مالت علي برأسها وقالت..
الخوف الفي عيونك ده ، خوف زول عامل عملة كبيرة.
رنا يمكن تكون مصدقاكِ.. بس أنا بعرف أقرا الوشوش كويس يا.. مروة صاح ؟..
لكن الغريبة لما ينادوكِ بالاسم ده ، عيونك بتزوغ، وكأنك بتسمعيه لأول مرة.
متأكدة الاسم ده بنادوك بيه في بيت ابوكِ؟.
كنت حاسة بلساني مربوط.. الكلمات جفت في حلقي.
من عيونها الكانت بتخترقني ، كأنها بتفتش في سر مدسوس. قالت لي بصوت واطي..
رنا قلبها رهيف ، وبتحب تلملم الحاجات المكسورة من الشارع.. بس أنا ما بحب الغموض.
إنتِ دخلتِ البيت ده برجل واحدة ، ولازم أعرف، إنك جاية من وين؟ ، وهربانة من شنو؟ ، قربت مني خطوة زيادة وصوتها بقى أوطى..
لأنو في حتات الناس بتدخلها غلط ، بس صعب تطلع منها بسهولة.
رفعت حواجبها وقالت ، فقبل ما الظروف تتكلم بدلك إتكلمي إنتِ.
بلعت ريقي بصعوبة ، حاولت أعاين ليها ، بس ما قدرت أثبت فيها نظري ، قلت ليها بصوت متقطع..
أنا.. ما هاربة من زول.. سكتت و كأنو الكلمة نفسها ما أقنعتني.
كملت بسرعة، قبل ما تسألني..
بس.. حصلت مشكلة في بيتنا ، و ما قدرت أقعد هناك.
كانت بتراقبني وكأنها عايزة تتأكد من صحة كلامي..
قلت ليها.. وما عندي زول.. ولا مكان امشي.. عشان كدا.. بقيت هنا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بشك.. مشكلة؟.. شكلها كبيرة شديد؟!.
للحظة حسّيت بصدري ضاق ، ما قدرت أرد.
قبل ما تقول أي حاجة تانية ، الباب اتفتح فجأة.
رنا دخلت بسرعة ، فهمت الجو المكهرب بدون ما تسألنا.
قالت ليها بنبرة ضيق في شنو يا ماما نفيسة؟..
ردت ليها بهدوء مستفز.. ماف حاجة بسأل في ضيفتك شوية أسئلة بسيطة.
رنا قربت.. وقفت بيني وبينها وقالت ليها بضيق..
ما محتاجة أسئلة خليها في حالها.. و قومي ارح.. مسكتها من يدها.. وقبل ما تطلع قالت لي..
اختاري ليك اسم ثابت في الأول عشان ما تتلخبطي.
رنا ردت ليها بسرعة.. "اسمها مروة… وده كفاية".
بعد طلعتها ، همست باسم مروة بصوت واطي.. مروة! ، لكن حسّيتو غريب.. ما شبهي..
فجأة حسيت ببرودة المكان بدت تمشي فيني..
"ماما نفيسة".. الاسم نفسه سبب لي قشعريرة. نظراتها ما كانت نظرات مرا كبيرة ووقورة ، كان فيها حاجة غامضة ومخيفة.
اتذكرت كلامها.. في اماكن الناس البتدخلها غلط، ما بتطلع منها بسهولة".
ضميت يدي لصدري ، وبقيت أهز في جسمي..
ياربي الأماكن دي قاصدة بيها البيت دا؟ ، و هل أنا هربت من جريمة عشان أقع في "مجهول" ألعن؟.
بعدها جات رنا و هي بتمسح في وشها بتعب ، وقفت ف راسي وقالت لي..
"أي زول يسألك ، تقولِ اسمك مروة بس" ، و ما تحاولي تشرحي ولا تفتحي سيرة لأي زول.
و نفيسة دي لو جاتك تاني ، اعملي نفسك نايمة، ميتة.. أي حاجة المهم ما تفتحي خشمك معاها.
كلامها خلاني أرتبك أكتر ، قلت ليها بصوت متردد.. رنا إنتِ بتعملي معاي كدا ليه؟ ، انا ما فاهمة حاجة ؟ و نفيسة دي منو؟ وكلامها عن الأماكن المابطلعوا دا شنو؟
في اللحظة دي..
ملامحها اتغيرت ، و شفت لمعة خفيفة مرت في عيونها، زي وجع قديم.
اتنهدت بهدوء ، و جات قعدت جمبي ف طرف السرير..
قالت لي.. صدقيني أنا ما بعمل كدا عشان حاجة...
بس في يوم من الأيام ، كنت في نفس مكانك.
عاينت ليها باستغراب..
ايوا.. كنت ضايعة ، خايفة ، ما عارفة أمشي وين ، ولا أثق في منو؟!.
و بغض النظر، إنتِ عملتي شنو؟ ، أو حصل ليك شنو؟
قلبي وجعني عليك لما شفتك ، ذكرتيني بنفسي ، و حسّيت بيك!.
للحظة حسيت بانه الكلام دخل فيني بطريقة غريبة..
كأنو أول مرة زول يشوفني.. من جوه.
قلت ليها بتردد طيب نفيسة دي أمك؟ ، اترددت لحظة بعدها قالت لي.. لا هي خالتي الربتني ، وتاني سكتت بس ما عارفة ليه حسّيت كأنه في حاجة ناقصة.
كملت بسرعة، كأنها عايزة تقفل الموضوع..
نفيسة طيبة بس طبعها كدا ، شديدة شوية وما بتحب الغموض ، و الحاجات المستخبية.
قلت ليها طيب والبيت دا.. ؟
فجأة نظرتها اتغيرت لحظة ، بس قالت لي.. بيت عادي زي الداخلية، ساكنين فيه كم بنت ، وكل واحدة في حالها و شغلها ، وما بنسأل التاني.
قبل ما اسألها تاني ، قالت لي..
"ما تخافي أي مكان غريب في الأول بتحسيه كدا فخليكِ هادية بس ، وامشي مع الأيام".
و "ما تكبّري المواضيع في راسك ، عشان ما تتعبي ساي".
قامت وهي بتمشي لسريرها.. يلا كفاية أسئلة يا مروة و اتغطي نومي.
بس الإحساس الجواي ما سكت.
بيت عادي زي الداخلية.. كررت الكلمة في سري..
لكن قلبي ما اقتنع.
________________
عِناب...
تاني يوم الضابط اتصل لفايز انه تقرير المشرحة الجنائي اكتمل ، وطلب منهم يجوا عشان يعرفوا المعلومات الأخيرة.
الجو في المكتب كان مشحون ، الضابط كان قدامه ، ملف اصفر كبير ، وصور فوتوغرافية كتيرة مُبعثرة ، من بينها صور للسكين ، وهي في كيس بلاستيك.
الضابط عاين ليهم بجدية وقال..
التقرير النهائي للبصمات والتشريح أكد.. انه السكين كانت في يد مريم، دي ما فيها شك.
اما الحاجة الأهم.. انه طريقة الطعنة ، وقوة الضربة وأثار العراك ، بتأكد إنها ما طعنته بطريقة هجومية ، هي كانت واقعة تحت ضغط جسدي كبير ، ودافعت عن نفسها بالحاجة الكانت جمبها عشان تبعدوا.
فايز كورك وهو مصدوم.. قصدك انه أخوي كان بعتدي عليها؟..الضابط رد ليه بإختصار..
ايوا.. وكدا القضية اتحولت من قتل عمد ، لدفاع عن النفس.
فايز قال بانكار و صوت متوتر.. لا.. لا مستحيل! فتحي ما ممكن يعمل كدا.
عمي عبدالرحمن نزل راسو بانكسار،كأنه في حاجة جواه انكسرت ، بعدها قام طلع طوالي..
أبوي دموعو بدت تنزل بدون صوت ، ما عارف يفرح لأنها بريئة ، ولا يحزن لأنو ما كان عارف الحاصل معاها.
في البيت..
كنت قاعدة في الصالة ، عيوني على الباب ، و قلبي ما مرتاح، كأنو عارف إنو في حاجة كبيرة جاية ، فجأة دخلوا واحد ورا التاني ، وشوشهم قالت كل حاجة قبل ما ينطقوا.
أبوي عيونو كانت حمرا كأنو كان بحارب دموعو طول الطريق.
فايز كان متوتر واضح عليه الغضب أكتر من الصدمة.
بقى يقول الكلام دا غلط ، أكيد في حاجة غلط!.
هيفاء قامت من مكانها بسرعة بقت تقول في شنو؟ حصل شنو؟! ، لكن ما في زول رد عليها مباشرة..
أنا كنت براقبهم ، وقلبي تقيل ، بس ما مصدومة زيهم.
لأنو جزء مني كان متوقع إنو الحصل ما كان عادي ، و إنو مريم ما ممكن تعمل كدا بدون سبب.
بس برضو..
الحقيقة لما اتقالت بصوت عالي ،كان وقعها تقيل على قلبي وعلينا كلنا..
بس الفرق.. إنهم هم كانوا لسه بحاولوا يصدقوا ،
وأنا.. كنت بحاول أستحملها.
الليل مرّ تقيل ، ما كان في كلام كتير، كل زول كان ساكت ، هيفاء كانت َ بتبكي في غرفتها، وفايز ما قادر يقعد في مكان واحد ، أبوي طول الليل ما قام من الكرسي ، و عمي عبدالرحمن من طلع تاني ما رجع..
أنا و عائشة ما كنا قادرين ننوم ، وفي راسنا كمية من الأسئلة..
تاني يوم..
ناس فايز مشوا يشوفوا عمتي بدرية..
الدكتور قابلهم وقال ليهم.. حالتها استقرت ممكن تطلع اليوم، لكن لازم راحة ومتابعة.
و فعلاً جات البيت ، ملامحها كانت مرهقة وذبلانة، لكن أخف من أول مرة شفناها فيها.. كأن جسمها قام، لكن عقلها لسه ما لحق.
رقدوها في الصالون ، ما سألت ، ولا علقت..
بس عيونها كانت بتعاين في المكان كأنها بتفتش عن حاجة ضاعت منها.
هيفاء جرت عليها، حضنتها وهي بتبكي.. حمدلله على السلامه يا أمي.. عمتي ما ردت ليها بنفس الحماس،
بس مسكت يدها بهدوء ، وهزت راسها كأنها بتتأكد إنها لسه موجودة.
الجيران بدوا يجوا يحمدلوا ليها السلامة ، بس كان واضح من نظراتهم إنهم عرفوا كل شيء ، حتى الحكايات البتتقال بالهمس.
في نفس الوقت الشرطة كانت مواصلة بحثها عن مريم،
لكن ما في أي أثر ليها ، كأنها فص ملح وداب.
مرت أيام على الوضع دا...
في الآخر أبوي قرر انو نرجع بيتنا ، قال لينا.. ما فضل هنا حاجة تتعمل ، ولا القعدة ح تغير واقع ، فالأفضل نمشي بيتنا ونتابع.
آخر اليوم جهزنا نفسنا و ودعنا ناس عمتي ، طلعنا وخليناهم براهم.
حسّيت إنو في صفحة كاملة من حياتنا اتقفلت بدون ما نحس بيها وهي بتتكتب ، بس الحاجة الوحيدة الكنت واثقة منها .. إنو قصة مريم لسه ما انتهت.
_____________
مريم...
مرت ايام ما فيها جديد حقيقي ، إحساس إنو الزمن واقف هنا.
كل يوم شبه التاني، نفس الغرفة، نفس الصمت، ونفس الأسئلة انا وين؟.
ماما نفيسة زي ما بتقول رنا ، من يوم ما جات وضايقتني بالأسئلة تاني ما جات الغرفة.
بعد ما صليت العشاء وقعدت أستغفر شوية ، رنا طلعت من الحمام وقعدت قدام المراية تسرّح شعرها بهدوء غير معتاد.
كنت بعاين ليها مستغربة من الهدوء البقي فيها الأيام دي.
سألتها بفضول.. رنا إنتِ قلتي إنك كنتِ في موقفي زمان .. كيف رجعتي لأهلك؟ وكيف واصلتي حياتك؟
وقفت المشط في نص شعرها، وسكتت لحظة..
كأن السؤال وداها لمكان بعيد شديد.
قالت لي بهدوء غريب..
ما رجعت ، زي ما إنتِ فاكرة.
قلت ليها كيف يعني؟ ، أخذت نفس عميق ، و قالت..
في حاجات.. الرجوع فيها ما بكون خيار أصلاً.
بتلقى روحك عايشة في مكان جديد.. غصب عنك، وبتتعلم تمشي معاه ، لغاية ما تنسي كيف كانت حياتك قبل.
كنت بسمعها ، بس ما فاهمة ، قلت ليها بإصرار خفيف... لكن كيف؟ يعني ما حاولتي؟ ما كان عندك زول ترجعي ليه؟
اتنهدت بضيق وكأنها بدت تتعب من الكلام ، بس حافظت على هدوئها...
دي حاجات كبيرة عليك يا مروة ، إنتِ لسه صغيرة على النوع ده من الفهم.
بس الفرق بيني وبينك .. إني وقتها كنت واعية.
شديت حواجبي أكتر وقلت.. واعية من شنو؟
ما جاوبت لي مباشرة ، سكتت لحظة طويلة ، وبعدين قالت...
واعية إنو الحياة مرات ما بترجع زي ما كانت ، وإن في لحظات لو اتعاملتي معاها غلط.. بتتغيري للأبد..
تاني ما سألتها، فضلت ساكته اعاين ليها!.
بعد خلصت قامت من قدام المراية ، فتحت الدولاب ، وبدت تطلع في ملابسها بسرعة.
اختارت فستان غامق بس أنيق بناسب جمالها وشكلها.
كنت براقبها و جواي احساس تقيل ، سألتها طالعة بالليل دا؟
ردت لي بسرعة.. ايوا عندنا حفلة ، م ح اتأخر.
قربت من المراية ، رسمت روج أحمر خفيف ، وعدلت شعرها ، كأنها زولة تانية تماماً غير رنا الهادية قبل دقائق.
شالت شنطتها وقبل ما تمشي ، وقفت لحظة على الباب، وقالت لي... اقفلي الباب كويس ، وما تفتحي لأي زول لغاية ما أجي.
فضلت واقفة أعاين في الفراغ و بحاول أرتب الكلام الفي راسي ، "كبيرة و واعية" ، كانت قاصدة شنو؟ ، وشنو الحاجات البتخلي الواحد "يتغير للأبد" ؟
مشيت قعدت على طرف السرير ، قررت أستناها ترجع يمكن لما تجي ألقى منها إجابة أوضح، أو حتى نظرة تخليني أفهم أكتر.
الوقت مرّ بطيء غريب ، كل دقيقة كانت أطول من التانية.
حاولت أنوم بس نومي كان متقطع شديد ، وكل ما اصحى مفزوعة أرفع عيني ناحية الباب ، ما القى حاجة .
لغاية قريب للأذان الصبح ، الباب اتخبط بقوة، خبطات متسارعة و مستعجلة .
قمت من سريري مخلوعة ، قلبي في يدي ، مشيت فتحت الباب بسرعة.
لقيتها مسنودة على الحيطة، جسمها ما ثابت، كأنها بتحاول توازن نفسها، وشعرها مفكوك و مبعثر كأنه مبلول بموية.
حتى فستانها كان ما مظبوط كويس ، اتجمدت في مكاني من الصدمة.
قلت ليها رنا؟!....
يتبع.....
