
ماتيرا / القرية الساحرة
استقل آدم سيارته الإيطالية الصنع فيراري F40، وهي تعد من أسرع السيارات عالميا ..وجلست إيڤا في المقعد المجاور له، ولكن رغما عنها بدأت نبضات قلبها تتسارع قليلا، حاولت أن تتظاهر بالقوة ولكن خانها جسدها، فجلست متصلبة، متشبثة بيديها في المقعد، فمنذ أن وقعت عينيها على السيارة التي تبدو كسيارات السباق، وهي تشعر بالإعياء من مجرد تخيل طريقة قيادته، فبالتأكيد لن يسير بها بل سيسابق الرياح.
تأملها آدم وشعر بالقلق والتوتر يبدو على محياها، فمد ذراعاه، وجذب يديها من جانب المقعد، وامتلك راحتها بين قبضته وقال بصوتٍ دافيء : خايفة؟
تفأجات من ردة فعله، وسرت رعشة في جسدها من لمسة يده، فالتفتت بخجل تنظر إليه فلمحت في عينيه نفس النظرة الصادقة التي كانت بالداخل وهو يخبرها ألا تخاف وهي بين ذراعيه، حدقت به وأرخت عضلات جسدها،وتناست خوفها بعد أن اجتاحها تيار دافيء وهو يحتوي أناملها بين يده وقالت بنعومة: وأنا معاك لا.
ابتسم آدم لها وقال : وانتي معايا سيبي نفسك، مش هاتندمى.
أومأت برأسها ونظرت للطريق قائلة: هانروح فين.
أدار آدم السيارة وانطلق وهو يقول: تعرفي إيه عن ماتيرا؟
_ ولا حاجة ..عمري ما سافرت للجنوب ..أعرف بس انها مدينة الكهوف، غير كده ما اعرفش حاجة خالص عنها ...أجابته إيفا وعينيها تجوب في كل مكان..تستمتع بالمناظر الخلابة.
أردف آدم قائلا : اسمحيلي أكون النهارده ال guide بتاعك .. الأول قبل أي حاجة دي بلد لويزا والدتي، والبيت ده بيت عيلتها.
لويزا من أسرة معروفة هنا في ماتيرا أعتقد تقريبا هي البنت الوحيدة في الفترة دي اللي خرجت عن العادات والتقاليد وسابت القرية وراحت روما.
عقدت إيڤا حاجبيها في دهشة وقالت : عادات وتقاليد !!
فأردف آدم قائلا : ايوه أهل الجنوب غير ..مختلفين عن أهالي روما والمدن التانية، الجنوب محافظين أوي وصارمين فى حياتهم، عاملين كده زي الصعيد في مصر، ويمكن ده اللي خلى وجيه المغازي يحب لويزا.
صمت آدم قليلا ..وانتبه للطريق الضيق الذي يعبر به...فمدينة ماتيرا عبارة عن طرق ضيقة لا يعبر منها سوى سيارة واحدة ..على مرتفعات ..جزء كبير من القرية عبارة عن بيوت كهفية ..
استطاع أن يعبر هذا المنحدر وقال:
وجيه من صعيد مصر ولويزا من صعيد ايطاليا، بسرعة قدروا يفهموا بعض ويرتبطوا، رغم أن لوي اتمردت على القرية وسافرت بس فضلت متمسكة بعاداتها وتقاليدها، متحفظة جدا...بترفض أي علاقة برا نطاق الجواز، محتشمة، مش بتسهر برا البيت، كل ده عجب الامبراطور وقرر انه يتقدملها، واتجوزوا وبنوا نفسهم لحد ما بقا في إمبراطورية المغازي.
انحرف بالسيارة بشكل دائري مما جعل إيڤا جسدها يميل تجاهه،ولكنه ظل ممسكا بيدها لم يفلتها وأردف:
لويزا دايما بتقولي إن فيا كتير من صفات أهل ماتيرا، الناس هنا ليهم طابع خاص ..ممكن تقولي طبيعة القرية أثرت فيهم خلتهم من فئة المحاربين ..
جلست إيڤا تستمع له بشغف وهو يرو تاريخ بلدة ماتيرا ثالث أقدم مدينة في العالم بعد حلب في سوريا وأريحا في الضفة الغربية المحتلة.. التي تتضمن منازل محفورة في الصخر تطل على وديان سحيقة وتسمى "ساسي". . . وهي مدرجة على قائمة التراث العالمي للبشرية منذ 1993 مما ساهم في شهرتها. كما صورت أفلام كثيرة حول أيام المسيحية الأولى في أزقتها التاريخية الضيقة بما في ذلك فيلم "ذي باشن أوف كرايست" لميل غيبسون.
سارا سويا في أشهر معالمها شارع سان چيوڤاني..ثم تجولا بين جدران قلعة الكاستلو دي ماتيرا، وأخيراً ذهبا إلى أشهر المطاعم هناك la Rosa مطعم بيتزا وسمك ومأكولات جنوبيه ...جلس آدم يصف لها كل شيء حتي الطعام ..ففي إيطاليا كل بلد وقريه تختلف عن الأخرى.. ماتيرا بلد مستقلة حتى في طعامها تشتهر بزراعة الكروم وتصنع الڤينو الايطالي أي ( النبيذ) هكذا يلقب هناك.
الطقس حار في الصيف تصل الحرارة الى الدرجة أربعين أما في الشتاء تنخفض حتى سبع درجات وهذا يعد طقس جميل بالنسبة للإيطاليين.
وبعدما أنهيا طعامهما انطلق بالسيارة نحو قمة التلال ..في طريق ضيق لا تعبره سوى سيارة واحدة..تتحرك مثل الحلزون بشكل دائري ويجب أن يكون القائد متمكن جدا من القيادة...
الطرق هناك عبارة عن حجاره مربعه سوداء تكسو أرضية القرية كلها ..وأثناء المطر تتحول وتصبح مثل العقيق .. لامعة.. تبعث الهدوء في النفس. . لا يوجد مبان عالية ..فقط حارات ضيقة وبيوت متقاربة.
وقفت إيفا أعلى التلال تشاهد المدينة كلها بالأسفل ..لم تستطع إخفاء انبهارها بتلك القرية التي تحولت من مصدر للخجل بسبب تفشي الفقر بين سكانها خصوصا في خمسينيات القرن الماضي، إلى مصدر للمجد في البلاد، فقد استطاع أهل المدينة تحسين صورتها وإنقاذ كهوفها وقصورها الباروكية وكنائسها القديمة، جهود توجت باختيارها لتكون عاصمة أوروبية للثقافة لسنة 2019.
وقف آدم بجوارها ينظر إلى الأفق، ثم قال : أوقات لما بطلع هنا بحس إن المدينة بتنبض، بتتكلم، بتاخدني جوا قلبها ...أحاسيس كتير مش بحسها إلا في ماتيرا ....هنا بحس إني إنسان تاني ..غريب ..مش متعود عليه..تصدقيني لو قلتلك اني بخاف من نفسي لما بكون هنا. بخاف معرفش ارجع تاني لشخصيتي اللي الكل عارفها.
تنهدت إيفا ببطء وقالت ونسمات الهواء تداعب خصلاتها: وانت بتحب أي شخصية فيهم !!
صمت آدم قليلا كما لو كان يفكر في الإجابة، ثم التفت يواجهها وأمسك بكتفيها وعينيه تتوغل داخل ظلال عيناها قائلا :
مش كل اللي بنحبه ينفع نعمله، آدم لازم يفضل شرس . .قوي ..معندوش قلب ..أو بسهولة هايقدروا يكسروني، وأنا لا يمكن أسمح بكده.
ابتسمت بسخرية وقالت : إنت أصلا مكسور يا آدم وبتضحك على نفسك، إنت عامل زي الصورة اللي متقطعة قطع صغيرة ..وكل قطعة في حته، لا انت عارف تلمها وترجعها زي ما كانت ولا قادر تحاول تبدأ من جديد بصورة جديدة.
تجهم وجهه وظهر عليه العبوس، وأرخى يديه من على كتفيها وقال : قصدك إيه؟
زفرت بقوة وقالت : إنت عارف قصدي كويس، إنت بتعاند والدك عايز تنتقم منه ..بس المشكلة إنك بتنتقم منه في نفسك، عامل نفسك جامد ومش فارق معاك حاجة ورغم كده سايب كل التراكمات والمشاعر السلبية اللي جواك تتحكم فيك ..تمشيك على كيفها، دي مش قوة يا آدم، اليوم اللي تقدر تقول على نفسك فيه قوي هو اليوم اللي تقدر ترمي كل حاجة ورا ظهرك ...وتقف على رجلك وتعمل الصح، اللي تقدر تسوق نفسك بنفسك مش تخلي شوية أفكار ومشاعر سلبية تسيطر عليك ... إنت كده سهل أوي كسرك يا آدم ..أسهل مما تتخيل.
عاد وجههه للتجهم وحدق في الأفق قائلا : إنتي مش فاهمة حاجة..كلامك كله مرسل ..مجرد تخمينات، لكن متعرفيش أي حاجة.
لا تعلم لماذا شعرت بالآسى تجاهه، رغما عنها انتابتها تلك المشاعر الصادقة عوضا عن شعور الانتقام والكره، وبلا وعي مررت أناملها على ذراعه برقة بالغة وقالت بصوت دافيء : أنا حاسه ان جواك وجع كبير وبتحاول تداريه، وانا مش عارفة اعملك إيه، بس انا موجودة معاك ..مش محتاج تفضل قافل كل الأبواب حواليك، مش لازم تفضل عازل نفسك عن إنك تعيش حياتك ..أنا جنبك لو حسيت انك محتاج حد.
لا يعلم هل كانت كلماتها هي القشة التي قسمت ظهر البعير، أم لمسات أناملها على طول ذراعه، ولكنه وللحظات شعر بالاستسلام لها، لبراءتها التي تطل من عينيها، حتى لو كانت خادعة، حتى لو لم تكن سوى حية بارعة التمثيل، لا يهم هو فقط يريد أن يشعر بما يراه وليس ما يظنه، اقترب نحوها ورفع يده يعيد ترتيب خصلات شعرها المتطاير ، ثم وبلا وعي دفن رأسه في شعرها يستنشق عبير عطرها المثير،
واقترب أكثر من وجهها وهو يلامس بشرتها بوجهه، ثم همس في أذنها قائلا : تسمحيلي بالرقصة دي.
اضطربت أنفاسها وشعرت بالدوار من أثر أنفاسه الحارة على وجنتها، وقربه الشديد لها، تلعثمت وقالت بصوت خانه الثبات: إزاي...ماينفعش ...مافيش ..
_ ششششش... لو ركزتي شوية هتسمعي صوت موسيقي ..المكان هنا ليه سحره الخاص، وليه موسيقته اللي مش أي حد بيسمعها ..بس سيبي نفسك ومتفكريش في أي حاجة ...وانتي هاتحسي بيها ...قال كلماته وهو يقبض على خصرها بذراعه وعلى يدها باليد الأخرى ...وبدأ معها خطوات صغيرة حتى ترتخي عضلاتها وتتوقف عن التردد..وأثناء ذلك كانت أنامله تداعب راحة يدها .. وشفاهه تداعب شعرها ..وهو يتمايل معها على صوت موسيقى الهواء ..
لم تكن يوما بالقوة الكافية لتواجه كل تلك الأحاسيس بصلابة، ولم تدعي يوما أنها كذلك، بل أنها أكثر هشاشة وضعف مما كانت تتخيل، والدليل أنها لم تصمد أمام سحره ولمساته بضع ثوان، بل وجدت نفسها تتشبث به بقوة، ثم تقترب أكثر وتضع رأسها على صدره لتستمع لصوت دقات قلبه التي تدق كطبول حرب.
_هل هذه هي السعادة؟!، حتى لو لم تكن، لو كانت مجرد وهم، أو حلم من أحلام اليقظة، لا يهم، فقط لأحيا تلك اللحظات قبل أن تمضي سريعا.
( كانت تتسائل بداخلها ولكنها لم تملك الإجابة، فقط قررت أن تتقبل تلك اللحظات السعيدة بلا تردد أو لحظات ندم ).
أفلت آدم يدها واحتضنها بذراعيه بقوة كما لو كان يريدها أن تلاصق قلبه، ثم همس لها: عارفة اجمل حاجة فيكي إيه.
همهمت بصوت غير واضح .. فأردف قائلا : وانتي في حضني بحس اني مش عايز أبعد عنك لحظة واحدة، فيكي دفا غريب، بحس لما بضمك ان ضربات قلبك وقلبي بيدقوا زي بعض، كأنك بقيتي جوايا قريبة أوى مني، أنا عمري ما حسيت بالدفا ده مع أي حد تاني.
شعرت بالخجل ودفنت وجهها في صدره أكثر، ولكنه أبعد رأسها عن صدره وبأنامله رفعه لأعلى لتواجه عينيها عينيه وقال : بلاش تخبيء عيونك ..افتحي عينك خليني أشوف دنيتي.
رفعت اهدابها ببطء ونظرت إليه ووجهها تكسوه الحمرة ولكنها سرعان ما غفلت عن كل شيء أمام النيران المتأججة في ظلال عينيه، ابتسمت له وقالت بشجن: وانت عارف إيه أحلى حاجة فيك.
همس لها وعينيه تلتهمان قسمات وجهها : إيه
_ أوقات برغم جبروتك وقسوتك، بحس انك معايا طفل صغير، بحس انك مش محتاج غير حضن دافيء وحد يلعب في شعرك لحد ما تنام، لا وممكن كمان يحكيلك حدوتة قبل النوم ...
تأملها في صمت وعينيه تفترشان ساحة معبد عينيها ثم قال بابتسامة منتصر :
_ خلاص اتفقنا ..وانا من النهارده مش هنام إلا لما تديني الحضن بتاعي وتلعبي في شعري وتحكيلي الحدوتة ..أو هاعملك دوشة ومش هاخليكي تنامي ...أجابها آدم وهو يبتسم.
أما هي فشعرت أنها وقعت في فخ من صنع يديها ..فتحت فمها وحاولت الاعتراض ولكنه اسكتها بقبلة عميقة جعلتها تنسى معها من تكون؟ ...قبلة كانت كافية لتجعلهما يحلقان في سماء ماتيرا بلا قيد أو شرط، وعندما ابتعدا أخيرًا ..كان آدم اول من قال بعد أن استعاد أنفاسه: بعد البوسة دي احمدي ربنا ان دي بس طلباتي ولو اعترضتي الطلبات هاتزيد.
****************************
في قصر المغازي _ روما
جلست لويزا مع المارشال (ستيفانو) في حديقة منزلها يحتسيان القهوة في هدوء بعيد عن أعين جميع من بالقصر، وبعد فترة من الصمت بادرت لوي بالحديث قائلة : برغم صمتك أشعر أن هناك الكثير الذي تريد قوله، عيناك الحائرتان تخبراني بذلك .
ابتسم ستيفانو ووضع قدح القهوة على الطاولة أمامه وقال : دوما كنتِ الوحيدة القادرة على قراءة ما بي بدون أن أتحدث ...ثم أطلق تنهيدة حبيسة في صدره وأردف قائلا : لا أعلم ماذا أخبرك (لوي) ..الأمر لم يتطلب مني الكثير من الوقت فقط بضع ساعات واستطعت معرفة كل شيء عنها، وهذا ما جعلني أصمم على المجيء وإخبارك بالأمر مباشرة وليس على الهاتف.
_ تحدث ستيف لقد افزعتني، ما الأمر !!، هل ما أخبرتك به عنها ليس بصحيح !!، هل هناك أمر أسوأ مما قد اتخيل ؟،... تحدثت لوي بقلق شديد.
ربت ستيف على كتف عزيزته لوي بخوف وقال : إهدئي قليلا...الأمر لا يستدعي كل هذا الذعر...لا تفزعي هكذا عزيزتي أنت تعلمين أنني لا احتمل رؤيتك هكذا.
لا يوجد ما لن نتمكن من حله ..ثم لما هذا التسرع من آدم!!، ما الذي حل بهذا الشاب؟ .
تنهدت لوي وابتلعت غصة مرارتها ثم قالت : العناد ..سمة هذا البيت، فالولد مثل أبيه، هما الاثنان وجهين لعملة واحدة ولكنهما لا يريدان الاعتراف بهذا، يحاولان دائما فرض سيطرتهما ..لقد سئمت من كل هذا.
تأملها ستيف وهي تتحدث، شعر بألمها ود لو يستطيع أن يزيح كل هذا عن كاهلها ولكن كما دوما كانت تخبره ليس له الحق في هذا، يعي جيدا أنها تحب هذا الأحمق المصري الذي استطاع أن يخطف قلب لوي حبيبته ويبتعد بها عن الجميع، ولكنه لم يتوقف يوما عن حبها ولن يحدث...سيظل دوما بجوارها حتى ولو من بعيد ..وسيظهر في كل مرة تحتاج إليه ..لن يخذلها أبداً ..شرد بعينيه في تفاصيل وجهها وهو يحدث نفسه قائلا : لم يزل بريقك يحيطك، لم تتغيري، لم تكن السنوات قاسية معك حبيبتي، بل لقد مضت وأنتِ كما أنتِ، لوي الجميلة المشرقة والرائعة ....انتبه من غفلته على صوتها وهي تقول : إذن ماذا علمت عنها؟ .
زفر بقوة واعتدل في جلسته وقال : علمت أنها كاذبة.
_ كنت شبه متأكدة من هذا، لم يخذلني إحساسي يوما، دوما كان على صواب ...إذن اطلعني على كل شيء ..ما حجم الكذب في روايتها!! ...قالت لويزا بعد أن شعرت بارتياح بسيط.
فأجابها بثبات: أن روايتها كلها خاطئة، لا يوجد بها أي أمر صحيح، عائلتها وزوجها الذي هربت منه ...أما أمر الطفلة فلا أعلم كيف أخبرك هذا ؟ ....
هتفت لوي بحدة : تكلم ستيف لم أعد املك الصبر يجب أن أعرف الحقيقة كاملة.
_ حسنا ...كما تريدين ...أجابها باستسلام.
*************************
وفي الفراش كانت إليسيا تتمدد على صدر صخر وبين ذراعيه، لم تكترث بشيء سوى أن تنال متعتها وغايتها، والغاية الأكبر كانت إثارة غيرة آدم ..ظلت تعبث معه طوال الوقت في انتظار عودة غريمتها مع حبيبها، تتمنى أن يراهما سويا...حتى أنها تعمدت أن لا توصد باب الغرفة، تركت فتحة صغيرة ولكنها تجعلك ترى ما يحدث بالداخل.
احتضنها صخر وقال : لقد أعجبتني تلك اللعبة.
أجابته بتصنع: عما تتحدث؟
_ أتظنين عزيزتي!!، إنني لا أدرك ماذا تفعلين، أرجوكِ لا تهيني ذكائي، ولكن لا تقلقي فأنا مستمتع بالأمر، ولا أستطيع الشكوى ..أجابها صخر بنبرة ساخرة.
رمقته بنظرات مثيرة وقالت : أعلم يا عزيزي، فلا أحد يستطيع مقاومة سحر إليسيا ..لم يحدث من قبل.
أطلق ضحكة عالية وقال : أعترف لكِ بذلك، فأنت حتى أفضل من العاهرات، تملكين من الخبرة ما يجعلك مؤهلة لتعليم الفتيات فن الغرام.
ابتسمت وهي تداعب صدره وقالت : لذا أنا على يقين أن آدم سيعود إلي مرة أخرى.
_ إذن أنتِ حمقاء عزيزتي، دوما المرأة مهما بلغ جمالها وذكائها ولكنها ستبقى حمقاء في أمور القلب، لن تتمكنوا يوما من حل تلك الشفرة المعقدة ...أجابها صخر ببرود.
اعتدلت في جلستها وقالت : ماذا تعني؟
وفي نفس اللحظة كان آدم وإيڤا يعبران الممر الخارجي للوصول إلى غرفته، فشاهداهما سويا في الفراش...شعرت إيڤ بالخجل ووضعت يدها على عينيها عندما رأت هذا المنظر المخجل، أما آدم فاقترب من الباب وأطل برأسه للداخل وقال ببرود : لقد عدنا، آسف لم أقصد إفزاعكما، سأكون مع زوجتي في غرفتنا بالأسفل، الطابق بأكمله لكما ..امرحا كما تريدان، ولكن في المرة القادمة، حاولا إغلاق الباب، استمتعا بوقتكما.
ثم عاد للخارج وأوصد الباب ..وسط ذهول إليسيا وضحكات صخر.
ألقت إليسيا الوسادة نحو الباب وهي في فورة غضبها ثم التفت نحو صخر وقالت : ماذا تقصد؟، أخبرني.
اعتدل صخر في جلسته وقال بتهكم : رغم أن إخبارك قد يحرمني من تلك المتعة ولكن سأخبرك ...يؤسفني يا عزيزتي أن تعلمي أن آدم لن ينظر لك كما كان من قبل، بل الأسوأ، أنتِ الآن في نظره سلعة رخيصة، وهو لا يفضل هذا النوع...أعترف أنه أحبك في يوم ما وهذا ما كان يحيرني، كيف لرجل بخبرته ولم يكتشف من أي صنف أنت؟!!، ولكن يبدو أنه لم يكن في حالته الطبيعية ولذلك عندما رآكِ بين أحضاني في الملهى كانت صدمته كبيرة.
_ ماذا تقول؟، هل قصدت فعل هذا معي؟...تحدثت إليسيا بدهشة ...
ضحك صخر على بلاهتها وقال : ألم أخبرك أنكِ حمقاء!!، لا تهتمين سوى بجسدك وفتنتك، نعم نحن الرجال نقع تحت تأثير هذا السحر ولكن ليس طويلا، ولو وقعنا كوني على يقين أنه كان بملء إرادتنا، بل في بعض الأوقات نحن من ندفعكم لتقوموا بذلك بدون علمكم ..
آدم في الأخير رجل شرقي وقد غفلتي أنتِ عن هذا، لن يشارك جسد امرأته مع رجال آخرين، ولن يقبل أن تكون حبيبته عاهرة، بل لن يسمح له كبريائه أن يكون من ضمن قائمتك، بل يجب أن تكون القائمة لا تحتوي سواه، وهنا كنتِ في غاية الحماقة انشغلتي بنفسك ولم تهتمي أن تكتشفي طبيعة الرجل الذي معك.
رمقته بنظرات غاضبة وقالت : ولماذا حاولت اغوائي؟، بينما أنت تعلم كل هذا، لماذا أردت أن تشارك قريبك في امرأته؟.
_ ألم أقل لكِ منذ قليل أنكِ حمقاء!!، انا لم أكن أريد مشاركته، فقط أحببت أن أجعله يراكِ على حقيقتك...أجابها وعينيه تشع بريق خاص.
زاد انفعالها وقالت : أنت حقير، ولماذا تفعل هذا؟، أنت لا تحب آدم أنا أعلم هذا، دوما أشعر أنك تكنُّ له حقد وغيرة، أنت لا تهتم سوى بنفسك.
نهض من الفراش وقال : للمرة الثانية أخبرك بأنك حمقاء، لا تفهمين الرجال جيدًا، أجل قد تنتابني بعض الغيرة المشروعة، أو قد نتشاكس ونحب أن نتسابق دوما للحصول على الهدف، أو المرأة، ولكن لم أكره آدم قط، إنه أخي وهو يعلم هذا جيدًا، قد يكره طريقتي أحيانا أو يسأم منها، ولكنه يعلم أنني بجواره دائما...وقبل أن تزيدي، أجل عندما رآنا سويا اختلف أمر ما بينا، ولكنني انتظر حتى يعود لصوابه، ربما كان يجب عليَّ ألا أتدخل وأترك هذا العمل لرجل آخر، ولكنني لم أحب أن أدعه مخدوع طويلا ..والآن يا حلوتي هل نقم بجولة أخرى؟، ام مهمة صخر انتهت الآن.
***************************
وقف آدم أمام خزانة ملابسه يبحث عما يرتديه، بينما جلست إيڤا على الفراش تتأمل وجهه ...عضلاته النافرة ...هناك شيء اختلف بعدما رآهما سويا ..ترددت كثيرا ولكنها لم تستطع أن تمنع نفسها عن السؤال : لسه بتحبها؟ .
تصلب جسد آدم قليلا وتوقف عن الحركة، ثم التفت نحوها وقال بحزم : لااا.
لم تقتنع بإجابته فاردفت قائلة : عارفة ان مش من حقي أسأل، بس اتضايقت ليه لو كلامك صح.
اقترب نحوها وجلس بجوارها وقال: عارفة إحساس لما تبقى جوا موقف ومقتنع بيه أوي وشايف إن كل حاجة فيه حلوة وصح، وبعدين لما يخلص ويعدي عليه الوقت وترجع تبص ليه من بعيد..من مكان تاني خالص وتلاقي نفسك بتقول ..إيه القرف اللي أنا كنت فيه ده، ازاي ماكنتش شايف إنه غلط، وتفتكر كل الناس اللي شافتك وضحكت على سذاجتك وانت الوحيد اللي كنت مغفل، فتلاقي نفسك متضايق على شكلك زمان وعلى نظرة الناس ليك ...ده إحساسي دلوقتي، إني كنت مغفل، مضايق إن رغم خبرتي، البنت دي عرفت تضحك عليا.
ابتسمت له بصدق وقالت : متأكد من إحساسك ده.
_ تحبي احلفك ..أجابها بسخرية وابتسامة تعلو وجهه.
_ لا مصدقاك، بس عايزة أقولك أوعى في يوم تندم على مشاعر صادقة انت عشتها، أو على إحساس حلو مريت بيه، مهما كانت النتيجة، انك تكون إنسان دي مش جريمة، وانك تحب دي مش خطيئة، أكيد لما الاختيار بيكون غلط بتحس بألم، بس يكفيك ان قلبك دق، وعاش لحظات حلوة، وأكيد هاتقدر تعيشها تاني بس تختار صح.
تأمل وجهها وهي تتحدث، شعر أنه يتوق لقبلة أخرى من شفتيها الشهيتان ولكن لا، يجب أن يتريث، لا يريد أن يعتادها، لا يجب أن يدعها تتسلل إلى قلبه هكذا، لم يعد يملك الكثير ليواجه به حب آخر خاطيء، المرة القادمة قد تحوله إلى وحش كاسر لا يعرف الرحمة، لذا سينتظر، لن يهرع خلف رغبته بها، سيعيد اكتشافها، لعله يجد ما كان يظن أنه لا يحتاج إليه، بعد أن اكتشف معها أنه في أشد الحاجة لإيجاده، لقد أيقظت بداخله رغبة لم يكن يعلم أنها لا تزال متأججة، أشعلت في قلبه وجسده رغبة الحياة، الحياة مع امرأة واحدة فقط، أن يملك قلب أنثى ..يستيقظ كل يوم على وجهها...ويتهرب من عمله مبكرا ويعود إليها، وفي الليل يغفو على صدرها، كم يشتهي هذا؟، وكم يشعر بالدهشة عندما يجد أنه لا يرى في هذا الرغبة سوى وجهها هي!! .. ابتسم لها وقال بعد شرود طويل : انا حاسس إن في طريقي إني اختار صح المرة دي.
اعتراها الخجل، واشتعلت وجنتيها بالحمرة الخفيفة ..وزاد ارتباكها..فنهضت من جواره وقالت : أنا هاروح اطمن على تيرا، عشان وحشتني أوى
استوقفها آدم قائلا : استني أنزل معاكي، ولا مش خايفة لأحسن تستغل غيابك، وتضحك عليا وتشربني حاجة صفراء.. وانتي عارفاني ضعيف وبيضحك عليا بسرعة.
انتابتها نوبة من الضحك على كلماته ووقف هو يشاهدها ويستمع إلى صوت ضحكاتها الرنانة، دافئة، تضج بالحياة، مختلفة عن مثيلاتها، أنها كاالشمس التي سطعت لتذيب الصقيع الذي يكسو قلبه... تمالكت نفسها أخيرا وقالت وهي تغادر : ماتخافش على نفسك، اللي المفروض أخاف عليه هي الحيزبونة دي، أنا حاسه إن المرة الجاية هالاقيك جايباها من شعرها.
غادرت الغرفة وتركته يقف في منتصف الغرفة وهو يقول بدهشة : حيزبونة!! .
**********************
عادت لويزا إلى غرفتها بعد رحيل ستيف، جلست تفكر في كل شيء، لا تعرف ما هو القرار الصائب الآن؟، ولكنها لن تظل مكتوفة الأيدي وتترك الأمر هكذا، يجب أن تتحرك سريعا قبل فوات الأوان... لحظات وقامت بالاتصال بزوجها وأخبرته بأنها يجب أن تغادر إلى ماتيرا على الفور، هناك بعض الأمور التي يجب ترتيبها مع ابنها وزوجته ..
_ أتمزحين!!، يمكنك محادثتهم على الهاتف ..أجابها وجيه.
_ لااا ..لن أتمكن من تحديد تلك الترتيبات هاتفيا، يجب أن أكون معهما .. أرجوك أحضر لي الطائرة في خلال ساعتين ..
_ أعتذر يا حبيبتي، الطائرة في الصيانة سيستغرق الأمر يومان فقط، يمكنك الانتظار والمغادرة حينها.
تنهدت لوي في ضجر وقالت : حسنا سأنتظر يومان ...وأغلقت الهاتف وهي تكاد تشعر بالجنون كيف ستتمكن من الانتظار !! .
*************************
جاء الليل سريعا، وذهب الجميع إلى غرفهم، وأولهم إليسيا التي كانت تشعر بالغضب الشديد من كل من حولها، جلست في الفراش تفكر في حديث صخر ، ولكنها لم تستطع تصديق أن ما بينهما قد انتهى، فمنذ يومان فقط كان يذوب بين ذراعيها، لا ...لن يحدث ..بالتأكيد لم ينتهي الأمر ..يجب عليها إعادة المحاولة ..ولكن أولا يجب إزاحة تلك المصرية عن طريقها سريعا، قبل فوات الآوان..ظلت تفكر في حل سريع ..فالوقت لم يعد يحتمل ..وحفل الزفاف أصبح وشيكا ..ثم سريعا التقطتت هاتفها وقامت بالاتصال بشخص ما وهي على يقين أنها ستجد الحل لديه.
***********
دلفت إيڤا إلى الغرفة وهي تحمل صغيرتها النائمة بين يديها، ثم وضعتها على الفراش والتفتت لتجد آدم خلفها تماما ..التقطت أنفاسها بحذر وقالت : انت لسه مصمم تنام هنا.
عقد حاجبيه وقال بسخرية : يعني أروح أنام في الشارع.
_ لا ..روح نام في أوضتك ..البيت كبير مش لازم تنام هنا ..أجابته وهي تقف عاقدة ذراعيها على صدرها.
تحرك نحو الأريكة وجلس يخلع حذائه وهو يقول : أولا حاجتي كلها اتنقلت هنا، وبعدين إنتي للدرجة دي مش طايقاني خالص، يعني يرضيكي الحيزبونة تستفرد بيا.
لوت شفتيها باستياء وقالت : وانت عيل صغير مش هتعرف تقفل بابك عليك كويس.
نهض ثانيةً وفك ازرار قميصه وتقدم نحوها ثم وقف أمامها تماما وقال : لا مش بعرف أصل بخاف أنام لوحدي ..وبعدين انتي وعدتيني إني أنام كل يوم على حدوتة منك وانتي بتلعبي في شعري .. مع حضن حلو وإلا نسيتي.
إحمر وجهها خجلا من حديثه، ومن مظهره وهو يقف أمامها عاري الصدر ..تلعثمت ودارت حول الفراش وهي تقول : إيه ...لا ..أنا مقلتش كده ..أنا ..مش هاينفع.
اقترب منها آدم ومال نحو أذنها هامسا: تحبي أزود طلباتي وأحط عليهم اني أنام في حضنك كل يوم، ومع الحدوتة بوسة زي اللي كانت فوق الجبل.
صرخت إيفا بخوف وقالت : لا خلاص ..كفاية الحدوتة.
_ أيوه كده ..ناس تخاف ..أنا هاغير هدومي واستناكي على الكنبة ومش مسموح ليكي تقومي إلا لما أروح في النوم ..وإلا هاتلاقيني جنبك في السرير وانا اصلا بتلكك ..قال كلماته وهو يلتقط المنامة الخاصة به من الخزانة ويتجه نحو الأريكة.
تأففت إيفا وقالت بضجر : كمان ..مش عايز أغسلك رجليك قبل ما تنام كمان ..واشربك اللبن ..هي ليلة باينة من أولها.
غمز آدم بعينيه وقال : دي كانت أحلى ليلة.
شعرت بالدماء الساخنة تتدفق في جسدها، التقطت قميصها وهرعت نحو الحمام سريعا ...وقفت أمام المرآة تلتقط أنفاسها ..لا تعلم ماذا يحدث بينهما؟، هناك شعور ما تولد بينهما اليوم، لا تستطيع إنكار هذا، ولكن لا تستطيع مجاراة الأمر، لن تتمكن من أن تسقط في غرامه، ستكون تلك نهايتها بالتأكيد، كيف ستتغلب عليه؟، إن الأمور بينهما تتصاعد سريعا، وآدم رجل لا يقبل الرفض، ولن يترك لها مجال لأن تسيطر حتى على مشاعرها، إنه يجتذبها نحوه، كالضوء الذي يجتذب الفراشات، كم تخشى اليوم الذي سيكتشف فيه حقيقتها؟ ، لن تقوى على الصمود أمامه ..إذن ما العمل؟ ، هل تهرب؟ ، أم تترك نفسها للأيام وترى ماذا تخبيء لها؟ .
فتحت الصنبور وتركت جسدها تحت المياه خمس دقائق..كانت بحاجة لحمام بارد يعيد لها اتزانها، وعندما انتهت جففت جسدها وارتدت قميص من الساتان طويل باللون الذهبي وعليه الروب، عقدت رباطه على جسدها وخرجت من الحمام وهي تجفف شعرها بالمنشفة ..كانت تتمنى أن تجده نائما ..ولكنه خالف أمنياتها وظل جالسا على الأريكة ينتظرها.
تقدمت نحو المزينة وجلست أمامها وهي تجفف شعرها، ثم التقطت الفرشاة ومشطت خصلاتها للخلف وعقدتها إلى الأسفل..ونهضت ثانية وجلست بجواره وقالت بسخرية: تحب احكيلك حدوتة إيه سنووايت، ولا سندريلا !!
مال آدم بجذعه وتمدد على الأريكة، ووضع رأسه على ساقيها وقال : احكيلي حدوتك انتى.
اضطربت أنفاسها وقالت بخوف : تقصد إيه !!
أغمض آدم عيونه والتقط يدها ووضعها على شعره في إشارة لأن تنفذ ما تم الاتفاق عليه وقال : احكيلي عن إيڤا ..بتحب إيه ..حبت قبل كده ولا لأ ..احكيلي عنك انتي .
ترددت إيڤا قليلا ثم قالت وهي تداعب خصلات رأسه : إيڤا بنت وحيدة، عاشت حياتها كلها بتدور على الحب والأمان ..حبت مرة واحدة بس، وصدقت اللي حبته، يمكن لأن مكانش ليها تجارب في الحب، يمكن لأنها كانت نفسها تعيش اللحظات دي، ويمكن لأن طول عمرها كان نفسها تلاقي حد معاها، بس للأسف طلعت غبية، ساذجة بتصدق بسهولة ..طلع حبها مجرد وهم في دماغها ..واللي بتحبه ولا على باله ..هي بالنسبة ليه زي أي واحدة شافها وحب يتعرف عليها من باب التسلية ..عشان كده رجعت تاني إيفا قفلت على قلبها ..وعلقت عليه يافطة كسر غير قابل للإصلاح ..ممنوع الاقتراب ..وعاشت حياتها تبعد عن أي حاجة توجعها.
_ طيب وهو ..راح فين، عرف أصلا انك حبتيه ولا لأ ..
حدقت به إيڤا وقالت بألم : هو ..هو عايش حياته ..بيتنقل من زهرة لزهرة..مش فاكرني أصلا ..ولا عمره هايفتكر.
أجابها باهتمام : عشان غبي، ثم التفت برأسه ونظر في عينيها وقال: أنا لو مكانه ..عمري ما هاضيعك مني أبدا.
تجهم وجهها وقالت والغصة في صدرها : لو مكانه! ..عامة دي حكاية قديمة وخلصت خلاص ...تصبح على خير.
تأملها آدم وشعر بحزنها، فرفع ذراعها وأمسك برقبتها من الخلف وجذبها نحوه وقبل شفتيها قبلة حانية ولكنها عميقة ثم أطلقها وقال : وانتي من أهله.
**********************
مر اليومين في سلام ..كان آدم طوال الوقت يمضيه بصحبة إيڤا وتيرا، وغالبا ما كان يجتمعون جميعا على الطعام ..حاولت إليسيا طوال الوقت أن تنتهز فرصة للتقرب منه ولكن باءت محاولاتها بالفشل ...أما صخر فكان يقف موقف المتفرج من هذا المشهد الكوميدي ..
ولكن على الصعيد الآخر ..كانت شرارة الحب تتولد بين العاشقان، زاد التقارب بينهما، حتى تيرا اصبح آدم متيم بها، لا يحب الابتعاد عنها .. يهوى اللعب معها طوال الوقت ..وفي الليل تغفو على صدره ..وإيڤا تلك الفتاة المجنونة صاحبة الألف وجه ..كل ما بها أصبح يثيره .. براءتها ..عفويتها.. صوت ضحكاتها العالية ..رعشة جسدها عندما يتعمد ملامستها ..عينيها ..إن بها ألف امرأة يتصارعن على البقاء ..يهوى تشتتها ..خوفها ..شعورها بالأمان وهي بجواره ..حبها لطفلتها ..وغيرتها من أى امرأة تحاول منافستها ..طفولتها عندما يحاول استدراجها بين ذراعيه، ودموعها الرقيقة عندما يشتهي قبلة من فمها ..إنها فاتنة بحق .
_ انقضى النهار كالمعتاد في جولة بالسيارة والسباحة قليلا ..ثم عاد آدم إلى غرفة المكتب لإنجاز بعض الأعمال ريثما تنال إيفا وتيرا راحتيهما قليلا ..قبل موعد المساء مع صاحبة الأتيليه الذي سيقومان بشراء ثوب الزفاف منه.
وبينما آدم ينهي بعض الأوراق ويجري بعض المكالمات الهاتفية .. دلفت إليسيا إلى الغرفة سريعا، وجلست أمامه وهي تقول : هل أستطيع أن أحظى على القليل من وقتك؟
لم يرفع آدم وجهه من على شاشة الكمبيوتر وقال بهدوء : ليس لدي وقت.
_ آدم حبيبي..أرجوك لا تفعل هذا بي، لقد تعلمت الدرس جيدا، أعلم أنني كنت سيئة جداً، ولكنني لم أكن أعلم أنني أحبك هكذا، كنت أعتقد أننا مجرد أصدقاء، ولكن عندما ابتعدت عني، شعرت بحبك وبأنني لن أتمكن من مواصلة حياتي بدونك ...
_ لا أكترث لما تريدين، ولا يعنيني امرك، أنا الآن رجل متزوج من امرأة أو أخرى ..أجابها ببرود
حدقت به وقالت : وهل تحبها؟، هل تستطيع أن تنظر في عيناي وتخبرني انك سقطت في غرامها؟ ..أجبني.
ظلت عيناه على الشاشة وقال : لست في حاجة لأن اثبت لكِ أي شيء.
_ إذن أنت كاذب، تلك الأفعى لا تعني لك شيء، هي فقط مجرد بديلة لي، ولكني انا من تتربع على عرش قلبك، انا فقط ..أنظر في عيناي وأخبرني الحقيقة ..صاحت به
رفع بصره من على الشاشة وتأملها ثم قال: أنتِ بالنسبة لي مجرد حشرة أسحقها بقدمي، بل إني أشعر بالغثيان عند رؤيتك، انا لا أهوى العاهرات، وأنتِ مجرد عاهرة في نظري، أما إيڤا فأجل أنا أحبها ..بل ما أشعر به تجاهه يفوق كلمة الحب ..حتى أني بت أعشق صغيرتها أيضا .. أما أنتِ لا مكان لكِ بيننا.
تفاجأ آدم من كلماته، هل هي مجرد كلمات أم حقيقة يود لو يستطيع أن يعترف بها لنفسه قبل الجميع ...إحمر وجه اليسيا من الغضب ونهضت من أمامها وهي تكاد تفتك به وصاحت به قائلة : ابنتها!!، كم أنت أحمق!! يبدو أن قدرك دائما أن تخدعك النساء، القديسة إيڤا ليست كما تدعي، وقصة ابنتها وزواجها غير حقيقية، إنها كاذبة، بل وأيضا تخفي عنك أمر لو علمته ستقتلع رأسها من فوق صدرها أيها العاشق.
قفز آدم من مكانه وصرخ بها : توقفي أيتها اللعينة، توقفي الآن.
ضحكت اليسيا بهستيريا وقالت : نعم أنا لعينة ولكني لست شيطانة فأنا لم أخفي حقيقتي يوما، ولم أروِ قصص ليست حقيقية والأهم من كل هذا لم أخفي حقيقة ابنتي عن أبيها ..ولم أضلله ..اذهب إلى زوجتك واسألها عماذا حدث في ليلة رأس السنة منذ عامين هنا في روما؟، إذهب إليها وستكتشف أنها كاذبة حقيرة.
ألقت بكلماتها في وجهه وهربت من أمامه على الفور، تاركة إياه يشتعل من الغضب ..
وقف آدم رأسه يكاد يسقط من قوة العواصف التي تعصف بداخله، ثم انطلق نحو غرفتها وهو يصرخ باسمها وبمجرد أن خرج من باب الغرفة ..كانت الدهشة أن وجد أمه لويزا تقف أمامه ..فغر فاهه ووقف قليلا لا يعي ماذا يحدث؟، ثم قال : مام ..ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟
وقفت تنظر إليه، وفي نفس اللحظة فتحت إيفا باب الغرفة وتفاجات عندما شاهدت لوي وٱدم ..
وهنا قالت لوي بحدة : إيڤا يجب أن اتحدث معك على الفور ..على انفراد.