
تعالت أصوات الضحكات والنقاشات، وفرحة توزع الطعام عليهم وتلح عليهم بتناول أنواعه المختلفة. ابتسمت وهي تجد فخذ البط الموضوع أمامها وقد أصبح من نصيبها، وابتسمت وهي تتذكر ذاك الذي غاب عن الرحلة كلما قضمت قطعة منه، لتهمس سراً لنفسها:
_فينك يا شريف، تجي تشوف البط والحمام!
ثم كتمت ضحكاتها وقالت بشماتة محببة:
نفسي أطلع موبايلي وأصور الأكل وأغيظه.
ثم نهرت نفسها وهي تختطف نظرة نحو فرحة المندمجة في الحديث مع خالتها:
_بس عيب، الست هتقول عمرهم ما أكلوا بط وحمام.
لتشهق فزعة عندما وكزتها شقيقتها قائلة:
_بتبرطمي بتقولي إيه؟
لتبدأ في السعال بعد أن خنقتها تلك اللقمة التي توقفت في حلقها، لتلتقط قدح الماء القريب منها تشرب منه بسرعة وتحاول أن تلتقط أنفاسها، والتفتت نحوها بضيق بعد أن أفزعها تصرفها:
_كنتِ هتخنقيني يا مجنونة!
قطبت ورد حاجبيها بدهشة تؤنبها:
_وأنا مالي، أنتِ اللي كنتِ سرحانة وبتكلمي نفسك.
_اششش مالكم فضحتونا!
هتفت بها قمر بخفوت تنهرهم بعدما ارتفع صوت شجارهم. أشاحت أحلام وجهها بانزعاج بعد أن أشارت نحو ورد المتفاجئة من ردة فعلها:
_وأنا مالي، شوفي صاحبتك مش سايباني في حالي.
أخفضت عينها نحو طبقها بحرج وادعت اندماجها في تناول الطعام تنهي معه نقاشها مع شقيقتها بعد أن خجلت من ردة فعلها المبالغ فيها.
تابعتها عين قمر التي شعرت بالإشفاق عليها، فورد رقيقة وحساسة تؤثر فيها بضع كلمات. لتحاول التخفيف عنها، قطعت قطعة من الفطير وقربتها من رأسها المنخفضة، لترفع ورد رأسها وتنظر لها متعجبة:
_ذوقي الفطير يا ورد، ماما عندها حق، خالتي فرحة فطيرها يجنن، ذوقي بس.
حركت القطعة أمام فمها بإصرار تحثها على تناولها. ترددت في بادئ الأمر، لكن ابتسامة قمر وإلحاحها جعلها تفتح فمها تتناول منها الفطير وتبادلها الابتسامة شاحبة، مضغت لقمتها وابتلعتها بصعوبة، تهرب بعينها الدامعة من عين قمر التي تلاحقها وتحاول أن تواسيها، حتى انتبهت لسؤال خالتها الذي ساد الصمت معه:
_أخبار نور إيه يا فرحة؟ مرتاحة في القاهرة؟
تنهدت فرحة بشوق لابنتها الغائبة، ونظرت نحوها تجيبها في حيرة:
_الحمد لله، كل ما تتصل بتقول أنا بخير.
ربتت شمس على كتفها تدعو لها بسعادة:
_ربنا يسعدها يا حبيبتي، ويرزقها راحة البال والذرية الصالحة يارب.
ثم استرسلت تطمئنها:
حح_سيف بيشكر في جوزها دكتور حسام، أصلهم كانوا زمايل في الكلية قبل ما يقضي التكليف هنا.
هزت رأسها تستمع لكلامها، وشيء ما في داخلها يشعرها بالخوف، فصوت صغيرتها يوحي بوجود خطب ما رغم ادعائها عكس ذلك، ثم عقبت مؤكدة على حديث شمس:
_ما هو إحنا ما وافقناش عليه إلا بعد ما سألنا سيف وأكد لنا إنه إنسان كويس من عشرته معاه في الجامعة.
تعالت دعوات هدى وندى لها بالهناء، وختمت فرحة حديثها بدعوة جعلت قلبي ورد وقمر يخفقان بأمل.
*******************
أما هناك في غرفة الرجال، كان الحديث أكثر عملية، فما بين الحياة ومشاكلها وأخبار الناس انقضى وقت الغداء. اندمج حسين وسيف في الحديث مع محمد، يشرح لهما طبيعة عمله كمهندس زراعي يشرف على العديد من الأراضي الزراعية ويطمح في تحسين الإنتاج.
أما حسن فكان يصغي للحديث الذي يدور بين أعمامه والعم جابر عن أحوال المدينة وأخبارها.
نهض ينسحب من بينهم بعد أن داهمه صداع ناتج عن حاجته للتدخين، خرج نحو الخارج يتلفت يميناً ويساراً خشية أن تراه والدته. خطى خطواته نحو تلك الحديقة الكبيرة التي امتلأت بالزهور والنباتات العطرية وبعض أحواض الريحان والنعناع التي أكسبتها رائحة رائعة. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يخرج سيجارته ويشعلها ليختلط دخانها بعبير المكان. امتص دخانها ثم نفثه في الهواء يغمض عينيه باسترخاء حتى انتهى، دهس عقب سيجارته بحذائه، نظر حوله واقترب من حوض النعناع ليقطف ورقاته يمسحها، ثم قربها من فمه ينفخ عليها قبل أن يتناولها ويمضغها ليغير من رائحة فمه التي تعشقت بها رائحة السجائر.
دارت عيناه بين الزهور التي وضعت تحت مظلات مخصصة لحمايتها من أشعة الشمس وحرارة الجو. اقترب تجذبه إحداهن بلونها الأحمر، مد يده يمسكها قبل أن ينحني يحاول استنشاقها، ليتأوه عندما غرست أحد أشواكها في أصبعه، ورغماً عنه كسر ساقها. سحب يده يمتص أصبعه يخفف ألمه، وشعر بالحرج عندما وجد الوردة قد تدلت منكسرة ليقطفها ويقربها من أنفه يستنشق عطرها، فتلوح صورة قمر أمامه؛ هي تشبه تلك الزهرة بجمالها ورقتها وشوكها أيضاً.
-حسين أنت هنا بتعمل إيه؟
انتفض عندما سمع صوتها وظن أنه يتخيل،
لكن لهجتها الهجومية جعلته يوقن أنها حقيقة
:-قطفت الوردة ليه؟ كنت سبتها حلوة مكانها.
ارتجف قلبه لسماع صوتها وشعر بالحرج ليستدير فيجدها تقف أمامه متجهمة الوجه، فيقول مبرراً بصوت متوتر:
-مكنتش عاوز أقطفها، حصل غصب عني.
لكنها استمرت في هجومها ولومها كأنها
وجدت متنفساً لكي تصرخ عليه وتفرغ ضيقها منه:
-مش تخلي بالك؟ دي أمانة، مش شايف هما محافظين عليها إزاي؟
عقد لسانه ولم يعرف بما يجيبها، لتمسك ورد يدها تؤنبها بعد أن شعرت باضطرابه:
-خلاص يا قمر، مكنش قصده، أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟
ربعت يدها على صدرها لتزفر أنفاسها بانفعال:
-
-مش مكبرة الموضوع بس إحنا هنا ضيوف.
هذه المرة كلماتها آذته، ليتصبب عرقاً ويشعر بالانزعاج، مسح على وجهه بضيق يقترب منها ويمد يده بتلك الوردة:
-أنا قلت لك مكنش قصدي، وعلى العموم أنا هعتذر من محمد عشان أعفيكم من الحرج.
نظرت إلى يده الممدودة بالوردة ثم رفعت عينها لتواجه عينيه التي تنظر لها بحدة، ثم مدت يدها تخطف الوردة منه بغرور، وانسحب هو مغادراً.
نظرت ورد لأثره لتلومها قائلة:
-مالك يا قمر قسيتي عليه كده ليه؟ قال لك غصب عنه.
لوحت بيدها بعدم اكتراث ثم نظرت للوردة التي بدأت باستنشاقها.
أما هو فابتعد عنهم ليقف مستنداً على سيارة سيف، يشعل سيجارة أخرى يطفئ نيران حنقه ويفرغ فيها انفعاله، لكن قلبه الغبي بدأ كالعادة ينسج لها الأعذار:
-جايز مقصدش تنفعل، بس أكيد هي اتكسفت لو حد شافني بقطع الزرع.
واستطرد يقنع نفسه بمرارة:
-بصراحة هي عندها حق يا حسين، مش شايف هما محافظين على المكان إزاي.
قطع حواره مع نفسه ولومه لها خطوات سيف المقتربة منه ونظرات الاستهجان التي يطالعه بها بعد أن رآه يدخن، ليشيح وجهه إلى الناحية الأخرى ينفث دخان سيجارته بلا مبالاة:
-عرفت إنك خارج تشرب سيجارة، أنت مش هتبطل يا بني؟ خالتي هدى لو شافتك هتفرمك!
قالها سيف وهو يقف بجانبه مستنداً على السيارة، ليرتطم كتفه بكتف حسين متعمداً، مزيحاً إياه قليلاً كأنه يكمل عتابه، لكن حسين حافظ على صمته، فقد ثقلت الكلمات على لسانه؛ فماذا يخبره؟ أيخبره أن حب شقيقته هو السبب؟ يخبره أنها حرقت روحه بعشقها كما حرقت النار سيجارته حتى تطاير تعقله كما تطاير دخانها؟
صمته الذي طال جعل سيف يكزه مازحاً:
-إيه ساكت يعني، شكلك مش هامك حاجة، مالك يا بني؟ أنت من شوية كنت متحمس تركب الخيل وتلف البلد، مالك شايل طاجن ستك؟
أنهى سيجارته وألقاها أرضاً يجيبه دون أن ينظر إليه:
-مفيش حاجة، كدة في الشغل شغلاني.
دهس سيف عقب السيجارة الذي ظل مشتعلاً وتهكم بعدم اقتناع:
-حاجة في الشغل تقلبك 180 درجة!
هربت عيناه من مواجهته كما هرب هو من الإجابة عندما سأله:
-هو إحنا هنروح الاستراحة إمتى؟ أنا تعبت من الطريق.
وقبل أن يجيبه سيف صدح رنين هاتفه، وكان المتصل أصيل يسأله عن وقت حضورهم وعن عتاب والده له.
تنقلتا بين الأزهار وسارتا معاً عبر أحواض الريحان والنعناع يتبادلن الحديث ويلتقطن الصور حتى قررتا العودة إلى الداخل، لتلمحه عيناها يقف بجانب ابن خالتها يحمل هاتفه ويتحدث، لتتسمر قدماها وتعلنان تمردهما عليها، وتتعلق عيناها به، تشبع قلبها العاشق برؤيته.
تخطتها قمر، لتنتبه لتوقفها، عادت إليها تسألها بتعجب:
-ورد وقفتِ ليه؟
حتى انتبهت لما تنظر، فوجدتها تتأمل شقيقها الذي يقف بعيداً، لتتنهد بيأس وتعاود مناداتها:
-ورد يلا بينا.
انتبهت لتهز رأسها تنظر إليها بدهشة:
-بتقولي إيه؟
تأففت بأسف وهي ترى تعلقها بشقيقها الذي لا يعيرها انتباهاً، أمسكت ذراعها تجذبها بحنق:
-بقولك يلا بينا.
أطاعتها كالبلهاء، فعقلها المشتت لا يزال منسحباً مع ذلك الذي ملك قلبها.
-قمر.. ورد!
صاح بها بضيق ليتجاوزه محمد الذي كان يسير بجانبه مبتعداً عندما رأى اقتراب الفتاتين. رفرف قلبها عند رؤيته، وتوهجت عيناها بحبها المكتوم ليشرق وجهها بابتسامة عريضة تزامنت مع حروف اسمه التي خرجت من شفتيها بابتهاج:
-حسن!
ليقطب حاجبه ويسألهما بجمود:
-بتعملوا إيه؟
رفعت كتفها تجيبه بنبرة مندهشة لسؤاله، تشير نحو الحديقة الشاسعة:
-كنا بنتمشى.
_أصل منظر الورد جميل، مقدرناش نسيبه من غير ما نتصور معاهم.
هكذا أكدت ورد على حديثها وهي توزع نظرها بينهم. زفر أنفاسه بضيق ينظر إلى المكان حوله، فتلك الأفكار بدأت تسيطر على طريقة تفكيره حتى أصبح يشك بمن حوله. مسح على وجهه كأنه يحاول إزاحة ذلك الضيق عنه، وتطلع إليهما يحاول رسم ابتسامة على وجهه مجبراً، وقال بصوت يحاول تخفيف حدته:
-طب ادخلوا جوة لحسن حد غريب يشوفكم.
انصاعت لأمره مرحبة، تسير بخطوات سريعة نحو الداخل حتى توقفت تضع يدها على قلبها تخفف ضرباته المتسارعة وتتنهد بعشق قبل أن تلتفت نحو ورد تقول بلهفة:
-شفتي بيغير عليا إزاي؟
مطت ورد شفتها مستنكرة وكررت حديثها بقلة حيلة:
-بيغير عليكِ.. طب يلا ياختي خلينا ندخل.
استأذن الجميع من جابر وفرحة قبل أن يغادروا نحو منزل راجح وزهرة اللذين استقبلاهما بترحيب حار وعتاب محب:
-يا مرحب يا مرحب، أهلاً بيكم.. دا إحنا بنستناكم من الصبح!
احتضنه فارس يبادله التحية يبرر له:
-أهلاً يا أبو أصيل.. أنت عارف جابر أصر يستقبلنا، ربنا يعمر بيتك.
بدأ راجح يقدم التحية لجميع الرجال كما فعلت زهرة مع النساء وهي ترحب بشمش وشقيقاتها ثم بناتهن تباعاً. وانفردت بهم في مكانهم المخصص، تعرفهم على بناتها "سندس" و"بسملة" ، وتبدأ بثرثرتها المعتادة تروي لشمس عن أحداث البلد وعن الأشخاص الذين تعرفهم.
حل المساء، ليذهب الجميع إلى أماكنهم المخصصة للنوم بعد أن أنهكهم التعب من طول السفر. اجتمعت النساء للنوم في مكان واحد كما اجتمع الرجال في مكان آخر. جافاه النوم، فالتفت حسين نحو سيف الذي غط في نوم عميق كما فعل والده وطارق أيضاً، وتعجب وهو يجد سرير شقيقه فارغاً وكذلك سرير فارس. انتابه الفضول لينهض يبحث عنهم.
وما هي إلا بضعة خطوات خطاها نحو الباب ليصله صوت فارس يتحدث في الهاتف، كتم ضحكته بعد أن علم أنه يحادث خالته وانصت لحديثه الذي جعله يسأل نفسه سؤالاً: هل العشرة الطيبة تزيد من رباط الحب والتعلق لهذه الدرجة؟
-مقدرتش أنام قبل ما أسمع صوتك، ومش عارف هنام إزاي وأنتِ بعيدة عن حضني.
ضحكت تهمس له بحب:
-ولا أنا يا حبيبي، لو مكنتش اتصلت كنت أنا اللي اتصلت بيك. خلي بالك من نفسك واتغطى كويس، أنا عارفة سيف هيشغل التكييف وأنت بتاخد برد بسرعة، وخد الدوا متنساش.
صمت يستمع لأوامرها باستماع، يحرك رأسه بطاعة كطفل يستمع لأوامر أمه، حتى انتهت ليظل صامتاً، فتناديه بقلق:
-فارس حبيبي أنت سامعني؟
ابتسم ثم أجابها بصوت عاشق:
-سامعك يا حبيبتي.. حاضر هعمل كل اللي بتقولي عليه.
ثم اتسعت ابتسامته يخبرها:
-تعرفي يا مشمش بحب أوي أحس بخوفك وقلقك عليا كأني ابنك مش جوزك.
تنهدت تغمض عينها وتفتحها، فهي من تعشق تدليله، فترد له جزءاً من دلاله لها:
-حبيبي هو أنا عندي أغلى منك أخاف عليه؟ ربنا يحفظك ليا.
-ويحفظك يا روحي.
شعرت بتلك العيون التي تراقبها، لتشعر بالخجل وتحاول إنهاء المكالمة رغم أنها ودت لو تطول:
-طب تصبح على خير.
-خلي بالك من نفسك.. تصبحي على خير.
أغلقت الهاتف لتجد شقيقاتها وبناتهن يحدقن بها لترتبك بحرج قائلة:
-مالكم بتبصولي كده ليه؟
لوت هدى شفتها بسخط وقالت تمازحها:
-عيني على الحب وسنينه!
ثم قلدت حديثها بطريقة مضحكة جعلت الجميع ينفجر ضاحكاً حتى هي، لتتوقف ندى عن الضحك تلومها:
-يا ستي سيبيها تحب دا جوزها لا هو عيب ولا حرام.
لتعقب هدى وعينها معلقة بشمس تبصر ردة فعلها على ما ستقوله:
-بالعكس أنا فرحانة ليها، أهي شمس عاشت قصة الحب الأسطورية اللي طول عمرها كانت تحلم بيها.
ابتسمت شمس وأكدت حديثها الذي سبقته تنهيدة طويلة:
-ياااا يا هدى أنتِ لسه فاكرة، بصراحة أيوه، حبي لفارس وقصتنا سوا هي الحاجة اللي كنت بحلم بيها، وفارس هو حبيبي اللي كنت دايماً بحلم بيه.
ثم استطردت بما جعل شقيقاتها يبتسمن:
-أهو فارس الحسنة الوحيدة اللي عملها بدران ليا.
-ربنا يرحمه.
دعاء قالته ندى وأمنت عليه شقيقتها، ليتفاجأن ببناتهن يزحن الغطاء عن أجسادهن وينهضن ملتفين حول شمس يحدقون بها ويقلن بصوت واحد:
-عاوزين نسمع الحكاية!
قطبت شمس حاجبيها وسألتهم مستفسرة:
-قصة إيه؟ أنتو مش كنتو نعسانين وعاوزين تناموا؟
-وحياتي يا خالتو لتحكي لنا، اعتبريها قصة قبل النوم.
هتفت بها أحلام التي أمسكت يدها برجاء تحثها على سرد القصة، لتوافقها الأخريات بإيماءة منهن. تطلعت نحو شقيقتيها اللتين أشارتا لها بسرد القصة بعد أن رأوا حماس الفتيات، لتهز رأسها بقلة حيلة وقالت وهي تنظر لشاشة الهاتف:
-خلاص أطمن على شريف وأحكي لكم الحكاية.
-شريف وصل من ساعة وتعشى ونام...
وضعت يدها على فمها بعد أن أدركت تهورها، بعد أن باحت بما يثبت تواصلها معه، لتتحمحم بحرج تخطف النظرات نحو والدتها التي ارتسم الحنق على محياها، فحاولت تدارك الموقف:
-أصله كلم قمر من شوية ومردتش، وكلمني أبلغك عشان متقلقيش.
رغم تعجبها بما تفوهت به ابنة خالتها، لكنها قررت أن تغطي عليها وتوافقها رغم عدم صحة كلامها، لكن نظرات خالتها الغاضبة ونظرات ورد المتوسلة أجبرتها على الكذب، لتدعي النسيان وتضرب جبهتها بيدها:
-أيوه صحيح إزاي نسيت أبلغك، هو اتصل فعلاً.
وصل غضب ندى إلى شمس التي قرأته بعينها وارتباك أحلام، لتفهم عدم رضا شقيقتها بعلاقة ابنها بابنتها. وضعت هاتفها جانباً واتكأت بظهرها على ظهر السرير وبدأت بسرد حكايتها مع فارس كي تخفف من توتر الجو المشحون. روت الحكاية وكيف أجبرها جدها على الزواج منه، لكنها اقتطعت منها انحرافه وما فعله بها كي لا تهز صورة فارس أمام الفتيات وبالذات قمر. وما إن انتهت حتى ابتسمت وهي تجدهم ينظرون لها بشغف ويقولون بهيام:
_الله، حكايتكم حلوة أوي يا خالتو.
صوبت شمس نظرها نحو شقيقتيها اللتين كانتا تنصتان أيضاً لحديثها وابتسمت ابتسامة ذات مغزى قبل أن تتهكم قائلة:
_شوفتو حكايتي طلعت حلوة أوي!
بادلتاها الابتسامة وغمزت لها هدى قبل أن تعقب ضاحكة:
_حلوة أوي يا مشمش.
تنهدت قمر وزفرت أنفاسها بقوة وهي ترفع يدها تدعو بقلب صادق:
_يارب أعيش حكاية حب زيك يا ماما.
تحركت عينها باتجاهها بسرعة واختفت ابتسامتها تبتلع غصة مرة، وكأن دعاء ابنتها أعاد ذكريات ذلك الجرح الذي داواه حبيبها عبر السنين، لتهمس سراً:
_يارب ماتعيشي اللي عشته يا بنتي.
ثم ابتسمت تتذكر ما فعله لها كي تنسى جرحه لها، لتتم لها داعية:
-ربنا يرزقك براجل طيب وحنين زي أبوكِ.
هتاف الفتيات حولها أخرجها من شرودها وهي تسمعهن يدعون بأن يرزقهن بحبيب مثل فارس، لتوافق أحلام قمر في رأيها وتدعو مثل دعائها:
_آه والله يا قمر، حد حنين زي عمو فارس ورومانسي.
لتبعها ورد قائلة بنظرة هائمة:
_وطيب وعاقل وزين.
وانضمت مليكة لهن تكمل سرد صفاته:
_ووسيم وجنتل مان ويحبني زي ما بيحب أونكل فارس خالتو.
فتحت عينيها على وسعهما وهي تنقلهما بين الفتيات بدهشة قبل أن تصرخ بهم موبخة:
_بس يا بنت منك ليها! بتتغزلوا بجوزي قدامي؟
ثم فتحت أصابعها "تخمس" في وجوههن تردد آيات التحصين:
قل أعوذ برب الفلق.. أنتو هتقروا على الراجل!
ثم علا صوتها تأمرهن بغضب:
-يلا كل واحدة على سريرها، جيل قليل أدب.
تحركن بسرعة هاربات من أمامها، واندست كل واحدة منهن في سريرها وسط ضحكات ندى وهدى. تسطحت على السرير بحنق ولسانها لا يزال يردد الدعاء له، لم يهدأ بالها إلا عندما أرسلت له رسالة تطمئن عليه قبل أن تغفو، لكن غفوتها لم تستمر سوى ثوانٍ ليوقظها رنين هاتف ندى الذي نظرت له بلهفة وأجابت على المتصل بشوق:
-زياد حبيبي ازيك؟ وحشني يا روح أمك، أيوه يا نور عيني وصلنا، طمني عنك.
لتهمس شمس بانزعاج بعد أن أيقظها رنين الهاتف:
-آه حبيب قلب أمه بيتصل، هناخد وصلة عياط معتبرة بعدها.
لكن ندى خيبت ظنها وأغلقت الهاتف ثم قبلت شاشتها كأنها تقبل ولدها واحتضنته غافية بعد أن دهمها إرهاق السفر.
****************"" ""
أما عند فارس، فما إن أغلق هاتفه معها حتى سمع خطوات حسين القادم من خلفه، والذي تعمد أن يصدر صوتاً لينتبه فارس لوجوده. استدار مندهشاً نحوه وسأله باستغراب:
_إيه اللي مصحيك لغاية دلوقت؟
مسح حسين على خصلات شعره يدعك رقبته ويجيبه مبتسماً:
-ماجاليش نوم.
ثم استطرد بصوت عابث يغمز له:
-ووصلة الغرام اللي سمعتها طيرت النوم من عيني.
لكمه فارس في كتفه يؤنبه بمزاح:
-أنت بتتصنت عليا يا ولد؟
دعك حسين كتفه متأوهاً واقترب منه وأمسك عضده يكمل مزاحه معه هامساً له:
-بصراحة الفضول دفعني أسمع كلام حب بعد سنين الجواز الطويلة.
ثم ابتعد عنه تاركاً مسافة بينهما ينظر لوجهه كأنه يترقب ردات فعله على حديثه، شيء بين الأمل واللهفة لمعرفة سر إشراقة تلك العلاقة، ليخبره محاولاً حثه على الحديث:
-أصل طول عمري أسمع الرجالة تشتم نفسها بعد الجواز ويقولك كانت ساعة زفت يوم ما فكرت أتجوز.
قهقه فارس ضاحكاً وجذب مقدمة ملابسه حتى تقابل وجههما:
-أوعى يكون أبوك اللي بيقول كدة!
حسين الذي فاجأته حركته أجابه بارتباك:
-لا.
ليفلت فارس ملابسه ويكمل وصلة ضحكه وهو يتمتم ساخراً:
-هو يقدر؟ دي كانت هدى تعلقه!
ارتد جسد حسين إلى الوراء ليجذب ملابسه يعيد ترتيبها ويقول ضاحكاً على تعقيب فارس:
-لا بصراحة بابا بيحب ماما، بس مش زيك، جايز أنت رومانسي أكتر، أنت حبك لخالتو مختلف.
لمعت عين فارس بعد كلمة حسين الأخيرة، فقد صدق؛ حبه مختلف. شرد بذاكرته وكأن الماضي يمر أمامه كشريط طويل، ليسير بخطوات بطيئة ثم جلس على تلك السلالم الرخامية العرضية أمام باب الاستراحة، ليتبعه حسين متعجباً من شروده وجلس بجانبه. التفت نحو فارس ونظر له نظرة طويلة أصابته بتوتر، حتى سمعه يقول:
-أنا فعلاً يا حسين حبي ليها مختلف، شمس بالنسبة ليا مش مجرد زوجة، شمس بالنسبة لي حياة، هي كل أفرادها؛ هي أمي وأختي وصاحبتي وبنتي.
ثم تنهد بحب ينظر إلى هاتفه متذكراً حديثها معه ليلفظ آخر صفاتها بعشق:
-وحبيبتي.
ثم ابتسم يعاود النظر لحسين الذي بادله الابتسامة فأكمل مفسراً:
-شمس يا حسين دخلت حياتي اللي كانت ضلمة ونورتها زي الشمس لما تنور عتمة الليل، ومش بس كدة، حياتي اللي كانت مكركبة لقيتها بتنظمها من غير ما تحس، كنت زي العيل التايه اللي لقى حضن الأمان معاها. عشان كدة هي بالنسبة ليا حياتي كلها، بحبها أكتر من نفسي، معنديش أغلى منها، الدنيا عندي كلها في كفة وشمس لوحدها في كفة تانية.
ضحك فارس وهو يجد حسين يسند ذقنه على راحة يده وينصت له باندماج دون أن ترمش عيناه، كأنه شارد في عالم آخر، ليصفعه بخفة أجفلته:
-رحت فين؟ القصة خلصت.
أخذ نفساً وزفره ببطء يسأله بذهول:
_هو فيه حب كدة بجد؟
-لا مافيش.
إجابة فارس السريعة صدمته، ليحدق به قاطباً حاجبيه، فيربت فارس على كتفه قبل أن ينهض ليغادر، يجيبه كي يرضي حيرته:
-مافيش لأننا حالة استثنائية ونادرة، فهمت يا بن علي؟
ختم حديثه وهو يضرب جبهته بمزاح تاركاً إياه يفكر: هل ستكون قمر شمساً يوماً من الأيام ويكون هو فارسها؟
***************************
أما في مكان بعيد قليلاً، كان حسن يجلس مستنداً على جذع الشجرة الكبير، ينظر إلى السماء كأنه يطلب النجدة من الله ليخرجه من مستنقع الأفكار المظلمة التي سقط بها والتي تأبى أن تغادره. أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بقوة عله يطرد معه تلك الأفكار التي جثمت على صدره وفارقت من جفنيه النوم. مسح على وجهه بإرهاق يتذكر كيف أصبح يفكر في بنات خالته ويسأل نفسه: هل هن مثل زميلته أم مثل زوجة جلال؟ ثم لام نفسه كيف يقارن بنات خالته معهن. ليتوارى خلف جذع تلك الشجرة يتحقق مما سمعه ليتصنم مكانه وهو يجد فتاة تخرج من باب ذلك البيت الكبير، تحمل صحناً معها، ليبدأ عقله يغزل تلك الأفكار السيئة، لكنه حاور نفسه بتعجب، فالفتاة في غاية الحشمة وكلما اقتربت كان وجهها يتضح أمامه، ملامحها بريئة، ليعود عقله يدس السم من جديد يخبره أن لا يثق في الملامح بسرعة.
ظلت عيناه تتبعها بفضول حتى وجدها تجلس القرفصاء قرب إحدى الأشجار وتنادي بخفوت:
_سكر..سكر.. أنتِ فين؟ جبتلك أكل يلا تعالي.
ابتسم بعفوية عندما سمع صوتها، واتسعت ابتسامته عندما وجد قطة صغيرة تقترب من الطبق، فتمسح هي على رأسها بلطف. المشهد كان بمثابة انتصار على تلك الوساوس والظنون اللحظية، فشكه بها ذهب أدراج الرياح. كان مندمجاً في مشاهدتها وأذنه تلتقط صوتها وهي تلاعب القطة باستمتاع، قطعه صوت آخر عندما وجد امرأة تهرول نحوها منادية:
-ست سندس.. ست سندس!
_أيوه يا أم محمد.
_الست الكبيرة بتدور عليكِ.
نهضت بسرعة تنفض ملابسها بخوف لتلومها السيدة محذرة:
_دي لو عرفت بحكاية القطة هطين عيشتنا.
نظرت لها برجاء وقالت متوسلة:
_أوعي تقوليها، دي ممكن ترميها بره.
لتومئ لها مؤكدة:
_متخافيش يا ستي سرك في بير.
ابتسمت لها لتدفعها تشير لها نحو الداخل بعد أن لوحت لتلك القطة المندمجة في الأكل مودعة:
_طب يلا بينا.. مع السلامة يا سكر.
عيناه ظلت معلقة بها حتى دخلت إلى المنزل، لينظر لأثرها مردداً ذلك الاسم:
سندس.