رواية قناص قلبي الفصل السابع عشر 17 والثامن عشر 18 بقلم نانسي عاشور
الفصل السابع عشر.
— ظلال القلب المكسور
لم يكن الحب بالنسبة لإدوارد شعورًا بسيطًا…
كان دائمًا معركة.
كان يقف في غرفته، والظلام يلتف حوله كأنه صديق قديم يعرفه جيدًا. لم يعد يخاف من الظلام… بل أصبح يخاف من الضوء الذي يكشف ما يحاول إخفاءه عن نفسه.
وما كان يخفيه كان أكبر من الانتقام… وأعمق من الغضب.
كان يخفي خوفه من أن يحب مرة أخرى.
كان يتذكر ماجدة… ليس كذكرى بعيدة فقط… بل كندبة نابضة داخل صدره.
ماجدة لم تكن مجرد امرأة أحبها.
كانت أول مكان شعر فيه أن قلبه ليس مجرد سلاح للحرب.
كان يحب طريقتها في الصمت… كيف كانت تفهم غضبه دون أن يتكلم.
كانت تقترب منه بهدوء، كأنها تعرف أن روحه مليئة بالحروب القديمة.
ومع موتها… لم ينكسر قلبه فقط.
بل تعلم أن الحب يمكن أن يصبح سلاحًا يقتل صاحبه ببطء.
ومن يومها… قرر أن لا يسمح لأحد بالوصول إلى تلك المنطقة العميقة في روحه مرة أخرى.
لكن… ظهرت ليل.
لم تكن تشبه ماجدة تمامًا… لكنه لم يستطع منع عقله من البحث عن التشابهات الصغيرة التي كانت تخترق دفاعاته ببطء.
نفس الصمت الهادئ.
نفس النظرة التي تحمل ذكاءً حادًا خلف خجلٍ إنساني بسيط.
نفس الإحساس الغامض بأن خلف ضعفها الظاهري قوة لا يراها أحد.
كان يكره هذا الشعور.
لأن العقل كان يقول له إنها مختلفة…
لكن قلبه كان يهمس بأنها مجرد امتداد لجرحه القديم.
كان يعرف أن انجذابه لها لم يكن حبًا مباشرًا…
كان أشبه بهوسٍ نفسي معقد.
هوس بالحماية.
هوس بإعادة كتابة الماضي.
هوس بأن ينقذ هذه المرة ما لم يستطع إنقاذه مع ماجدة.
كان ينظر إلى صور ليل كثيرًا في الليل… ليس كعاشق يشتاق… بل كحارس يحصي نبضات الشيء الذي يخاف أن يفقده قبل أن يمتلكه أصلًا.
كان يراقب ملامحها في الصور… ويتساءل بصمت:
هل أحبها لأنها هي؟… أم لأنني ما زلت أبحث عن ماجدة داخلها؟
وكان السؤال يؤذيه أكثر مما يؤذيه أي رصاص.
كان يخاف أن يعترف بالحقيقة.
الحقيقة التي كانت مثل سكين باردة داخل ضلوعه:
أنه لم يتجاوز ماجدة يومًا.
لم يتجاوز موتها.
لم يتجاوز لحظة دفن جزء من روحه معها.
وكل امرأة تدخل حياته بعد ذلك… كانت تُقاس دون وعي بظل ماجدة.
لكن ليل… كانت أخطر.
لأنها لم تحاول أن تكون نسخة من أحد.
لم تحاول أن تقترب منه بالقوة أو الإغراء أو الضغط العاطفي.
كانت تقترب بهدوء… مثل ضوء خافت يعتاد عليه المرء دون أن يشعر أنه بدأ يعتمد عليه للبقاء.
في أعماقه… كان هناك صوتان يتصارعان باستمرار.
صوت ماجدة:
احمِ الذكرى… لا تخن الماضي بالحب الجديد.
وصوت آخر… لا يعرف إن كان صوته أم صوت ضعفه:
أنت لم تعش بعد… أنت فقط تحرس المقابر.
وكان الصراع يزداد قسوة كلما نظر إلى عيون ليل في خياله.
لم يكن يخاف أن يحبها…
كان يخاف أن يكتشف أنه يحبها بطريقة لا تشبه ماجدة.
كان يخاف أن يصبح حبّه مختلفًا… لأن الاختلاف كان يعني أنه بدأ يتغير… وأن الحروب القديمة داخل روحه ربما لن تكون الوحيدة التي يواجهها.
وفي أعماق قلبه… كان هناك خوف أعمق لم يجرؤ على الاعتراف به.
أن ليل لم تكن مجرد امرأة قد يحبها…
بل كانت الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعله يريد أن يعيش، لا أن ينتقم فقط.
وهذا كان أخطر ما يمكن أن يحدث لرجل تربى على أن البقاء يعني القتال.
رفع رأسه ببطء… كأنه يستيقظ من دوامة داخلية طويلة.
قال لنفسه بصوت خافت، لم يسمعه أحد غير روحه:
— أنا لا أريد أن أحب…
— لكنني أيضًا لا أريد أن أموت وحدي داخل ذكرياتي.
كان هذا الاعتراف كافيًا ليجعله يشعر أنه خسر معركة جديدة… دون أن يطلق رصاصة واحدة.
وفي مكان ما بعيد…
كانت صورة ليل تلمع في ذاكرته مثل وعدٍ غير مكتمل.
لم تكن حبًا بعد…
لكنها كانت بداية شيء أخطر بكثير من الحب.
كانت بداية الصراع بين قلب يريد أن يظل حارسًا…
وروح بدأت تتعلم كيف تنجو بالحب بدل الحرب.
✨
الفصل الثامن عشر
— ظلال إدوارد… وحب لا يعترف بالضعف
لم يكن إدوارد يحب أن يتذكر الماضي.
الماضي بالنسبة له كان مثل غرفة مظلمة مليئة بأصوات لا تنتهي… أصوات خطوات أمه وهي تمشي بعيدًا… أصوات أشياء تتكسر في داخله هو، دون أن يسمعها أحد.
لكن ماجدة كانت دائمًا الاستثناء.
كانت هي الشيء الوحيد الذي لم يستطع وضعه في صندوق بارد داخل عقله.
جلس في مكتبه في تلك الليلة، أمامه ملفات المافيا، لكنها لم تعد تهمه كما كانت من قبل. كان يحدق في صورة قديمة داخل درج المكتب… صورة لماجدة وهي أصغر سنًا، قبل السقوط، قبل الدم، قبل كل الحروب التي مزقت العائلة.
كان يحبها منذ زمن طويل.
ليس حبًا رومانسيًا بسيطًا… بل حبًا يشبه التملك الممزوج بالخوف.
كان يخاف أن يخسرها كما خسر أشياء كثيرة في حياته.
تذكر طفولته.
لم تكن طفولة طبيعية أبدًا.
كان طفلًا يتعلم أن المشاعر ضعف… وأن الضعف يعني الموت في عالم العائلات ذات السلطة.
والده كان يؤمن أن الحب لا يصنع رجالًا… بل يصنع ضحايا.
وأمه… كانت مجرد ظل جميل في حياته، رحلت بطريقة جعلته يربط بين الحب والرحيل.
لهذا أحب ماجدة بطريقة مختلفة.
لم يقترب منها كعاشق بريء.
بل كحارس يخاف أن ينهار العالم فوق الشيء الوحيد الذي يشعره بأنه ما زال إنسانًا.
رن هاتفه فجأة.
كان رقمًا يعرفه جيدًا.
ضغط على زر الرد دون أن يتكلم.
"إدوارد…" قالت ماجدة بصوت هادئ، لكنه كان يحمل تعب سنوات طويلة.
ظل صامتًا للحظة، كأنه يحفظ صوتها داخل صدره قبل أن يرد.
"أنتِ لا تتصلين بي عادة في هذا الوقت."
سكتت هي الأخرى.
كان يعرف أنها تفعل ذلك عندما يكون هناك شيء ثقيل على قلبها.
"سمعت أنك تتابع تحركات المافيا الجديدة…" قالت أخيرًا.
"وأنتِ تقلقين علي؟" سأل بنبرة باردة، لكنها لم تكن باردة بالكامل.
ضحكت بخفة، ضحكة قصيرة تحمل حزنًا خفيفًا.
"أنا أقلق على العائلة… وأنت جزء من العائلة."
أغلق عينيه للحظة.
هذه الجملة كانت دائمًا تضرب مكانًا حساسًا داخله.
العائلة…
ليس دائمًا تعني الحب بالنسبة له.
أحيانًا كانت تعني الواجب… والسيطرة… والخوف من أن يكتشف أحدهم هشاشته الحقيقية.
"ماجدة…" قال بصوت أخفض.
تردد.
ثم قال الجملة التي لم يكن يحب أن يقولها أبدًا.
"لو حدث لكِ شيء… لن أستطيع السيطرة على ما سأفعله."
لم ترد مباشرة.
لكن صمتها كان أثقل من أي إجابة.
في الجانب الآخر من المدينة…
كانت ماجدة تقف أمام نافذتها.
كانت تعرف إدوارد جيدًا. أكثر مما كان يريد أن يعرف نفسه أحيانًا.
كانت تدرك أن حبه لها ليس هادئًا.
كان حبًا مظلمًا… مليئًا بالرغبة في الحماية… والخوف من الخيانة… ورغبة خفية في أن تكون هي الشيء الوحيد الذي يثبت أنه لم يتحول إلى وحش كامل.
هي نفسها كانت تحبه.
لكنها كانت تخاف عليه أكثر مما تخاف منه.
لأنها كانت ترى الظلام الذي يعيش داخله منذ الطفولة.
عاد إدوارد للحديث بصوت منخفض:
"لا تقتربي من أي تحركات مشبوهة غدًا. المافيا بدأت تستخدم أشخاصًا جددًا لا نعرفهم."
"وأنت؟" سألت ماجدة فجأة.
"أنا ماذا؟"
"هل ستبقى رجلًا يقتل كل شيء ليحمي من يحبهم… أم ستسمح لنفسك أن تعيش مرة واحدة بدون دماء؟"
لم يجب.
لأن هذا السؤال كان أخطر من أي حرب خاضها في حياته.
أغلق الهاتف بعد دقائق.
وضعه على المكتب ببطء شديد، كأنه يضع قلبه نفسه على الطاولة.
ثم فتح الدرج مرة أخرى.
أخرج صورة أخرى… ليست لماجدة فقط… بل صورة لليل عندما كانت طفلة.
كان ينظر إليها بطريقة معقدة.
لم يكن يراها فقط كابنة أخته… بل كجزء من الماضي الذي لم يستطع إصلاحه.
فكر في نفسه.
هل أصبح يحمي ليل لأنه يريد تعويض ما فقده مع ماجدة؟
أم لأنه يخشى أن يرى في عينيها ما يراه دائمًا في المرآة… رجل تعلم القتل قبل أن يتعلم الحب؟
في تلك اللحظة…
شعر بشيء غير معتاد.
خوف.
ليس خوفًا من أعدائه.
بل خوفًا من أن ماجدة قد تكتشف يومًا أنه يحبها بطريقة لا يستطيع الاعتراف بها بصوت مرتفع.
حب لا يطلب القرب فقط…
بل يخاف من القرب نفسه لأنه قد يكشف هشاشته.
وقف أمام النافذة.
المدينة تحت قدميه كانت مضاءة… لكنها بدت له مثل عالم من القلوب التي لا يعرف كيف يصدقها.
همس لنفسه بصوت بالكاد يُسمع:
"أنا لا أريدكِ أن تحبيني خوفًا… لكنني أيضًا لا أستطيع أن أعيش دون أن أعرف أنكِ بخير."
كان هذا هو الصراع الحقيقي داخل إدوارد.
ليس بين الخير والشر…
بل بين الحب… والخوف من أن الحب سيجعله يخسر السيطرة على الوحش الذي صنعه الزمن داخله.
وفي مكان بعيد…
كانت المافيا تراقب العائلة بهدوء.
لأنهم أدركوا شيئًا مهمًا.
أخطر نقطة ضعف في أي رجل لا تكون دائمًا في جسده…
بل في الشخص الوحيد الذي يخاف أن يراه ضعيفًا أمامه.
وماجدة كانت تلك النقطة بالنسبة لإدوارد.
