
أتعلمين!!، ظننت يوما أنكِ من سترممين الشروخ التى تعلو جدار روحي، ستصلحين كل الخراب الذي لحق به، ثم تنقشين حروف اسمك عليها كجائزة لما فعلتيه، ولكن ..لم تفعلي، لقد سلمتكِ بيدي مفاتيح مدينتي المهجورة كي تسكنيها...وتعيدي تزينها من جديد ..ولكنك لم تحضري الطلاء ..لم تقومي برأب الصدوع ..بل أحدثتي فوضى تفوق الجميع ..وحطمتي ما تبقى من انسانيتي ..وفي الأخير وصمتي قلبي بصك الانتقام ..فكيف ستهربين؟ .
حدق بها آدم طويلا وبداخله حديث طويل لا يتمكن من تركه ينسل من تجويف قلبه، لا يجب أن يجعلها ترى ماذا فعلت به؟، يكفيه أن يريها عقابها على ما اقترفته.
جلست إيڤا تبادله النظرات وبداخلها صرخات امرأة تريد التحرر، الخروج من قوقعتها، البوح بكل شيء ..لعلها تجد حريتها ..ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت : بلاش يا آدم..بلاش ...
ابتسم ساخرا وقال : بلاش إيه !! .
_ بلاش تضيع اللي بينا، بلاش تهد كل حاجة حلوة بسبب غرورك وانتقامك اللي مالوش معنى ...أجابته بمرارة .
انطلقت ضحكات من حنجرته يشوبها مذاق المرارة ثم قال : مالوش معنى !!...تحرك ببطء وجذب بيده مقعد خشبي ثم وضعه معكوس أمامها وجلس في مقابلتها وهو يقبض بيده على ظهر المقعد وأردف : تفتكري انه مالوش معنى!! .
أجابته بثقة : أكيد ..انت نسيت كل حاجة حلوة بينا حقيقية، ومسكت في ذكريات قديمة كان ليها ظروف مختلفة، كل حاجة فيها كانت مختلفة. حتى إحنا.
تأرجح بالمقعد ببرود وقال : اممممم، يعني انتي شايفة انك تكذبي عليا وتخبي إن كان في بينا علاقة قديمة، وان كمان ليا بنت منك ده عادي، إنك تدعي العفة والشرف وتمثلي دور الضحية ده طبيعي، انك تحكي قصة عن عيلة ابوكي الطماعة اللي أجبروكي على الجواز وهربتي منهم حاجة بسيطة ..لا وفي الآخر تصوريني في دور الشيطان اللي انتهك براءتك وغرر بيكي ورماكي مجروحة كل ده حاجة تافهة صح ..متستاهلش اني أحس بإنك خدعتيني..ولا إنك دمرتي كل حاجة حلوة بينا ..والأهم إنك ...
ثم التزم الصمت، لم يتمكن من نطق الكلمات، كيف يخبرها أنه أهداها أغلى ما يملك؟، ولكنها لم تكترث، بل لقد سحقت هديته تحت قدميها، كيف يخبرها عن مدينته التي دمرتها ثم أشعلت بها النيران؟، لقد أشاعت الفوضى ..فلتتحمل ما صنعت يداها.
حدق بها في صمت لم يلفظ الكلمات ولكن عينيه باحت بالكثير، اقتربت منه إيڤا ولمست يديه برقة وقالت : صدقني يا آدم كل اللي في دماغك غلط، عارفة اني خبيت عنك حاجات كتير، بس صدقني عمري ما تخيلت أن الوضع بينا هيكون كده، انت أجبرتني اني ألتزم بالاتفاق بعد الحادثة، وهددتني اني ماينفعش اتراجع، إفتكر كويس...أنا لما وافقت كنت ناوية أدخل بيتك وأخرج بعد ما المدة تخلص من غير أي حاجة ..ماكنتش متخيلة اننا هانقرب لبعض ولا ...ولا إن ..تلعثمت لم تتمكن من إخباره أنها سقطت في حبه ..أردفت قائلة : أنا ما خدعتكش يا آدم، اللي حصل زمان حصل وخلص، وانت نسيته، وأنا مكنتش ناوية أفكرك بيه، ولا حتى أرمي بنتك في وشك وأقولك شيل معايا، إنت ماطلبتش بنت، لأنها أكيد بالنسبة ليك غلطة، لكن ليا كانت هدية، حياة جديدة مسحت كل اللي فات من حياتي.. إنسانة أعيش عشانها، وجودها ادى لحياتي معنى وهدف .. صدقني أنا بس كانت نيتي أنفذ الاتفاق وأمشي ..لكن كل حاجة اتغيرت فجأة.
صفق بيديه وقال بسخرية : برافو ...إنتي كل مرة بتتفوقي على نفسك، بتقدري تمثلي دور البنت البريئة ببراعة شديدة تتحسدي عليها، لدرجة اني قربت أصدقك ..بس نسيتي حاجة صغيرة ..انك بتتعاملي مع المغازية يعني تاريخك من يوم ما اتولدتي لحد اللحظة دي طبيعي هيكون عندنا وطبيعي هنكتشف ان تيرا بنتي ..وده اللي كان مقصود ..لعبة لعبتيها عشان لما نعرف، تمثلي انك مش في دماغك انك تطالبي بأي حاجة ، وانك أم مثالية بتربي بنتك بنفسك ومش بتطالبي أبوها بحاجة لأنه شخص عديم الشرف والإنسانية .
_ ياااه يا آدم ..إنت عكست كل حاجة بمنتهى البساطة ..لفظت الكلمات بنبرة ممزوجة بالمرارة والحزن .
نهض من مكانه وقال وهو يغمز بعينه: إحنا اتكلمنا كتير، وأنا مش جاي أتكلم.
هتفت به وقالت : بلاش ..صدقني يا آدم لو نفذت اللي في دماغك هاتخسرني .
ابتسم بخفة وقال : صدقيني إنتي لو قعدتي تتخيلي من هنا لأسبوع جاي مش هاتقدري تتوقعي اللي في دماغي، ولا اللي ناوي أعمله فيكي ...بس الأول نقفل الستائر الكتير دي عايزين شوية خصوصية.
تحرك آدم في الحجرة الكبيرة التي تمتليء جدرانها بنوافذ كثيرة ..حتى تشاهد الجزيرة من كل جانب ..وبدأ يغلق الستائر واحدة تلو الأخرى .
أما إيڤا فكانت تجلس وعقلها يحاول التفكير في طريقة للخلاص منه ولكنها لم تتمكن من إيجاد حل، وبدأ الذعر يتملكها وبلا وعي وهو يدير لها ظهره خلعت الحذاء، وأمسكت ذيل ثوبها الكبير وأطلقت ساقيها للريح وهرعت من الغرفة هاربة.
التفت آدم خلفه وشاهدها وهي تهرب من الباب، فذهب خلفها بهدوء وهو يعلم أنها لن تبرح المكان ، لقد خطط لكل شيء جيدا.. ولذلك قرر تأجير جزيرة منعزلة ..لكي لا تتمكن من الهروب منه مهما حاولت.
انطلق في أثرها وهو يشاهدها تركض سريعا، تحمل أطراف ثوبها الضخم ، ولكن رغم ذلك لم يعرقلها، ظلت تركض حتى خرجت من البيت وهرعت نحو الشاطيء ..عند مرفأ اليخوت ولكن خاب ظنها عندما وجدته فارغ ...وقفت على الممر الخشبي والصدمة تعلو وجهها، لا تستطيع التفكير في حل آخر.
ثم جاء صوته من الخلف بنبرة ساخرة سوداء وقال : تفتكري انا بالسذاجة دي!!، اليخت ليه مواعيد أنا اللي محددها، غير كده احنا لوحدنا أنا وانتي بس مافيش مخلوق يقدر يطلع من الجزيرة إلا بأوامري.
التفتت بجسدها وأصبحت في مواجهته وقالت وهي تشعر بأن هناك شوكة في خاصرة كبريائها وكرامتها المهدورة : هاصرخ واخلى فرانشيسكا وجوليانا يجوا ..
ابتسم بخبث وقال : ماحدش هايسمعك هنا ..وتصدقي كويس اننا غيرنا المكان ..البحر والشط حاجة رومانسية أكتر، مكان واسع ومفتوح ولينا لوحدنا وماحدش شايفنا.
كان يتحدث وهو يتقدم نحوها ببطء وهي تتراجع للخلف ..ثم قالت وشفتاها ترتجفان : إبعد يا آدم عني ، صدقني مش هاسيبك تلمسني ..إبعد أحسن أو هارمي نفسي في البحر.
همهمة ساخرة منه بأنها لن تفعل ..ولكنها أردفت بحزم : والله هارمي نفسي ..أقف بقولك.
ولكنه لم يكترث ولم يعر أي اهتمام لحديثها، اقتربت من حافة الجسر الخشبي ...ونظرت إلى الأسفل ، صفحة المياه تبدو كالمرآة ولكنها عميقة وهي لا تستطيع السباحة ولكن هل هناك خيار آخر !! ..
ألقت عليه نظرة أخيرة وهو يقترب منها وقالت بصوت منخفض : أنا حبيتك بجد.
التقطت أذنه كلماتها بصعوبة وهو يراها تبتعد للخلف هي تنظر في عينيه ثم سقطت في المياه .. ركض نحو الحافة يبحث عنها في المياه ولكنها لم تظهر ، ابتلعتها المياه، ثوبها الثقيل جذبها إلى الأسفل كما لو كانت مقيدة بسلاسل حديدية ثقيلة ..
وقف آدم لحظات عينيه لا تعي أنها فعلتها بالفعل، تجمد عقله وجسده ثم عندما انتبه من صدمته، ألقى بنفسه خلفها في المياه وغاص في العمق وهو يشاهدها تنتفض بقوة وتغوص إلى الأسفل...انطلق نحوها بسرعة وقبض على يديها وحاول أن يجذبها إلى الأعلى، ولكن الأمر كان بالغ الصعوبة مع وزن هذا الثوب، استمر في المحاولة حتى استطاع أخيرا أن يرتفع بها لأعلى ولكن جسدها كان قد سكن عن الحركة ولم تعد تقاوم المياه.
أخيرا استطاع الوصول للسطح وشهق بقوة وهو يستعيد الهواء في رئتيه، ثم مزق سحاب الثوب وخلعه عنها حتي يتمكن من حملها والخروج بها من المياه ..وتركه يغرق في القاع.
خرج من المياه يحملها ثم وضع جسدها على الرمال ..وبدأ يقوم بالاسعافات لها ..ضغط عدة مرات على صدرها ..ثم بدأ يدخل الهواء إلى فمها بفمه ( قبلة الحياة ) ..ولكنها لم تستجب ..كرر المحاولة عدة مرات وهو يضرب على صدرها في ذعر، وعينيه متعلقة بوجهها تنتظر أن ترى أي بارقة أمل .. أما قلبه فلم يكن قادر حتى على تحمل نبضاته .. لحظات مرت طويلة عليه ..إلى أن انتفض جسدها فجأة.. وبدأت في السعال والمياه تخرج من فمها ..
جلس آدم يراقبها والحياة تعود إليها، يتأمل ملامحها النابضة ..ما زالت تملك نفس القوة التي تزلزل كيانه بمجرد النظر إليها .
استعادت وعيها أخيرا ولكن لم تستعد قوتها كانت تشعر بالوهن الشديد .. فتحت عينيها ببطء شديد ورأت ملامح وجهه التي تفيض بالذعر والقلق ...
تأملها بترقب...كم تبدو هشة!!، ضعيفة ..هادئة ..لم يتحدث فقط حملها في صمت وضمها بقوة إلى صدره وعاد إلى البيت ..
كانت قطع الملابس التي ترتديها رقيقة جدا لا تخفي سوى القليل من جسدها المبلل العاري، يلتصق به رمال الشاطيء ..صعد إلى غرفتهما وسط ذهول ونظرات فرانشيسكا وجوليانا اللتان كانتا تقفان في باحة المنزل تتابعان ما يحدث ..
ثم وضعها في مغطس الحمام وفتح المياه الفاترة على جسدها ..وغادر لمدة دقيقة وعاد بيده منشفة كبيرة وضعها جانبا ثم نزع عنه قميصه المبلل ..وجلس بجوارها على الأرض يضع المياه على جسدها ويزيل الرمال عنه بيديه ..
كانت راقدة في صمت مازالت تحت تأثير الصدمة ..تشعر أنها ماتت وعادت للحياة ثانية ..تستعيد مرات ومرات في ذهنها ..امتلاء رئتيها بالمياه .. ومقاومتها التي بات معها من المستحيل أن تعود وتطفو ثانية، اختناقها وشعورها بتسرب الحياة منها وهي عاجزة لا تتمكن من النجاة ..محاصرة بمياه وثوب ثقيل يجذبها لأسفل ...كادت تفقد حياتها بسبب تهورها ..وذعرها ..لقد كانت ضعيفة لم تتمكن من مواجهته ..فلجأت للهروب وكادت تدفع ثمنا غاليا مقابل هذا الجبن.
لم تكن تعي ما يدور حولها؟، تشعر ببرودة تتسرب إلى أطرافها ، لم تلحظ أنها بلا ملابس إلا القليل منها، عينيها تائهتان لا ترى سوى مياه من كل جانب ..لمسات رقيقة على جسدها المنهك بدأت تعيدها إلى الواقع ...ثم شعرت بيد تتسلل خلف ظهرها تحاول فك القطعة العلوية من ملابسها، تصلب جسدها وانتبهت لما يدور حولها ..حاولت أن تبتعد ولكنه كان أسرع وسقطت عنها .. أفاقت إلى وجه آدم يحدق بها، والمياه تغمر جسدها ..وبلا وعي بدأت في الصراخ وهي تحاول الهروب من المياه والابتعاد عنه بيد .. وباليد الأخرى تخفي جسدها ..كانت مشتتة لا تدرك أنها خرجت من المياه بالفعل وأنها في المنزل ..حاول آدم تهدئتها ولكنها ظلت تدفعه بعيدا حتى احتجزها بين ذراعيه وضمها بقوة إلى صدره وهو يمسد ظهرها بيده ، يحاول ان يهدأ روعها ويهمس في اذنها : متخافيش إنتِ في البيت، إنتِ في أمان ..ماتخافيش .
حرارة جسديهما جعلتها تهدأ ..وتستكين بين ذراعيه، ظل صامتة بعد أن كانت تحاول الفكاك منه، وهو ظل يحتجزها بهدوء لا يريد إفلاتها إلا عندما يتأكد من أنها استعادت وعيها ...لحظات طويلة مرت وهي بين ذراعيه، يخشى من نبضات قلبه المتسارعة أن تثير ذعرها ثانية، ولكنه استمع إلى صوت أنفاسها الهادئة التي تؤكد أنها غفت على صدره ..
رفعها بحذر من المغطس، وحملها إلى الغرفة وهو يلف جسدها بالمنشفة ثم وضعها على الفراش وجلس يجففها جيدا، ونهض يبحث عن ثياب لها في الحقيبة ..ثم عاد وفي يديه قميص نوم من قطعة واحدة يبدو كمنامة الرجال ولكن بدون بنطال ..
اقترب منها وازاح المنشفة حتى خصرها ثم بدأ يضع الثياب عليها وهو يرتجف بشدة، لا يعلم مصدر تلك الرجفة، هل بسبب ملابسه المبتلة التي لا زال يرتديها ؟، أم لأنه يديه تلامس جسدها النابض ..الغض
آهة انطلقت من حنجرته من فرط رغبته بها، وهو يكاد يقسم أن يديه لا تتذكر أنها لمست هذا الجسد من قبل ..استطاع أن يحكم القميص عليها بصعوبة ثم دثرها وتركها تغفو وهبط إلى الأسفل وطلب إعداد الطعام في أسرع وقت.
ثم جلس في الشرفة أمام البحر يعيد إلى أذهانه مشهد سقوطها من على الجسر، ويستعيد ما شعر به حينها، لقد سقط قلبه فعليا معها ولم يعد حتى الآن .
اقتربت فرانشيسكا منه وجلست بجواره وهي تربت على ذراعه بلطف وقالت : أتعلم يا آدم !، عندما كنت صغيرًا، تلهو بالألعاب ..كنت طفل مشاغب، وعنيد، إذا حدث وبالخطأ جرحت من لعبة تلهو بها ، كنت تلقي اللوم عليها وتحطمها وأنت تصرخ بغضب، ثم عندما يلتئم الجرح وتهدأ تتذكر متعتك وانت تلهو بها، وتندم على تسرعك وفقدانك لها، ورغم أنك نضجت الآن، ولكنك ما زلت تحطم الأشياء من حولك وأولهم قلبك ، والمرأة التي احببتها ..ليست كل الأشياء يا آدم قابلة للكسر ..وهناك كسر لا يجبر ولا يمكن أن تجد بديلا عنه ...لذا يا بني تراجع عن عنادك وقسوتك، واترك الحرية لقلبك أن يتذوق طعم الحب بدون أي شروط أو قيود.
التفت آدم إليها وقال بمزيج من الألم والحزن: ليتني أستطيع، ولكنها بالفعل حطمت قلبي ولا أملك القدرة على المغفرة .
احتضنته المرأة بلطف وقالت : ستتعافى، أنا على يقين من هذا، وستتمكن من تخطي الأمر إنها تستحق منك هذا، لقد راقبتها جيدا وأستطيع القول أنك لم تلتقِ بأي فتاة مثلها من قبل، بالفعل هي مختلفة، بريئة، وليست مهتمة بما يحيط بك، هي فقط تحبك أنت ...لذا ترو فيما تفعله لعلك تهدأ وتشعر أن الأمر لا يستحق .
★★★★★★★★★★
انتصف النهار ..وبدأت الشمس في المغيب، مرت عدة ساعات على نومها ..جلس فيهم آدم بالأسفل ثم عندما ضاق من الانتظار صعد إلى الأعلى وجلس بجوارها وعندما وجدها مستغرقة في النوم، انزلق بجسده على الفراش والتصق بها ثم ضمها إلى صدره حتى غفا هو أيضا من الإرهاق.
بدأت تستعيد وعيها ولكنها مازالت بين اليقظة والنوم، تشعر بدفء يسري في جسدها، إحساس لذيذ لم تعتد عليه ولكنها كانت مستغرقة في لذته، بدأت تفتح عينيها تدريجيا وتستعيد الرؤية..ومعها ذاكرتها، وكان وجهه هو أول ما رأت ..يا إلهي كم اشتاقت له!!، ظلت تتأمله وهي بين ذراعيه، ثم ألقت نظرة على ملابسها وشعرت أنها لا ترتدي أي شيء تحت هذا القميص، حاولت أن تتذكر ما حدث ولكن كل شيء أصبح ضبابي بعدما سقطت في المياه، لا تتذكر ما حدث.
شهقت بقوة وهي تحاول أن تعي ما حدث، هل فعلها؟، وهي غائبة عن الوعي ...
فتح عينيه عندما شعر بها تتخلص من ذراعيه، وتأمل وجهها وملامح الصدمة تعلوه ..نهض من الفراش ووقف أمامها لا يرتدي سوى بنطال قصير ..وقال بهدوء : واضح إنك اتحسنتي .
أجابته ووتيرة صوتها تعلو تدريجيا بحدة: أيوه ..بس الواضح انك مكانش عندي صبر للعقاب وسمحت لنفسك انك تطبقه عليا حتى وأنا في الحالة دي.
اعتصر الألم صدره من كلماتها فرمقها بنظرات ساخطة وقال : تبقي لسه معرفتيش آدم المغازي، أنا لما أحب اعاقب حد لازم يكون في كامل وعيه، وإلا إيه المتعة في ده، وبعدين مستعجلة ليه على الموت ورايحة ترمي نفسك فيه، اصبري مش يمكن يبقى أحلى على ايدي.
أجابته باقتضاب وبلا مبالاة: مش فارقة كتير.
_ بس تفرق معايا أنا، تحبي يطلعوا الغدا هنا ولا تنزلي تحت ..قال لها باهتمام مصطنع .
فأجابت : مش عايزة أكل.
_ متأكدة !!
_ أيوه مش عايزة منك حاجة ..أجابته بحدة وغضب.
فأجابها وهو ينقض عليها بلا رحمة وقال : بس أنا بقى عايز ...وبدأ يمزق ثوبها وهو يسحق جسدها تحت وطأته ..
حاولت دفعه عنها بقوة ولكنها فشلت، وبدأت في الصراع بيديها وقدميها وهي تنبش أظافرها في جسده ولكنه كان كالوحش الثائر لا يرى أمامه سوى فريسته التي يريد التهامها .
حاولت الصراخ ولكنه كتم أنفاسها بيده وهمس في أذنها بصوت يشبه فحيح الأفعى : احنا لسه في الأول، وفري مجهودك لبعدين، صدقيني هتحتاجي وقتها تصرخي بجد، فامتضيعيش صوتك الجميل دلوقتي، اسكتي ، واتفرجي على اللي هايحصل فيكي، يمكن تقدري تستحملي الوجع.
جحظت عينيها، حاولت الخلاص من قبضته، ولكنه كان يقيدها بقوة وهو ينزع عنها ملابسها ويستبيح جسدها، شهقت من الألم، حاولت الابتعاد عنه..التملص من سيطرته ولكن لم تستطع مجاراته، خارت قواها وسكنت وهو يسحق كل جزء في جسدها بعنف وقسوة وعندما اقترب من الوصول إلى غايته صرخت بضعف وسط دموعها التي بللت وجهها : انا ..انا روح .. انا مش مراتك.
انتفض آدم وهو يستمع إليها وابتعد عنها قائلا: انتي بتقولي إيه !! ، إيه الهبل ده!! .
ابتعدت عنه وانكمشت عند حافة الفراش وهي تضم ساقيها إلى صدرها وتجذب غطاء الفراش تستر به جسدها وهمست بصوت متهدج من البكاء: إيڤا اللي نمت معاها واللي جبت منها بنت واللي عقد الجواز باسمها... صمتت تلتقط أنفاسها ثم أردفت: ماتت في الحادثة، أنا مش إيڤا أنا روح صاحبتها .
انقض آدم عليها وقبض على ذراعها بعنف وصاح بها في غضب : إيه اللعبة الحقيرة دي، انتي كل شوية تطلعي ليا بحدوتة جديدة، ايه انتي مش وراكي حد تاني غيري ...انتي عايزة إيه بالضبط .
أجابت وصوتها مختنق بالدموع: مش عايزة حاجة، أنا لقيت نفسي مرة واحدة في وسط ده كله ، وغصب عني ماكانش قدامي حل تاني .
صاح بها قائلا : إنتي مجنونة، ازاي صاحبتها وانتي شبهها كأنكم تؤام مين يصدق الكلام ده .
رفعت رأسها وقابلت عينيه بعينان ملأتها الدموع وقالت : الشبه ده كان سبب معرفتنا ببعض، أنا وإيڤا اتعرفنا على بعض من موقع على النت إسمه إبحث عن توأمك، الصدفة البحتة وقعتنا في طريق بعض، لأن أول بلد عملت سيرش عليها كانت إيطاليا بحكم دراستي للغة، الكلام ده من سنين، الأول كنا بنتكلم عادي كل فترة، لحد ما بقينا أصحاب اوي، وجيت مخصوص إيطاليا مع عيلتي عشانها زيارة، وبعد كده بابا وماما اتوفوا في حادثة وعمي حبسني عنده وسرق كل اوراقي الشخصية عشان اتجوز ابنه أو أتنازل عن الشركة، فضلت طول فترة حبسي على تواصل مع إيڤا من وراهم، وهي اللي اقترحت عليا اني اهرب واجيلها، وكلمت ناس في السفارة عندها ساعدوني وطلعوا ليا أوراق بدل فاقد، وحجزت التذكرة وضبطت كل حاجة، وانا كنت في الفترة دي بحاول أضحك على عمي وابنه أني موافقة وبدأت أمثل الحب على ابن عمي ، لحد ما خفوا الرقابة عليا شوية وقتها قدرت اهرب واجي هنا وعشت مع إيڤا وتيرا، ولما حصلت الحادثة وعرفت ان إيڤا ماتت خفت، خفت أرجع تاني لعمي، عشان أوراق الإقامة والأهم خفت على تيرا، ماكنتش أعرف هاتكون ردة فعلك إيه لما تعرف انها بنتك، ولما الدكتور في المستشفي مكانش عارف مين اللي ماتت لقيت نفسي من غير ما احس بقول اني إيڤا عشان أقدر أعيش هنا وأخد بالي من البنت، بس انت رجعت ظهرت تاني وكررت عرضك تاني ليا وهددتني، وقتها الخوف ملكني ، كنت خايفة من كل حاجة وماعرفتش اتصرف، وافقت وقلت كام شهر وأرجع تاني انا وتيرا لحياتنا ..ماعملتش حساب انكم عيلة كبيرة ومشهورة ..أصلا انا ما اعرفش كتير عنك، ولا عن البلد هنا ..وكل اللي حصل بعد كده ماكنتش عاملة حسابه ولا مرتبة ليه ..كل حاجة حصلت بالصدفة.
كان آدم يستمع إليها في دهشة، لم يتمكن ذهنه من تقبل كل هذا ولكنه وجد نفسه يتسائل عن أهم ما يشغل فكره، فقفز السؤال سريعا على فمه وقال: مش فاهم يعني انتي ما اتجوزتيش خالص؟.
تلعثمت كلماتها على شفتيها وأجابت : انا ..أنا بنت، ما ارتبطتش قبل كده .
عاد يردد تساؤلات تطرأ على ذهنه بعشوائية: يعني تيرا مش بنتك!! ، يعني أنا ما لمستكيش قبل كده!!.
_ لا.. أنا أول مرة اشوفك كان في المستشفى بعد الحادثة، وتيرا انا مش أمها الحقيقية بس هي بنتي وكان عندي استعداد اربيها لوحدي وما ابعدش عنها أبدا ..أإجابته بنبرة حزن صادقة .
انتفض آدم من أمامها ووقف يحدق بها ثم غادر الغرفة تاركا إياها في حالة يرثى لها ،
كان يريد الابتعاد إلى أقصى مكان عنها، انطلق يركض إلى أطراف الجزيرة والغضب يعتمل في صدره وقلبه، نيران تشتعل بجسده، كيف اصبح مغفلا إلى هذا الحد؟، ما الذي حدث معه؟، أين فطنته وحدسه؟،
وصل إلى أقصى مكان يستطيع الوصول إليه وتوقف أمام البحر يلتقط أنفاسه، ثم ركض صوب المياه وقفز بداخلها وغاص إلى الأعماق حيث الصمت والسكون، لعله يخمد الأفكار التي تسحق رأسه .. ولكن ظلت كلمة واحدة تتردد في ذهنه تعلو على كل شيء أنها عذراء .
★★★★★★★★★
نهضت روح من الفراش وغمرت جسدها بالمياه حتى تزيل آثار ما فعله بها، ثم ارتدت ثيابها سريعا وهبطت إلى الأسفل وطلبت من فرانشيسكا الاتصال بالسيدة لوي، وبمجرد أن التقطت الهاتف قالت : أرجوكِ أريد الرجوع، لقد علم آدم كل شيء، لم يعد هناك داع لوجودي هنا .
_ ماذا حدث؟ ..
إجابتها روح: حدث الكثير، لقد كان في منتهى القسوة، لم أحتمل ما كان يفعله، بُحت بكل شيء، والآن فقط أريد الرحيل، أريد الابتعاد عنه، لم أعد أتحمل رؤيته.
زفرت المرأة بقوة وقالت : أريد إجابة صادقة، ألا زلتي تحبينه؟.
صمتت روح قليلا ثم قالت : بل أعشقه، ولكن من الصعب أن نستطيع التغاضى عن كل هذا .
_ كل ما أريد سماعه هو أول كلمتين ولا يعنيني أي شيء آخر، إصبري قليلا، فأنا أعلم أن ولدي يحبك، وطالما علم أنك عذراء إذن لقد اختلفت حساباته، فقط انتظري.
أغلقت روح الهاتف وهي تشعر بالاضطراب الشديد والخوف ، لقد رأت وجه آخر من آدم لم تراه من قبل، لم تتوقع يوما أن يكون بكل هذه القسوة، أجل سمعت كثيرا عنه، ولكنها عندما عرفته لم تجد هذا به، ثم تذكرت كلمة قالتها له في وسط الحديث لم تنتبه إليها من قبل : انا مش مراتك ..... كيف تناست هذا؟، كيف لم تلتفت لهذا الأمر من قبل؟، أن وثيقة الزواج بإسم إيڤا وليس روح، إذن هي بالفعل ليست زوجته، شعرت بالدوار وكرد فعل تلقائي احتجزت جسدها بين ذراعيها بعدما شعرت أنه استباحها بأسوأ الأساليب الممكنة.
مرت دقائق ودلف آدم إلى المنزل وصعد إلى أعلى بدون حتى النظر إليها، ثم غاب برهة من الوقت وهبط ثانية وهو يرتدي قميص وبنطال ، واقترب منها وبلا تردد قبض على ذراعها وجذبها خلفه وخرج مرة أخرى متجها إلى المرفأ حيث ينتظر هناك اليخت الخاص بالجزيرة .
صعد إلى اليخت وهي خلفه، لم تحاول الحديث ولا السؤال عما ينوي فعله فقط جلست في صمت، وهو ينطلق باليخت مبتعدا عن جزيرة الأحلام التي انتهى بها كل شيء
(إذن إنها النهاية) لم يعد هناك داع للحديث، بالتأكيد سيرسلها إلى روما .. أشاحت بوجهها إلى المياه لم تعد تريد رؤيته، لقد أصبح يؤلمها هذا، كلما تتذكر أنها لن تراه ثانيا يصبح من المستحيل تحمل أن يكون أمامها ثم يختفي، فلتجعله يختفي الآن ..يكفيها ما كابدته، لقد أصبحت الآلام تحاوطها من كل جانب ولم تعد قادرة على التنفس، كل ما تتمناه أن تحظى ببعض الهدوء في حياتها ..فقط بعض الهدوء.
رسى اليخت في المرفأ، كانت في انتظارهما سيارة ليموزين، جلست بجواره وهي تحاول أن تتناسى وجوده ..واستمرت في صمتها، حتى توقفت السيارة أمام مبني كبير، هبط آدم ودار حولها وفتح بابها ومد يده إليها ..
أمسكت يده ووقفت أمامه وفي عينيها العديد من التساؤلات ولكنه لم يتحدث، فقط قادها معه داخل المبنى، ثم صعدا الدرجات ودلف إلى حجرة وهي خلفه، مازال يقبض على أناملها بين يده.
كان هناك رجلا متقدم في العمر يجلس، تبادلا التحية وهي تقف لا تعي ما الأمر، ثم جلس الجميع وتحدث الرجل باللغة العربية قائلا: حضرتك عايز عقد الجواز مدني ولا شرعي .
فأجابه آدم بهدوء: شرعي لو في مأذون ياريت.
ابتسم الرجل وأجابه : ماتقلقش موجود ..دقائق وكل حاجة هتكون جاهزة. .. عقبال ما تشربوا قهوتكم هاكون جهزت القاعة والمأذون ..اسمحوا لي .
خرج الرجل من الغرفة وتركهما سويا، كانت روح في حالة ذهول، لم تتمكن من استيعاب ما قيل، حدقت في آدم وقالت بعد بعض الوقت: أنا مش فاهمة حاجة.
أجابها بهدوء: إيه اللي مش فاهماه ..مش قلتي انك مش مراتي، وأنا أهو بصحح الوضع .
_ ليه؟..قالت والحيرة تتآكلها.
أجابها بنبرة غامضة: ليه دي هاجاوبك عليها لما نرجع بيتنا.
_ ماينفعش..إحنا مش هينفع نتجوز ..قالت باضطراب .
علت نبرة صوته وقال بحدة: ليه في مصيبة تانية لسه مش عارف عنها حاجة.
_ بعد اللي حصل بينا، أنا مش هاقدر، ارجوك خليني أرجع ..أنا تعبت ..تحدثت بمرارة .
صمت آدم قليلا ثم قال بنبرة محذرة: المأذون هيجي وهاتوافقي على الجواز، ولو حصل أي تصرف غير ده صدقيني هاتندمي طول عمرك.
انكمشت في المقعد وهي تشعر بالإرهاق والتعب الشديد لم تتمكن من المجادلة ولا مقاومته، لقد انهارت كل قواها ولم تعد تهتم لأي شيء ...
وأخيرا تم عقد القرآن بهدوء، بحضور اثنين من الموظفين ليشهدا على العقد ، وبعد انتهاء المراسم عادا ثانية في اليخت إلى الجزيرة، لم تغادرهما حالة الصمت ظلت ملازمة لهما طوال الطريق، حتى توقف اليخت عند المرفأ لم تنتظره بل غادرت على الفور واتجهت إلى البيت ثم صعدت إلى الغرفة، وألقت بجسدها على الفراش وانفجرت في البكاء .
دقائق وشعرت بيد تلمس تربت على ظهرها، رفعت وجهها فوجدته أمامها، لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث أو الجدال، فقط أرادت أن تزيح كل ما يجثم على صدرها ..ولكنه لم ينتظر ولم يتحدث فقط جذبها نحوه بقوة، والتصق بها وهو ينظر في عينيها ثم هوى على شفتيها ...كانت تظن أنه سيبدأ من حيث توقف، سينهي ما أراده منها ولكنها تفأجات به يقبلها برقة ..يتذوق شفتيها بتمهل ..ويحتضنها بشوق لا رغبة، لقد أذاب في لحظات كل الجليد الذي صعق قلبها، أزاح كل الألم ومحى كل ما حدث فقط بقبلة صغيرة ولكنها كانت بها الإجابة التي تنتظرها.
تعلقت به وبادلته العناق وهي تتمنى ألا تفيق على كارثة أخرى...
ولكن هل تستطيع أي عقبات أن تفصل بين عاشقين؟، هل هناك مستحيل في الحب؟، فمن أجل الحب تحطمت كل الصعوبات، ومن أجله خلقت التضحيات، وفي حلاوته لذة لا تشبعها الرغبات، فكيف نرضى الرحيل وفيه موت وألم لا تمحيه الدعوات.
حبا خلق عشوائيا كان محض الصدفة، ولد من رحم الانتقام، واستمر بين خصمين لا يأبهان ، وتحول مع الوقت عشق لا يقوَ على الانفصال، فتذوق كلا منهما عذرية حبه الأول الذي لامس القلب، وأيقنا أنهما خلقا لكي يجتمعا سويا ويتذوقا معنى الحب بعد أن زهدا أن يتقاتلا وهما يستطيعان أن يحلقا سويا في عالمهما الذي لن يصل إليه أحد مهما كان .