
التفتت فيروز للخلف إلى حيث ينظر فاستغل هو الفرصة وجذب من يدها المزهرية بعنف وجذبها من ذراعها عنوة لكنها بدأت في مقاومته بكل ما لديها من قوة وهي تضربه بقدمها وراحت تغرز أسنانها في لحم ذراعه فتأوه متألمًا وافلت ذراعها من قبضتها.. وقبل أن تفر هاربة لخارج المنزل عرقل قدميها فسقطت على الأرض وانقض عليها يجذبها عنوة من على الأرض لكنها كانت تركله بكلتا قدميها ثم بدأت في الصراخ عندما شعرت بدنو نيله منها وصاحت بصوتها العالي تستغيث:
_ ســــلـــيــم
كانت قوة حازم البدنية تفوق نعومة جسدها الأنثوي بمراحل فجذبها من على الأرض وهم بأن يحملها فوق كتفيه ينوي اختطافها لكنها قاومت دون كلل وراحت ترفع يدها في الهواء وتصفعه بعنف على وجنته صارخة به وهي تسبه وتلعنه:
_ياحقير يا**** ابعد عني لو لمستني هقتلك
ابتسم حازم بعين تحمل نظرة شيطانية مناسبة من تلك الصفعة الشرسة التي تلقاها منها وقال بإعجاب:
_حلوة الشراسة دي.. احنا بقينا بنعرف نخربش يافيروز
على الجانب الآخر بالأعلى كان سليم جالسًا على أريكة خارج غرفة نومه وبيده كتاب يقرأه بتركيز لكن فجأة صك سمعه صوت صراخ تبعه استغاثة باسمه فاتسعت عيناه وانتبهت جميع حواسه بالأخص سمعه يتأكد أن ما سمعه صحيح.. فعاد صوت الصراخ مجددًا ليثب واقفًا ويلقي بالكتاب على الأريكة ويهرول إلى الدرج نازلًا بعدما استطاع تمييز الصوت أنه صوت فيروز.
وصل إلى باب شقته ورأى حازم وهو يحاول الاعتداء على فيروز بالضرب وجذبها معه وسط محاولاتها المستميتة في مقاومته وإبعاده عنها، فاستشاطت عيناه حقدًا على حازم واندفع نحوه ثائرًا وجذبه من ياقة قميصه يبعده عن فيروز ثم وجه له لكمة مبرحة اطرحته أرضًا.. تقهقهرت فيروز للخلف في الأرض ثم استقامت واقفة وقد استحوذها شعور الآمان فور ظهور سليم، أما حازم فابتسم في الأرض بشر وتطلع لسليم بغل متمتمًا في وعيد:
_كويس أنك جيت عشان هتكون آخر ليلة ليك مع الـ**** دي
هاج سليم عليه وراح يقبض على رقبته صارخًا به بصوت جهوري:
_أنا مش سبق وحذرتك متخلنيش اشوف وشك تاني في بيتي، اقسم بالله لو حصل وحاولت تتعرض ليها هي وياسين تاني لادفنك في أرضك
لم يكترث حازم لتهديدات سليم واعتبرها شرارة النار التي زادت من اشتعاله فانقض على سليم كالثور الهائج وهو يوجه له لكمات مميتة حتى ادميت شفتي سليم وبدأ هو بدوره في توجيه اللكمات له والقتال اشتد بينهم حتى انتهي بأن سليم اطرحه أرضًا وجثى فوقه وراح يضربه في وجهه بقبضة يده العنيفة دون رحمة حتى سالت الدماء من كل أنش في وجه حازم.
كانت فيروز تراقب القتال المرعب وهي ترتجف خوفًا على سليم وعندما رأته منقض كالأسد المفترس على حازم خشيت أن يقتله فراحت تحاول تمسك بذراعيه وتبعده متوسلة إياه:
_كفاية ياسليم كفاية ابوس أيدك ابعد عنه خلاص سيبه
توقف سليم عن ضربه بعدما رآه كالجثة الهامدة أسفل منه فاستقام واقفًا مبتعدّا عنه والتفت برأسه تجاه فيروز يسألها:
_أنتي كويسة عملك حاجة ؟
هزت رأسها بالإيجاب مجيبة في أنفاسه متسارعة من فرط التوتر:
_أنا كويسة ملحقش يعملي حاجة
بتلك اللحظة كان حازم قد استطاع استعادة وعيه قليلًا وفتح عيناه ثم دس يده في بنطاله من الخلف وأخرج سلاح ثم استقام واقفًا ووجهه باتجاه سليم في عينان تنضج بالشر والانتقام، فغرت فيروز عيناها بصدمة وبلحظة عفوية وجدت نفسها تندفع لا إراديًا نحو حازم تقبض على يده وتحاول انزال السلاح أرضًا لكنه كان يقاوم قبضتها القوية على يده ويبعدها ووسط محاولات كل منهم في دفع الآخر صدح صوت طلق نيراني لم يعرف سليم خرج من أي جهة واستقر بأي جسد.. فأسرع نحو فيروز يمسك بكتفيها ويبعدها وهو ينظر لجسدها ليطمئن أنها ليست المصابة فوجد بيدها السلاح والرصاص استقرت في قدم حازم الذي سقط على الأرض وهو يصرخ متألمًا.
ظلت فيروز تحدقه فاغرة عيناها بصدمة وارتيعاد ثم ألقت بالسلاح على الأرض وهي تنتفض خوفًا وتقتقهرت للخلف لا إرايدًا غير مستوعبة أنها أطلقت النيران عليه وكادت أن تقتله حقًا، بينما سليم فنقل نظره بين حازم وبين فيروز التي انهارت على الأرض وبدأت دموعها تنهمر بغزارة وراح يحاوط فيروز من كتفيها هاتفًا بحدة ليعيدها لوعيها:
_فيروز بصيلي اهدي أنا هتصرف.. اهدى ســمــعـاني
تطلعت لسليم بعينان مرتعدة وجسد يرتجف تحت قبضته ثم هزت رأسها له بالموافقة فابتعد هو عنها واندفع إلى الغرفة بالداخل وجلب قطعة ملابس وعاد لحازم ثم جلس القرفصاء على الأرض أمامه وربط قطعة الملابس على قدمه المصابة ليوقف النزيف هاتفًا في نظرة مرعبة:
_لو فتحت بقك وجبت سيرة عن اللي حصل مش هقتلك أنا هخليك تتمنى الموت كل لحظة.. رغم اني نفسي اسيبك تموت دلوقتي زي الـ**** بس مليش مزاج ادخل في حوارات وسين وجيم بسبب **** زيك
كان حازم يرمق سليم شزرًا وهو يتأوه بألم لا يطيقه وراح يلتقط السلاح من على الأرض ثم يضعه بكف حازم عنوة وهتف:
_ وادي بصماتك بقت على السلاح عشان تبقى أنت اللي عملتها في نفسها
ثم هب سليم واقفًا وابتعد خطوتين عنهم وراح يجري اتصالًا بشخص ثم أنهى اتصاله وعاد لحازم يجذبه ويوقفه على قدميه دون رحمة ويجذبه معه هاتفًا:
_قوم يا *** اتحرك معايا يلا
كان حازم يتحرك بصعوبة وهو يصرخ من الألم ويضغط على قدمه السليمة حتى غادروا المنزل ومنها البناية بأكملها واستقلوا بسيارة كانت تنتظرهم بالأسفل.
بقت فيروز جالسة مكانها على الأرض وهي تحاول التحكم بانفعالاتها وانهيارها حتى نجحت بعد دقائق طويلة في التقاط أنفاسها بهدوء واستقامت واقفة بعدما تذكرت أخيها وصعدت بسرعة للطابق العلوي ودخلت غرفة سليم فوجدت أخيها نائم في فراشه ايقظته وأخذته معها إلى المنزل بالأسفل وكان يسير معها دون وعي من شدة نعاسه، فأدخلته في غرفة نومه وأتجهت إلى باب المنزل لتغلق الباب جيدًا بإحكام، ثم دخلت وجلست على الأريكة وهي تقرض أظافرها بتوتر وقدمها تهتز بعنف وهي جالسة، حتى مر تقريبًا نصف ساعة منذ رحيلهم فأمسكت بهاتفها وحاولت الاتصال بسليم لتطمئن لكنه لم يجيب، فبقت مكانها يأكلها القلق والخوف دون أن تصل لأي معلومة....
***
بمكان آخر داخل إحدى عيادات الجراحة الخاصة بطبيب جراح متمكن في مهنته، كان سليم جالسًا على إحدى المقاعد بالخارج منتظر خروج الطبيب من غرفة العمليات الصغيرة التي يقوم داخلها بعملياته الصغيرة والبسيطة.
بعد مرور تقريبًا نصف ساعة خرج الطبيب الذي كان شابًا يقرب سليم في عمره فاستقام سليم واقفًا وسأله بنبرة ثابتة:
_خلصت خلاص ياتامر
رد عليه تامر متنهدًا بعدم رضا عن الوضع:
_خلصت طلعلتله الرصاصة وهو لسا مفاقش من البينچ.. بس أنا برضوا لسا عند رأى كان لازم يروح المستشفى ياسليم.. المستشفى أفضل ليه بيكون فيها إمكانيات أفضل أنا هنا العيادة عندي أنت عارف بعمل فيها عمليات جراحية بسيطة.. ربنا يستر الجرح ميحصلش فيه تلوث ويحصل عدوى
ربت سليم على كتف تامر بامتنان شديد هاتفًا:
_كتر ألف خيرك يا صاحبي أنت عملتله العملية رغم أنك ممكن تتأذي في شغلك، طول عمرك جدع يا تامر وصاحب صاحبك
ابتسم تامر لسليم بود ثم سأله بترقب للإجابة التي يعرف إجابتها لكنه يريد التأكد:
_طبعًا أكيد أنت اللي شرحتله وشه كدا.. ده متدمر خالص
سليم بنظرة خبيثة وعينان تنضج بالشر الحقيقي الكامن في ثناياه:
_ما أنت عارفني مبتوصاش
سأل تامر بنبرة ماكرة ونظرة دقيقة:
_ الحيوان اللي جوا ده.. البنت اللي حاول يعتدى عليها تخصك ولا إيه؟
تنهد سليم الصعداء وأجاب بصوت غليظ ووجه خالي من التعابير لكنه يظهر قتامة شخصيته القوية:
_حاجة زي كدا
***
بمكان آخر مختلف تمامًا وجديد.....
توقف أمير بسيارته أمام منزل عائلة مريم (ڤيلا ) وترجل من السيارة ووقف يستند بظهره عليها من ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصال بها.
بالأعلى داخل غرفة مريم كانت جالسة فوق فراشها ممسكة بهاتفها تتصفح مواقع التواصل حتى اهتز التلفون فجأة بيدها معلنًا عن اتصال وارد من أحدهم فارتبكت بشدة عندما رأت اسم أمير يُنير الشاشة بأكملها وتذكرت فورًا عرضه عليها بصباح اليوم أو بالمعنى الأدق أمره بأنه سيمر عليها الليلة ويأخذها ليتناولوا العشاء معًا، مصمصمت شفتيها باضطراب بسيط ثم فتحت الاتصال تجيب بصوت هادئ:
_الو يا أمير
وصلها صوته الرجولي الذي رغم غلظته إلا أنه دافىء وهو يقول:
_ أنا واقف قدام البيت منتظرك يا برنسس خلصتي ولا لسا
فغرت مريم عيناها بذهول وبلحظة كانت فوق الأرض بعدما وثبت من فراشها وهرولت إلى الشرفة تنظر إلى الشارع من خلف الزجاج فرأته يقف بسيارته خارج أسوار منزلهم وهو متكأ على سيارته مرتديًا بنطال أسود يعلوه قميص نبيتي وفوقه جاكت أسود فخم، كان في كامل أناقته ووسامته الرجولية الجذابة، أجابت عليه منزعجة من إصراره على انضمامها له في عشاء أشبه بموعد غرامي:
_أمير أنت إيه اللي جابك أنا مدتكش أي رد الصبح وقولتلك إني موافقة
رفع أمير نظره إلى غرفتها فرأى ظلها الضعيف خلف الزجاج وهي تنظر له فابتسم بحب وقال في برود استفزها أكثر:
_مهو أنتي لو كنتي سامحتيني من بدري مكنتيش اضطريتي دلوقتي تكوني مجبورة أنك تتعشي معايا برا
ضحكت مريم باندهاش من عبيثته التي يتفوه بها وغطرسته وراحت تجيب عليه مغلوبة في نفاذ صبر:
_يعني أنت مشكلتك كلها في أني مسامحكتش وزعلانة منك خلاص يا أمير أنا مسمحاك ومش زعلانة منك حلو كدا.. امشي بقى يلا
رأت ابتسامته تتسع أكثر ثم سمعت صوت يجيب بخبث وتلذذ:
_للأسف قبول الاعتذار جه متأخر.. أنا حجزت المطعم ومينفعش ارجع في حجزي يرضيكي ابقى راجل بيرجع في كلمته
صاحت مريم مغتاظة منه في استهزاء:
_هو أنت وعدتهم بالجواز !! .. إيه اللي راجل بيرجع في كلمته ده حجز مطعم يا أمير متبقاش أوفر !!
كبح أمير ضحكته بصعوبة على ردها وسخريتها منه ورسم معالم الجدية واجابها بصوت حازم:
_أنتي بتجادلي كتير ليه هتلبسي وتنزلي ونروح نتعشى ولا ادخلك البيت وأخدك بنفسي ووالدك راجل محترم وبيحبني ومش هيعترض، هاا قولتي إيه ادخل ولا استناكي
لم يصله أي رد منها فقط صوت أنفاسها الممتزج بصمتها هو المسموع فرد بجدية حقيقية وهو ينتصب في وقفته ويهم بالتحرك:
_أوكي أنا داخل
ردت بسرعة في تلهف وهي مستسلمة لاصراره:
_لا لا خلاص أنا هلبس وانزلك
عادت ابتسامته العريضة تشق طريقها لثغره ورد عليها بغرام في ود:
_وأنا مستنيكي يا برنسس خدي راحتك على الآخر عندي استعداد اقف للصبح هنا
انزلت الهاتف من على أذنها وهي تتأفف بقلة حيلة مدركة أنها دخلت في مدار خطير لن تستطيع الخروج منه وستكون نهايتها الحتمية إما أن تتوه داخل مداره أو تتشبث بيده لتنخرط معه في عواصف مداره...
***
عودة إلى منزل صبحي حيث كانت فيروز منتظرة على أحر من الجمر وصول أي خبر من سليم يطمئنها.. لكن الوقت يمر دون أي فائدة، وكان قلقها كله نابع من خوفها أن تتسبب في المصائب لسليم.
استقامت واقفة من فرط توترها وأخذت تجوب الصالة إيابًا وذهابًا وهي تفرك يديها ببعض، حتى ارتفع صوت رنين جرس الباب فقفز قلبها في صدرها متلهفًا وهرولت ركضًا باتجاه الباب ونظرت من الفتحة الصغيرة المتوسطة في منتصف الباب ( العين السحرية ) لتتأكد أن الطارق هو سليم وكان هو بالفعل ففتحت له بلهفة وهي تهتف:
_سليم مكنتش بترد علي موبايلك ليه أنا كنت هتجنن من القلق
دخل سليم وهو ينزع عنه حذائه مجيبًا بهدوء تام متجاهلًا لهفة صوتها وزعرها عليه:
_رقمك مش متسجل عندي لسا ولما شوفته رقم غريب مرديتش
لحقت به عندما وجدته يتجه بخطواته إلى الصالون ويجلس على الأريكة فجلست بجواره وسألته بقلق:
_عملت إيه مع حازم ؟!
رد عليها بصوت أجشَّ ونظرات محتقنة:
_وديته العيادة عند دكتور جراح صديقي وطلعله الرصاصة وأما يفوق الرجالة هياخدوه على مكان تاني لغاية ما اشوف هعمل معاه إيه الصبح
ضيقت فيروز عيناها بحيرة وسألته بعدم فهم:
_رجالة مين وهياخدوه فين.. هو أنت معاك رجالة ازاي ياسليم؟!
تجاهل سؤالها ورد عليها بسؤال مختلف تمامًا قاصدًا تغيير الحوار:
_ياسين فين؟
ردت فيروز على مضض بعدما فهمت محاولته للتهرب من سؤالها:
_جوا في الأوضو نايم، طيب ليه مخدتهوش المستشفى؟
هتف سليم بجدية وصوت قوي:
_أخده المستشفى ازاي أنتي مشوفتيش وشه ازاي بعد اللي عملته فيه.. لو دخلنا المستشفى هندخل في سين وجيم فورًا واحنا في غنى عن ده كله، أنا هتصرف معاه بمعرفتي.. بعدين أنتي ازاي فتحتيله الباب ؟!!
ردت بصوت خافت واضطراب بسيط بعد سماعها لنبرته المخيفة ورؤيته لنظرته وهو يوجه لها سؤاله:
_مجاش في بالي أنه ممكن يكون هو أو حد عايز يأذيني افتكرته ياسين ونازل ياخد حاجة
هز سليم رأسه مغلوبًا ومغتاظًا منها ثم رد في نبرة رغم هدوئها إلا أنها حادة وآمرة:
_من هنا ورايح متفتحيش الباب لحد غيري وقبل ما تفتحي الباب تتأكدي كمان إذا كنت أنا اللي على الباب ولا لا
اطرقت فيروز رأسها أرضًا وهزت رأسها بالموافقة على أمره بينما هو فأكمل بجدية:
_أنا بدأت ادور واشوفلكم شقة كويسة تكون في مكان بعيد عن المكان ده خالص وفي مكان آمان محدش يقدر يوصلكم فيه وأول ما الاقى المكان هقولك
ردت فيروز بأسى:
_تمام شكرًا ياسليم وأنا كدا لازم انزل الشغل تاني عشان اقدر اجمع مبلغ ادفع بيه إيجار الشقة
رد سليم باعتراض يظهر في نبرة صوته:
_أنا سبق وقولتلك الأفضل تقعدي في البيت ومتطلعيش.. ولو شايلة هم الفلوس أنا هدفع كل حاجة
همت بأن تعترض برفض تام على عرضه فقاطعها هو برزانته:
_لما تنقلي لبيتك ابقى انزلي اشتغلي واديني المبلغ اللي أنا هدفعه ليكم تمام كدا
تأففت بقلة حيلة وتنهدت بحزن على حالها، لكن لفت نظرها وهي منكسة نظرها أرضًا كف يده المجروح وعُقل أصابعه أيضًا فاستنتجت أنه أثناء شجاره مع حازم جُرحت يده ومن شدة ضربه العنيف له ادميت عُقل أصابعه، ثم رفعت نظرها واطلعت في وجهه فرأت جرح بسيط بجانب ثغره.
استقامت واقفة دون أن تتفوه بكلمة واحدة واتجهت إلى الحمام لتجلب شنطة الإسعافات الأولية وتجلس بجواره مجددًا تستأذنه برقة تليق بصوتها وهيئتها الناعمة:
_ايدك مجروحة ممكن تخليني اعقملك الجرح
حدقها بطرف عينه في نظرة خالية من المشاعر بل كانت جافة غير مبالية وراح يلتقط من يدها القطنة ومعقم الجروح هاتفًا:
_شكرًا أنا هعمله
ضمت يدها لصدرها تمنعه من أخذهم وهي تقول بود:
_اعتبرها دي طريقة شكري ليك على اللي عملته النهاردة معايا
أطال التمعن في معالم وجهها ونظرتها له وهي منتظرة منه الأذن ليسمح لها بأن تداوي له جرحه فتنهد بحرارة ومد كفه لها مغلوبًا يسمح لها بأن تتولي هي المهمة، فأمسكت بكفه الكبير وبدأت في تعقيم جروح يده بلطف وهو يراقب من تفعله بصمت تام، وبينما كانت مطرقة رأسها للأسفل ومنشغلة بتضميد جرحه كانت خصلات شعرها المتمردة تغطي عيناها فتحاول هي بظهر كفها إعادتها لمكانها لأن يدها ملطخة بدواء التعقيم، لكن خصلاتها كانت مُصرة على ازعاجها وفي كل مرة تبعدها عن عيناها تعود وتسقط مجددًا، حتى شعرت فجأة بلمسة يده وهو يمسك بخصلات شعرها كلها ويعيد شعرها إلى خلف ظهرها حتى لا يزعجها مجددًا، فرمقته بارتباك وخجل بسيط وهمت بصوت خافت بكلمة ( شكرًا ) وانزوت نظرها عنه مجددًا تكمل تضميد جرحه.
استقرت عيني سليم على " وحمة " كبيرة نسبيًا في رقبتها ظهرت بعدما أعاد شعرها إلى خلف ظهرها، فقذف بذهنه كلمات صبحي بإحدى المرات التي كان يتحدث فيها عن ابنته ويفضض له واصفًا ابنته يقول له ( أنا مشوفتش بنتي غير مرة واحدة ياسليم أول ما اتولدت بعدها أمها الـ*** خطفتها ومعرفش ودتها فين لكن أنا فاكر كويس اوي أنها كانت مولودة بوحمة في رقبتها والدكتور وقتها قالنا دي مش هتروح وهتفضل تكبر معاها، يمكن في يوم من الأيام الوحمة دي هي اللي تخليني افكر اعرفها واميزها واتأكد أنها بنتي ).
سأل سليم فيروز دون أن يزيح بعينيه عن رقبتها:
_الوحمة اللي في رقبتك دي أنتي مولودة بيها ؟!
لاحظت فيروز تمعنه في رقبتها فارتبكت وردت عليه على استحياء:
_أيوة
تزايد الشك في صدره وأصبح أشبه بتأكيد بعد رؤيته لتلك العلامة المميزة في جسدها، فجذب يده من كفها بعدما انتهت من تعقيم جرحه ولف عُقل أصابعه بقماش طبي أبيض، استقام واقفًا وهتف بصوت لطيف:
_شكرًا يافيروز.. أنا طالع أنام تصبحي على خير .. واقفلي الباب كويس عليكم
أجابت عليه باستغراب من تعجله:
_لسا في جرح في وشك
سليم بإيجاز وهو يتسدير ويتجه نحو الباب:
_لا كدا تمام أوي أنا كويس
غنضت حاجبيها بحيرة وراقبته بنظراتها حتى انصرف من المنزل كله فلحقت به باتجاه الباب وأغلقت الباب بإحكام من الداخل.....
***
داخل منزل داليا وشاهين تحديدًا داخل غرفة لارا.....
كانت لارا جالسة على فراشها وأمامها جهاز الكمبيوتر الخاص بها المتنقل وتشاهد أحد الأفلام الأجنبي الجديدة، لكن ضغطت على زر إيقاف التشغيل في الجهاز عندما سمعت صوت طرق الباب وأجابت على الطارق تسمح له بالدخول، فانفتح الباب وظهرت من خلفه طارق الذي دخل واغلق الباب خلفه واقترب ليجلس بجوارها ويلقي بنظره على شاشة الكمبيوتر يسألها:
_بتتفرجي إيه ؟
أجابته باستغراب وهي تتمتع تعابير وجهه المريبة:
_بتفرج فيلم اجنبي حلو اقعد اتفرجه معايا لو حابب
زم طارق شفتيه بحنق وتمتم:
_لا مليش مزاج أنا مش جاي اتفرج أصلا.. أنا جاي اتكلم معاكي لأني حاسس أني هتجنن لو متكلمتش مع حد
أغلقت الجهاز وتطلعت في وجه أخيها بترقب واهتمام ثم هتفت تسأله بقلق:
_مالك يا طارق إيه اللي حصل ؟!
تنهد طارق الصعداء مطولًا ثم نظر في وجه شقيقته وقال بلهجة حازمة وهو يلقي عليها تعليماته الصارمة:
_هحكيلك بس إياكي تجيبي سيرة لحد وبالأخص ماما فاهمة ولا لا
هزت رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية بعدما إدركت جدية الأمر فأخيها لا يشاركها أسراره في العادة إلا أذا كان الأمر خطير حقًا.
تفوه طارق بصوت خافت ووجه عابس:
_بابا تقريبًا بيخون ماما
صاحت لارا بصدمة وهي تقول:
_بتقول إيـــه !!!
زغرها طارق بنظرة نارية هامسًا بتحذير:
_وطي صوتك
ابتسمت لارا بعدم تصديق وقالت وهي تحدقه بقرف:
_وبعدين معاك بقى ياطارق يعني أنت جاي تقطعني وتخليني اوقف الفيلم عشان هزارك البايخ زيك ده
اشتدت حدة معالم طارق وهتف بلهجة جادة لا يظهر عليها أي علامات للمزاح:
_أنا مش بهزر يا لارا.. بعدين هي دي مواضيع فيها هزار
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا حتى اختفت تمامًا وهي تراقب تعبيرات وجه شقيقها الذي مازالت على حالها وتظهر صدق ما يقوله فتمتمت بصوت مبحوح:
_يعني إيه مش بتهزر أكيد أنت فهمت غلط وإيه اللي يخليك تقول كدا ؟!!
تأفف طارق بضيق وقال في يأس:
_اتمنى أكون فهمت غلط بس معتقدش لأني كذا مرة اشوف الست اللي بيخون ماما معاها طالعة من عنده من المكتب في الشركة ده غير أن تصرفاتها مش مريحة ولا تصرفات بابا مريحة لما بتكون موجودة
هتفت لارا بتساءل حقيقي:
_مين الست دي ؟
_مروة اللي أنا زعقلتلك على السفرة وقولتلك متتكلميش معاها
ردت لارا رافضة التصديق:
_ لا مستحيل دي ست كويسة أوي باين عليها ومتعملش كدا
طارق بانفعال بسيط:
_متقوليش كويسة قدامي وتنرفزيني بقولك بابا بيخون ماما معاها وتقوليلي كويسة
استحوذ على لارا الصمت المريب وهي تحاول استيعاب تلك الحقيقية القاسية وعيناها امتلأت بالعبرات وراحت تنظر لأخيها تسأله بقهر حزنًا على أمها وغضبًا من أبيها كأنه لديه الإجابة:
_ليييه ياطارق.. ليه بابا يعمل كدا في ماما دي بتحبه أوي وهو كمان بيحبها أنا بشوف قدام عيني حبهم لبعض ليه يخونها
مد طارق يده ومسح على شعر أخته بحنو متمتمًا في هدوء وهو يواسى لارا ويهدأها:
_معرفش والله يا لارا أنا سألت نفسي نفس السؤال ده ملقيتش إجابة.. أهم حاجة ماما متعرفش أي حاجة بالكلام ده فاهمة لغاية ما اتأكد أنا هحاول اتأكد واعرف إذا كان الشك ده حقيقي فعلا ولا أوهام في دماغي ويارب تطلع أوهام
نظرت لارا في وجه طارق كالحمل الصغير وقالت في وجع متأملة العكس:
_ان شاء الله تطلع أوهام.. بابا ميعملش كدا ياطارق
بسط ذراعه ولفه حول كتفيها ثم ضمها لصدره وهو يربت على ظهرها بحنو ويتنهد بأسى وداخله يتمنى أن تكون شقيقته على حق.....
***
داخل إحدى المطاعم الفاخرة الخاصة بالطبقة المخملية....
حول طاولة راقية مزينة وفخمة فوقها كأسين من الماء وبالمنتصف شمعة صغيرة تطلق شرارة نار صناعية وأمام كل واحد منهم صحن راقي وبجانبه منديلا قماش جميل، كانت مريم عيناها تتجول داخل ذلك المطعم الذي تزوره لأول مرة وانبهرت بجماله، نظرها يتنقل بين الطاولات وتراقب الأحباب حول كل طاولة وهم يتحدثون بكل رقي وهدوء.
وبينما كانت هي منشغلة بالتمعن في جمال المطعم كان أمير لا يزيح بنظره عنها معلنًا أن لا يوجد بهذا المكان أجمل من كتلة الرقة والجمال الجالسة أمامه، حيث كانت ترتدي ثوب أزرق طويل وبحمالات رفيعة لكنها تضع فوق كتفيها شالًا من الفرو لونه أبيض يخفي كتفيها وصدرها فانتبهت مريم لنظراته التي لا تفارقها فرمقته باستغراب امتزج بحياء بسيط وهي تسأله:
_بتبصلي كدا ليه يا أمير مالك؟!
مال ثغره للجانب في ابتسامة مفعمة بالعشق والإعجاب وأجابها بصوت دافئ دون أن يحيد بنظراته التي تقول أكثر من لسانه:
_ you look perfect tonight ( أنتي تبدين مثالية الليلة )
لاح شبه ابتسامتها الخجلة على ثغرها فور إداركها أنه تعمد الإجابة على سؤالها ومغازالتها بعبارة من أغنيتها المفضلة ( perfect ) فأطرقت رأسها أرضًا وهمست في خجل ملحوظ:
_ thanks
تمتم أمير وهو يعتدل في جلسته مبتسمًا بحب:
_انده الـويتر وشوفي حابة تطلبي إيه عشان ناكل
هزت رأسها له بالموافقة فقام هو بالنداء على النادل الذي جاء بعد لحظات معدودة واستمع لطلباتهم وسجلها في دفتره الخاص بتدوين طلبات الزبائن، وبعد رحيله هتفت مريم وهي تحول بنظرها في أنحاء المطعم:
_المطعم ده جميل أوي
هتف أمير مازحًا يضفي لمسته المميزة على جلستهم:
_ نشتريه كله المطعم ده لأجل عيونك يا برنسس
مالت مريم برأسها للجانب وهي تبتسم بقلة حيلة منه ثم أطلقت تنهيدة حارة وراحت تسأله بفضول وهي مثبتة نظراتها عليه:
_بما أني خلاص سامحتك وأنت نجحت بأساليبك الديكتاتورية أنك تخليني اسامحك وآجي معاك المطعم نتعشى، فحابة أعرف أي سبب عصبيتك يومها وليه قولتلي كدا.. إيه اللي مضايقك في مؤمن ؟!
رفع أمير حاجبه مستنكرًا سؤالها العبثي ورد عليها بجدية:
_يعني أنتي مش عارفة إيه اللي مضايقني وليه عملت كدا
هزت رأسها بالنفي متصنعة عدم الفهم فاغتاظ منها ورد بسخرية وهو يضحك:
_بلاش بقى تعصبيني يا مريم.. ده أنا مطلعك date عايزة إيه تاني عشان تفهمي.. ولا أنتي بتعملي نفسك عبيطة
ابتسمت بخجل وهي تطرق نظرها أرضًا مؤكدة عبارته الأخيرة فقال مغلوبًا وهو يضحك:
_آه بتعملي نفسك عبيطة.. أنا قولت كدا برضوا
أخفى ابتسامته باللحظة التالية فورًا وحل محلها الحدة والغيرة الحقيقية وهو يلقي أوامره عليها متمتمًا:
_طيب مش عايز بقى اشوفك بتقعدي مع الكائن ده تاني والهزار والضحك والمسخرة دي نلغيها تمامًا
رفعت حاجبها باستهزاء من تعليماته التي يُلقيها عليها وقالت في قوة وابتسامة دهاء أنثوي:
_مش معنى أني فاهمة مشاعرك يبقى ده يديك الحق أنك تتحكم فيها وتقولي أعمل إيه ومعملش إيه.. ثم أن أنا مقولتش أني ببادلك نفس المشاعر يعني لا احنا مرتبطين ولا أي حاجة
هتف أمير وهو يسأله بنظرة مغتاظة مدركًا اللعبة النفسية التي تلعبها عليه:
_يعني أنتي مش بتبادليني نفس المشاعر ؟!!
رفعت كتفيها لأعلى بجهل متصنع وزمت شفتيها برقة وهي تجيبه بدلال خبيث:
_معرفش !
استشاط غيظًا أكثر منها وراح يضرب بخفة على سطح الطاولة بكفه وهو يتطلعها بتحدي ويهتف في وعيد وغيرة ملتهبة:
_طيب يامريم أنا حذرتك ولو حابة تشوفيه وهو على نقالة المستشفى بعد ما أكسر عضمه عضمة عضمة ابقى استمري في اللي بتعمليه
رمقته مبتسمة بمكر ونظرة كلها ثقة وتحدي ثم إجابت بعد أن لمحت النادل وهو يقترب بالطعام من بعيد:
_الأكل وصل يا مافيا
رغم حنقه منها لكن لاح شبه ابتسامة خافتة على ثغره جراء سخريتها اللطيفة منه وظل يحدثها بنظراته وهو يتوعد لها بينما هي فكانت تضحك بتلذذ وانتشاء....
***
بصباح اليوم التالي داخل مقر شركة الطوخي ......
كان يقف عوني أمام زجاج النافذة داخل مكتبه الخاص بمقر الشركة وعيناه معلقة على مروان بالأسفل وهو يقف أمام سيارته ويتحدث في الهاتف بجدية ووجه تعلوه معالم الصدمة والقلق، وبعد لحظات قصيرة أنهى اتصاله واستقل بسيارته وانطلق بها بسرعة البرق.
بدأت الأفكار والشكوك تنهش في عقله وظهرت قتامة عيناه مغتاظًا من ابنه الذي أطال التمرد ولا يقبل الاستسلام، على قدر قلقه عليه لكن سخطه كان يفوق أي مشاعر أبوية داخل قلبه.
سمع صوت طرق الباب فهتف يسمح للطارق بالدخول، وكان الطارق هو صلاح الذي فور دخوله وجد عوني يسأله بصوت غليظ دون أن يلتفت له:
_عرفت حاجة ياصلاح ولا لسا ؟
رد صلاح بيأس وعبوس:
_لا للأسف ياعوني بيه معرفتش اوصل لأي خيط يوصلني لسليم بيه
هتف عوني بنبرة ثقة يمزجها الاستياء والوعيد:
_خليك ورا مروان هو اللي عارف مكان سليم
تساءل صلاح بحيرة:
_معقول يكون سليم بيه معرف مروان مكانه ومش قايل لأمير بيه ؟!
استدار عوني بجسده كاملًا تجاه صلاح ورد عليه بذكاء:
_سليم ابني وأنا عارف دماغه طالع ليا ذكي ودماغه جبارة، هو توقع أني أول واحد هيجي في بالي هو أمير وعشان كدا مخلاش أمير يعرف مكانه وقال لمروان، وإصرار سليم أنه يخليني معرفش مكانه ياصلاح دي خلتني اتأكد أن سليم مخبي حاجة أو في حاجة مش حابب يخليني اعرف حاجة عنها خوفًا من ردة فعلي
هتف صلاح بتفكير في فضول وحيرة:
_حاجة زي إيه يعني ؟!
عوني بنظرة خبيثة:
_معرفش بس أكيد حاجة هتساعدني تخليني أجبره يرجع للمشروع والشغل، خليك أنت ورا مروان وأول ما توصل لحاجة بلغني
_ حاضر ياعوني بيه
***
توقف سليم بسيارته أمام أحد المخازن القديمة التابعة لعائلة الطوخي وترجل من سيارته وهو مرتديًا بنطالًا أسود يعلوه جاكت جلد أسود وقاد خطواته الواثقة إلى باب المخزن وكان يقف أمام بالخارج رجل ضخمًا حارسًا وفور رؤيته لسليم فتح له الباب دون كلمة فدخل سليم ونزع عنه نظارته الشمسية السوداء، بالداخل كان يوجد رجلين في حراسة حازم فهبوا واقفين عندما رأوا سليم الذي اقترب منهم وسأل بصوته الغليظ:
_الممرض اللي هيغيرله على الجرح جه الصبح ولا لا
رد أحد الرجال بجدية:
_جه يا سليم بيه وزي ما أمرت اتصرفنا مع الممرض ومش هيفتح بقه عن اللي شافه
رفع سليم كفه وربت على كتف الرجل بقوة هاتفًا:
_عفارم عليكم
ثم تركهم واقترب بخطواته البطيئة تجاه حازم الذي كان متسطح على فراش صغير ورث ومكبل من ذراعيه، جذب سليم مقعد خشبي صغير وجلس أمام الفراش وهو يتطلع لحازم مبتسمًا بشر هاتفًا:
_شوفت أنا طلعت راجل جدع ازاي رغم أنك كنت عايز تقتلني امبارح بس أنا عالجتك وكمان مقعدك على سرير ومرتاح وحاطط حراسة عليك عشان يحموك
كانت نظرات حازم لسليم مشتعلة ممتزجة ببعض الخوف منه وهو يجيب ساخرًا:
_يحموني ولا يخلصوا عليا !!
لمعت عيني سليم بشر مرعب وقال:
_لا هما ميقدروش يعملوا كدا إلا بأمر مني.. والأمر ده متوقف عليك أنت يازيزو
طالت نظرة حازم المستفهمة والمرتعدة لسليم ثم سأله:
_أنت مين بظبط؟!
عادت الابتسامة الشيطانية المرعبة تزين ثغر سليم مجددّا وهو يميل بحزعه للأمام باتجاه حازم ويهمس في تحذير:
_أنت اللي بإيدك تقرر أنا مين.. تقدر تخليني ملاك حامي وتقدر تخليني عزرائيل هياخد روحك بإيده
_ وإيه اللي هيخليك تكون ملاك حامي وتسيبني امشي
رد سليم بثبات تام ونظرة نارية:
_تبعد عن ياسين وفيروز وتنساهم تمامًا
التهبت نظرة حازم فور ذكره فيروز وقال بانفعال هادر:
_أنت فاكر أنها بقت تفرق معايا بعد ما بقى شرفها في الطين وعايشة معاك في بيت واحد
ابتسم سليم ببرود مستفز وقال في لهجة وقحة :
_طب حلو أوي أنا عايزك تعتبرها بتنام في حضني كل ليلة، وعشان كدا ابعد عنها خالص وده لمصلحتك زي ما قولتلك وإلا هتجبرني أكون عزرائيل وأنا الاختيار ده مبحبش الجأ ليه صدقني لأنه بيخرجني عن طبيعتي وأنت زي ما شايفني أنا ملاك ومش بقدر أذى نملة حتى
قال حازم بقرف من فيروز امتزج بارتيعاده من هيئة سليم وكلامه الذي أشبه برجل مافيا أو سفاح لا يرحم :
_أشبع بيها معدتش تخصني بس عايز ياسين
اشتدت قتامة نظرات سليم وقال بغضب مهيب:
_أهو ده بذات تبعد عنه أنت وأمك وأختك وإلا اقسم بالله مش هيهمني أنهم حريم وهبدأ بأختك قبلك أنت وأمك ولك أن تتخيل اللي ممكن أعمله إيه مع بنت جميلة زيها وشابة
ثار حازم غضبًا وصرخ بسليم في عصبية هستيرية:
_لو قربت من أمي أو أختي ولمست شعرة منهم هقتلك فاهم ولا لا
قهقه سليم بسخرية وردت عليه في ثبات مستفز:
_متقولش كلام أنت مش قده يازيزو بعدين أنا مجرد بديك رؤية مستقبلية عن اللي هيحصل لو فضلت أنت وأمك وأختك ورا فيروز وأخوها وبتحاولوا تأذوهم أما لو بعدتوا من غير شوشرة مفيش أي حاجة من ده كله هتحصل وتقتدر تعتبر نفسك مشوفتنيش كمان.. هااا قولت إيه؟
رد حازم على مضض مجبرًا على الموافقة:
_ماشي موافق هبعد عنهم بس قصاد كدا عايز نص مليون واوعدك أنك مش هتشوف وشي لا أنا ولا عيلتي
صر سليم على أسنانه مغتاظًا منه لكنه أجاب بالموافقة:
_رغم أني قادر اقولك مش موافق وأنت زي الـ **** غصب عنك هتبعد عنهم لأنك عارف اللي هيحصلكم إيه لو فكرت تأذيهم تاني بس أنا موافق هديك اللي عايزه، ووقتها لو لمحت خلقتك تاني مش هيبقى في تحذير ولا كلام زي احنا بنتكلم كدا دلوقتي لا هيبقى أفعال فورًا
رد حازم بالموافقة وهو يبتسم بخبث:
_اتفقنا
***
بعد مرور ساعتين داخل بناية العم صبحي كان سليم صاعدًا على الدرج بطريقه لشقة منزله التي تقطن بها فيروز وياسين لكنه توقف بنصف الطريق عندما صدح صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب على الاتصال الوارد الذي كان من أمير يقول:
_الو يا أمير
رد أمير بهدوء:
_عامل إيه ياسليم ؟
_كويس الحمدلله أنت اخبارك إيه وماما وداليا عاملين إيه ؟
تنهد أمير الصعداء بحنق ورد على أخيه الكبير يسأله:
_مش ناوي تقولي مكانك فين برضوا وآجي اشوفك واطمن عليك
سليم بضيق:
_ما أنت عارف اللي فيها يا أمير وأنا فهمتك ليه مش عايز أقولك ولا عايزك تجيني خالص بذات الفترة دي كمان، اطمن أنا كويس وزي الفل ولو في أي حاجة حصلت معايا ومحتاج مساعدة أكيد هكلمك ياخويا
أجاب أمير بقلة حيلة:
_طيب ياسليم.. خد كلم ماما قلقانة عليك وعايزة تكلم
أعطى أمير الهاتف لكاميليا التي جذبته بلهفة وراحت تهتف بقهر:
_سليم عامل إيه يا حبيبي طمني عليك ؟
رد على أمه بحنو وصوت محب:
_أنا زي الفل ياست الكل متقلقيش عليا
ردت كاميليا بصوت مبحوح ومحتقن بعبرات الحزن:
_وحشتني أوي يا سليم ارجع ياحبيبي البيت عشان خاطري، حتى أبوك مضايق جدًا وأول ما ترجع هينسى كل حاجة وهترجعوا زي الأول
هتف سليم بلطف محاولًا التخفيف عن أمه مازحًا:
_وأنتي كمان وحشتيني يا كاميليا هانم.. قريب أن شاء الله هرجع بس مش دلوقتي معلش اطمني أنا مرتاح وكويس و...
قطع كلماته عندما رأى سليم يفتح الباب ويخرج ويصيح بفرحة:
_عمو سليم
أجاب سليم على أمه بصوت خافت وهو ينهي الاتصال بإيجاز:
_هكلمك بعدين يا ماما سلام دلوقتي
فور انهائه الاتصال انزلت كاميليا الهاتف من فوق أذنها ونظرت لأمير بدهشة متمتمة:
_أنا سمعت صوت عيل صغير بيقول لأخوك عمو سليم
رد أمير ببساطة غير مكترثًا :
_يمكن بيتهيألك يا ماما إيه اللي هيجيب عيل صغير مع سليم
تمتمت كاميليا بثقة وهي تنظر في الفراغ بتفكير:
_لا أنا حاسة أن سليم مخبي حاجة عننا يا أمير
على الجانب الآخر عودة لسليم الذي اقترب من ياسين وانحنى على رأسه يقبل شعره بحنو متمتمًا:
_اهلًا يا بطل عامل إيه ؟
هتف ياسين بحيرة وفضول طفولي يسأله:
_امبارح بليل فيروز قالتلي أنها نزلتني البيت عشان أنت كان معاك مشوار ومكنش ينفع تسبني نايم وحدي.. بس النهاردة الصبح بدري طلعت عشان اطلب منك تنزل تفطر معانا مكنتش موجود روحت فين ؟
تمتم سليم مبتسمًا في خبث ونظرة شر مزيفة:
_روحت نفس المشوار بتاع بليل عشان اكمله واخلص منه خالص
غمز ياسين بذكاء طفولي وقال مازحًا بلؤم:
_هو مشوار خطير للدرجادي ياعمو سليم ولا إيه؟
حديقه سليم بنفس نظراته ورد عليه:
_وأنت عرفت منين أنه خطير !
أشار ياسين على وجه سليم وقال بدهاء ومكر:
_عشان وشك وأنت بتقول أنك هتخلص منه خالص كان بيبن أنه مشوار أكشن
قهقه سليم بقوة وهو يمسح على شعر ياسين ويرد عليه بإعجاب:
_ده أنت طلعت مش سهل خالص ولئيم.. هو فعلًا مشوار أكشن بس أنا حليته خلاص وعايز منك بقى خدمة عشان في مشوار أكشن تاني مهم محتاج اخلصه
رد ياسين في حماس طفولي وفضول:
_خدمة إيه ؟
جثى سليم على ركبتيه أمام ياسين لكي يصل لمستوى طوله الصغير وهمس بصوت خافت حتى لا يصل لآذان فيروز:
_معاك صورة لباب وماما الله يرحمهم
أجاب ياسين بالنفي :
_لا مش معايا بس فيروز معاها واحدة في شنطتها.. أنت عايزها ليه ياعمو سليم؟
تابع سليم بنفس نبرته الخافتة وهو يبرر له سبب رغبته في الصورة ويلقي عليه تعليمات سرية:
_عايز اشوف شكلهم كان ازاي وحابب اخلي صورة ليا معاهم، بس بما أن الصورة مع فيروز فهنتفق أنا وأنت اتفاق تمام
أماء الصغير رأسه بالموافقة ورد:
_تمام
استطرد سليم هاتفًا:
_هتاخد الصورة من شنطة فيروز من غير ما تحس ولا تعرف خالص وإياك تقولها أنك هتديني الصورة وبعد ما تاخدها اطلعلي على فوق أنا مستنيك
مط ياسين شفتيه بتوتر وطرح سؤال بصوت عالي يحول في عقله:
_طيب لو شافتني من غير ما أحس وكشفتني اقولها إيه ؟
_ لا هي مش هتكشفك أنت ذكي وشاطر يا ياسين.. هتاخد الصورة بسرعة وتجبهالي اتفقنا
_ اتفقنا
انتصب سليم في وقفته مجددًا وأشار بعيناه مبتسمًا وهو يغمز لياسين يحثه على الدخول للمنزل وتنفيذ خطتهم وبعد دخول الصغير صعد هو وأكمل طريقه للأعلى حيث غرفته التي يقطن بها وجلس ينتظر وصول الصغير ومعه الصورة التي ستساعده في كشف الحقيقة......
***
بمساء ذلك اليوم داخل منزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفته هو وكاميليا....
كانت كاميليا نائمة بجواره على الفراش عندما صدح رنين هاتفه فاستقام جالسًا والتقط الهاتف ثم هب واقفًا مغادرًا الفراش بعدما رأى اسم المتصل " صلاح " ، خرج لشرفة الغرفة وأجاب عليه بصوت قوي:
_إيه يا صلاح عرفت حاجة ولا إيه؟
هتف صلاح مبتسمًا بخبث:
_راقبت مروان الصبح ياعوني بيه وطلع عارف مكان سليم بيه فعلًا.. هو قاعد في بيت صبحي الجنايني بس في حاجة تاني لازم تعرفها
ابتسم عوني بثقة ونصر وهو يسأل :
_حاجة إيه ؟!
صلاح بحيرة:
_في واحدة قاعدة مع سليم بيه في الشقة ومعاها أخوها الصغير معرفش إيه علاقته بيها هل متجوزها ولا عايشة معاه كدا من غير جواز
أدرك الآن سبب إصرار ابنه على عدم معرفة مكانه.. والآن هو عرف جزء من الحقيقة ويبدو أن ما خفي كان أعظم فأجاب على صلاح وهو يأمره بحدة:
_طيب يا صلاح عايزك تعرف كل حاجة عن البنت دي وإيه علاقتها بسليم كويس وتقولي وبعدها ابقى اشوف هتصرف ازاي
***
على الجانب الآخر داخل إحدى البنايات القديمة بإحكى المناطق الشعبية البعيدة عن منطقة فيروز، كان سليم يقف أمام شقة بالطابق الثالث داخل تلك البناية وينتظر فتح الباب، وبعد دقائق قصيرة انفتح الباب وظهرت من خلفه سيدة في مقتبل الخمسين من عمرها تنظر لسليم باستغراب وتسأله:
_مين أنت ؟
ربما هي لا تتذكره لكنه يتذكر معالم وجهها جيدًا ولم ينساها فطالما كان صبحي يسرد له عن حكاياته معها ويريه صورهم معًا، ابتسم سليم لها بغل وقال في صوت غليظ مخيف:
_أنا سليم الطوخي.. اعتقد فكراني كويس