
رواية لأنك أنت الفصل الثالث عشر13 بقلم ندي محمود توفيق
صك سمعه صوت رنين هاتفها منبعث من الخارج فغادر غرفة ياسين وهو يتبع صوت الهاتف حتى وصل للصالون لكنه تصلب بأرضه عندما رأى من يجلس على الأريكة ممسكًا بهاتف فيروز ويرفعه لأعلى أمامه ويهتف مبتسمًا في هدوء تام:
_إيه بتدور على صاحبة التلفون ؟
خرجت من سليم همسة خافتة ممتزجة بنظرة صدمة وسخط:
_بابا!!
تطلع عوني بابنه في غيظ واستقام واقفًا ثم تقدم بخطواته المتريثة نحوه وهو يهتف بقوة:
_كنت ناوي أن شاء الله تفضل لغاية امتى ياسليم بيه بايع أهلك وبيتك، كنت فاكر أني هغلب ومش هعرف مكانك يعني
احتقنت نظرات سليم ولم يبالي بما تفوه به للتو بل هتف يسأل بحدة متجاهلًا أي شيء سوى ما يهمه الآن:
_فيروز وياسين فين؟.. ديتهم فين؟!
ابتسم عوني وقال ساخرًا في برود:
_إيه هما مهمين عندك للدرجادي.. ولا البنت كانت بتروق عليك اصل الصراحة سمعتها سبقاها
رفع سليم كفه ومسح على وجهه وهو يزفر بقوة محاولًا تمالك انفعالاته حتى لا يفقد ما تبقى لديه من ثبات وهتف بلهجة مرعبة وساخطة:
_بابا صدقني دول لو حصلهم حاجة أنا مش هرحم حد
رفع عوني حاجبه باندهاش بسيط وقال بتهكم:
_أنت كمان بتهددني ياسليم.. إيه هي البنت اكلت دماغك للدرجة دي!!
ابتعد سليم عن عوني لخطوات واستدار باتجاه الحائط يضرب بقبضته في عنف ثم هتف بصوت خرج متحشرج كزئير الأسد:
_أنت عايز إيه يابابا ؟!
ابتسم عوني بانتصار وقال في خبث بعد أن وصل لبداية خطته:
_عايزك ترجع للمشروع من تاني وترجع الشركة والبيت، أما بخصوص البنت اللي عجباك دي فهي وأخوها معايا متقلقش عليهم
حدق سليم بعوني في غيظ، فهو كان مدرك لتلك اللحظة وأبيه لم يخيب ظنه.. مقررًا تركه بين مفترق طرق وكلا الطريقين يؤدي لنهاية ونتيجة اسوء من الأخرى، لكنه انتصب في وقفته وعاد بخطواته الصلبة وأجاب بعد أن اطلق زفيرًا حارًا:
_تمام موافق.. قولي فين مكانهم بقى اعتقد اخدت اللي عايزه!
رد عوني برفض امتزج بقسوة ووضاعة منه:
_لا مش هيرجعوا ولا تعرف مكانهم غير لما المشروع يخلص تمامًا، وبعدين أنت مستخسر ليه في الرجالة يتسلوا شوية
فهم سليم ما يرمي إليه أبيه فاشتعلت عيناه بلهيب قاتل، وظهرت قتامة معالمه المرعبة وقد بدا أمامه كالبركان الذي قرر الاستيقاظ من خموله ليقضي على الأخضر واليابس، حيث صرخ بصوت جهوري ونظرات جعلت عوني بذاته يهابه:
_اقسم بالله لو حد فكر لمجرد التفكير أنه يلمسها مش هيكفيني فيهم حتى الموت.. فيروز مراتي
وقعت آثر العبارة الأخيرة على آذان عوني واعلانه بأن تلك الفتاة زوجته، جعلت جسده كله يتجمد بأرضه من وقع الصدمة فصاح بابنه في عدم استيعاب:
_مراتك ده إيه أنت أكيد بتقول كدا غشان تجبرني ارجعهالك، لا يمكن تكون مراتك فعلا
رد سليم بثبات تام ونظرة متحدية:
_ لا مراتي امال هي عايشة معايا في بيت واحد ازاي
ثار عوني كالقنبلة وأخذ يصرخ به بعصبية هستيريا:
_يعني إيه مراتك.. أنت اتجننت إزاي تتجوز واحدة زي دي.. أنت عايز تخلي سمعة عيلة الطوخي كلها في الأرض، البت دي تطلقها فورًا ياسليم فاهم ولا لا
رد سليم بكل صلابة وحزم:
_لا دي حياتي ومحدش هيتحكم فيها ويقولي اختار مين أو اتجوز مين.. فيروز مراتي ومش هطلقها
صرخ عوني بتحدي ووعيد مرعب:
_وأنا لا يمكن اسمح بالجوازة دي ياسليم وأنت عارف أنا ممكن اعمل إيه فيها لو مطلقتهاش بمزاجك
لمعت عيني سليم بوميض قاتل وقال في لهجة مريبة ونبرة مهيبة تحمل لمسة شيطانية تشبه لعوني:
_متقدرش ياعوني بيه تقربلها طول ماهي مراتي.. والمشروع بتاعك اللي اهم عندك من ولادك ونفسك حتى.. هينتهي للأبد وأنت فاهم أني اقدر اعمل كدا، فيروز وياسين لو مرجعوش مفيش مشروع هيكمل وبرضوا هعرف اوصلهم مهو أنا ليا أساليبي الخاصة كمان ومش معنى أنك خطفتهم أنا مش هعرف اوصلهم لا أنا بعرف أكون اسوء منك ياعوني الطوخي لما بحب فمتضطرش الأمور انها توصل لحرب بينا وابقى بحارب أبويا
طالع عوني سليم في صمت بنظرات مشتعلة من الغيظ.. فلم يترك له مجالًا ليطغى عليه بسلطته، بل انقلب السحر على الساحر وأصبح الآن هو الذي يتعرض للاستغلال من ابنه، أما سليم فقد ابتسم بلؤم وقال بثقة وهو يبدي شروطه الخاصة:
_المشروع هكمله وهرجع البيت زي ما أنت عايز بس قصاد كدا هيبقى في اتفاق بينا أن فيروز متقربش منها نهائي هي وأخوها وتقولي على مكانهم، وأنا اعتقظ مش هيوصل بيك الحال ياعوني بيه أنك تأذي مرات ابنك، وياسلام كمان لو كانت مرات ابنك وحفيدك اللي من دمك
استشاط عوني وصاح بجنون وصدمة:
_هي حامل كمان !!!
قال سليم مبتسمًا ليزيد من استفزاز:
_لا لسا بس قريب أن شاء الله قول يارب.. المهم قولت إيه يا بابا موافق على شروطي ولا انفذ اللي قولته وفي كلتا الحالتين أنا كسبان زي ما قولتلك مكانهم وهعرفه وهتفضل مراتي لكن أنت اللي هتخسر مشروع العمر بتاعك
رغم النيران المشتعلة في صدر عوني سخطًا من ابنه إلا أن في عينيه لاحت نظرة إعجاب واندهاش فهمس في حيرة:
_أحيانًا ببصلك وبقول معقول ده ابني.. تعرف ليه لأنك تخطيتني ياسليم وبقى يتخاف منك ومحدش يستهون بيك
ابتسم بغطرسة وأجاب في صوت رجولي غليظ بمكر:
_تربيتك ياعوني بيه
تنهد عوني متهملًا واخرج زفيرًا حارًا ثم رد عليه ذاعنًا لشروط ابنه مغلوبًا:
_أنا موافق على شروطك.. النهاردة ترجع البيت ومن بكرا ترجع المشروع والشركة تاني
رفع سليم كفه وراح يصافح أبيه وهو يبتسم بنصر وخبث:
_تمام اتفقنا
***
داخل منزل مروة تحديدًا بغرفة نومها هي وشاهين....
كانت ممدة على الفراش بجواره بين ذراعيه في احضانه والصمت يملأ الغرفة، كلاهما يفكر في شيء مختلف كانت هي تستعيد ذكريات معرفتها القديمة بـ داليا فقد كانوا يتشاركون نفس الجامعة ونفس الصف.. تتذكر كيف عهدت داليا منذ شبابها وهي تلك الشابة المتعالية التي تستمد غطرستها وقوتها من مكانة عائلتها المرموقة بالمجتمع.. وأنها صاحبة جاه ومال وجمال طاغي يؤثر الرجال كلهم، لم تنسى حبها القديم لشاهين وأنها كانت دومًا تسعى للفت انتباهه لكنه لم يكترث لها وعندما بدأت تلوح بشائر اهتمامه بها بدأت داليا في الظهور فسحرته بجمالها ومالها، وتُركت هي مهجورة وحيدة، ولطالما كانت مروة وحيدة يتيمة الأب والأم وربتها جدتها التي فارقت الحياة وتركتها وهي في ريعان شبابها عندها كانت تدرس في الجامعة.
رفعت نظرها وتطلعت في وجه شاهين واحت تهتف بدلال:
_عايزة اسألك سؤال ياشاهو
خرج صوت شاهين الخافت بعدما انتشلته من بحور افكاره العميقة:
_اسألي يامروة
سألت بابتسامة خبيثة وفضول شديد يظهر في لهجتها:
_لما أنت بتحب داليا أوي كدا ومش عايز تطلقها خنتها معايا ليه واتجوزتني
ادهشته بسؤالها الغير متوقع فاستحوذ عليه الصمت لدقائق يفكر في إجابة حقيقية حتى ابتسم بأسى وقال وهو ينظر لمروة بجرآة ويقول بصدق:
_صحيح أنا بحب داليا بس هي عمرها ما حسستني برجولتي في حجات كتير في تعاملات حياتنا ودايمًا عندها اهلها هما الأولولية وللأسف بتحاول تبين دايمًا أنها احسن مني، بس أنا بحبها وبحب رقتها ونعومتها.. من الآخر كدا داليا الرقة والست اللي تحسسك بقيمتك في المجتمع والواجهة، وأنتي يامزتي الدلع والأنوثة كلها اللي لما الدنيا تخبط فيا يمين وشمال اجي لحضنك عشان تنسيني كل حاجة يعني انتي بتعوضي اللي هي مش بتدهوني
ابتسمت مروة بثقة ونصر وقالت في لؤم وهي تعبث بلحيته باناملها في غنج:
_طيب وأنت بقى هتفضل مخبي عنها لغاية امتى.. قولها الأفضل لأنها ممكن تعرف قريب أوي
اختفت ابتسامته وسأل بعدم فهم:
_قصدك أيه يعني؟!
ردت مروة في نظرة شماتة وخبث:
_قصدي أن ابنك طارق عرف كل حاجة يا شاهين كان بيراقبك غالبًا وشافك وأنت بتدخل عندي والمرة اللي فاتت بعد ما مشيت طلعلي وعرف اني مراتك
وثب شاهين جالسًا وهو ينفرها بعيدًا عنه بغضب هادر وهتف بزعر:
_عرف ازاي أنك مراتي.. أكيد أنتي قولتيله صح!
هزت رأسها بالإيجاب في ثبات تام رغم اضطرابها من انفعاله فوجدته يقبض على ذراعها بعنف لدرجة أنها صرخت من شدة الألم وصرخ بها بصوت جهوري:
_أنتي بتتصرفي من دماغك ليه ولا غلك وحقدك على داليا عمى عيونك خلاص، أنا مش نبهت عليكي مليون مرة محدش هيعرف بجوازنا ولا علاقتنا ابدًا وبالأخص داليا والولاد، بسبب غبائك هتخليني اخسر عيالي
استشاطت غيظًا منه وتجاهلت المها وراحت تصرخ به بكلمات فظة وهي تفلت ذراعها من قبضته القاسية:
_وأنت دلوقتي اللي فوقت وادركت أن معاك عيال هتخسرهم كنت فاكر أنك هتفضل مخبي علاقتنا لغاية امتى ما كانت مسيرها تعرف هي والعيال، بعدين ولما خايف تخسر ولادك أوي كدا اتجوزتني ليه ولا بتتسلى زي ما كنت بتقول من شوية عشان أنا بروق عليك وادلعك واحسسك برجولتك الناقصة اللي ست البشوات داليا هانم الطوخي مش بتحسسك بيها
تبدلت تعابير وجهه من مجرد الغضب على الخطأ الذي ارتكتبه إلى بركان تفوح حممه البركانية بعد عباراتها الأخيرة وهي تصف رجولته بالنقص، اصبحت عيناه حمراء كالدم وراح يرفع كفه في الهواء ثم نزل به على وجنتها يصفعها بعدم رحمة ويجذبها من شعرها وهو يهتف بنظرة مرعبة اشبه بوحش فتاك:
_أنا هوريكي رجولتي الناقصة دي هتعمل فيكي إيه يا *****
وانقض عليها يصفعها على وجهها عدة صفعات متتالية وهي تصرخ بين يديه حتى افلتها وجثى فوقها وهو يقبض على فكيها بعنف يهددها:
_من هنا ورايح اللي اقوله يتنفذ ويارب نفسك ده يطلع ولا توصلي حاجة لداليا، و ياويلك لو طلعتي عن طوعي يامروة صدقيني مش هرحمك وهخليكي تشوفي الجانب الو*** مني
انهى عباراته وابتعد عنها وهو يتمعنها بغيظ ثم انتصب واقفًا وبدأ في ارتداء ملابسه وغادر المنزل بأكمله بعدما انتهى ليتركها على الفراش مكانها تبكي بحرقة وسخط شديد وهي تتوعد له على ما فعله بها...
***
داخل إحدى المنازل القديمة تحتوي على غرفة واحدة وباقي المنزل اشبه بمحزن للبضائع المختلفة، كانت فيروز سجينة تلك الغرفة الصغيرة المرعبة التي لا تحوى سوى مقعد حشبي واحد وبجواره على الأرض صحون مغلفة بها طعام وزجاجة مياه معهم، كانت وحيدة بتلك الغرفة بعد أن انتشلوا أخيها من بين أحضانها وفرقوه عنها، وتركوها بتلك الغرفة منعزلة عن العالم الخارجي ولا تعرف أين اخذوا أخيها.
كانت متكورة على الأرض تبكي بخوف وقهر بعدما اعتقدت أن حازم هو المتسبب في خطفهم وربما أصبح ياسين الآن بين قبضة عمتها الظالمة، فـ بلحظة قذف بذهنها سليم وتخيلت أنه الآن لابد أن يكون يبحث عنهم ولا شك في أنه سيصل لها قريبًا وينقذها من بطش ذلك الوغد، ربما ذلك الشعور هو الوحيد الذي هدأ من روعها قليلًا وجعلها تطمئن.
استقامت واقفة بعد دقائق من الانهيار الكامل في البكاء على حالها وحال أخيها المجهول وقررت القتال والمقاومة وعدم الاستسلام، فانظفعت نحو باب الغرفة وراحت تضرب على الباب من الداخل بكلتا يظيها في قوة وتصرخ هاتفة:
_افتحولي الباب ياسين فييين افتحوووا
رغم أنها لم تجد من يعيرها أهتمام لكنها استمرت في الضرب متعمدة ازعاجهم حتى وجدت أخيرًا الباب يُفتح فارتدت للخلف في خوف بسيط لكنها ارتدت لباس الشجاعة والقوة وحدقت بذلك الرحل الذي دخل وهتف بحنق:
_إيه الصداع اللي عملاه ده ما تترزعي في مكانك بسكوت لغاية ما نشوف هنعمل فيكي إيه!
هتفت فيروز بغضب ونظرة نارية:
_أخويا فين مش هسكت ولا ارتاح غير لما تجبهولي واشوفه
كان ذلك الرجل هو صلاح الذي أجابها بهدوء:
_أخوكي كويس اطمني أنتي اقلقي على نفسك بس.. لأني مستنى الخبر بس يوصلي وهشوف هتصرف معاكي ازاي
صاحت فيروز بشجاعة غريبة ونظرة متحدية:
_محدش هيقظر يلمسني ولا يعمل حاجة وقول لحازم اللي مشغلكم أخويا هاخده وهو مش هيقدر ياخد مني أي حاجة
ضيق صلاح عيناه بحيرة ثم ابتسم ساخرًا ورد في نظرات مظلمة ومخيفة:
_ حازم مين!!.. أنتي هنا بأمر من عوني الطوخي، اعتقد عارفة مين هو طالما تعرف سليم بيه
تجمدت تعابير وجه فيروز فور سماعها لاسمه وانهارت قواها كلها وراحت تسأل صلاح بعدم فهم:
_أنت تعرف سليم منين ومين الراجل ده وهو إيه علاقته بيه
رفع صلاح حاجبه باندهاش بعدما أدرك أنها لا تعرف شيء عن حقيقة هوية سليم فهمس لها وهو يبتسم بخبث:
_شكله البيه كان بيتسلى معاكي فعلًا والدليل أنه حتى مقلكيش أي حاجة عنه.. بس وماله أنا اقولك ياحلوة
تحولت نظرات فيروز من الشجاعة إلى الاضطراب والخوف وهي على اعتاب سماع حقائق ذلك الرجل الذي وثقت به، وتسمع صلاح وهو يكمل قائلًا:
_عوني الطوخي وابنه سليم الطوخي من اكبر رجال الأعمال في البلد كلها، واللي جايبك دلوقتي هنا عوني بيه وسليم بيه كمان عارف
ازدردت فيروز ريقها بذهول وبقت تحدق في صلاح بعدم استيعاب حتى خرج صوتها تهمس متسائلة بينها وبين نفسها محاولة الاستيعاب:
_طب وصبحي مش أبوه.. يعني هو كل ده كان بيكدب عليا!!
ضحك صلاح مستهزئًا وأجاب على سؤالها الخافت الذي بالكاد سمعه:
_صبحي ده أخره الجنايني بتاع سليم بيه ابوه ده إيه.. شكلك كنتي عايشة في الوهم يامزة !
اقترب منها بجرأة ونظرات وقحة ثم رفع كفه وراح يملس وجهها نزولًا لرقبتها هامسًا بخبث:
_واضح أن سليم بيه زوقه عالي وعرف يختار واحدة تسليه كويس في غربته بعيد عن اهله، بس ده ميمنعش أننا برضوا نتسلى شوية، واعتقد أنتي مش هتعترضي اصل سيرتك مسمعة ياقمر
انتفضت فيروز على أثر لمسته لها وارتدت للخلف مفزوعة وصرخت به بشراسة وغل نابع من صدمتها التي تلقتها للتو في سليم:
_ابعد إيدك القذرة دي عني ياحيوان، والله العظيم لو حد قربلي لاشرب من دمه
تقدم نحوها صلاح بنظرة شيطانية وهو يضحك متلذذًا بتمنعها وهتف:
_وماله اعملي نفسك شريفة أنا بس مستني الأكيدة من عوني بيه ووقتها وريني هتشربي من دمنا إزاي
توقف صلاح عن التقدم باتجاهها عندما صدح صوت رنين هاتفه فأخرجه ونزر لاسم المتصل وابتسم بخبث ثن اظار الهاتف باتجاهها لتتطلع إلى الشاشة وتقرأ اسم عوني ييه فتجد صلاح يقول بحقد:
_قرار الفرمان وصل !
أجاب على الهاتف وقبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة وصله صوت عوني الحازم وهو يوجه يسأله:
_اوعى يكون حد لمس البنت اللي عندك يا صلاح
رد صلاح بالرفض مبتسمًا وهو ينظر لفيروز بمكر:
_لا ياعوني بيه منقدرش انا مستني منك الرد زي ما أمرت
تنهد عوني الصعداء براحة وقال في حنق يلقي على الخبر الصادم:
_طيب حذاري حد يقربلها ولا يلمسها دي مرات سليم وهو جاي في الطريق دلوقتي ياخدها
اتسعت عيني صلاح بصدمة وانهى الاتصال مع عوني دون أن يتفوه بكلمة زيادة بينما فيروز فقد جلست على المقعد الخشبي وعيناها عالقة على الفراغ بصمت مريب، حتى انها لم تنتبه لصلاح الذي استدار وانصرف فورًا بعد معرفته أنها زوجة سليم، بل الرعب استحوذ عليه من مجرد فكرة أنها قد تخبره بما قاله لها أو أنه حاول لمسها.
أما فيروز فكانت ساكنة تمامًا بمقعدها والدموع تسيل من عيناها بصمت، شعور الخذلان والصدمة مان أقوى من أي شيء آخر بتلك اللحظة، فقد اكتشفت حقيقة أكثر رجل منحته ثقتها بفترة قصيرة، والآن يبدو أن مشارك مع والده في خطفها لكن ما هدفه من ذلك.. ذلك هو الجزء المجهول الذي لا تفهمه...
***
داخل منزل عوني الطوخي تحديدًا بالصالون كان أمير جالسًا فوق الأريكة ممسكًا بهاتفه يتطلع في شاشته وهو يبتسم بحماس فقد كان يراسل مريم هاتفيًا بالرسائل.
لكنه انتشل من تلك اللحظات اللطيفة عندما جلست كاميليا بجواره وهي قلقة وراحت تشاركه أفكارها المضطربة متمتمة:
_مش مرتاحة يا أمير ليا يومين كدا أبوك مش مريحني
التفت لها وسألها بحيرة:
_ليه ياماما حصل إيه ؟!
ردت كاميليا بصوت قلق:
_حاسة أنه عرف مكان سليم بس مش بيقول حاجة ومخبي عني
ترك أمير الهاتف من يده وأعارها مامل اهتمامه وهو يستدير ليصبح جالسًا في مواجهتها تمامًا ويقول بهدوء:
_وأنتي بقى قلقانة عشان هو مجبلكيش سيرة طبعًا.. صح؟!
اماءت كاميليا بالإيجاب مؤكدة عبارته وراحت تكمل بقوة وانزعاج:
_أنت عارف أبوك طالما ساكت كدا يبقى ناوي يعمل حاجة مش هتعجبنا ومش هتعجبني أنا بذات، أنا خايفة الأمور تتطور بينه هو وأخوك
رفع أمير كفه إلى شعرها ومسح عليه بحنو ثم مال عليها وطبع قبلة دافئة فوق جبهتها هامسًا بثقة:
_متقلقيش نفسك ياست الكل، وبالعكس الامور كلها هتبقى زي الفل أن شاء الله، هو أنتي مش عارفة ابنك يعني حتى لو بابا ليه أسلوب غلط في التعامل وحل المشاكل سليم مش سهل وهيعرف يتصرف
ابتسمت كاميليا لابنها بحب وىاحت تمسك على وجنته وكتفه بحنان أمومي وتجيبه:
_ربنا ما يحرمني منكم أبدًا ياحبايب قلبي
امسك بكفها ورفعه لفمه يلثم ظاهره بحب ثم همس لها بنبرة جادة:
_أنا شاكك في مكان كدا ممكن يكون سليم قاعد فيه.. بكرا ان شاء الله هروح واتأكد
لمعت عيني كاميليا بحماس وسألته متلهفة:
_بجد يا أمير فين المكان ده ؟!
غمز لها بلطف وقال في رفض جميل:
_لما اتأكد بقى يا كاميليا هانم هقولك.. ده لسا مجرد شك
تنهدت بإحباط والتزمت الصمت في عبوس للحظات ثم استقامت واقفة بعدما ودعت ابنها بأنها ستعود لغرفتها لتخلد للنوم، وتركته هو يفكر في مخاوفها التي نقلتها له وأصبح هو أيضًا يخشى القادم بين شقيقه ووالدهم، وربما حقيقة أن سليم متجبر كعوني ويشبهه كثيرًا لا تطمئنه بل تقلقه أكثر...
***
عودة لفيروز التي بقت كما هي على حالها منذ معرفتها بتلك الحقيقة جالسًا بأحد أركان الغرفة تفكر بسوداوية، محاولة إيجاب سبب لما فعله معها.. لماذا يحتجزها هو ووالده بذلك المكان.. ماذل يريد منها، وأن لم يكن منذ بداية معرفتهم ببعض هدفه مساعدتهم كما أوهمها.. إذا ماهو الهدف؟!.
وسط تحليلاتها التني تنهش عقلها دون رحمة كان بالخارج سليم وصل وفور دخوله قابل صلاح في مواجهته الذي هتف بارتباك ملحوظ في نبرة صوته:
_أهلًا ياسليم بيه.. المدام في الاوضة جوا ومتقلقش محدش قرب منها
رمقه سليم بنظرة مميتة وهمس بوعيد مرعب:
_هدخل واطمن دلوقتي ياصلاح واتمنى يطلع فعلًا زي ما بتقول.. لأن لو حد قربلها أنت عارف كويس ممكن أعمل فيكم إيه
ازدرد ريقه بخوف حاول إخفائه واكتفى بنظراته التي تكشف ارتعاده لا إراديًا وراقب شليم وهو يندفع بخطواته باتجاه فيروز بالغرفة.
فتح سليم الباب بقوة ودخل ليجد فيروز جالسة على الأرض بأحد أركان الغرفة وبدت ساكنة تمامًا عند وصوله على عكس المتوقع أنها ستفرح بقدومه وربما حتى ستركض نحوه فرحًا بقدومه لإنقاذها، لكنها على العكس تمامًا كانت نظراتها له يملأها النقم والخزي، واستقامت واقفة تتطلعه بكل قوة وتهتف في هدوء تام:
_أهلًا أنا كنت مستنياك!
تقدم سليم نحوها بخطى متريثة وهو لا يفهم تحديدًا سبب ذلك الأسلوب لكنه توقع شيئّا وسيتأكد الآن، القى عليها نظرة كاملة فاحصة يطمئن أنها بخير وسألها باهتمام حقيقي:
_أنتي كويسة.. حد قربلك ؟
تجاهلت فيروز سؤاله وردت هامسة بنظرة احتقار:
_أنت واحد كداب يا سليم وأنا ندمانة ندم عمري على الثقة اللي منحتهالك.. وياترى اسمك سليم فعلًا ولا حتى ده مش حقيقي!!
قالت جملتها الأخيرة ببعض السخرية، بينما هو فقد تأكد سبب تحولها الغريب ورد عليها بثبات تام ونظرة قوية تليق بشخصيته:
_أنا مكدبتش كل ما في الفكرة أن مكنش في داعي أقول حاجة عني
ضحكت فيروز بدهشة وراحت تجيبه منفعلة:
_ مفيش داعي بس في داعي تفهمني أنك ابن صبحي وأنك ابنه اللي عايش عمره كله برا مصر مغترب ورجع لما ابوه مات.. ودلوقتي اكتشف ان كل ده كان كدبة، بعدين مش أنت اللي اتفقت معايا اتفاق من البداية وطلبت مني نكون صرحاء مع بعض ومنخبيش حاجة عن بعض
أجابها سليم وهو مازال محافظًا على ثباته:
_طلبت منك أنك متخبيش حاجة عني عشان اقدر اساعدك وأبقى فاهم كل حاجة، لكن أنتي معرفة أنا مين وأي حاجة تخصني مش هتفيدك بحاجة
اتسعت ابتسامتها أكثر وعلت ضحكتها المتهكمة وهي تجيبه بعدم استيعاب:
_مهو واضح المساعدة.. عشان كدا أنت وأبوك خطفتوني أنا وأخويا.. أنت عايز إيه مني يا سليم ؟!!
دامت نظرته الثاقبة لها لثواني قبل أن يجيب بكل صلابة دون أي مقدمات:
_نتجوز
وقعت كلمته على أذنها جمدتها بأرضها ولجمت الصدمة لسانها فظلت تحدقه بعدم فهم واستيعاب لما تفوه به للتو، دام الصمت الناتج عن ذهولها لدقيقة كاملة حتى استعادت ثباتها المزيف وردت باستهزاء:
_أكيد أنت بتهزر لأن مستحيل بعد كل ده تعرض عليا عرض زي ده
رد سليم بصوت رجولي مهيب ونظرة لا تحمل اللطف ولا تناسب عرض الزواج الذي عرضه للتو:
_ده مش عرض.. أنا بجاوبك على سؤالك يعني أنا مش بسألك عن رأيك
قهقهت فيروز بصدمة وردت عليه مستهزئة:
_يعني إيه هتتجوزني غصب مثلًا!
_ لا بس أنتي لازم تقتنعي أن هو ده السبيل الوحيد لنجاتك
صاحت بغضب هادر بعدما فقدت كل ذرة صبر كانت محتفظة بها:
_إيه الكلام الغريب اللي بتقوله ده.. انسى تمامًا أن اوافق على حاجة زي كدا لو أنت آخر راجل في الدنيا لا يمكن أثق فيك تاني يا سليم وامشي معاك من طريق واحد، ودلوقتي قولي فين أخويا وخليني امشي
عباراتها الصريحة التي رفضته فيها استفزته وكأنها هي وحدها التي سُتجبر على ذلك الزواج أو كأنها هي فقط التي لا تثق فيه، فوضعهم مماثل وهو قَبّل أن يضحي بكل شيء في سبيل حمايتها فقط حتى لا ينكث عهده الذي قطعه لصبحي، راح يجيبها بهدوء ما قبل العاصفة:
_ياسين تحت في العربية مستنينا وهاخدك وننزله بس لما تاخدي قرارك
أكملت صياح بانهيار من فرط الغضب وعدم فهمها لأي شيء:
_قرار إيه.. قولتلك مش موافقة ياسليم ومن غير ما أفهم سبب رغبتك حتى
اغلق قبضة يده بعنف محاولًا التحكم في انفعالاته وأخذ نفسّا عنيقًا ثم تحدث وهو يشرح لها الوضع:
_أنا في مشاكل كبيرة بيني وبين والدي وهو استغل وجودك أنت وياسين وخطفكم عشان يلوي دراعي وللأسف شبه نجح، ولو أنتي شيفاني كذاب وسيء فعوني الطوخي اسوء مني أضعاف وممكن يعمل إي حاجة في سبيل مصلحته، وأنا عشان انقذك واضمن أن محدش يقربلك ابدًا قولت أنك مراتي فـ لازم نكمل الطريق ونتجوز لأن دي الطريقة الوحيدة اللي هقدر احميكي بيها.. هي أنك تكوني مراتي
كانت تستمع لتلك الحكايات التي يسردها وكانت بمثابة قصص خيالية فردت مبتسمة بسخرية وعدم استيعاب:
_عوني الطوخي ده اللي هو أبوك وأنت بتقول عنه كدا !!!
استدارت وسارت مبتعدة عنه وهي تضحك بازدراء وتكمل برفض تام:
_أنا مش فاهمة أي حاجة ومش عايزة افهم الصراحة.. كل اللي عايزاه أني اطلع من المكان ده
فقد آخر ذرة صبر لديه وطفح كيله فاستشاط غيظًا منها واندفع نحوها ثائرًا وجذبها من ذراعها وهو يديرها نحوه.. من عنف قبضته وهو يجذبها على غفلة وجدت نفسها ملتصقة به وهي تتطلع في نظراته المشتعلة وهو يصيح بها:
_هو أنتي فاكرة أني مبسوط أوي بالجوازة دي ولا عايزها ما أنا مجبور زيك.. بس للأسف مش هقدر اسمح لحد أنه يأذيكي ولازم أحميكي.. فـ بلاش غبائك ده وفكري بعقلك شوية أنتي عارفة كويس أنك لو طلعتي من المكان ده وحدك أنتي وأخوكي هتلاقي **** متربصين ليكي وأولهم حازم، وياترى فكرتي لو طلعتي من هنا وموافقتيش على الجواز مني هتروحي فين ولا ناوية تقعدي في الشوارع كمان!!
شعرت ببعض الخوف من هيبته وجبروته فحاولت نزع ذراعها من قبضته والابتعاد عنه لكن دون جدوي فصاحت بعصبية وعينان لامعة بالعبرات:
_وأنت عايزاني اثق فيك أزاي تاني واسلملك نفسي أو حتى اثق أني اكون جزء من عيتلك اللي أبوك نفسه عايز يأذيني وخطفني
أجاب سليم بصوت رجولي غليظ ونظرة حادة:
_ده مش اختبار للثقة.. أنتي مقدمكيش حل تاني غير إنك توافقي لأني مهما حاولت احميكي مش هقدر طول ما أنتي مش قدام عيني وجمبي طول الوقت، وبخصوص بابا اطمني طول ما أنتي مراتي لا يمكن يقدر يأذيكي
ترك ذراعها وابعدها عنه عندما انتبه لقبضته القاسية على ذراعها ورأى في عيناها دموع القهر، فقال في صلابة:
_أنا هسيبك تفكري شوية في كلامي وهستناكي برا ولما تاخدي قرار بلغيني
ردت متسائلة بنظرة رغم عجزها إلا أنها مازالت تحتفظ بقوتها وشموخها:
_ولو رفضت هتعمل إيه؟!
رد بثقة ونظرة ثاقبة مهيبة:
_مش هترفضي يافيروز لأن من جواكي أنتي عارفة أن أنا سبيلك الوحيد للنجاة أنتي وأخوكي، وأني مهما كنت في نظرك سيء بس أنك تكوني معايا ارحم بنسبالك مليون مرة من أنك تفضلي تحت رحمة عمتك وحازم اللي أصلًا مش هيرحموكي
راقبته وهو يستدير ويغادر بعدما انهى عباراته وجلست على المقعد وتركت العنان لدموعها في الانهمار بصمت على وجنتيها...
***
مرت نصف ساعة تقريبًا منذ تركه لها تتخذ قرارها وتفكر في ذلك العرض الذي أشبه بسلاح ذو حدين كلاهما سيقطعها إربًا ويمزقها دون رحمة، فـ موافقتها على الزواج منه كأنها توافق على أن تسلم نفسها للمجهول.. بمشاركة رجل لا تعرف عنه شيئًا وحتى ثقتها به انعدمت.. سترافقه هو وعائلته التي قد تكون سبب في عناء مختلف له، ستوافق على حياة لا تريدها ولا تعرف إلى أين ستقودها.. إلى النهاية المأسوية أم إلى بداية النجاة.. مع رجل لا يريدها وفقط يقود نفسه لحياة تعيسة لسبب لا تفهمه!.
وأن قررت الرفض وأختيار الحد الثاني من السلاح فذلك بمثابة أعلان مباشرة على موافقتها بالانتحار، ستكتب موتها بيدها ونهاية حياة شقيقها الصغير الذي حتى وأن تمكن من النجاة سيفقد كل معنى للحياة وسيصبح بلا مأوي حقيقي يلوذ إليه.
بين الاختيارين شقين مشتعلين بالنيران أحدهما يضمن حياة آمنة بعض الشيء لشقيقها والآخر يعني هلاكه، أما بالنسبة لها فهي فليس لديها رفاهية اختيار إما النار أو الجنة.. فكلا الحلين يمثلان نار ستحرقها دون رحمة.
بعد وقت طويل من التفكير اتخذت قرارها أخيرًا مقررة تحمل عواقب ذلك الاختيار مهما كانت نتيحته ونهايته لكنها مجبرة على اختياره وسلك ذلك الطريق مكتشفة ما يخبئه لها القدر، ربما النهاية وربما البداية.
غادرت الغرفة وخرجت وهي تبحث عنه فوجدته جالسًا على مقعدًا ينتظرها كما أخبرها وفور رؤيته لها وهي تقف على مقربة منه وتتطلعه بحنق سألها:
_قررتي ؟
ردت فيروز بصوت محتقن من فرط الضيق بعدما تنفست الصعداء بقوة، تخبره بقرارها النهائي وهي تمقت شعورها بالعجز الذي أجبرها للمرة الثانية على اختيار زواج لا تريده:
_موافقة
الفصل الرابع عشر من هنالقراءة باقي الفصول من هنا