رواية عهد الدباغ الفصل الحادي والعشرون21 بقلم سعاد محمد سلامه

رواية عهد الدباغ الفصل الحادي والعشرون21 بقلم سعاد محمد سلامه
بالمطبخ 
مازالت عهد تشعر بالتوتر مما حدث قبل قليل، وبخت نفسها بهمسٍ مضطرب:
إيه اللي دخلك الأوضة دي أساسًا كان كفاية ياسين يدخل يصحيه.

زفرت نفسها ببطء، تحاول تهدئة خفقان قلبها، لكن الإحساس بالارتباك ظل عالقًا بها، كأن اللحظة لم تنتهي بعد... حاولت تمالك نفسها... حين دخل فاروق يتقدمه ياسين بمرح طفولي.. 
رفعت عهد رأسها على الفور،جلست خلف طاولة الطعام  اعتدلت في جلستها محاولة إخفاء ارتباكها.
بيما توقف فاروق للحظات عند العتبة، عينيه تتجولان عليها بنظرة مُشتاقة... كم ود أن يتوقف كثيرًا عند تلك اللحظة. 
إقترب منها ياسين تبسمت له وحاولت التركيز معه وتجاهلت وجود فاروق،أو بالاصح تجاهل ما حدث قبل دقائق،تُعطي الأمر لعقلها أن ذلك مجرد لحظة خطأ غير مقصود،تفوهت بحنان : 
يلا إقعد عشان تفطر... وبعدها نشوف الهوم ورك، قولت امبارح ان بكره اجازة... خلينا نخلصه. 

أومأ ياسين لها مُبتسمً، رغم وجود فضول لديها عن معرفة بماذا وشوش ياسين لـ فاروق لكن أرجأت ذلك لفيما بعد إنصراف فاروق... تسأل ياسين بالتأكيد سيبوح لها بذلك. 
…بينما جلس فاروق، عيناه لم تبتعدا عنها، كأنهما تعوضان دقائق حُرم منها قسرًا... جلس على المقعد المقابل لها ، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، لكن كتفيه المشدودين ويده التي استقرت على حافة الطاولة بقبضة خفيفة ربما فضحت صمته،بينما.
انشغلت عهد بوضع الطعام أمام ياسين، يديها تتحرك بخفة محسوبة.. وهي تقرب كأس الحليب أمام ياسين...دون أن ترفع بصرها ناحية فاروق...، تشعر بوجوده كحِملٍ ثقيل على صدرها، تحاول تجاهله… وتفشل.
تبسم  ياسين وهو يمد يده إلى الخبز بحماس... لا يفهم ما يحدث حوله من إضطرابات... 

ابتسمت له عهد، ابتسامة تخفيز:
  كُل كويس عشان تبقي قوي  ونخلص الهوم ورك من غير تعب. 

تدخل فاروق بصوت هادئ متعمدًا: 
ما تقلقيش… ياسين شاطر وبطل قوي.

رفعت عهد عينيها نحوه لثانية خاطفة، نظرة سريعة كأنها تحذير غير معلن، ثم عادت تنظر إلى ياسين: 
خلص أكلك كله وإنت ابقي شاطر .

ضحك ياسين ببراءة قائلًا:
ايوه عشان أبقي قوي وشاطر زي بابا... عشان سمعت من ناناه ميرفت إن ماما تعبت عشان مكنتش بتاكل كويس. 

صمت فاروق وهو اختفت بسمته كأن الكلمة أصابته في موضع حساس... ابتلع رده، واكتفى بابتسامة خفيفة وهو يزيح نظره عنها إلى الطبق أمامه... أما عهد، فشعرت بوخزة قوية في صدرها… مزيج من الذنب والارتباك وشيء آخر لم ترد الاعتراف به.
ساد الصمت للحظات، لم يقطعه سوى صوت الملاعق. لكن الصمت لم يكن مريحًا؛ كان مثقلًا ، بما حدث قبل قليل، وبنظرات تُسرق خلسة ثم تنتهي سريعًا.
قطع فاروق الصمت أخيرًا:
بعد الفطار… أنا همشي بدري النهارده.

توقفت يد عهد عن الحركة لجزء من الثانية، بالكاد يُلحظ، ثم قالت بنبرة ثابتة مصطنعة:  براحتك.

أما ياسين، فاعترض فورًا: 
ليه. ما تقعد معانا شوية.

نظر فاروق إليه ، ثم عاد بعينيه إلى عهد، وكأنه يقول لها دون صوت: لو تعرفي ليه…لكن
اكتفى بالرد: 
عندي شغل.

هزت عهد رأسها دون تعليق، لكن قلبها لم يكن بنفس هدوء ملامحها. كانت تعلم… كلاهما يعلم… أن "الشغل" لم يكن إلا هروبًا مؤقتًا من لحظة لو استمرت، لانكشفت أشياء لم تعد قابلة للإنكار.

بعد وقت غادر فاروق، ضبت عهد بقايا الطعام، ثم بحثت عن ياسين وجدته يلعب بإحد الالعاب
جلست لجواره حاولت معرفة بماذا كان يوشوش لـ فاروق،لكن ذلك الصغير كان حريصً وعهد لم تشأ الضغط عليه،فهو ذو لسان زالف،وقد يُخبر فاروق أنها ألحت عليه لمعرفة ما دار بينهما..نظرت له وزفرت نفسها بضجر قائلة لنفسها:
ماشي مش عاوزه أعرف،ما أنت نسخه من سخافة باباك. 
❈-❈-❈
بالمقر الخاص بـ محي الدباغ
دلفت عليه السكرتيرة، تمد يدها ببطاقة تعريف صغيرة قائلة: 
الشخص اللى فى الكارت ده واقف بره عاوز يقابل حضرتك. 

رفع محي رأسه  عن الملف، التقط البطاقة من يدها بملامح محايدة…
ما إن وقعت عيناه على الاسم حتى تعجب من زيارة ذلك الشخص... وأعاد البطاقة بين أصابعه ببطء قائلًا  بسؤالل: 
هو قال سبب الزيارة. 

هزت السكرتيرة رأسها بنفيٍ مهذّب: 
لأ يا فندم… بس باين عليه مستعجل شوية، وطلب يقابل حضرتك شخصيًا.

صمت محي لوهلة، ثم أشار لها بإيماءة قصيرة: تمام دخّليه.

خرجت السكرتيرة، وبقي محي وحده، يسند ظهره إلى المقعد، زفر نفسًا عميقًا وهو يحدق في باب المكتب…
ثوانٍ، وانفتح الباب... دلف الرجل بخطوات واثقة، نظراته تجوب المكان سريعًا قبل أن تستقر على محي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا تخلو من الترقُب
وقف محي ببطء، نبرة صوت هادئة... أقترب منه الآخر يرسم بسمة حقيقية يمد يده ليُصافحه قائلًا بثبات: 
"نديم الجنايني" 
متأسف لو جيت بدون ميعاد سابق... مش هاخد من وقت حضرتك كتير. 

نظر محي ليده الممدزدة ثم قام بمصافحته قائلًا برزانه: 
أهلًا أستاذ نديم... إتفضل... 
ثم أشار بيده نحو المقعد المقابل لمكتبه، ثم عاد وجلس خلفه، يسند مرفقيه على السطح الزجاجي. 

جلس نديم، أسند ظهره وهو يشعر ببعض التوتر والترقُّب، ورغم ذلك أبقى نظره ثابتًا وهو يقول بهدوءٍ محسوب:
أنا عارف إن وقت حضرتك له أهمية، وعشان كده هدخل في الموضوع مباشرة… أنا جاي أتكلم معاك في موضوع ارتباط عائلي.

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أقل صلابة:
عارف إن المكان ممكن ما يكونش مناسب للكلام ده، بس الظروف فرضت كده.

لم يبدُ على محي أي اندهاش، لكنه شبك أصابعه فوق المكتب، ونظرة له فاحصة مُرددًا باستفهام:
ارتباط عائلي. 

أومأ نديم برأسه، 
مال للأمام قليلًا، بنبرة ازدادت جدية:
اتفضل  كمل … سامعك.

تنفّس نديم بعمق، وكأن الكلمات التالية تحتاج شجاعة أكبر قائلًا:
الموضوع يخص الأنسة "يارا" … وأنا حابب يكون الكلام واضح من الأول، من غير لف ولا دوران.

توقف للحظات كأنه يستشف رد فعل محي، الذي تحدث بسؤال:
وإنت تعرف يارا بنتي.

أومأ نديم بإيجابٍ خفيف: 
أيوه اعرفها من النادي... وده بالضبط سبب وجودي هنا.

أومأ محي قائلًا: 
تمام كمل. 

اعتدل نديم في جلسته قليلًا، وأسند كفّيه فوق ركبتيه، كأنما يهيّئ نفسه لما هو آتٍ:
أنا بتقدم لـ يارا بنية واضحة...بعد ما فكرت إن أدخل البيت من بابه مباشرةً،ومفتحتش الموضوع الآنسة يارا حبيت يكون اللقاء مباشر بيني وبين حضرتك. 

لم يرمش محي، لكن نظراته بها بعض إعجاب من لباقة نديم...لكن هو تعلم من الأيام الاا يستعجل الأمور قبل دراسه تنهد قائلًا: 
واضح إن في تعارُف بينك وبين يارا. 

-فعلًا من فترة…
هكذا أجابه نديم بهدوء، ثم أكمل بصراحة:   شايف إن الصح إني أبدأ بحضرتك.

مال محي للخلف، عقد ذراعيه أمام صدره:  وإنت شايف نفسك مناسب لها على أي أساس. 

ابتسم نديم ابتسامة خفيفة، خالية من التحدي قائلًابهدوء:
لأني فاهم طبيعتها،  ومش داخل الموضوع بدافع اندفاع ولا مصلحة...  وأنا مستعد أتحمل مسؤوليتها كاملة، قدام ربنا وقدام حضرتك.

صمت محي قليلًا ينظر لـ ندبم بتدقيف كأنه يُقيمه ثم تفوه ببرود متعمد:
يارا مش بنت سهلة… واللي يفكّر يقرب لها لازم يكون قد قيمتها. 

- وأنا عارف.
قالها نديم بثبات، قبل أن يضيف: 
وعشان كده جيت لك بنفسي، بدون وسيط. 

ارتسمت على شفتي محي ابتسامة عاديه لا تُقرأ بسهولة قائلًا:
واضح إن  كلامك محسوب… بس القرار فى موضوع زي ده مش بيتاخد في قعدة مكتب.

تفهم نديم ذلك قائلًا: 
فاهم حضرتك وإنت عارف إن ده عرض مبدأي، أكيد لو حصل قبول أنا هجيب والدي ونجي لبيت حضرتك نتقدم حسب الأصول. 

بدأ محي يزداد إعجابه به أكقر، لكن أخفي ذلك قائلًا: 
الرأي رأي يارا، بس قبلها أكيد لازم أسأل عنك. 

أومأ نديم باحترام قائلًا: 
طبعًا… ده حق حضرتك. 

ظلا يتحدثان ببعض الشؤون فى حالة حدوث وفق...ثم نهض نديم  ليستأذن بالانصراف، بالفعل نهض محي يصافحه قائلًا: 
تمام... هتصل عليك فى حالة حدوث موافقة. 
أوما نديم باحترام قائلًا: 
قلبي حاسس إن هيكون بينا لقاءات كتير جاية... أتمنى يكون الرد بموافقة. 

اومأ محي، ونظر الى نديم وهو يُغادر...لا ينكر إعجابهه بلباقته...لكن عمله بالسوق علمه الا يحكم ظاهريًا،كذالك شعر ان هنالك وجهًا واضحًا أن هذا اللقاء لم يكُن سوى البداية.

❈-❈-❈
مساء
دلف فاروق الى الشقه، وقف يبتسم لذاك المُتحفز الذي يضم يديه الى صدره قائلًا بنرة عتاب قوي: 
بقالى ساعتين جاهز ومستنيك قولت هرجع بدري، دلوقتي إتأخرت. 

ضحك فاروق وجلس على ساقيه أمامه قائلًا: 
آسف بس كنت مع عميل وأتأخرت بسبب الشغل. 

تنهد ياسين قائلًا: 
تمام أنا جاهز وعهد كمان جاهزة، يلا بينا. 

نظر فاروق حوله قائلًا: 
عهد فين. 

أجابه ياسين  بتلقائية: 
كانت بتكلم حد فى الموبايل وزمانها خلصت. 

بالفعل لحظات وأغمض فاروق عينيه حين هلت بعِطرها الخفيف... الذي انعش قلبه فتح عيناه ورفع رأسه نظر نحوها... زي بسيط يسوده الأسود مع زهرة باللون البنفسجي كأن حتى الزي يُشبهها... بتلقائية تبسم، عيناه تصنمت عليها، تنحنحت قائلة: 
أنا جاهزة للمشوار اللى معرفش فين. 

انتبه فاروق ضاحكًا وهو ينظر نحو ياسين، ثم نهض قائلًا: 
المكان مش إختياري ده إختيار الدباغ الصغير، وتمام طالما جاهزين يلا بينا عشان منتأخرش أكتر من كده 

بعد لحظات بالسيارة. كانت عهد تجلس جوار فاروق بالمقدمة وياسين بالخلف يتحدث مع فاروق بمرح، وعهد مجرد مُستمعة الى أن توقف فاروق أمام أحد الملاهي... إسنغربت ذلك ثم فهمت أن هذا هو المكان الذي إختاره ياسين... ترجلت مثلهم من السيارة... 

بعد وقت كان فاروق وياسين يلهوان معًا ببعض. الالعاب وهي تشاهد فقط، لكن للغرابة شعور بالسعادة فى قلبها لا تعرف له سببً، أز ربما السبب هو ضحكات ياسين التى تنطلق من قلبه.. ضحكات طفل برئ  لم تُثقله الحياة بعد.

وأثناء وقوفها بالقرب من إحدى الألعاب، اقترب منها شاب، حياها وتحدث معها بكلمات عابرة، ردت عليه بأدب دون أن تعير الأمر اهتمامًا يُذكر.
لكنها لم تنتبه إلى عيني فاروق…
عينان اشتعلتا فجأة، تغير بريقهما، شد قبضته وهو يراقب المشهد من بعيد... 
تحمل للحظات قليلة… ثم ترك ياسين واتجه نحوها بخطوات سريعة، نبرته خرجت منخفضة لكنها مشحونة وهو يسألها:
في حاجة. 

توقف الشاب، ونظرت عهد إلى فاروق بدهشة خفيفة، لم تفهم حدة صوته المفاجئة، بينما التوتر بدأ ينسحب إلى الأجواء دون إنذار... 
نظرت عهد إلى فاروق باستغراب صامت، قبل أن تجيبه بهدوء: 
لأ… ولا حاجة، كان بيسألني بس على لعبة.

لم يرفع فاروق عينيه عنها، ظل تركيزه منصبًّا على الشاب، نبرته جاءت حادة ومباشرة:  تمام… شكرًا.

تردد الشاب لحظة، شعر بقسوة النظرة، فاكتفى بابتسامة محرجة وانسحب مبتعدًا دون كلمة أخرى.... ما إن ابتعد حتى التفت فاروق إلى عهد، خفّض صوته لكنه لم يُخفي حِدته: 
تعالى معانا بلاش توقفي لوحدك كده.

رفعت حاجبيها بدهشة، نبرتها خرجت هادئة لكن يشوبها اعتراض: 
أنا كنت واقفة بتفرج بس… ما عملتش حاجة.

زفر فاروق ببطء، وكأنه يحاول كبح شيءٍ داخله قائلًا: 
عارف… بس المكان زحمة.

قبل أن ترد، جاء صوت ياسين من خلفهما وهو يلوح يديه بحماس قائلًا:
بابا  تعال بسرعة… اللعبة دي جامدة أوي. 

تبدّلت ملامح فاروق فورًا، اختفت الصرامة، وارتسمت ابتسامة خفيفة وهو يلتفت إليه قائلًا:  جاي يا بطل.
ثم عاد بنظره إلى عهد، نبرته أصبحت أهدأ قائلًا:
خليكِ معانا.

أومأت دون تعليق، وسارت بجوارهما.
لكن قلبها كان يدق بإيقاعٍ مختلف…
وهي لا تعرف إن كان سببُه توتر اللحظة، أم تلك الغيرة التي ظهرت من فاروق، لكنها كانت واضحة بما يكفي... 
اقتربوا من اللعبة، وياسين يقفز بحماس وهو يشرح لفاروق قواعدها كأنه خبير قديم، بينما كانت عهد تقف جوارهم تراقب المشهد بابتسامة خفيفة.
فاروق حاول أن يبدو طبيعيًا، يضحك مع ياسين، لكن عينيه كانت تعود إليها بين لحظة وأخرى… كأنه يتأكد أنها ما زالت قريبة...
بعد انتهاء الجولة، ركض ياسين نحو كشك الحلوى القريب قائلًا:
بابا عايز غزل بنات. 

ضحك فاروق قائلًا: 
ماشي يا سيدي… بس واحدة بس.

ثم التفت إلى عهد سائلًا!
تحبي حاجة. 

ترددت لحظة، ثم هزّت رأسها بنفي:
لاء متشكرة.

تركها وتوجه مع ياسين، فبقيت عهد وحدها للحظات..تدمعت عينيها وهي تتذكر فرح كانت نزهتها المفضله حين كونا يأتي بهن والدهن الى الملاهي،لم تكُن تترك أي لعبة دون أن تجربها،كذالك تلك الحلوى...بينما هي لم تكّن اللملاهي ولا الخلوى تستهويها...لكن كانت تسعد قلبها لسعادة فرح وهي تُحرضها على تجربة بعض الألعاب...اليوم تشعر بروح فرح فى ياسين وهو يُهلل بمرح...إبتلعت غصة قلبها،ونفضت ذلك الحزن مقابل ضحكات ياسين،رفعت رأسها تستنشق الهواء تبتلع عينيها تلك الدموع...
راحت تتأمل الأضواء الملوّنة، الأصوات المتداخلة، والناس من حولها… كان هناك دفء غريب، إحساس بالألفة لم تعتده.
عاد فاروق بعد دقائق، تبتسمت لـ ياسين الذي يحمل غزل البنات، بينما أمسك بعلبة عصير وقدمها لها دون كلام.
نظرت إليه ثم أخذتها بقبول قائلة: 
شكرًا.

جلسوا على أحد المقاعد القريبة.
كان ياسين منشغلًا بالحلوى، بينما ساد صمت قصير بينهما.
قطعه فاروق أخيرًا، بنبرة أخف مما سبق: 
أنا آسف لو كنت اتكلمت بخشونة من شوية.

نظرت إليه بدهشة خفيفة.
أكمل، وهو لا ينظر مباشرةً إليها: 
بس ما بحبش حد يقرّب منك… خصوصًا وأنا موجود.

تسارعت أنفاس عهد دون قصد، لم تجد ردًا سريعًا... وقبل أن تنطق، رفع ياسين رأسه فجأة، لاصقًا غزل البنات على خده بضحكة: 
بابا بص. 

ضحك فاروق بصوت عالي هذه المرة، وتبدد التوتر،
لكن الكلمات ظلّت عالقة في قلب عهد…
تدور هناك، تترك أثرًا لم يكن من السهل تجاهله. 

بعد وقت بالسيارة أثناء العودة 
كانت عهد تتجنبه…
ليس هروبًا، بل محاولة يائسة لإعادة الأشياء إلى ما كانت عليه قبل تلك اللحظات...
لكن فاروق لم يكن أعمى.
لاحظ صمتها الزائد، ، نظراتها التي تهرب كلما تلاقت عيناهم 

بينما تفوه ياسين بتلقائية:
عهد كانت بتجيب ليا ألعاب كتير كل ما تسافر،ليه يا عهد مش بقيتي تجيبي لى لعب.

غص قلبها لكن أجابته بتلقائية:
ان شاء الله هرجع أسافر قريب وهبقي أجيب لك.

أومأ لها ياسين بحماس طفولي، بينما اشتدت قبضة فاروق على عجلة القيادة دون أن يعلق بصوت مسموع... 
لكن داخله كان يعج بالأفكار… هو لن يسبق الحدث، ولن يسمح لها بالعمل كمضيفة طيران مرة أخرى... هي الآن أصبحت زوجته، وفكرة غيابها لأيام كاملة  ثقيلة  على صدره أكثر مما يعترف به... ومع ذلك… لم يضغط، أو بالأحرى لم يفرض نفسه كزوج الى الآن.. 
يحاول مراعاة، ليس فقط حزنها على فرح، بل أيضًا للطريقة التي تم بها زواجهما؛ كل شيء جاء مرتبكًا، سابقًا لأوانه، ومضغوطً بظروف لم تُتيح لهما فرصة فهمها بعد... رغم انه  يتمنى أن يذوب الجليد بينهما بهدوء، أن يأتي القرب تلقائيًا لا مفروضًا، أن تشعر بالأمان لا بالحصار... 
لكنه، في المقابل  يشعر أن المسافة تطول بدل أن تقتصر… وأن صمته قد يُفهم خطأً... 
توقف عند إشارة المرور، زفر نفسًا طويلًا، ثم ألقى نظرة جانبية عليها... 
كانت تنظر خارج النافذة، ملامحها هادئة، لكن في عينيها غياب واضح، كأنها في مكان آخر.
لحظتها أدرك…
أن الصبر وحده لا يكفي دائمًا،وأن عليه أن يتكلم، قبل أن يتحوّل الجليد إلى جدار لا يُهدم. 

بعد وقت دلفت عهد أولًا الى الشقه ثم خلفها فاروق وياسين يحملان علب كارتونيه بها بعض اللعب، توجهت نحو غرفة ياسين، دخل خلفها ياسين وفاروق، وضعا الالعاب بسلة خاصة بها، تفوه ياسين وهو يتثائب ومازال يود اللعب:
نفتح علبة الطيارة و...

قاطعته عهد برفض:
لاء خليها لبكرا كفايه لعب بقى... كمان عشان تنام وتصحي الصبح رايق وإنت رايح الحضانة. 

كاد يعترض لكن نظرة عهد جعلته يستسلم وهو يلوح بيديه. 

ضحك فاروق، وكذلك عهد التي قالت بابتسامةٍ دافئة وهي تنهض:
يلا خليني أغير لك هدومك بيجامة عشان تنام… أنا كمان عاوزة أنام.

ثم مالت نحو ياسين، تُربت على كتفه برفق:
قول لبابا تصبح على خير… عشان هو كمان يروح ينام.

نظر فاروق إليهما…وغص قلبه... 
كان المشهد بسيطًا، عفويًا، لكنّه ضربه في الصميم؛عهد بهذه العفوية مع ياسين، بهذه الرقة التي لم تطلب مجهودًا، وكأنها وُجدت هنا منذ زمن، تعتبر نفسها ضيفة ولا زوجة حتى وإن كانت جاءت على عجل... 
ابتلع غصته، وأخفى اضطرابه بابتسامة خفيفة، بينما رفع ياسين رأسه وقال بحماس: 
تصبح على خير يا بابا.

اقترب فاروق، قبل رأس ياسين، ثم نظر إلى عهد نظرة طويلة لم تستطع أن تخطئ معناها…
امتنان، وشيء آخر أعمق، إقترب منها هي الأخرى وضع قُبله على وجنتها... إنصدمت منها... إرتبكت وعادت للخلف... لم تُبدي رد فعل ونظرت نحو ياسين الذي صعد على الفراش... 
بينما غص قلب فاروق وتحدث  بصوت منخفض: 
تصبحوا على خير.

تابعهما بعينيه، بقي واقفًا للحظة، يشعر بشيءٍ يتحرك داخله ببطء…
خرج من الغرفة، زفر نفسه بقوة... 
ربما كان هذا هو أول خيط دافئ يذيب الجليد،
أو ربما كان وعدًا صامتًا بأنه لن يسمح لها أن تشعر يومًا أنها وحدها. 

بعد خروجه من الغرفة تنهدت عهد بقوة كأن وجوده اصبح يجعلها أحيانًا تكتم أنفاسها كي لا تُعطي رد فعل سيء أمام ياسين... وضعت يدها فوق وجنتها مكان قُبلته شعرت بمشاعر مُضطربه بين القبول، وبين الرفض... لكن عادت تتنهد وهي تُحذر عقلها... اقتراب فاروق مع الوقت قد يُصبح خطرًا. 
❈-❈-❈
بشقة محسن…
كان يجلس في غرفة المكتب، منحنيًا على حاسوبه الخاص، يعمل بتركيز تام... 
فجأة، دون سابق إنذار، تسلل إلى ذاكرته لقاؤه مع جُمانة... 
للوهلة الأولى… ابتسم.
ابتسامة خفيفة، عابرة، كأنها خرجت منه دون إذن... 
عاد به الزمن لسنوات الجامعة… بعض المُقتطفات السريعة، ضحكات في الممرات، نقاشات طويلة، ونظرات لم يكن يمنحها معنى وقتها... 
آنذاك، كان يريد أن يُنهي تلك المرحلة بأسرع ما يمكن، أن يتفرغ للعمل مع والده، كان رأسه ممتلئًا بالحماس والطموح، يريد أن يُثبت أنه ليس مجرد ابن صاحب اسم، بل قادر على بناء نفسه بجهده...
لم يكن للحب مكان في خطته.ولا للعلاقات المؤجلة...
أغلق صفحة على الحاسوب دون أن ينتبه، وأسند ظهره إلى المقعد، زفر نفسًا عميقًا…
وتساءل، للمرة الأولى منذ زمن طويل،
هل كان يهرب من المشاعر فعلًا
أم أنه فقط لم يقابل من تٕجبره على التوقف عندها... تفرض حضورها دون عناء،
وتربك خططه المرتّبة بعناية،
فتجعله يعيد النظر في كل ما اعتقد أنه حُسم منذ زمن. 
تنهد بقوة ثم ظل قليلًا صامتًا، يدور في ذهنه مزيج من الذكريات والواقع.
تذكّر ضحكات جُمانة، طريقة حديثها، وحتى طريقة عبورها للممرات في الجامعة… تفاصيل صغيرة لكنه لا يقدر على نسيانها.
ابتسم مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ابتسامة مختلفة… أكثر دفئًا، ممزوجة بشيء من الندم الطفيف:
يمكن كنت محتاج أدي لنفسي فرصة أشوف الدنيا من منظور تاني. 

مد يده نحو الفنجان على المكتب، ارتشف رشفة من القهوة، ثم عاد ينظر إلى شاشة الحاسوب بلا تركيز، أفكاره عالقة في الماضي والحاضر معًا... 
فكر في نفسه:
كنت بحاول أثبت للكل إني قوي… لكن يمكن اللي محتاج أثبته لنفسي... 
ثم أغمض عينيه للحظة، مسترجعًا مشاعر لم يشعر بها منذ زمن، شعور بالحماس، بل وحتى الفضول… حول ما يمكن أن يحدث لو قرر أن يواجه مشاعره بدل الهروب منها... 
في تلك اللحظة، كان واضحًا له شيء واحد الحياة أعقد من مجرد نجاح مهني أو خطة مُرسومة، والمشاعر… لا تنتظر أحدًا.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب بهدوء… وطلت رابيا ، دخلت الغرفة بخطوات رقيقة، ترتدي منامه قصيرة قليلًا ليست مُغرية بسيطه تُبرز جسدها....
توقفت عند حافة المكتب، نظرت إليه بابتسامة هادئة:
لسه شغال. 

رفع محسن رأسه، وابتسم لها بابتسامة خفيفة، لكنه لم يغلق الحاسوب:
آه… بس خلاص هأقفل دلوقتي.

اقتربت منه، وضعت يدها على ظهر الكرسي خلفه، وهي تميل قليلاً قائلة  برقة: 
تعبت ولا إيه. 

أغمض عينيه للحظة، استنشق ذلك العطر الذي يفوح منها بعمق، ثم قال بصوت هادئ:
شوية… 

ابتسمت هي أيضًا، تبادلوا نظرة قصيرة… مليئة بفهم صامت،بينما هي  قريبة منه كأن الكلمات الزائدة غير مطلوبة  للحظة أدرك  أن حضورها وحده قادر على تغيير كل شيء… حتى عقل مشغول كعقله.
❈-❈-❈ 
بعد مرور عِدة ايام 
مساءًا 
بمنزل الدباغ
،نظرت نحو ياسين الذي يهرول نحوها ببعض الضيق قائلًا: 
عاوز ألعب شوية كمان. 

تنهدت عهد وهي تنظر نحو السماء كانت بعض السُحب تتجمع كذالك الطقس به نسمات هواء قوية وقالت بأمر: 
كفاية لعب فى الجنينة... الهوا شديد، كمان الدنيا ضلمت يلا خلينا ندخل وكفاية كده. 

غصبً امتثل ياسين وتوجه نحوها 
بنفس الوقت دلفت سيارة الى الحديقة... استغربتها عهد... ظلت واقفه دون سبب... نظرت نحو الذي ترجل منها... شخص ربما مألوف لكنها لا تتذكره... كذالك معه شخص آخر كبير بالعمر يبدوا والده... 
لم تهتم وكادت تدخل هي وياسين لكن ذلك الشخص اقترب منها مُبتسمً يقول: 
عهد! 

توقفت ونظرت نحوه وهو يقترب منها نظر الى ياسين الذي بتلقائيه وضع يده بقبضة يدها... تبسمت له، بينما ذلك الآخر اقترب وتوقف أمامها قائلًا مره أخرى: 
عهد. 

نظرت له سائلة: 
حضرتك تعرفني. 

نظر نحو ياسين قائلًا باستفسار: 
ده إبنك فيه شبه منك.. 

قاطعته بسؤال: 
حضرتك تعرفتي. 

أجابها: 
مش فاكراني... أنا نديم.. 

لم تّسعفها ذاكرتها، وضح لها معرفته بها. 

رسمت ابتسامة باردة... كاد أن يسألها، لكن بنفس الوقت إنطلق صوت حاد يقول بنبرة غِيرة: 
عهد!... إيه اللى موقفك هنا... خدي ياسين وإدخلوا جوه. 

صمتت بينما عيناه تطلق شرارًا قاسيًا. 

تعليقات



<>