلمة  : ولوحدنا.

_ أكيد طبعا لوحدنا ...انا مش عايز فضايح هنا ..الناس عارفاني ..طيب تحبي تنزلي تشتري حاجة ولا أفرجك على البلد ...

صمتت قليلا تفكر ثم قالت : نتفرج على البلد ..بس محتاجة شوية حاجات بسيطة لو صادفت محل في طريقي ممكن ادخل اجيب اللي لازمني ....كانت في حاجة إلى ملابس للنوم لائقة عوضا عن تلك الأثواب الفاضحة التي تملأ خزانتها.
**********************

جلست لويزا في الفراش وهي تضع رأسها على صدر  زوجها وجيه، تنهدت في هدوء وقالت : يجب أن تنتهي تلك الحرب الدائرة بينك وبين ولدنا ...كن على يقين أنها لن تجدي نفعا . بل قد يزداد الأمر سوءا ..أعترف يا عزيزي أنك أسأت التصرف معه منذ الصغر وهذا ما جعل الفجوة بينكما كبيرة ...حاول أن تقترب منه ..اجعله صديقك ..يجب أن يشعر أنك تثق به ..والأهم انك تحبه.

زفر وجيه الهواء بضيق وقال : كيف؟، وهو في قمة الاستهتار واللامبالاة ..لقد حاولت كثيرا أن أقسو عليه حتى يشتد عوده ..فهذة الامبراطوريه في حاجة لوحش كاسر لا شاب طائش ..ولكنه دوما كان يعصي أوامري. 

داعبت لويزا صدر زوجها بأناملها وقالت : أن ابنك مثلك تماما ..لا يقبل الأوامر ..ولا ينحني لأحد ..ولذلك أنتما دوما تتشاجران ..تقبل أن هناك نسخة أخرى منك في هذا الكون...وحاول أن تتعامل معه بما يليق به وليس بما تريد أنت ...من أجلي ..فقط تلك المرة .. لنجرب لن تخسر شيء ...أعطه الشركة كما وعدته وتابع الأمر من بعيد ..اجعله يشعر أنك تثق به وأنا على يقين أنه سيحاول أن يثبت لك أنه جدير بهذا. 

تأمل وجيه زوجته وقال لها بلطف: فقط من أجلك أنتِ، وليكن الله في عوني لو قام بأي عمل أحمق ...ولكن هل استطاعتي معرفة من تلك الفتاة؟، أشعر بالقلق أن تكون محتالة. 

شردت لويزا قليلا وقالت: لا تقلق ..قريبا سأعلم كل شيء عنها.
ثم تذكرت محادثتها ليلة أمس إلى قريبها المارشال وطلبها أن يجمع كل المعلومات اللازمة عن الفتاة في اقرب وقت ويخبرها بها، فأن حدسها يخبرها أن هناك شيء غير صحيح في روايتها ..ويجب أن تكتشفه. 
***********************

اجتمع الجميع على مائدة الإفطار، حاولت إيڤا أن تتعامل ببرود ولامبالاة مع إليسيا ..أرادت أن تشعرها بأنها لا تراها أصلا..وأنها ليست لها حجم بالنسبة إليهم أو تشكل مصدر خوف لها..تعاملت مع الأمر كأنه لم يكن ..فقط جلست بجوار زوجها تداعبه وتطعمه في فمه...حتى كادت ترى أدخنة تتطاير من مقعد الفتاة الإيطالية ...أما صخر فكان يتناول طعامه وهو يتابع المشهد بابتسامة ماكرة ..ويرسل إشارات إلى ابن عمه أن الفتاتين ستقام بينهما حربا قريبة...أما آدم فكان مستمتع بما يحدث ...أن يرى أنف حبيبته السابقة تسقط من عليائها ..وتقاتل من أجله بعد أن تنازلت عنه بسهولة....ومن ناحية أخرى معاملة زوجته اللطيفة له ..ودلالها معه ..تشعره بأنه مختلف ..محط الاهتمام والحب ..وليكن صادق مع نفسه كل ما يهتم به الآن هو إيڤا ..لقد استطاعت أن تخطف انتباهه وتركيزه وتحوله كله لها ..لقد أصبح شغوف أكثر بالتقرب لها ..معرفتها عن قرب ..ولا ضير من نيل رحيق شفتيها بين الحين والآخر.

أنهى الجميع فطوره ونهضت إيڤا من مقعدها وبعفوية شديدة جلست على ساق زوجها وتعلقت برقبته وهي تقول بالايطالية : 
_ Amore mio( حبيبي)
إلى أين سنذهب اليوم؟ 

ابتسم لها آدم ونظر في عينيها وللحظة نسى كل من حوله، وكل شيء ولم يعد يرى سوى تلك المرأة التي تثير جنونه ..فهي متقلبة كفصول السنة، متقلبة وجامحة مثل رياح الخريف ...باردة ومنغلقة كالشتاء ...ناعمة ورقيقة وطفولية كالربيع ...ومثيرة حد أنها تلهب حرارته كالصيف ...والآن هو يشعر أنها طفلته الصغيرة المشاكسة الذي يرغب في أن تظل هكذا دائما على ساقيه...يحتفظ بها على صدره وتطبع صورتها على مرآة عينيه. 

إتسعت ابتسامته بعد ما جال بخاطره، وداعب وجنتيها بانامله وقال : اتركي لي نفسك اليوم، سأجعله يوما لا تنساه ذاكرتك ..فقط استعدي ..فاليوم خاص لي انا وأنتِ فقط. 

تأملته إيڤا وللحظات شعرت أنه يعني ما يقول، لا يدعي أمامهم فقط، بل إن كل كلمة تخرج من فمه صادقة...نظرت في عينيه وشعرت بشيء مختلف... لمعة لم تراها من قبل...بل أنها أيضا اجتاحها تيار دافيء غريب يسطع من نظراته الناعمة .. سرت قشعريرة في جسدها .. شعر بها آدم ..فضغط جسدها إلى صدره بقوة وقال لها هامسا : وأنتِ بين ذراعي لا تخافي أبدا.

انتبه الاثنان على صوت اليسيا وهي تحدث صخر بتهكم: يبدو أننا خارج خططهم تماما ..ولن نكون معهما.

فأجاب آدم على الفور : أنتما بالفعل هكذا، فتلك الإجازة لي أنا وحبيبتي، لم نرد أن نشارك بها أحد، ولكن بما أنكما هنا استمتعا بقدر ما تستطيعا...وبالتأكيد سنجتمع سويا ولكن ليس كثيرا..فأنا أرغب في أن استغل هذا الوقت في أن ارتوي من حبيبتي على قدر المستطاع.

ابتسمت إيفا بدلال وقالت:  حبيبي كن على يقين أنك لو أمضيت العمر كله معي .. لن تصل أبدا إلى حد الارتواء. 
_ صدقتي يا فاتنتي..فأنتِ فريدة من نوعك..معكِ الرجل يجب أن يكتفي ..لأن بك سحر كل النساء ..أنتِ ساحرتي الصغيرة ...قالها آدم بصدق ...وفي نفس اللحظة نهضت اليسيا بغضب شديد وقالت بحنق: هنيئا لكما ...اخرجا واستمتعا ولا تقلقي يا إيڤا على ابنتك ..ساهتم بها في غيابك. 

انتفضت إيڤا من مكانها وقالت : لا ..ستأتي معي.
أرادت اليسيا أن تفشل مخططهما بأن يصطحبا الطفلة الصغيرة بعد أن تثير الفزع في نفس أمها ...ولكن آدم فهم مغزاها وهتف : فرانشيسكا ...
جاءت المرأة العجوز فقال لها : تيرا مسئوليتك أنتِ والمربية، لا تفعلي أي شيء آخر سواها...لا ترفعي عينيكي عنها طوال فترة غيابنا ...
تأملت المرأة المشهد وقالت بتفهم : لا تقلق لن أدعها تغيب عني لحظة واحدة.

ابتسم آدم وقال : حُلت المشكلة ..هيا بنا فاتنتي. 

غادر الإثنان..وقال صخر: يبدو أنك خسرتي أمام المصرية. 
ابتسمت اليسيا بغضب وقالت : عزيزي اليسيا لا تهزم. .أنا دائما أكسب ..حتى ولو بطرق ملتوية ..وكن على يقين انني سأتخلص منها قريبا.
تعليقات



<>