رواية بقاء الفصل السادس عشر 16 بقلم رباب حسين

            

رواية بقاء الفصل السادس عشر 16 بقلم رباب حسين

.... وضوح

بقلم الكاتبة : رباب حسين 


دائمًا هناك أمل... ذلك الضوء الذي يومض في نهاية الطريق المظلم، بعد الظن بأن لا سبيل لديك ولا وجهة تصل إليها؛ يظهر الأمل ويعيد لك نبض الحياة مرة أخرى. 

هذا ما شعر به صقر حين سمع حديث ليل وزياد. 


أما ليل فذهبت إلى غرفتها ومعها الملف، ثم أخذت تقرأه، ومع كل ورقة تظهر علامات الدهشة على وجهها أكثر وأكثر. 

وبعد فترة من الوقت، تركت الملف ونزلت إلى أسفل، ثم سمعت أصوات وهي تمشي في ممر الغرف، وإذا بالخدم ينظرون من النافذة مرة أخرى إلى المندرة، دخلت الغرفة وقالت. 

ليل : أظن اللي حصل المرة اللي فاتت وإني مردتش أقول على رقية أن هي اللي ضحكت يخليكو تحرمو تقفو هنا تاني، عشان المرة الجاية مش هخبي وهقول. 


انتبهوا حميعاً إليها واقتربت رقية منها وقالت. 

رقية بخوف : لا يا ست الدكتورة، لو الكبير عرف هيجتلنا، بلاش. 

ليل : يبقى بلاش الوقفة ديه. 

فاطمة : يا ست الدكتورة أحنا مفيش هنا أي حاجة تسلينا غير حواديت المندرة، ومتجلجيش مش هنفتح خشمنا عاد. 


ابتسمت ليل كالأطفال واقتربت منهن بسعادة وقالت : خلاص خدوني معاكم. 


اقتربن من النافذة وظلت ليل تراه من خلاله، كم تعشق رؤيته بهذه الثياب، وكيف لا تعشقه وهو ذو شخصية فريدة وقوية، ولمست حكمته وعدله وخوف الرجال منه، وتذكرت كلامه أن كل من يعرفه يهابه. 


انتهت الجلسة، وجلس صقر وحيداً شاردًا، لا يستطيع إيقاف عقله عن التفكير بها. هل فعلاً تحبه؟! ثم بدأ الأمل يكبر بداخله أكثر، وظهرت بسمة العشق على ثغره، من يراه يعلم أنه متيم، لاحظ الخدم شروده وأيضاً ليل التي ظهر عليها الضيق عندما رأت كيف هو متيمًا الآن. 

انتبهت فاطمة إلى نظرة ليل الحزينة فحاول أن تشتت ليل عنه وقالت : يلا يا ست الدكتورة، خلاص الجلسة خولصت. 

ليل بحزن: أخرجو إنتو. 

خرجن وظلت سعيدة معها وقالت وهي ترتب على كتفها : مبين عليه بيحبها، لازم تمشي من إهنيه يا دكتورة، بكفياكي عاد. 


نزلت دمعة من عين ليل وعادت سريعاً إلى غرفتها. 


أما بالأسفل كانت جهاد تشتعل غضباً، وأحلام تتحدث معها بالحديقة. 

جهاد : شايفة كيف بتتحدت معانا؟! كنها بتطردني من بيتي، وصجر متحركش ولا نطج بكلمة، معدتش فاهمة حاجة واصل. 

أحلام : يا أما إهدي مش إكديه، وبعدين ما صجر كان رايح يتحدت معاها وجدي وجفه، إهدي عاد ليجرالك حاجة. 

جهاد : أنا مش طايجاها، كل أما بشوفها بفتكر موت أبوكي وبينهش في جلبي، كيف عاد أعيش معاها وتاكل معايا في طبج واحد؟! لع مش عيحصل، لازمن أشوف حل عشان أخلص منها. 


هدأت ليل قليلاً، ثم قررت النزول إلى الهلالي، كان صقر يخرج من المندرة وحين رأها ظهرت الابتسامة على وجهه، تطلعت ليل إليه بتعجب ثم ذهبت من أمامه، كأنها لم تراه. 


ذهبت إلى الهلالي الذي يجلس مع حمزة وقالت. 

ليل : جدي عايزة اتكلم معاك لوحدنا. 

ابتسم الهلالي وقال : تعالي يا بتي، خدي بيدي ندخل الأوضة. 


ساعدته ليل وأخذته إلى غرفة، وهي ترى صقر يتابعها بعينيه، ثم أغلقت الباب فقال. 

حمزة بابتسامة : صحيح مرت الكبير صوح، هي ديه اللي تليج بيك يا صجر، جوية زيك تمام. 

صقر : وزهرة؟ 

حمزة : مش شبهك يا صجر، مش شبهك واصل، فكر تاني يا خوي.


أما بالغرفة. 

الهلالي : طيب فهميني عاد عايزاني أجمعهم ليه؟ 

ليل : هتعرف بليل يا جدي، بس لازم كلهم يبقوا هنا، عمتي وجوز عمتي وأحلام وجوزها وصقر كلهم يا جدي، وأعمل حسابك عيلتي كمان هتيجي بليل لازم كلهم يبقو هنا بعد العشا. 

الهلالي : طيب فهميني، أوعاكي يا بتي تكوني عتجوليلهم على حاجة وترجعي الطار بيناتنا، أنا خابر أن صجر غلط بحجك، بس معلش يا بتي عشان خاطري أنا مش عستحمل يجراله حاجة. 

ليل : متخافش يا جدي مش هأذيه أكيد. 

الهلالي : طيب يا بتي عخبر ابتسام تجي هي وزوجها بعد العشا، وعجمعهم كلهم، وربنا يسترها. 


عادت ليل إلى غرفتها واتصلت بزياد، وأخبرته بضرورة قدومهم اليوم جميعًا، ووافق زياد. 

أما الهلالي فقد أخبر الجميع بضرورة تجمع العائلة بالمساء، وحاول صقر معرفة السبب ولكنه رفض إخباره بناءاً على رغبة ليل. 


حل المساء، ونزلت ليل وهي تحمل الملف، وفي أثناء ذلك طرق أحدهم الباب، فتحت ليل ورحبت بجدها وزيد وزياد ونور، وطلبت منهم الدخول والجلوس معهم بالداخل، ثم نظرت إلى هنية وقالت. 

ليل : خالة هنية، خدي البنات ومش عايزة ولا واحدة هنا في البيت، أطلعو أقعدو في الجنينة، ومش عايزة ولا واحدة تدخل. 

هنية : طيب والضيافة يا دكتورة. 

ليل : مش وقت ضيافة، اسمعي كلامي وروحي دلوقتي. 


جمعت هنية الخدم وخرجو من المنزل، وأغلقت ليل الباب ودخلت إليهم. 


كانت جهاد تشعر بالرعب من التجمع، تخشى أن تتحدث ليل ويُقتل ابنه،ا وبدأت تنظر إلى أحلام وصقر الذي رحب بهم وأجلسهم، ثم ظل يتطلع بجده ولا يعرف ماذا يحدث، وابتسام ورفعت أيضاً يشعرون بالتوتر من هذا الجمع. 


ظل السكوت حليفهم حتى دخلت ليل وقالت. 

ليل : أهلاََ بيكو كلكو، طبعاً مش عارفين إيه سبب التجمع ده، مع أن التجمع ده إتأخر كتير، ويمكن لو كان حصل قبل كده مكنتش بقيت هنا دلوقتي.

أتمنى أنكم تسمعوني للآخر وتحاولو تستوعبو اللي هقوله بهدوء وبدون أي إنفعال، واللي عنده سؤال هيعرف إجابته.


أنا جمعتكم النهاردة عشان أقولكم على حاجات كتير إنتو متعرفوهاش. جدي هلالي. 

الهلالي : نعم يا بتي. 

ليل : حامد قتل عزيز إزاي؟

الهلالي بارتباك وهو ينظر إلى بركات : خبطه على راسه بجالب طوب. 

ليل : تمام.... بس عزيز مماتش من ضربة حامد. 


انتبهوا جميعاً إليها وتحدثوا جميعاً معاً يعترضون على حديثها. 

ليل بصوت مرتفع قليلاً :أظن إني طلبت منكم الهدوء واللي عايز يسأل يسأل. 

صمتو جميعاً ثم قال. 

صقر : عرفتي منين؟

أخرجت ليل ورقة من الملف وأعطتها له، وقالت : ده تقرير التشريح لجثة عمي عزيز، اتضرب ٤ مرات على راسه في أماكن متفرقة. 

بركات : صوح ده اللي جاله الدكتور وجتها. 


نظر صقر إلى الورقة ثم قال : جدي، هو عمي حامد قال إنه ضربه مرة واحدة؟

ابتسام : صوح، هو جالي إكديه. يعني إيه؟! حامد مجتلوش مين اللي جتله عاد؟! 

ليل : لسه بدري يا عمتي على السؤال ده. جدي بركات. 

بركات : نعم. 

ليل : إنتو كنتو عارفين إن حامد هو اللي قتل عزيز؟

بركات : لع يا بتي. 

صقر : إزاي ده البلد كلها كانت بتتكلم. 

الهلالي : البلد مجبتش سيرة الموضوع ديه غير بعد موت شداد. 

صقر : يعني إيه؟

ليل : يعني عيلة بركات مكنوش يعرفو أصلاََ بهروب عزيز وإنتصار مع بعض، عشان كده معرفوش إن عيلة الهلالي ليها علاقة بالقتل، وده اللي مخلاش حد فيهم يحاول ياخد بالطار. 

صقر : إنتي عايز تقولي إن عمك خليل مقتلش جدي شداد؟

ليل : لا مقتلوش، زي ما جدي الهلالي بيقول أن عمك حامد مقتلش عمي خليل. 

صقر : إنتي عايزة توصلي لإيه؟! 

ليل : اسمعني وإنت هتفهم. عمتي ابتسام أكدت أن عمي حامد مقتلش حد، لأنه كان مكتئب وعايش في تأنيب ضمير من ساعة موت عزيز، وبعدها أخته التوأم، صح يا عمتي؟

ابتسام : أيوة، عشان إكديه كلنا كنا متأكدين إنه مجتلوش، خصوصي إنه مكنش بيخرج من البيت واصل. 

ليل : كده حامد مقتلش عزيز، وخليل مقتلش شداد، وحامد مقتلش خليل صح؟! 

صمتو جميعاً ثم قال صقر : كل ده تحليل مفيش دليل. 

ليل : تمام تعالو بقى نروح لقتل عمي زين. عمي عمر مقتلوش. 

صقر : ليه مكنش يعرف بالطار، ولا كان عنده إكتئاب هو كمان؟

ليل :لا كان في العمليات. 

بركات : عملية إيه يا بتي؟

تنهدت ليل وقالت بخجل : أنا آسفة يا جدي إني هقول حاجة زي كدة قدامكم كلكم، بس أرجع وأقول ده مش عيب في حقه، العيب إنه يتقال عليه قاتل وهو نايم في تربته. طبعاً كلكم عارفين إن خالة زينة مش بتخلف. الحقيقة إن العيب كان من عمي عمر مش منها. وهي دارت على الموضوع عشان متحرجوش قدام الناس، ويوم قتل عمي زين كان عمي عمر بيعمل عملية محاولة منه عشان يخلف، عشان كدة اختفي طول اليوم ورجع تعبان، لأنه راح قنا ورجع في نفس اليوم عشان محدش يشك فيه، واللي كشف الموضوع هي مراته، وإدت الملف ده لزياد، ولما رجعنا لتاريخ العملية لقيناه نفس تاريخ قتل عمي زين، يعني عمي عمر مكنش في سوهاج أصلاََ، وده ملفه اللي زياد راح سحبه من المستشفى. 


أخذ صقر الملف ونظر إلى التاريخ ثم قال

صقر : يعني إيه أمال مين اللي قتل أبويا؟

ليل : معرفش، كل اللي أعرفه و متأكدة منه أن محدش في العيلتين قتل التاني. 

الهلالي : طيب ابني حامد ابلي مات مسموم؟! 

ليل : أهوه ده أكبر دليل على كلامي، عمي عمر هيدخل بيتك أزاي ويسم ابنك في أوضته يا جدي؟! وغير كده لو فعلاََ قتل حامد ليه هيقتل عمي زين؟

صقر : أنا كنت شاكك في الموضوع، لأن محدش يقدر يدخل البيت ويسم حد عايش فيه، طيب مين اللي حاول يقتلني وصاب عمي رفعت ؟! 

زياد: مش أنا يا صقر، أنا معملتش كده وقولتلك ده في مكتبك وزيد شهد معايا. 

ليل : أظن وضح دلوقتي كل حاجة، ودلوقتي نيجي للأهم، مين اللي بيقتل فينا كلنا ومصلحته إيه إنه يوقع العيلتين في بعض بالشكل ده؟

صقر : جدي هو أنت ليك عداوة مع حد من زمان وناسي؟

الهلالي : لع يا ولدي مفيش. 

صقر : وإنت يا حج بركات؟

بركات : ولا أنا يا ولدي، أنا وجدك كنا دايماً في حالنا صوح يا هلال. 

الهلالي : ياااااه يا بركات عاد، بجالي زمن مسمعتش الاسم ده منيك. 

بركات : الزمن فرج عشرة السنين يا خوي، مين اللي عمل فينا إكديه يا هلال؟ مين اللي جتل ولادنا وفرجنا عن بعضينا؟! 

ليل : إيه ده ثواني، هو إنتو كنتم صحاب؟! 

الهلالي : أعز من الخوات يا بتي، بس لو أعرف مين ود المحروج اللي عمل فينا إكديه. 

ليل : أنا عندي طريقة نقدر نعرف هو مين. 

صقر : قولي. 

ليل : أولاً اللي كان بيقتل كان مطمن إن محدش هيشك فيه، لأن العيلتين فاكرين إن بينهم طار، بس الجوازة اللي تمت بان قدام الناس كلها إن خلاص الطار خلص، وده أكيد وقفه، لأنه لو قتل تاني حد مننا أو منكم هيتعرف إن القاتل برانا كلنا. يبقي مفيش حل غير إن إحنا نرجع الطار تاني، أنا خليت زياد يتفق مع الظابط إنه يحط حراسة مشددة علينا كلنا، عشان لو القاتل حاول يقتل تاني يتمسك. 

صقر : لا ثواني بس، يعني إيه نرجع الطار تاني، وده هيحصل إزاي؟

ليل : زي ما أتجوزنا عشان الصلح وأجبرنا أنا وإنت على الجوازة ديه؛ واللي خلاص مبقاش ليها أي لزوم، لأن مفيش عداوة من الأساس، يبقى الجوازة لازم تخلص على كدة... طلقني يا صقر. 

وقف صقر وقال بغضب : إنتي بتقولي إيه؟! لا طبعاً مش هيحصل. 

ليل : طول ما أحنا متجوزين القاتل هيفضل مستخبي، لازم يظهر. 

صقر : فيه طريقة تانيه أكيد. 

ليل : إيه هي؟ 

صقر : مش عارف، بس أكيد في طريقة تانية، ثم لو ده حصل تضمني منين إن القاتل ده ينجح في إنه يقتل حد فينا فعلاً ولا لأ؟ ولا إنتي مش خايفة على أبوكي. 

ليل : بابا برا البلد، أنا فهمته كل حاجة وطلبت منه يخرج برا مصر، وهو دلوقتي في الطيارة، وأنا أول ما هطلق هحصلهم. 

صقر : وإحنا مش فارقين معاكي؟! 


ابتسمت ليل بسخرية وقالت : وأنا فرقت مع مين؟! ده حتى جدي رماني هنا وسطكم عشان ينقذ أحفاده زياد وزيد وأنا مش مهم. خسرت شغلي واترميت في بلد لوحدي، كل من هب ودب بيلطش فيا ومحدش فكر بس يحس بيا. 


هبطت الدموع من عينها وقالت: كلنا نبحث عن البقاء. 

جدك عايز يحافظ على اسمه إنه يفضل باقي في الدنيا ويفضل هو الكبير، ويحافظ عليك طبعًا ما أنت حفيده الوحيد، وجدي برده بيحافظ علي اسم عيلته اللي شايله زياد وزيد، وأنا؟! حد فيكم فكر فيا، ده أنا حتى اتحاسبت على أخطاء معملتهاش، شيلت الليلة كلها وحاسبت على المشاريب في الآخر. 


ثم اقتربت منه ونظرت في عينيه وأشارت إلى وجهه وقالت : اللي بيحصل ده مشكلتكم إنتو، أنا عملت اللي عليا وكشفت الحقيقة، الباقي عليكم. 

صقر بحزم : وأنا مش هطلقك. 

ليل : همشي ومش فارق معايا أبقى على ذمتك ولا لأ، أنا كرهت الرجاله كلهم. 

مسح صقر على وجهه وقال : ليل أسمعيني، خلينا نفكر بهدوء. طب على الأقل إديني فرصة أعرف هو مين عشان أقدر أحميكم. 

اقترب زياد وقال : صقر معاه حق يا ليل، الطلاق مش حل على الأقل دلوقتي، أنا عارف إنك أستحملتي كتير، ويمكن غضبي وزعلي كان بسبب إنك ضحيتي بنفسك عشنا، عشان كده ساعدتك عشان تخرجي من هنا وترجعي لحياتك، بس بلاش طلاق دلوقتي، خليني ارجع للظابط وأشوف هيقول إيه، خليه يتحرى في كل الإتجاهات يمكن نوصل لحل، وأوعدك لما نوصل للقاتل كل اللي إنتي عايزاه أنا هنفذه، ومحدش هيغصبك على حاجة تاني.


نظر صقر إلى زياد وكأنه يشكره للوقوف بجانبه، ومحاولة إقناعها.

رفعت : يا دكتورة فكري، لو حد منينا اتجتل بسبب الطلاج ديه عتعيشي مرتاحة؟

هدأت ليل وتنهدت ثم قالت : طيب نأجل الطلاق، بس لازم كلنا نتعاون عشان نوصل للقاتل ده.


تنفس صقر بهدوء، يحمد الله بداخله أنه قد أعطاه فرصة ليصلح كل ما فعله سابقًا، وقرر أن يجعلها ملكه مهما حدث، ولن يفرقهما إلا الموت.

                 الفصل السابع عشر من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا 


تعليقات



<>