رواية قناص قلبي الفصل السابع 7 والثامن 8 بقلم نانسي عاشور
الفصل السابع — حين يعود الماضى من الشرق
استيقظ ظافر بعنف.
أنفاسه متقطعة…
صدره يعلو ويهبط كأنه خرج للتو من معركة حقيقية.
نظر حوله بسرعة، الغرفة مظلمة، هادئة… لا دخان، لا رصاص، لا فتاة تحمل مسدسًا.
مرر يده على وجهه ببطء وهو يغمض عينيه.
حلم.
لكن لماذا كان حقيقيًا لهذه الدرجة؟
لماذا كان يرى الخوف فى عينيها وكأنه لم يكن خيالًا؟
جلس على طرف السرير، وأسند مرفقيه على ركبتيه، ثم تمتم بصوت خافت:
“ليل…”
أصبح الاسم يسكن عقله بطريقة مزعجة.
منذ ليلة الحفل فى السفارة…
منذ تلك النظرة العابرة التى لم تستمر أكثر من ثوانٍ…
ومنذ أن عرف اسمها صدفة من حديث دار خلفه.
ليل الدالى.
لم يفهم لماذا بقيت فى رأسه.
رأى آلاف النساء… أقوى… أجمل… أخطر.
لكنها كانت مختلفة.
هادئة… خجولة… وكأنها لا تنتمى لذلك العالم الصاخب.
زفر ببطء ونهض، فتح الستارة.
باريس تستيقظ…
لكن عقله كان فى مكان آخر تمامًا.
فى الشرق… دون أن يعرف لماذا.
فى نفس الوقت — كوريا الجنوبية
هبطت الطائرة وسط ضباب خفيف يغلف المطار.
نظرت ليل من نافذة الطائرة بعينين لامعتين بطفولة قديمة استيقظت فجأة.
كوريا.
الوطن الثانى…
الذكريات الأولى…
وأيام كانت الحياة فيها بسيطة قبل أن تصبح معقدة لهذه الدرجة.
ابتسمت بخفة دون أن تشعر.
لم تأتِ هنا منذ سنوات طويلة…
سنوات كفيلة بأن تجعل الذكريات تبدو كأنها تخص شخصًا آخر.
أمسكت هاتفها وكتبت رسالة قصيرة:
"وصلت."
لم تمضِ دقائق حتى جاء الرد:
"مستنيكى."
ارتعش قلبها بخفة.
كيم.
ابن خالتها…
رفيق طفولتها…
الولد الذى كان يكبرها ببضع سنوات، لكنه كان عالمها كله عندما كانت صغيرة.
ذكريات الطفولة
كانت فى السابعة…
ترتدى فستانًا ورديًا صغيرًا وتجرى فى الحديقة الخلفية للمنزل.
ضحكاتها كانت تملأ المكان، بينما يركض خلفها طفل أكبر منها بعامين أو ثلاثة.
— “ليل استنى!!”
كانت تضحك وتهرب أكثر.
ثم يتعثر هو ويسقط، فتعود إليه فورًا بقلق:
— “اتوجعت؟!”
يهز رأسه بسرعة:
— “لا… بس لو وقعتى إنتِ هزعل.”
كان دائمًا هكذا…
يحميها كأنها مسؤوليته.
لم تكن تفهم وقتها معنى نظراته الطويلة لها…
لكنها كانت تشعر بالأمان بجانبه.
الحقيقة التى غيرت كل شيء
والد ليل… ماجد الدالى.
دبلوماسى يعمل فى القنصلية الفرنسية فى كوريا.
هناك التقى بوالدتها…
وهناك بدأت قصة الزواج…
وهناك وُلدت ليل.
سبع سنوات كاملة عاشتهم فى كوريا.
سبع سنوات من الطفولة النقية.
حتى ظهرت تلك الفتاة.
جارتهما… صديقة الطفولة الظاهرية.
فتاة مدللة… ابنة رجل ذو نفوذ واسع…
رجل يراه الجميع بطلًا يخدم بلده…
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كان يملك علاقات خفية مع المافيا.
يتاجر فى كل شيء… دون استثناء.
وابنته…
كانت تغار من ليل بجنون.
من حب والدها لها.
من اهتمام كيم بها.
من كونها محور كل شيء.
غيرة طفلة…
لكن نتائجها لم تكن طفولية أبدًا.
بعد أشهر قليلة…
تم نقل ماجد الدالى إلى فرنسا فجأة.
قرار دبلوماسى رسمى…
لكن الحقيقة؟
كانت مؤامرة صغيرة بدأت بغيرة طفلة وانتهت بتغيير مصير عائلة كاملة.
الحاضر
خرجت ليل من بوابة المطار، وعيناها تبحثان وسط الزحام.
حتى رأته.
وقف بعيدًا قليلًا… بزى عسكرى داكن… كتفاه أعرض… ملامحه أكثر حدة… لكن عينيه كما هما.
كيم.
توقفت أنفاسها للحظة.
لم يعد ذلك الصبى الذى يركض خلفها فى الحديقة.
أصبح رجلًا… ضابطًا… يحمل هدوءًا وقوة واضحة.
أما هو…
فبمجرد أن رآها، تجمد مكانه.
همس دون أن يشعر:
“ليل…”
لم يطلب إجازة منذ سنوات.
لم يترك عمله أبدًا.
لكن حين عرف أنها قادمة…
طلب إجازة فورًا دون تردد.
تقدم نحوها ببطء.
وقف أمامها مباشرة… صامتًا للحظة طويلة.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا وقال:
— “كبرتى.”
ضحكت بخفة:
— “وأنت كبرت أكتر.”
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير…
قلبه الذى ظل يحتفظ بها منذ كانت فى السابعة.
بينما قلبها…
كان مشغولًا بشخص آخر تمامًا.
شخص لم يعرف حتى أنه يسكنها.
ظافر.
وفى باريس…
وقف ظافر أمام نافذته مرة أخرى… دون سبب واضح…
يشعر بفراغ غريب.
كأنه نسى شيئًا مهمًا…
أو كأن جزءًا من العالم أصبح بعيدًا فجأة.
تمتم دون أن يفهم لماذا:
“هى فين دلوقتى…”
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
لم يكن يعرف الإجابة.
نهاية الفصل السابع ✨
🔥
👇
الفصل الثامن — نار الغيرة
لم تكن المشكلة فى عودة ليل إلى كوريا…
المشكلة كانت فى من لاحظ عودتها.
كانت تراقب من بعيد.
عينان ممتلئتان بغيرة قديمة لم تمت يومًا… بل كبرت معها.
وقفت الفتاة أمام النافذة الزجاجية الواسعة فى غرفتها، تمسك الهاتف بيد مشدودة حتى ابيضت مفاصلها.
قالت بحدة: “رجعت… رجعت تانى.”
كان اسمها إيما.
الفتاة التى بدأت القصة كلها بغيرة طفلة…
والآن عادت غيرتها أقسى… وأخطر.
خلفها جلس والدها بهدوء، رجل يراه الجميع رمزًا للوطنية وخدمة البلد…
بينما فى الخفاء يملك علاقات تمتد فى الظلام… حيث المافيا لا تعرف حدودًا.
قال بهدوء: “مجرد زيارة وهتمشى.”
التفتت إليه بعصبية: “أنا مش عايزاها تمشى… أنا عايزاها تختفى.”
ساد الصمت للحظة.
ثم ضحك ضحكة خافتة: “لسه الغيرة دى جواكى؟ بعد كل السنين؟”
صرخت: “إنت مش شايف كيم؟!”
تقدمت خطوة وقالت بصوت يرتجف: “عمره ما بص لواحدة… عمره ما كلم واحدة… عمره ما اهتم بحد…
بس لما رجعت؟ بقى عايز يجيب لها نجمة من السما!”
صمتت لحظة… ثم همست: “أنا مش هخسر تانى.”
فى الجهة الأخرى
كانت ليل تمشى بجانب كيم فى شارع هادئ تحيطه الأشجار.
الهواء بارد… لكنه مريح.
قال كيم مبتسمًا: “فاكرة الطريق ده؟”
ابتسمت: “كنا بنجرى هنا كل يوم.”
ضحك: “وكنتِ دايمًا بتكسبي.”
صمت قليلًا… ثم قال بنبرة أهدأ: “كنت بقولك لما تكبرى هتتجوزينى.”
توقفت ليل لحظة… ثم ضحكت بخفة: “كنا أطفال يا كيم.”
لكنه لم يضحك.
نظر إليها طويلًا… ثم قال: “أنا كنت بتكلم بجد.”
ارتبك قلبها للحظة.
ليس حبًا… بل خوفًا.
خوف أن تجرح قلب شخص تعتبره أخًا منذ الطفولة.
قالت بهدوء: “إنت أغلى حد فى طفولتى… وهتفضل.”
فهم الرد.
ورغم أنه ابتسم…
إلا أن قلبه انكسر بصمت.
لأنه رأى الحقيقة فى عينيها…
قلبها مشغول بشخص آخر.
شخص بعيد… لا يعرف حتى أنه يسكنها.
ظافر.
الحادث
كان كل شيء هادئًا…
حتى تغير كل شيء فى ثانية.
صوت محرك سيارة يصرخ فجأة خلفهم.
التفت كيم بسرعة…
عيناه اتسعتا.
السيارة تتجه نحوهما مباشرة بسرعة جنونية.
صرخ: “ليل!!”
لم تفهم ما يحدث…
وفى جزء من الثانية…
اندفع نحوها بقوة، أمسكها وسحبها بعيدًا عن الطريق.
مرت السيارة بجانبهما بسرعة مخيفة كادت تلامس جسدهما.
صوت الفرامل لم يأتِ.
السيارة لم تتوقف.
اختفت فى نهاية الشارع… بلا لوحات.
بلا أرقام.
بلا هوية.
تجمدت ليل مكانها، أنفاسها ترتجف: “إيه ده؟!”
وقف كيم بسرعة… نظر للطريق بعينين مشتعلة.
قال بصوت منخفض وخطير: “دى مش حادثة.”
نار تشتعل أكثر
فى مكان آخر…
وصل الخبر.
ابتسمت إيما ببطء: “كانت هتبقى ضربة حلوة…”
ثم ضاقت عيناها: “بس واضح إن الموضوع محتاج تصعيد.”
نظرت إلى والدها وقالت ببرود: “أنا عايزاها تتخطف.”
رفع حاجبه: “إنتِ عارفة بتطلبى إيه؟”
ردت دون تردد: “آه.”
صمت لحظة طويلة… ثم قال: “هنشوف.”
النهاية المؤقتة
بعد أيام قليلة…
انتهت إجازة ليل.
وقفت فى المطار تستعد للعودة إلى فرنسا.
لم تكن تعرف أن قرار اختطافها قد صدر بالفعل.
وأن الظلام بدأ يتحرك…
فى انتظار وصولها.
نهاية الفصل
