رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل العاشر10 بقلم مروه نصار

رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل العاشر10 بقلم مروه نصار
ماذا يحدث هنا؟، أخبريني لوي!!، ما الذي جاء بكِ إلى ماتيرا؟...ولماذا تريدين الحديث مع إيڤا؟...تحدث آدم بحدة شديدة .

نظرت له والدته وقالت بهدوء: بعد حديثي مع زوجتك، سأخبرك بكل شيء ..هيا إيڤا إلى الغرفة.

_ لااااا..لن انتظر، ستتحدثين أمامي ..صاح  بغضب .

أشارت له والدته بيدها أن يبتعد عن طريقها وقالت : لن يحدث، ولن أطيل في الحديث، لذا تنحى جانباً.

كانت إيڤا تقف في المنتصف تستمع إليهما، وقد انتابها دوار من شدة الخوف، يبدو أن أمرها قد كشف، لقد ألقت بنفسها إلى الهاوية، وباتت الآن محاصرة ولم يعد هناك سبيل للهروب، لقد سقطت وانتهى الأمر.

تقدمت إلى الغرفة مع لويزا في صمت، آآه كم هي منهكة؟، لم تعد قادرة على التحمل، تريد أن تلقي كل شيء عن كتفيها، تريد أن تصرخ ولكن هل يفيد؟

دخلت لويزا الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت صوب الأريكة وجلست عليها ثم قالت : أين حفيدتي ؟
تلعثمت إيڤا وشعرت أن الغرفة تدور من حولها والأرض تتمايل بها، لقد فاجئتها ولم تعد تملك سوى أن تقر بالأمر ...أشارت إلى الفراش حيث تقبع صغيرتها، نائمة كالملاك لا تعلم ماذا يدور حولها؟ .
_ جيد دعيها نائمة وتقدمي واجلسي بجواري، أنا وأنتِ بيننا حديث طويل،  ولا أريد أن يستمع أحد إليه ... قالت لوي بهدوء مخيف .

اقتربت ايفا نحوها وهي ترتجف وجلست على مقربة منها، منكسة الرأس، مذعورة مما قد يحدث ...تأملتها لوي برهة ثم قالت بنبرة حازمة: لماذا كذبتي؟ ولماذا اخفيتي عنا حفيدتنا كل هذا الوقت؟، ماذا تنوين فعله؟...لقد وثقت بكِ، أجل شعرت أن هناك خطباً ما ولكن قلبي كان يحدثني أنكِ صادقة، وأن هناك أمراً ما يخيفك، عيناي وقلبي كانا يريدان بشدة أن تكون تيرا ابنة آدم، منذ أن وقع بصري عليها وأنا أشعر بها، إنها من المغازية، تملك عيون أباها، بل أنها تشبهه كثيراً عندما كان طفلاً، ولكني كنت اكذب نفسي، فمن المستحيل أن تخفي أمراً كهذا، ولكنكِ فعلتي، لماذا اخبريني؟، لقد علمت بالأمر منذ عدة أيام وكدت أجن من التفكير، لماذا بحق السماء تفعلين هذا؟ 

رفعت إيڤا بصرها لأعلى ونظرت إليها وقالت: ألا تعلمين؟، هل أنتِ في حاجة لهذا السؤال؟، بالتأكيد أنتِ خبيرة بولدك، تعلمين كيف هو؟.

_ أخبريني كل شيء، اريد أن استمع إليكِ، ما زلت احاول ألا أكون قاسية حيالك، لذا لا تدفعيني لهذا، أنا أحاول أن اتغاضي عن فكرة أنني حرمت من حفيدتي طوال هذا الفترة، احاول أن التمس لكِ العذر، ولكن صعب أن أجده، لذا أريد أن استمع لروايتك أنتِ، بلسان حالك، ما الذي دفعك للتصرف هكذا؟.

صمتت إيڤا قليلا ..تحاول أن تستعيد رباطة جأشها، أن تتمكن من سرد الحقيقة بلا أي زيف أو تضليل ..شردت بعينيها وقالت: سأروي لكِ قصة آدم وإيڤا الحقيقية، لن أكذب أو أغير شيء، لعلني أرتاح بعد هذا ...
منذ قرابة عامين يزيد قليلا، كانت الشركة في حاجة إلى سكرتيرة مؤقتة لمدة أسبوع كامل..نظرا لتغيب السكرتيرة الأصلية بسبب وعكة صحية على ما أذكر، منذ عامان كانت إيڤا فتاة ساذجة حالمة تقضي معظم أوقات فراغها في قراءة الروايات الرومانسية،  تغوص في عالمهم، تؤمن بالفارس الذي سيظهر فجأة في حياتها ويخطف قلبها ويقعا سوياً في الحب، لم تكن من الفتيات الرخيصة أو السهل إيقاعهم، ولكنها في نفس الوقت  كانت تؤمن بالحب حد العبادة.. لم تكن تتوقع أنها عندما تجده ستصبح هشة وضعيفة إلى هذه الدرجة إلا عندما وقعت في حب الشيطان المصري آدم، كان هذا الأسبوع أسعد أيام حياتها، نظراته ...همساته ..تدليله لها...كلمات الغزل ..ملامسة الأيدي ..كل هذا كان كفيل بإطاحتها من على عرشها، ظنت أن هذا هو الحب، وأنها أخيراً وجدت من كانت تنتظره، تقابلا وتواعدا لمدة أيام، والليلة الأخيرة كانت رأس السنة..حفلة كبيرة ..شموع ..وشمبانيا وكؤؤس ..ومكان خاص لهما بعيد عن الأعين معد خصيصا لتلك المناسبة... كانت تظن أنه يفعل كل هذا من أجلها هي..  ولكنها أفاقت على حقيقة أنه معتاد على هذا، وأن النساء بالنسبة إليه ككؤؤس الشمبانيا عندما ينتهي من إحداهن ..يعود ويملأ كأسه بأخرى ..
تلك الليلة كانت الخطيئة الأولى ..والموتة الأولى لها..بمجرد أن وقعت تحت سحره ..وتنازلت عن نفسها من أجله..تحولت عينيه من شرارة الحب إلى لذة الإنتصار ..أصبح شخص آخر ..كما لو كان لا يراها، لقد حصل على مبتغاه وانتهى الأمر. .كم يبدو الحب أحمق؟، لقد لملمت أذيال خيبتها وابتعدت ..ابتعدت عن طريقه، لم تتمكن من رؤيته مع أخرى، لم تستطع أن ترى عيناه لا تعرفاها، يومها علمت أن النساء له مجرد لحظات وتنتهي .. وأن قلبه لا يوجد له باب محكم الغلق ..بل اغنه باب دوار لا يغلق على واحدة ..حينها ماتت إيڤا ..الفتاة الساذجة البريئة ..تحولت إلى أخرى أكثر استهتاراً..لم تعد تكترث بشيء ..حتى بنفسها، باتت أكثر رعونة وجرأة، لم تعد منغلقة على نفسها، لقد كانت تنتقم منه في ذاتها، تعددت علاقاتها ...وصداقاتها ...كان الرجال لها مجرد تسلية لا أكثر .. تتلاعب بهم وعندما يقعون في غرامها تلفظهم كالبركان عندما يلفظ الحمم... ثم اكتشفت حملها ..تدمرت أكثر. شعرت حينها أن عقابها لم ينتهي .. وأن روحها ستظل تكوى بنيران تلك الليلة ...ولكنها لم تتمكن من إجهاض الجنين...لا تعلم لماذا تمسكت به؟، لقد شعرت أن جزء منها يريده، يريد أن تجد من ينتمي إليها بدون شرط أو مقابل وخاصة أنها وحيدة ..ليس لديها أحد .. لقد ماتت أمها وهي صغيرة ..وعاشت مع أباها سنوات حتي توفي وهي مازالت في الجامعة ..عانت الكثير بمفردها ولكنها ظلت صامدة ..تعمل وتدرس ..لذا كانت تيرا هي فرصتها الأخيرة ..ولكن ظل الجرح عميق لا يريد أن يلتئم، لذا بعد ولادة ابنتها عادت تمارس حياتها السابقة ..لا تقبل بالحب ... ولا تسمح لأحد بلمسها أو الإقتراب منها..ولكنها تتلاعب بالقلوب ..وعندما تتأكد أنها ملكته تجرحه بنفس السكين الذي تم جرحها به من قبل ...تلك هي إيڤا الثانية التي انبثقت من رماد إيڤا الأولى ..وتلك التي ماتت في الحادثة وعادت للظهور من جديد إيڤا جديدة ..إيڤا الأم التي تخشى على ابنتها ...إيڤا الصديقة والتي تسببت في موت أعز صديقاتها ...وإيڤا المرأة التي لم تشعر قط بالأمان .
زفرت بقوة ودموعها تنساب على وجهها ونظرت للمرأة جوارها وقالت : هل تستطيعين تخيل شعور المرأة؟، عندما تلتقي بحبيبها الأول ووالد طفلتها وتكتشف أنه لا يتذكرها!!، اتدركين كم هذا قاسي؟، مؤلم !!، ومهين.

حدقت بها لويزا وتنهدت بألم ثم قالت : أنتِ تحبين ولدي، إنه بداخلك، أستطيع أن أشعر بحبك تجاهه ..
انهمرت الدموع من عيني إيڤا وقالت بحسرة : لا أستطيع...لا..لن يحدث ..إن مشاعري تجاهه خاطئة. لم يكن يجب على أن أقع تحت تأثيره، لم اتوقع هذا، ولكن حتى لو حدث لن أسمح به.

اقتربت لوي منها وقالت : لماذا حبيبتي؟، الأمر أصبح هين، أنكِ الآن زوجته وأم طفلته، لقد لعب القدر لعبته معكما، أراد أن يجمع بينكما ثانية، إذن هو قدرك مهما حاولتِ الهروب، لقد اختاركِ أنتِ من بين مئات الفتيات ليتزوجك ..لقد وضعكِ الله في طريقه حتى تجتمعا ثانية ..لذا لا تقسي على قلبك ..دعيه يشعر بالسعادة ..فأنتِ تستحقينها.

شعرت إيڤا أن مطرقة كبيرة تهوي على رأسها، الآلام شديدة تجتاحها، وتردد كبير ولكنها عزمت على أن تنتهي من كل شيء دفعة واحدة، ارتجفت شفتاها وفاضت ملامحها بالقلق وهي تقول : ليس هذا فقط كل ما يجب أن تعرفيه، هناك أمر ما قد يغير رأيك هذا.
حدقت المرأة بها في دهشة وقالت : ماذا؟ 
**********************

صعدت إليسيا إلى غرفتها تجمع اغراضها، لقد ألقت بقنبلة ولا يجب أن تنتظر وتري دويها، ستبتعد يومان وترى ما سيحدث؟، فتحت خزانتها وبدأت تحزم اغراضها عندما رن جرس هاتفها ..نظرت إلى الشاشة ثم أجابت : 
هالو مارتن ..كيف حالك ؟ 
_ بخير عزيزتي، هل كل شيء على مايرام؟
_ لا أعلم ..سأنتظر إلى أن أرى النتيجة..لقد رميت الطعم وهو التقطه ..
_ لا تقلقي عزيزتي، حتى لو لم يحدث شيء، هناك أمر آخر قد يفعل .
_ ماذا تقصد عزيزي ؟
_ أنني أملك بين يداي الآن فلاشة بها مشهد غرامي ساخن. اعتقد عندما تراه العروس ستتراجع عن تلك الزيجة على الفور ..وليكن هذا الكارد الأخير في اللعبة .
_ لا أفهمك يا عزيزى عما تتحدث؟ .
_ ليس الآن، ولكن يجب فقط أن تعلمي أن هذه الفلاشة لها مقابل .
_ وما هو ؟
_ أنتِ .
***********************

جلس آدم في مكتبه بعد أن ظل يذرع الممر الذي أمام باب الغرفة ذهاباً وإياباً ...وعندما طال الأمر ..دلف داخل المكتب وجلس وقد التهمت مشاعر الغضب صبره، وأصبح كالجالس على سطح ساخن لا يتمكن من الصمود ..ظلت كلمات اليسيا تدور في رأسه كالدوامة..تبتلعه بداخلها، عقله كان يسحق بمطارق الشك والحيرة، وقلبه كان يريد أن يصم أذناه عن كل هذا، وان تظل إيڤا كما يراها هو، وليس كما قيل عنها.
ابتلع مرارة الغصة في حلقه وظل يعيد في ذهنه كلماتها التي عكرت المياه الصافية، ثم نظر في ساعة يده، وعندما وجد أن قد مر حوالي ساعة على جلوسهما سوياً..نهض من مكانه واتجه نحو الخارج إلى غرفتها، لم يحاول الطرق ولا الاستئذان بل كان أشبه بهجوم كاسح لكل ما داخله، دلف بسرعة للداخل وهتف بدون انتظار قائلا : يكفي هذا، لم أعد احتمل الانتظار .
ثم توجه بعينيه إلى إيڤا وقال بحدة : سؤال واحد ومش عايز كذب، تيرا بنت مين ؟ .
نهضت إيڤا من مكانها ونظرت له بصلابة وقالت بثبات : بنتك .
انتفض آدم وتراجع إلى الخلف في ذهول وعيناه تدوران في عدة اتجاهات ثم قال: أنتي كذابة .

همست إيڤا بالايطالية حتى تستطيع لويزا فهم كلماتهم: لست كاذبة، تيرا ابنتك، وإذا أحببت أن تجري اختبار يمكنك فعل هذا .
_ كيف؟، كيف حدث هذا؟، أنا ... أنا لا استطيع تصديق ما تقولين .

_ ولكنها الحقيقة...أجابت والدته بهدوء ..ثم أردفت : اجلس وسأحكي لك كل شيء .
نظر لها ولدها وقال : أكنتِ تعلمين هذا الأمر من قبل !!

أطلقت لوي تنهيدة وقالت : عندما رأيت الطفلة شككت بالأمر، ولكني ارسلت من يتقصى حقيقتها، وأخيراً علمت أنها حفيدتي منذ عدة أيام .
حدق آدم بإيڤا شزراً، وخطا نحوها خطوات سريعة وقبض على ذراعها بقوة وصاح بها قائلا : أيتها الحقيرة، ما الذي كنتِ تنوين فعله؟، هل تعمدتي هذا حتى تقومين بابتزازي؟، لن تفلحي، لن أسمح لكِ.
نهضت والدته من مكانها وأمسكت بذراعه وقالت : أنت الحقير وليست هي، أنت من تسببت بكل تلك الفوضى، أنت من تلاعبت بفتاة بريئة عذراء، ثم تركتها، والأسوأ أنك حتى لم تتذكرها، أي حقارة تتحدث عنها!!، وأي ابتزاز!!، إنك حتى من طلبت منها أن تتزوجك، وقمت بتهديدها، من أنت؟، كيف تكون ولدي؟، هل هذا ما قمت بتربيته عليه؟.

وقف آدم يستمع لكلمات والدته القاسية وهو يتلوى من الألم الذي يجتاحه، وعندما ختمت لوي كلماتها وقالت : إنها زوجتك أم ابنتك، هكذا هو الأمر، يجب أن تفهم هذا، وتعلم أن هذا الزواج سيدوم وأن كل شيء سيتغير بما فيهم أنت.

ظل صامتاً ثم رفع رأسه ونظر إلى إيڤا وقال : الزواج سيتم ولكن احذري فلن اجعلك تهنئين، وابنتي ستكون معي وأنتِ قريبا ستكونين خارج حياتنا .
أنهى كلماته وغادر الغرفة إلى الخارج واستقل سيارته وانطلق بها نحو الجبل .

بينما وقفت إيڤا مع لوي وقد سيطرت عليهما حالة من الذهول، ولكن لوي استجمعت نفسها أولاً وقالت : لا تقلقي سيهدأ، إنها فقط الصدمة.
تنفست إيڤا ببطء وقالت : لم يعد يهم، فيبدو أن ما قاله هو الحل الوحيد. 
اقتربت منها لوي وقالت : هل ما زلتِ لا تريدين البوح له بالحقيقة كاملة  ؟
اماءت إيڤا برأسها وقالت : نعم، ليس هناك فائدة، لن يغير من الأمر شيء، بل على العكس قد يزيد الأمور صعوبة، سألتزم بالاتفاق إلى النهاية، وسأظل اعاقب نفسي على الوقوع في حبه طوال العمر .
ربتت لوي على كتفها وقالت : عزيزتي لا تقسي على نفسك، قد يكون للقدر ترتيب آخر، فقط اصبري ولا تقلقي أنا بجوارك.
************************

 أوقف المحرك وترجل من السيارة، واقترب من الحافة وعينيه شاردتان في الفضاء من حوله ...براكين تتقاذف في صدره، وألسنة من اللهب تلمع في ظلال عينيه، إنها المرة الأولى التي يشعر بكل هذا الألم، قلبه يصرخ من الداخل، يتمزق بنيران الغضب والخديعة، لقد خدعته، أخفت حقيقتها عنه، جلست تروي قصة وهمية عن حياة عاشتها، وسقط هو في براثن براءتها، ظن أنها عفيفة الجسد والروح، ولكنها ملوثة ..ملوثة كمثيلاتها، لا تعرف للشرف عنوان ...كيف استطاعت أن تتلاعب به؟، لقد تغلبت على اليسيا، إنها حرباء متلونة، حية زحفت ببطء نحوه، التفت حول قلبه ثم سحقته.
حاول أن يعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، يقدح زناد فكره لعله يتذكر تلك الأيام مع هذه الفتاة، كانت ذاكرته مشوشة، غير واضحة، فهو لم يعتاد أن يحفظ الوجوه ولا الاسماء، مجرد أن يرى وجه جميل وجسد مغري كان يلاحق صاحبته حتى تقع في شباكه، لم يحدث أنه خدع أياً منهن بأسم الحب، ولا قام بتضليل أي امرأة، فقط المتعة كانت غايته، وسمعته تسبقه في هذا، الكل يعلم عنه أنه طائر بلا عش، يحلق دوماً ولا يستقر في مكان، فلو كانت بريئة كما ادعت كيف سلمت له نفسها؟، كيف تهاونت في شرفها بسهولة؟ ....
آاهة...نيران تشب في صدره، عقله يصور له العديد من الأفكار التي تفتك به، خيالات لها وهي بين احضان العديد من الرجال غيره، فمن تفعل هذا معه؟، ستفعل مع غيره.
لاااا، صرخة من قلبه تردد صداها في المكان، ضيق عينيه ونظر في نقطة محددة وعقله يرسم له سيناريوهات كثيرة لطرق الانتقام منها.
***************************

وقفت إيڤا في الحديقة تنظر إلى المدرجات التي حولها، تتذكر اليوم الذي مضى، عندما صعدا إلى الجبل، وتبادلا قبلتهما هناك، لقد استطاع أن يفتنها به، والآن انقلب الامر تماما، لا تعلم هل سيتمكن من التغلب على الأمر أم لا؟، ولكنها تعلم أنها لن تسامح نفسها على فعلتها، كيف تسمح له بالتسلل إلى قلبها؟، بعد كل ما حدث منه.
كيف استطاعت تقبله؟، والتغاضي عن حقيقته، ااه لقد تخاذلت كثيرا، وعادت مرة أخري خالية الوفاض.

ظلت شاردة برهة من الوقت حتى سمعت صوته الغاضب وهو يقول : أهلا ً بالهانم، برافو عليكي ، احييكي على براعتك في التمثيل ، أنا صدقتك، تخيلي آدم المغازي صدقك، عرفتي تلعبي دور الضحية كويس وبرعتي فيه . ..بس للأسف اللعبة اتكشفت ..والقناع وقع من على وشك البريء.
التفتت نحوه وقسمات وجهها تشتعل بالغضب وصرخت به قائلة : أنت حيوان.
ضاقت عينيه وكسا وجهه تعابير الدهشة وقال : أنتي اتجننتي!!.
صاحت : لاا. . أنا عاقلة وعارفة بقول ايه... أنت حيوان، كل اللي يهمك نفسك وبس، عمرك فكرت في بنت من البنات اللي ضحكت عليهم حصل لهم ايه، عمرك فكرت أنت وجعت كام قلب، كسرت كام واحدة حبتك ، وإلا كل ده مش مهم .. أنت بتعاتبني على ايه، عشان كنت غبية وحبيتك، عشان ضعفت معاك وفي لحظة غلطت غلطة لسه بدفع ثمنها، كنت عايزني اعمل ايه، أنت حتى مش فاكرني، مش فاكر أنا مين.

_ احسن إني مش فاكر، لأني مش بفتكر اللي زيك، وموضوع الحب والبراءة حاولي تلعبي غيره، الكل كان عارف أنا مين، وبعمل ايه، عمري ما خدعت واحدة ..فبلاش تحاولي تعيشي الدور .. وتوهمي نفسك والناس بكذبة كبيرة.
صمتت إيڤا وقلبها يدق بعنف، لم تعد تملك الكلمات ..كما أنها ليست بحاجة إليها، فمهما قالت لن يجدي نفعا معه ..التفتت عنه وعادت تنظر إلى المدينة، وقد خانتها دموع هاربة من عينيها، وقفت والحسرة كالعلقم في فمها، تتجرعها ببطء، وهي تحاول أن تظهر تماسكها وثباتها.
رمقها آدم بسخط وهو يتجرع ويلات هزيمته، ثم قال : السفر في خلال ساعة ..هنرجع روما .
★★★★★★★★★★★

صباح اليوم التالي 
نهضت من الفراش بعد صراع طويل مع الأرق، انتهى بهزيمتها، ولم تتمكن من النوم سوي ساعتان متقطعتان من كثرة التفكير فيما سيحدث، لقد عادوا مرة أخرى إلى روما، وها هي في غرفة طفلتها بجوارها، لم يعترض أمس عندما انسحبت إلى الغرفة المجاورة بدون أي كلمة ...بل أنه عاد مرة أخرى إلى طبيعته، لم يعد يراها، كما لو كانت سراب، مجرد ظل لا يكترث له.
جلست بجوار طفلتها تداعب وجنتها، ثم التقطت ملابسها ودلفت للغرفة الأخرى حتى تحصل على حمام بارد يزيل حالة الخمول والإرهاق التي تصاحبها منذ أمس.
**

التقطت أذناه صوت باب غرفتها، ولمح بعينيه الشبه مغمضتان تسللها نحو الحمام.
نهض من الفراش بعد ليلة طويلة لم يدق النوم فيها بابه، ظل طوال الليل يصارع أفكاره، بل والاسوأ يصارع ذاته على التماسك وعدم الفتك بها ...لا يعلم لماذا هذا الحظ التعس؟، الذي يصاحب قلبه عندما يسقط في الحب..
ما الذي يحدث له ؟، دوما يصاحبه سوء الإختيار.
كلهن عاهرات ..حتى البريئة فيهن مجرد عاهرة بثوب قديسة .. تحولت عيناه على باب غرفتها..ودق قلبه سريعا للذهاب إلى هناك ..وبلا تفكير تحرك إلى هناك حيث يقبع جزء منه ...قلبه الصغير.
دلف إلى الغرفة وجلس على الفراش يتأمل ملاكه النائم، كم أشتاق إليها؟، بعدما علم ليلة أمس أنها طفلته ..ود لو يستطيع أن يهرع إليها ويحتضنها بقوة..ولكن كبريائه حال دون هذا، تلك هي المرة الأولى التي تقع عينيه عليها منذ ما حدث أمس.
أطلق تنهيدة طويلة من صدره، وداعب أناملها الصغيرة.. ظل يقبلها برفق ثم همس لها قائلا: لن أخذلك أبداً، ستكونين دوماً الأولى والأهم في حياتي، لن أدع أي مكروه يصيبك، أنتِ جنيتي الصغيرة، ملاكي البريء.

عاد يتأملها وهو يكاد يجن، كيف لم ينتبه من قبل؟، أن الشبه بينهما كبير، إنها ابنته ليس بحاجة إلى اختبار، أن كل ذرة في جسده تخبره بهذا الآن ..نهض من جوارها بصعوبة قبل أن تعود إيڤا وعاد إلى غرفته وهو يقسم أنه سينتقم منها على ما فعلته، والأهم على حرمانه من طفلته .
******************

مرت فترة الظهيرة وإيڤا لا تبارح غرفتها،  تقبع بها مع طفلتها، طوال الوقت شاردة لا تتحدث، فقط تشاهد تيرا وهي تلهو بألعابها مع المربية..وقلبها يتمزق من فكرة الابتعاد عنها فهي تتوقع أي شيء من آدم الآن. 
أفاقت من شرودها على طرقات الباب، والسيدة لويزا تدلف إلى الداخل ...جلست معها ومع الصغيرة تداعبها قليلا ثم قالت لإيڤا : هيا اتبعيني.

سارت خلفها إلى الغرفة الأخرى، وخرجتا إلى الشرفة، وجلستا هناك بمفردهما ...ثم تحدثت السيدة لوى قائلة : هل تستسلمين!!
_ إني مرهقة، لم أعد احتمل المقاومة، أشعر أن جسدي منهك كما لو كنت أحاول إزاحة جبل من مكانه...لم أعد أريد سوى الهدوء...فقط الهدوء.
تأملتها المرآة وقالت : وحياتك، وابنتك، وحبك !!، كل هذا ألا يستحق المقاومة، أن تستمري في المحاولة حتى النهاية، حتي تفوزي بكل شيء.
أجابتها إيڤا بنبرة تحمل المرارة وقالت : أفوز!!، أين الفوز، أنا أحاط دوما بالخسارة، والفقد، والوحدة، حتى في الحب خسرت أول من أحببت، أنا لا أملك أي شيء الآن اقاوم به ..لا أملك العزيمة ولا القوة لهذا.
شردت لوي بعينيها وقالت بهدوء: المرأة الضعيفة ..امرأة غبية، لا تستحق الحياة ، لقد كتب لنا أن نكون نحن الاقوى حتى ولو لم يعترف أحد بهذا، نحن من نحتمل كل شيء، نحن من نعبر الصعب ،نحن من نلملم الشتات ونجمعها سويا، ونحن من نستطيع تحقيق كل ما نعزم أمرنا عليه، هل شاهدتي من قبل امرأة وضعت رجل في رأسها ولم تحصل عليه!!، هل شاهدتي أسرة كانت قائدتها امرأة وتفككت.
كوني على ثقة من قوتك عزيزتي، أنتِ أقوى منه بكثير، لديك كل أسلحتك، وهو لا يملك سوى كبريائه وعناده وقسوته، وكل تلك الأشياء سهل تحطيمها بنظرة واحدة...فقط اتبعي حدسك ...ولا تستسلمي هكذا، أنا لا أريد كنة ضعيفة، لقد أحببتك وأنا على يقين أنك المرأة التي يحتاج إليها ابني، أنا أعلم هذا وهو يعلم هذا ولكنه فقط مجروح ويحتاج بعض الوقت ..لذا آن الآوان أن تعلمي أنتِ هذا ايضا، وتتعاملي على هذا الأساس ...أما السر الأخر ..فلو قررتِ الاستمرار سينكشف بالتأكيد ولكن ننتظر قليلاً..يكفي آدم مفاجات إلى الآن.

حدقت بها إيڤا وقالت : ماذا أفعل إذن؟

أجابتها لوي وقالت : تنهضي من سباتك، لدينا حفل زفاف ولا يوجد ثوب للعروس وهناك العديد يجب أن يتم إنجازه في أضيق وقت، لذا تجهزي، سنخرج سوياً للتبضع، وستحصلين على أجمل ثوب زفاف في ايطاليا كلها.
سنخطو خطوة خطوة معا، حتى تستعيدي آدم ..وتصبح أسرتك معاً ثانية ..فقط اتبعي تعليماتي..والأهم من هذا عودي إيڤا المرحة القوية ..دعيه يرى ما أحبه فيكي ثانية ..حتى يدرك ما سيخسره لو ابتعدتي عنه .. فهذا ما جذبه إليكي..قفي في وجهه ولا تستسلمي أنا أعرف ابني جيداً..لا يحب النساء الضعيفة بل يستمتع عندما تقول المرأة في وجهه كلمة : لا ..حتى لو أظهر غير ذلك ..العبي معه لعبة المشاكسة ..القط والفأر ..وسيعود إليكي. لن يقوى على ترككِ تضيعين من يديه ..فقط تعلمي أصول اللعبة ..والآن هيا لنستعد للقادم فأمامنا الكثير .
تعليقات



<>