
اقترب من شفتيها بعينين خاليتين من أي عاطفة، فقط رغبة محمومة، تخفي خلفها شعور بالذنب تمكنت من رؤيته في نظراته، كما لو كان يبحث عن متنفس، أو شخص يصب عليه جام غضبه، وبالطبع لا يوجد أمامه سواها.
دنا منها ببطء وعينيه برغم برودتهما ولكن تشتعلان بحمم من الغضب والمرارة، قبعت بين يديه في حالة جمود، عقلها توقف للحظات عن العمل، وجسدها تخدر ولم يسارع بالهروب، ولكن بمجرد أن لامست شفتاه شفتيها، أصابتها رعشة وانتفضت بشدة جراء تلامسهما، كما لو كانت ضربت بصاعقة كهربائية، وهتفت بدون وعي أول جملة بادرت في ذهنها وهي تنكمش للخلف : بابا عامل ايه دلوقتي؟.
تقلصت ملامحه، وبرزت العروق في وجهه، تراجع للخلف وحدق في وجهها طويلا ثم قال وهو يتحرك مبتعدا: مفيش ضغطه اترفع شوية وهايتحسن.
تمدد على الصوفا برعونة أمامها وهو عاري الصدر يرتدي بنطالا فقط، فتحركت بخطوات متثاقلة نحو الفراش، وأزاحت الغطاء الحريري لتنزلق بجسدها أسفله حتى تغطى ما ظهر منها.
لحظات صمت بينهما حتى قطعها هو : في سؤال عايز أسأله ليكي من وقت ما خرجتي من المستشفى.
اعتدلت في جلستها ونظرت نحوه قائلة: اتفضل.
_ إنتي شكلك حصل فيه تغيير بعد المستشفي ملامحك اختلفت شوية، اه الشبه موجود بس في حاجات اتغيرت، حتى شخصيتك كمان، مش دي إيڤا اللي اعرفها.
اضطربت قليلاً ولكنها حاولت التماسك واجابته بهدوء: بعد الحادثة اضطر الدكتور يعمل عمليات تجميل في وشي عشان يرجع لحالته وطبيعي حصل تغيير في ملامحي بسيط، اما شخصيتي اللي بتتكلم عليها، ما اعتقدش إنك أصلا عرفت شخصيتي عشان تقدر تحكم اتغيرت وإلا لا.
_ يمكن..عامة مش فارقة كتير لسه حلوة زي ما انتي ..والأهم من ده اني أوصل للي عايزه،وانتي تاخدي اللي عايزاه..والكل يطلع كسبان.
تنهدت إيڤا بحسرة وقالت: عندك حق.
دقائق وطرقت المربية الباب المتصل بين الغرفتين لتعلن عن وصول الطفلة، فنهضت مسرعة نحو الحجرة الأخرى، والتقطت تيرا بين يديها، ظلت تقبلها بشوق وتحتضنها بقوة لقد ابتعدت عنها طوال اليوم رغما عنها، ثم جلست تدللها قليلاً حتى غفت واطمأنت عليها مع المربية، وتركتهما وعادت مرة أخرى إليه.
جالت بعينيها في الحجرة تبحث عنه حتى وجدته في الفراش، تنهدت بضيق وحملت نفسها إلى الصوفا، ولكنه استوقفها بعبارة واحدة: مفيش نوم عندك، تعالي السرير.
وقفت في منتصف الحجرة، تحدق فيه بدهشة، حاولت أن تفتح فمها وتعترض ولكنه أردف قائلا: مفيش مناقشة، اتفضلي نامي مش عايز فضايح، وانا قلتلك مش هاقربلك.
أدركت بداخلها أن هذا الجدال لا جدوى منه، وأن في الأخير سيحدث ما يريد، تقدمت نحو الفراش باستسلام، وانزلقت بجسدها تحت الغطاء ثانية، ودثرت نفسها جيدا، حتي عنقها، وهي تدير له ظهرها وتتخذ من أقصى موقع في الفراش مكان لها حتى تبتعد عنه.
همهمة ثم تلاها صوته وهو يقول ببرود: متخافيش مش هاكلك، مش لازم تنامي على الطرف أوى كده لأحسن تقعي.
أجابته ببرود وتهكم واضح: لا ماتقلقش، ما يقع إلا الشاطر، وانا متعودة أنام كده، ماتشغلش نفسك بيا، تصبح على خير.
حركة سريعة ووجدته يقفز مقتربا منها ثم يطبع قبلة على وجنتها بقوة ويجيبها: وانتي من أهله يا زوجتي العنيدة... ويعود مرة أخرى إلى وضعه في الفراش مواليا ظهره لها .
تفاجأت من رد فعله ولكنها تعلم في قرارة نفسها أنه يحب دائما أن يفرض سلطته على الجميع، وها هو يبلغها في كل خطوة أن تلك الصفقة جعلته يمتلكها.
***************
استيقظت مبكرا على غير عادتها، قد يكون القلق أو الحماس ليوم جديد، تعلم جيدا أنه لن يمر مرور الكرام، بل هي على يقين أن اليوم سيكون يوم المواجهة بينها وبين عائلته التي تأجلت بسبب أحداث أمس، لذا يجب أن تكون على أتم استعداد لها، نعم هما يعلمان أنه زواج مزيف، ولكن أمام الجميع هي زوجته، لذا لن تقبل أن تكون خاضعة أو ذليلة، ستجبر الجميع على احترامها، ليس لديهم بديل، حتى هو يجب أن يتعلم كيف يتعامل معها منذ الان وصاعدا.
أجل كانت تمر بلحظات خوف الأيام الماضية، ولكنها بعد تفكير مطول، وصلت لنتيجة واحدة، أنه في حاجة إليها أكثر مما هي في حاجة إليه، وأنه لن يرغب في حدوث فضيحة له أمام عائلته، لذا يجب أن يبدأ في استخدام أسلوبا آخر عوضا عن دور الرجل السيء الذي يتبعه معها.
دخلت غرفة الثياب تفتش عن ملابس ترتديها، وقفت تنظر إلى نفسها في المرآة الكبيرة التي بالداخل، خلعت عنها الروب الأسود، وتأملت نفسها، إنها امرأة جميلة، ليس لديها شك في هذا، شعرها الطويل، ذو اللون البني الفاتح المائل للأحمرار، عيناها البندقيتان الواسعتان المائلتان للإخضرار، لم تركز في هذا من قبل، كل شيء بها يحتوي على لونان ممتزجان، ليس هناك لون صريح، قد يكون هذا سر تميزها، وسبب شقائها طوال حياتها.
بشرتها الناصعة البياض التي تشع من هذا القميص الحريري الأسود تجعلها فاتنة، شفتيها المكتنزتان، جسدها الأنثوي بكل منحنياته التي تلهب قلوب الرجال، فهي ليست نحيفة ولا ممتلئة، ولكنها تمتلك جسد أنثوي مغري،
وجهها البريء الذي يجعل الجميع يقع في هواها، والذي ستحاول أن يكون هذا سلاحها هنا في هذا البيت، ربما تفتح لها أبواب دوما كانت مغلقة في وجهها.
لم تتردد كثيرا في انتقاء ما ترتديه، وعلى الفور جذبت ثوب نهاري بلا أكمام، قصير، لونه أخضر فاتح(Yello green)،( أخضر فوسفوري) يبرز جمال لون عينيها ويتماشى مع بشرتها اللامعة، صففت شعرها الطويل وتركته منسدل على كتفيها، ثم وضعت كحل خفيف في عينيها وأحمر شفاه باللون الوردي يزيد شفاهها جاذبية وإثارة، وارتدت حذاء رقيق مفتوح من الأمام وقد وضعت طلاء اظافر وردي، وأخيراً اللمسة الأخيرة، عطر فرنسي راقي من المجموعة التي اشتراها لها، عطر يتناسب مع فترة الصباح، رقيق وناعم .. ووقفت تتأمل نفسها في المرآة وهي راضية تماما عن النتيجة.
خرجت من حجرة الملابس، وألقت نظرة عليه فوجدته مازال مستغرقا في النوم، فتسللت بهدوء نحو حجرة تيرا، التي وجدتها مستيقظة وفي حالة من النشاط والحركة، مستمتعة باللهو بالدمى والألعاب التي تملأ غرفتها، جلست معها بعض الوقت تطمن على حصولها على فطورها المميز، وحليبها المعتاد، ثم تركتها مع المربية وعادت مرة أخرى للغرفة حتى توقظ زوجها المزيف.
دلفت للغرفة وسمعت صوت خرير المياه، لقد استيقظ بالفعل، جلست على الفراش تنتظر خروجه، وهي تعد نفسها لأن تتسلح بالشجاعة والقوة في وجهه، بل في وجه الجميع.
مرت الدقائق ببطء شديد وهي تجلس على حافة الفراش في ترقب، تحاول أن ترسم عدة سيناريوهات في ذهنها، أو تعد الكلمات التي ستخرج من فمها إليه حتى لا تتحدث بشكل عشوائي كما تفعل دائما.
بضع دقائق أخرى وخرج إلى الغرفة في كامل هيئته، يرتدي قميص أبيض مفتوح الأزرار حتى منتصف الصدر، وبنطال أزرق، شعره ما زال رطبًا، يصففه إلى الخلف، عطره الرجولي بمجرد دخوله الغرفة أعلن عن وصوله، عطر قوي أخاذ يخطف الأنفاس ويثير رغبة النساء في التهافت عليه.
بحق السماء كم هو وسيم!!، بل شديد الوسامة، إنه من النوع الذي قد تقع في شباكه من النظرة الأولى، جاذبيته الرجولية تطغى على شخصيته الفظة، شعره الأسود وعينيه الحادتان، ملامحه الدقيقة وجسده الطويل الممشوق، عضلاته التي تبرز من قميصه.
ظلت لدقائق مأخوذة بتأثيره عليها حتى انتبهت على صوته ذو النبرة الحادة: هاتفضلي سرحانة فيا كتير كده.
ارتبكت على الفور، وشعرت ببلاهتها المعتادة التي دوما ما تكشفها، ابتلعت غصة في حلقها وهمية وقالت بصوت مرتجف: ااه ..لا . أنا كنت سرحانة وماحسيتش بيك.
ابتسم ابتسامة ماكرة فهو يدرك تأثير جاذبيته جيدا ثم تقدم نحوها في خطوات صغيرة جعلت قلبها يدق بقوة، وعندما أصبح امامها، وقف يتفحصها بجرأة شديدة ثم قال: مش عيب تعترفي إني ليا تأثير عليكي، زي ما أنا أقدر أقول دلوقتي أنك جميلة أوي، وليكي سحر خاص...مد يده وقبض على خصلات شعرها بين يديها وقال: إنتي عارفة إني بحب أوى لون الشعر ده، مثير ومغري، ودايما صاحبته بيكون ليها سحر خاص، وخصوصا لما يكون مع بشرة زي بشرتك وعيون زي عيونك...ثم مرر أصابعه على وجهها واقترب من شفتيها، وهي في استسلام تام لوقع كلماته عليها التي ترضي غرور أي امرأة وتجعلها تقع فريسة تحت تأثير سحر هذا الإطراء.
أغمضت عينيها واطلقت آهة خافتة من جراء ملامسته الرقيقة لها فاقترب من وجهها ثم دنا من أذنها وهمس بخبث: شفتي بقا أن ليا تأثير عليكي ازاي، وسهل تقعي بمنتهى السهولة.
انتفضت إيڤا من كلماته الوقحة، وغروره المهين، وابتعدت للخلف سريعا، وهي تحاول أن تهدأ من أنفاسها المتسارعة ثم أجابته بحدة: عادي اني اتاثر بكلامك، دي طبيعة أي أنثى، لكن مش سهل أبدا اني أقع، افتكر دايما ده، وخصوصا انك من النوع اللي ممكن تسحر لمدة دقائق، بس مجرد ما تتكلم سحرك بيضيع في ثواني وتفضل وقاحتك بس اللي مش بشوف فيها أي حاجة مغرية.
حدق بها في برود: بلاش تتحديني، عشان انا دائما بكسب.
واجهت نظراته بقوة وهي ترتب خصلات شعرها مرة أخرى ثم قالت: مش محتاجة اتحداك، لأني أصلا مش مهتمة بيك .. زفرت الهواء ببطء من صدرها ثم اردفت: أظن يلا عشان نبدأ الفيلم من بدري..عندك أي حاجة محتاج تحكيها ليا قبل ما تنزل تحت.
هز رأسه بالنفي ...فاردفت قائلة: أنا بقى عندي، إحنا جوازنا مزيف، بس قدام الكل حقيقي، يعني أنا قدام الناس حرم آدم بيه المغازي، أوعى تنسى ده، أو تقلل من احترامك ليا، أو تحاول إنك تتعمد اهانتي قدام أي حد ، وقتها متلومش إلا نفسك.
_ انتي اتجننتي..إزاى تكلميني كده. انتي نسيتي نفسك ..هتف بها غاضبا.
أجابته ببرود: بالعكس أنا بحاول أحافظ على شكلك ومظهرك، ماعتقدش إن واحد في مركزك هايبقى شكله لطيف لما يتعرف إنه متجوز بس عشان ياخد الشركة...مثل دورك كويس طول فترة جوازنا ..وحاول إنك تلتزم بيه على الأقل قدام الناس لحد ما ينتهي عشان شكلك أولا ..وكرامتي ثانيا ..ودلوقتي أنا جاهزة.
**********************
هبط الاثنان إلى الأسفل حيث تجتمع العائلة على الفطور، ماعدا وجيه المغازي الذي ما زال في غرفته بأمر من الطبيب.
كان الجميع يجلس على المائدة، السيدة لويزا الايطالية، والدة آدم، ابن عمه (صخر) شاب في نفس عمر آدم تقريبا، صديقه ونائب مدير الشركة، وسامته خطيرة، معروف بين الأوساط الإيطالية بالدنجوان الايطالي، يعشق الفتيات الشقراوات، وله تأثير كبير على أسلوب حياة ابن عمه.
أخته ليزا وزوجها الإيطالي ماركو، الذي اعتنق الإسلام بعد أن وقع في حبها من أجل أن يتمكن من الزواج بها، إنها عائلة عصرية قد تكون تحافظ على بعض الشكليات الشرقية التي نشأ عليها الأب، ولكنها مجرد شكليات لهم، فهم إيطاليون حتى النخاع.
يجلس على أقصى المائدة طفلي ليزا التوأم (ماتيلدا، ماثيو).. وبجوارهما مربيتهما الخاصة تحرص على تناولهما الفطور والتزامهما بآداب الطعام.
دخل الاثنان إلى قاعة الطعام، وإيڤا تتأبط ذراع زوجها بود وابتسامة لطيفة على وجهها، تعلقت الأعين بهما في دهشة واستياء، ولكنها عاقدة العزم أن لا تدع أي مجال للإحباط أو المشاكل ...دخلت بإشراقة على وجهها، وألقت التحية على الجميع، حتى أنها ذهبت إلى السيدة لويزا وقبلت وجنتها واعتذرت بلطف عما حدث بالأمس، وعن دخولهما المفاجيء، ولكنها أنهت حديثها بجملة: ولكنك بالتأكيد تعلمين ابنك افضل مني، إنه يهوى الغموض والمفاجآت، ولكن لا أعلم إن كانت مفاجاتنا سارة لكم أم لا بسبب ما حدث بالأمس.
ثم انتقلت للأخت وزوجها وأثنت على جمالها الأخاذ وأسرتها الجميلة ...دقائق قليلة وانقلب الموقف من حالة الجمود والاستياء، إلى المرح والارتياح للعروس الجديدة، لقد رآها الجميع لطيفة..جميلة..حلوة المعشر.
حتى أن صخر قال ممازحا: مش قادر اصدق ان واحدة زيك تقع مع واحد زي ابن عمي، حظك وحش عشان ماشفتكيش قبله .
ابتسمت إيڤا بطريقة ساحرة ووضعت ذراعها على كتف زوجها ولمست بأصابعها وجنته وهي تقول: متهيألي مافيش راجل ممكن يشد انتباهي أو يعجبني غير آدم، لأني متأكدة أن مافيش راجل زيه، هو الوحيد اللي قدر يوقعني في حبه في يوم واحد، ودي استحالة كانت تحصل ....ثم قبلته بدفء واطالت المكوث بشفتيها على وجنته في محاولة لإغاظة صخر المتعجرف.
لا ينكر آدم أنها فاجأته لم يكن يتوقع أن تكون اجتماعية وبسيطة إلى هذا الحد، شخصية مرحة، تحب التحدث دائما، لبقة، تراعي الجميع، وتحرص على مظهرها أمامهم، كما أن اللفتة التي قامت بها أرضت غروره وخاصة أنه يعلم ابن عمه جيدا، وأن هناك دائما تنافس خفي بينهما، لذا ما فعلته جعله يشعر بالرضا حتى أن ابتسامة صغيرة ظهرت على جانب فمه، جعلته يتأملها بشغف، ثم انحنى فوق شفتيها ليحبس أنفاسها في قبلة جريئة، تعبيرا عن امتنانه وحبه لها أمام الجميع، حتي يقتنع الجميع أن ما بينهما هو حب حقيقي.
ولكن في قرارة نفسه لا يعلم هل فعل هذا لهذا الغرض، أم لأنه أراد تذوق رحيق شفاهها الوردية المثيرة، ويضع صك ملكيته لها أمام الجميع وخاصة صخر.
كانت الأجواء لطيفة ودافئة والجميع يشعر بالراحة للفتاة التي دخلت العائلة حديثا، وهنا تحدثت السيدة لويزا قائلة بالايطالية : أنني سعيدة لكما، ولكن ما حدث كان خطأ كبير ويجب أن يتم تصحيحه، انا لن أقبل بتلك المهزلة أن تستمر.