رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل الرابع عشر14 بقلم مروه نصار

رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل الرابع عشر14 بقلم مروه نصار
دوامة الذكريات.. 

مدينة أوستيا_ منزل إيڤا القديم.. 

توشحت بالظلام، كتمت أنفاسها خشية أن تلتقط أذنيه صوتها، تجمدت في مكانها واختبئت خلف النافذة الموصدة تتوارى عن الأنظار، ولكنها لم تتمكن من كبح رغبتها في رؤيته، حدقت من بين الفراغات الصغيرة تحاول أن تلتقط صورته الأخيرة قبل أن ترحل إلى الأبد.
هل افتقدته سريعا هكذا؟، أم مجرد فضول لرؤية وجهه ومعرفة هل تأثر بغيابها أم لا
يبالي؟!
يا ويلتها لو كان الابتعاد عنه يومان يفعل بها هذا، فماذا إذن عن بقية العمر؟!.

تأملته وهو يقف في منتصف الطريق بعد خروجه من المبني، يمرر أصابعه في عصبية بين خصلات شعره الفوضوي، يبدو عليه أنه لم يمشطه منذ ليلة أمس، وجهه غاضب ولكن عينيه حزينتان، أجل لمحت تلك النظرة التي لا تغفلها، تراجعت للخلف سريعا، لا تريد أن تنهار عزيمتها، تخشى أن تهرع نحوه وتلقي بكل شيء عرض الحائط ولكن لا لن يحدث.

أدارت ظهرها للنافذة كما لو كانت تعلن أن تلك الحياة أصبحت من الماضي بما فيها هو، لن تنظر لها ثانية أو تعود إليها.

جرت قدميها نحو الأريكة، وسقطت عليها وهي تعلن عن خوضها لمعركتها الأخيرة مع دموعها التي لا تريد الانصياع لها وتستمر في الهطول.
تمددت في الظلام، فلا يوجد حتى ضوء شمعة تنيره، لا تريد لأحد أن يعلم أين هي؟، تحمد الله أن صاحبة البناية وافقت على خطتها ولم تنتهك وعدها لها، وأخبرت كل ما تساءل عنها أنها جاءت ليلة أمس وحزمت حقائبها ثم قامت بتسليمها المنزل ..وأنه لم يعد البيت ملكا لإيڤا ..
هي فقط في حاجة لبضعة أيام حتى تستطيع تحديد خطوتها التالية، فقط عدة أيام قليلة.
تمددت على ظهرها وحدقت في السقيفة، كان الظلام يغلف المكان إلا من بعض أضواء السيارات التي تتحرك على الجدران وتشكل أشكالا عديدة لها، ظلت تتفرس فيها حتى شاهدت وجهه أمامها، عيناه تلمع في الضوء وشفتاه تقطر قطرات من شراب التوت البري الذي كان يهوى سكبه على كفها ثم ارتشافه ببطء شديد، كم كان يهوى تعذيبها بأساليب حبه المرهقة لقلبها المتلهف له؟!.

شردت عن الواقع وغاصت في ذكرياتها معه طوال الأشهر الماضية، ااااهة انطلقت من الصدر وهي تتذكر ليلة زفافهما، كيف بدأت؟!، وعلى ماذا انتهت!!
همساته...لمسات يديه، عناقه الأبدي، أيعقل أن مجرد التفاف ذراعيه حولها يفعل بها هذا؟!
لقد كان يعانقها كما تعانق الشمس السماء، بل إن الشمس ترحل وهو لا، كلماته لها كانت تذيب كل حصونها وخجلها، تمهد له الطريق بلا عوائق ليصل إليها دون أي عناء.
لقد قال لها تلك الليلة ألف كلمة أحبك، بعدة أشكال ومفردات ولغات، بل أنه أراها الفصول الأربع معه ليلتها وهو يمتطي صهوتها ويعدو بها في كل أركان قلبه العاصف، الممطر، القاسي، والمتعطش لها. 
هطلت دموعها بغزارة مرة أخرى عندما تذكرت كلماتها له وهي تلهث من غزوه لشفتيها:
_ ابعد عني
سكن قليلا لكنه لم يبتعد عنها، ثم همس بعذوبة في أذنها وهو يمرر شفتيه على عنقها :
_ ليه؟
_أرجوك ابعد عني .
ابتعد قليلا عنها وهو يحدق في وجهها وقال بدهشة :
_ مالك؟
تأملته في صمت وقالت وعينيها تلمع بالدموع: 
_عايزاك توعدني الأول .
ابتسم لها وقال : 
_أوعدك بإيه؟.
اعتدلت في جلستها وقالت :
_ إنك مش هاتخوني، مش هاتضحك عليا، اوعدني انك هتحبني انا وبس، اوعدني انك مش هاتلمس أي ست غيري ، وإن قلبك ليا أنا، أرجوك اوعدني، والأهم اوعدني انك لو في يوم مقدرتش توفي بوعدك تيجي تقولي وانا هانسحب في هدوء، لكن خيانة لا، صدقني اليوم اللي هاعرف فيه انك خنتني هاختفي من حياتك ومش هتشوفني تاني.

حدق بها في صمت ثم اقترب نحوها وضمها إلى صدره بقوة وهو يردد:
_ تفتكري بعد ما لقيتك ممكن اسيبك تختفي من حياتي، أنا مش محتاج اوعدك بكل الكلام ده، لأني مش شايف في الكون حد غيرك، انتي المدار اللي بلف فيه، شفتي قبل كده الشمس خرجت عن مدارها عشان انا أخرج!،
روح ...إنتي روح ردت فيا، وبقت ساكنة جوايا.
ثم ضمها أكثر وأردف :
_ كفاية كلام...

وهل تحتاج أكثر من هذا؟، وهل هناك أكثر؟!، لاااا ...يكفيها هو، شغفه بها، جنونه، لمساته، 
كلماته العذبة، وعناقه ...أجل لم يمسسها رجل من قبل ولكنها على يقين أنه لا يوجد رجل يضاهيه فى العناق.

تحركت من على الأريكة ودلفت إلى غرفتها، أرادت الهرب من كرة الذكريات التي تطاردها، أن تبتعد بقدر الإمكان عن تلك الأفكار التي قد تدفعها للعودة إليه ثانية، ولكن كيف؟، بأي حق تفعل هذا بحالها؟!، بعد فعلته تلك.
لن تستطيع لا، أجل الحزن يلتهمها كأسد جائع ، ينهش جسدها من الداخل، يتلذذ بمذاق قلبها المفطور، ولكن عودتها إليه لن تجعله يرحل، 
بل إن ألمها سيزداد، سيسقط على قلبها كالجبال.

يجب أن تقاوم، لا يجب أن ترضخ، لطالما اعتادت على الفقد، اكتوت بنيرانه في العديد من المرات، والديها ..إيڤا ...لا يجب أن يكون الأمر بهذة الصعوبة، ما الاختلاف عما سبقوه؟.

لمعت الإجابة أمامها (الانتماء)، لم تظن يوما أنها ستشعر بأنها جزءا من رجل، تنتمي إليه، ولكن حدث معه، كان هو الملجأ والمأوى، كان الروح التي تتسلل إلى أعماقها وتحتل كل ذرة من كيانها، والآن بعد ما حدث، كيف ستعتاد الفقد ثانية؟! .

تململت على الفراش وهي تتذكر الفردوس التي كانت تحيا فيها طوال شهران كاملان، الأسرة التي لطالما حلمت بها وحصلت عليها أخيرًا، إلى أن ظهرت تلك الملعونة ثانية ...
أغمضت عينيها بقوة كما لو كانت تريد أن تحطم تلك الصورة المطبوعة بهما ...

تتمنى لو تنتزع تلك الليلة المشئومة من صندوق ذكرياتها وتعود ليلتان للوراء، عندما أمضت طوال اليوم معه وبين ذراعيه، ولكنها لن تعاند القدر، لقد أصدر الحكم ويجب أن تلتزم  بالعقاب، تستحق هذا، ألم يكن هذا نفس الرجل الذي خدع صديقتها، حطمها أشلاء حتى ماتت، ماذا كانت تنتظر منه؟ .

أن يفي بوعده حقا لها!!، أن يكتفي بها ويترك كل تلك الحسناوات اللاتي لا تغادرن مداره، أجل الشمس لا تخرج من مدارها لأنها ليست بحاجة لذلك هي تستمر في الدوران وأثناء ذلك تحرق كل من يلتقي بها بما فيهم قلبها الغبي.

ولكن لماذا لم ينتظر قليلا؟، هل ملَّ منها حقا؟، ألهذه الدرجة كان يتلهف إلى العودة لأحضان عشيقته السابقة؟ ..
لم يمهلها بعض الوقت، بل انتزعها من منتصف حلمها الوردي وألقاها في منتصف الجحيم وحيدة.

مرت أمام عينيها مشاهد الغرام بينه وبين تلك الساقطة التي رأتها صوت وصورة، لم تتمكن من الاحتمال غطت وجهها بيديها لعل تتمكن من حجب تلك المشاهد البشعة.
كيف كان محموما معها إلى هذه الدرجة؟، لقد كان كالصياد الذي يلتهم فريسته بعد فترة انقطاع طويلة عن الصيد، آهاتهما، تلك الآنات التي لم تتحمل سماعها، فكيف تتمكن من أن تتغاضى عنها؟ .
لقد ذبحها بسكين لا يعرف القتل الرحيم، نحر قلبها وتركه ينزف ببطء شديد، وتلك العاهرة لم تنتظر بعض الوقت بل بمجرد عودتها إلى بيت العائلة جاءت إليها لتزف لها خبر لقائها بزوجها المحموم،وأنه لم يتمكن الابتعاد طويلا عنها ...
ماذا كان ينتظر منها؟، لا حاجة لها للمواجهة فقط الرحيل هو الحل، لقد أنذرته وانتهى الأمر .
************************

إن الحب لا يحمل أقدارا، فقط عتمة ليل ..حريق في القلب ونارا، لا نعلم إلى أين يأخذنا، ولكننا نسارع الخطى نحو القمة ولا نري الانحدار، نغمض أعيننا ونتمنى، أن ترتفع أجسادنا وتطفو، حتى ونحن نهوى من شدة الانكسار .

انطلق بسيارته بأقصى سرعة غير مكترث بالمارة أو إشارات المرور، فقط يريد أن يجدها، أن يفسر لها ما حدث، لا يجب أن تظن أنه خدعها، لا ... لم يفعل ..
عينيه كانتا تنقبان عنها في كل زاوية، لم يترك مكان قد تذهب إليه إلا وبحث عنها فيه ولكن بلا جدوى.
كيف تجرؤ على أن تفعل هذا به ؟، كيف سمحت لقلبها بالتخلي عنهما ؟ ألم تكترث حتى بابنتها !!
نيران الغضب تلتهمه، لا يستطيع أن يغفر ما حدث؟، ولكن هل يستطيع لومها؟.
لقد شاهد المقطع الذي تركته له مع رسالتها المؤلمة. 
( أشكرك على تلك المشاهد الرائعة، لقد أيقنت أن الخيال لا يتحقق، ظننت أنك قد تتغير، ولكنني كنت مخطئة، لقد أثمت يوم أن وقعت في حبك، وتناسيت صديقتي التي جرحتها من قبل، وها أنا اتجرع من نفس الكأس،  تحية من قلبي لأنك لم تدعني أحيا في هذا الحلم طويلا، لا تحاول البحث عني، لقد انتهى كل شيء )

سدد لكمة قوية إلى المقود وهي ينطلق سريعا، كلماتها تركض أمام عينيه، تنهش قلبه كوحش ثائر يبحث عن الانتقام، كيف حدث هذا؟، 
كيف تجرأت اليسيا على هذا الفعل؟ ... اليسيا ...اليسيا ..إسمها ظل يتردد في ذهنه ..
لن يدعها تهنأ بفعلتها، دوما كانت مصدر تعاسته، تلك الساقطة، لقد تهاون معها كثيرا، ولكن ما فعلته الآن لا يغتفر  ولن يمرره لها. 

التقط هاتفه وأرسل رسالة صوتية إلى ابن عمه صخر يطلب منه ملاقاته بعد قليل ثم انطلق بأقصى سرعة إلى وجهته.
************************

جلست في المنزل تتصفح أخبار العروسين على شبكات الانترنت، التي تتصدر المواقع الأخبارية دوما، العديد من المقالات عنهما، صورهم تشعل الصفحات وهما يتجولان في المدن أو يجلسان في مقهى أو حتى يتبادلان القبل، كل شيء يحيط بهما غاية في الجمال والرومانسية، حياة خيالية كان يجب أن تكون ملكا لها هي وليست تلك الحمقاء المصرية التي ظهرت من العدم..
ظلت تنقب عن الخبر الذي تريده، بالتأكيد الصحافة الصفراء التقطت بعدساتها أي شيء عن انفصال بينهما ولكنها لم تجد شيء بعد .

_مستحيل، بالتأكيد حدث شيء، لا يجب أن يضيع كل هذا سدى، لم أكد أفقد حياتي حتى أعود خاوية الوفاض، يجب أن يكونا قد انفصلا الآن ....جلست تتحدث مع نفسها
والغضب يشل عقلها عن التفكير، لقد سقطت في شرك ابتلعها حتى الهاوية، بالكاد استطاعت أن تخرج منه سالمة، ولكن بعد فوات الأوان، جراحها استغرقت وقتا طويلا حتى تماثلت للشفاء، أجل كانت على حافة الموت ولكنها قاومت والآن كل خططها ذهبت هباءا، حتى هذا الثمن الذي دفعته كان بلا مقابل، لقد تركها جثة هامدة ولم تتعافى إلا بعد أن تم الزواج وأصبحت المهمة أصعب، ولكن، ليست مستحيلة. 

التقطت بين أناملها شريحة الذاكرة وتأملتها جيدا، ثم تمتمت قائلة: 
_لم أنتهي بعد، وبالتأكيد كان له أثره عليها، لقد رأيت عينيها جيدا وهي تشاهده، كانت كامرأة فقدت قلبها للتو، لذا فقط بعض الصبر، فأنا لن أقبل بالهزيمة أبدا بعدما كنت على وشك أن أفقد حياتي في المقابل. 

دقات قوية على الباب جعلتها تنتفض من جلستها، وقفت تفكر قليلا، من يكون؟،
إنتابها الذعر أن يكون "مارتن "هو الطارق، لا .. ليس مرة ثانية. 
تقدمت بحذر وهي تستعد له، لقد وعدها أن ما فعله بها سيكون لمرة واحدة فقط، لن تسمح له بملامستها ثانية.

فتحت الباب وهي تحاول التماسك ولكنها تفأجات عندما وجدته هو أمامها.
انفرجت أساريرها، لقد عاد إلى رشده أخيرا وعلم أنه لن يتمكن من الاستغناء عنها، ابتسمت له وهمت بالحديث ولكن نظرات وجهه لم تمنحها القدرة على المواصلة..صمتت وهي تشعر ببعض الخوف من ملامحه الغاضبة.

تراجعت للخلف عندما وجدته يتقدم للأمام ويغلق خلفه الباب، وقفت في منتصف الغرفة تتأمله وهي تنسج في ذهنها آلاف القصص ولكن ولا واحدة كانت تستطيع إنقاذها مما يغضبه.

تقدم آدم إلى الداخل وجلس على الأريكة في هدوء وهو يضع ساقا على ساق، عيناه كانت تلتهمها، يود لو يتمكن من قتلها الآن ولكن يجب عليه التمهل لم يحن الأمر بعد.
لحظات ودق جرس الباب وبعد ثوان كان صخر في الداخل معهما. 

نهض آدم ووقف ثلاثتهما في الغرفة على شكل دائري، يواجه كل منهم الآخر، ثم أخيرا تحدث بالايطالية قائلا : 
_ما الذي ينبغي علينا فعله الآن يا صخر؟، هل يجدي الحديث أم يجب أن نبدأ بالمرحلة الأخيرة!!.

ابتسم صخر بسخرية وهو يتقدم نحو اليسيا يجذبها من شعرها قائلا:
_ أنت تعرفني يا ابن العم لا أحب الانتظار طويلا، وأفضل دوما أن أبدأ من النهاية. 
ثم حول بصره إليها وهو يسقطها أرضا، يجذبها بعنف نحوه وأردف: 
_وأنا أعتقد أن تلك الحقيرة يجب أن تعاقب جيدا قبل أي حديث.

صرخت اليسيا بفزع : 
_ماذا تريدان فعله؟، ماذا حدث؟

عاد آدم للجلوس وزفر بقوة قبل أن يشيح بوجهه تجاه النافذة وقال :
_ من الذي قام بتصويرنا سويا ؟ 

دمعت عينيها بخوف وقالت بصوت متهدج يحمل مزيج من العناد والرجاء:
_ عما تتحدث؟

التفت نحوها ورمقها بنظرات مشتعلة وقال:
_ كوني على يقين، أن ما يستطيع صخر فعله بكِ لا يمكن تحمله، والأهم أنني لست أحمل صفة الصبر ولا تريدنني أن أضع يدي عليكي، حينها ستتمنين الموت ولن تجديه.

انتفض جسدها رعبا ولكنها حاولت التماسك، ولكن صخر لم ينتظر طويلا وصفعها بقوة على وجهها حتى سقطت قطرات دماء من فمها.

ارتمت أرضا وهي تحاول الفرار بالزحف بجسدها ولكنه جذبها مرة أخرى للخلف، وسدد لها عدة صفعات متتالية ثم أخيرا هدر بها بقوة قائلا : 
_من هو ؟
تمتمت قائلة : ما..مارتن .
نظر الرجلان كلاهما إلى الاخر ثم قال صخر ببرود :
_ كده عرفنا مين وراها، دوره جاي، بس لما الأول أخلص دور الهانم، امشي انت دور على مراتك وسيبها ليا.

نهض آدم من مقعده وقال : _هتعمل ايه ؟

غمز له صخر وقال بسخرية : _عيب يا كونت لما تسأل المايسترو عن شغله، بس اتأكد إني هاعلمها تلعب سيمفونية كاملة لحد ما تتوب.

ابتسم آدم بألم وقال :
_ متتأخرش، أنا محتاجاك، وأهم حاجة مش عايز أشوف الزبالة دي تاني إلا لو كان نعيها في الجرايد. 

_ هايحصل ...قالها صخر ببرود ثم التفت لها وداعب وجنتها قائلا : 
_اغفري لي عزيزتي، هل آلمتك كثيرا؟، هيا انهضي، أمامنا يوما طويلا أرغب أن انتهي منه سريعا. 

نهضت ببطء وهي ترتجف والكلمات تتبعثر على شفتيها : _ما ... ماذا تقصد؟ ما ...ما الذي تنوي فعله ؟ 

_ تريثي أيتها الغانية فما أريد فعله!، لا يوصف بالكلمات ...فقط انتظري وسترين ، هيا دعيني أرى غرفة نومك ..

وقف آدم يشاهدهما ثم انطلق مسرعا نحو الخارج ، في محاولة أخرى لإيجاد حبيبته ..

************************

فتحت عينيها على ضوء الصباح الذي غمر الغرفة، كانت في حاجة شديدة للراحة، لم يذق جفنيها النوم طوال الليل إلا في الساعات الأخيرة، عينيها يكسوهما الاحمرار مع بعض التورم من كثرة البكاء ولكنها لا تملك رفاهية الوقت، يجب أن تنهض سريعا وتحزم حقائبها حتى ترحل عن هذا المكان بل عن المدينة بأكملها.

تململت بكسل على الفراش ثم نهضت ببطء وتحركت بآلية نحو الحمام، خلعت ملابسها وفتحت صنبور المياه ووقفت أسفله.
دقائق مرت وهي ثابتة لا تتحرك، المياه تجري على جسدها تمتزج بدموعها الصامتة، رغم برودتها إلا أنها لم تتمكن من خمد نيران قلبها المشتعل...
ظلت في مكانها فترة، ضائعة ..مشتتة...لا تكترث لشيء سوى لذكرياتها معه ...شريط من الصور تتراقص أمام عينيها من خلف جريان المياه المتدفق، صور باهتة ..مشوشة...ولكنها تعتصرها من الداخل .

مدت يدها وأغلقت المياه والتقطت المنشفة وهي تتذكر أول يوم لها بالقصر عندما اقتحم الحمام وأوقظها من غفوتها وهي في حوض الاستحمام ..
هزت رأسها تنفض تلك الذكريات المزعجة، والتقطت المنشفة تجفف جسدها ثم ارتدت ملابسها وشرعت في حزم حقائبها .
لقد تركت كل شيء بالقصر ..ملابسها الفاخرة ...مجواهرتها...كل شيء يذكرها به..لم تاخد سوى بضعة أشياء صغيرة ليست ذو أهمية له ولكنها لن تتمكن من التخلى عنها.

عادت إلى الخزانة تنظر في ملابسها القديمة التي لا زالت في مكانها ...بدأت في جمع كل ما يخصها هي وصديقتها الغالية، يجب أن تفرغ المكان من أجل الساكن الجديد.

جمعت أغراضها في حقيبة صغيرة، ثم بدأت في حزم أغراض المرحومة إيڤا، لا تعلم ماذا تفعل بتلك الأشياء، ولكنها لن تستطيع تركهم، فهذا فقط ما تبقى منها. 
أفرغت الخزانات من الملابس وكل المتعلقات الشخصية لصديقتها، ثم اتجهت نحو المكتب حتى تقوم بإفراغه من محتوياته.
جمعت كل الأوراق الخاصة بها، والصور القديمة، ثم اصطدمت يدها بكتاب صغير، التقطته وهي تشعر بالدهشة، إيڤا لم تهتم قط بالقراءة.
فتحت الكتاب بين يدها، فوجدت أول عبارة في الصفحة الأولى، مفكرتي الغالية ورفيقتي، صندوقي الأسود الذي سيظل مغلقا دائما ولن يعلم أحد ما بداخله. 
شعرت بالدهشة لم تكن على علم بأن إيڤا تدون مذاكرتها.
أغلقت المفكرة ووضعتها في حقيبة يدها، وواصلت العمل حتى انتهى كل شيء.
وقفت تتأمل المكان، تلقى نظرة أخيرة على بيتها الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان بعد وفاة والديها، ثم اتجهت نحو الباب وغادرت وهي عازمة على أنها بعد أن تغلق هذا الباب يجب أن تغلق معه كل شيء آخر وتبدأ من جديد. 

مرت على صاحبة العقار وقامت بتسليمها مفتاح المكان، واتفقت معها على بيع الأثاث وإرسال المال لها في حسابها الخاص.
الحساب الذي قام آدم بفتحه لها من أجل وضع أموال الصفقة التي تمت بينهما في البداية، وبرغم أنه وضع المال منذ اليوم الأول إلا أنها لم تمسسه قط ولن تفعل. 

غادرت المكان في سيارة أجرة إلى محطة القطار حيث وجهتها الجديدة، مدينة Monte Isola في الريف الإيطالي، مدينة ساحرة، أو هكذا قيل لها، فهي مدينة من أجمل المدن الإيطالية المطلة على بحيرة Expo , وتقع البلدة بالقرب من مدينة ميلانو , ويوجد في مدينة Monte Isola أرقى المقاهي والمطاعم المطلة على ضفاف البحيرة حيث ستعمل في أحد المقاهي هناك، لعلها تجد هناك دواء لروحها العليلة. 

كانت تلك نصيحة صديقة إيڤا بالعمل، التي قامت بالاتصال بها فور وصولها للمنزل وبدورها قامت لويزنا بترشيحها إلى صاحب مقهى هناك. 

جلست في القطار تفكر في القادم، وما ينتظرها؟
والأهم كيف ستستطيع التخلص من زواجها بدون أن تلتقى مع زوجها الخائن..
انقبض قلبها بمجرد أن تذكرت هذا الامر، وسريعا انطلقت كلمة لاااا من فمها، لن تتمكن من رؤيته ثانية، لن تستطيع. 
يجب أن تجد مخرج من هذا الأمر، ولكن ليس الآن، يمكنها الانتظار قليلا حتى تهدأ وتستطيع التفكير جيدا، ليست بحاجة سريعة إلى قصاصة ورق تثبت لها أنها لم تعد ملكا له، فهي لم تكن من الأساس. 

أسندت مرفقها على حافة نافذة القطار، ووضعت راحة يدها على وجنتها، وشردت بعينيها إلى المجهول.

********************

أيدي صغيرة تداعب وجنته، تتحرك بحرية بين خصلات شعره، وجسد صغير يقفز فوق قلبه ...
فتح عينيه ببطء شديد، حتى يعتاد الضوء، وطالع وجه ملاكه الصغير. 
_دادا ...دادا ...هكذا نادته ابنته ..وهكذا تفعل كل يوم هي ووالدتها ...ولكن اليوم كانت وحدها، نامت في كنفه وعلى ذراعه بدون أمها. 

نظر إلى عينيها الصغيرتين، وشعر أنها لو تنطق ستقول له أين أمي؟
وجهها برغم الابتسامة ولكنه حزين...بالطبع تفتقدها ..
يالها من حمقاء كبيرة، رحلت وتركت كل شيء خلفها، حتى ابنتها، يستطيع أن يتفهم تصرفها ولكن كان يتمنى أن تكون أقوى وتواجهه حتى لو قامت بطرده من المنزل، عوضا عن رحيلها هي.

نهض من الفراش وداعب صغيرته ثم احتضنها وقال: ستعود حبيبتي، ستعود، لن أدعها ترحل عنا. 

أنهى ساعة الصباح مع ابنته واطمأن على أمورها وأنها برفقة المربية، ثم هبط إلى أسفل ودخل غرفة المكتب يجري بعض الاتصالات مع المحققين الذين قام باستئجارهم للبحث عنها  ...الجميع يردد جملة واحدة( لا أثر لها)
والجميع أيضا يؤكد أنهم سيعثرون عليها قريبا.

جلس يتنفس بصعوبة بعد أن بدأ القلق يتسرب إليه، أيعقل أنه لن يراها ثانية، هل فقدها للأبد؟

ثم تذكر أمرا هامًا يجب عليه إنهائه، فنهض وغادر على الفور متجها إلى الشركة ..

وبعد فترة قصيرة كان يقتحم مكتب مارتن، الذى كان بدوره يجلس على مقعده يباشر عمله. 

دخل آدم المكتب بصحبة أفراد الشرطة وهو يصيح عاليا : ها هو المجرم يا حضرة المفتش...
فزع مارتن وقفز من مكانه وهو يردد: ماذا حدث؟، ماذا حدث؟ .....

ولكن آدم لم يعر له انتباها وأكمل حديثه قائلا :لقد قام بسرقة الشركة عدة مرات، ووضع أجهزة تصنت وكاميرات بدون علمنا ليسهل عليه سرقتنا وبيع اسرار الشركة لمنافسينا. 

حدق به مارتن في ذعر وقال : _ماذا تقول سيد مغازي !!، أنا لم أفعل.

اقترب آدم في بطء وهمس بصوت منخفض وقال له : بلى فعلت، والدليل الفيديو الخاص بي مع اليسيا، والآن سألقي بك في السجن فترة إلى أن أصل للعقوبة التي تستحقها وحينها سأتفرغ لك.

ثم قال الشرطي: ألقوا القبض عليه.

تقدم رجلان من الشرطة وقاما بتكبيله وهو يصرخ قائلا : 
_أنا بريء لم أفعل، أنا بريء .

وقف آدم يشاهده وهو يعلم أن العقوبة لن تكون كبيرة وقد تصل إلى غرامات وبضعة أشهر في السجن بسبب نقص الأدلة وضعف التهمة ولكن يكفيه أنه سيتخلص منه الآن إلى أن يجد زوجته ثم يحقق انتقامه منه.

دقائق وكان على مكتبه يجري العديد من الاتصالات الهاتفية لعله يصل لشيء،وأثناء محادثته للمحقق دخل صخر إلى المكتب وجلس ينتظر 
وعندما أنهى المكالمة قال : 
_إيه الأخبار عملت إيه مع اليسيا امبارح؟.

ابتسم صخر وقال : 
_عملت كل حاجة تخليها لما تشوف إسم المغازي في جرنال أو تي في تهرب تستخبى تحت السرير ، ومستغربش لو مشيت من البلد خالص، أنا سايبها وهي مرعوبة وبتكلم نفسها.

_طيب كويس، والزفت مارتن البوليس قبض عليه من شوية، يقعد له كام شهر في السجن لحد ما أفوق له وأعرفه ازاي يلعب مع آدم المغازي....تحدث آدم 

_ طيب و آيڤا !! تسائل صخر .

_ روح ..مش آيڤا ...لسه مفيش أي أثر ..أجاب آدم وهو يكاد يختنق من عجزه في إيجادها. 

نهض صخر وقال : 
_أنا رايح شقتها القديمة،الست صاحبة البيت محتاجة شوية حنية على دلع، على قصة حب رومانسية تحسسها انكم روميو وجولييت وانها هتساعد في لم شمل العشاق، وأنا متأكد ان في حاجة مخبياها وانه تعرف حاجة ومارضتش تقولها ..
وانت روح في كل الأماكن اللي تعرفها، شوف أصحاب آيڤا يمكن يعرفوا حاجة ، شغلها القديم أكيد هانلاقي خيط.

نهض الرجلان كلا منهما في طريقه لعل أحدهما يتمكن من التقاط طرف الخيط الذي يمكنهما من الوصول إليها، فهل سيجدي الأمر؟.

تعليقات



<>