رواية حين تخذلني عيناك الفصل الأول 1 والتاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم

 

رواية حين تخذلني عيناك الفصل الأول 1 والتاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم

حين دفعت ليان الباب بيد مترددة، انفتح أمامها عالم لم تتوقعه داخل قلب القاهرة القديمة. كانت الشقة في الطابق

الأخير من عمارة قديمة مطلة على النيل، واجهتها مزخرفة بنقوش حجرية اندثرت ملامحها بفعل الزمن،

والسلالم تؤدي إلى باب خشبي ثقيل يئن مع كل لمسة .

دخلت إلى المرسم.

شقة بأكملها تحولت إلى مرسم غارق في الضوء والغبار. النوافذ الواسعة غير مغطاة، تسمح لأشعة الشمس أن

تتسلل عبر زجاج، ترسم على الجدران لوحات من ظل ونور. الجدران نفسها كانت معرضًا مفتوحًا:

لوحات ضخمة معلقة، أخرى مكدسة في الزوايا، وبعضها ممزق، وكأنها صرخة توقفت في منتصفها.

الأرضية الخشبية تصدر صوت أنين تحت قدميها، وأصابع الغبار ترتفع مع كل خطوة. الهواء مشبع برائحة

الألوان الزيتية ممزوجة برائحة القهوة الباردة وسجائر منطفئة منذ زمن. كل شيء في المكان يوحي

بحياة صاخبة سكنت هنا، ثم رحلت فجأة دون وداع.

في المنتصف، طاولة طويلة يغطيها قماش أبيض ملطخ بألوان متداخلة، وفوقها أدوات رسم مبعثرة: فراش

ناعمة، أنابيب ألوان مفتوحة، ومسودات لوجوه حزينة وعيون تنظر وكأنها تعرف الكثير.

شعرت ليان أن المكان يراها قبل أن تراه... وأن كل شيء فيه ينتظرها منذ زمن.

....

في الزاوية البعيدة من المرسم، جلس شاب على مقعد خشبي قديم، عيونُه تتأمل في لوحته بحالة من التركيز

الشديد. شعره الأسود كان غير مرتب، ينساب بتكاسل فوق جبينه ليخفي بعض الملامح الحادة التي تظهر عندما

يرفع رأسه. عينيه كانت تلمع ببريق غريب، عيون داكنة كما لو أنها تغطي سرًا عميقًا لا يمكن أن يُحكى. كان

الجفن السفلي لعينيه منتفخًا قليلاً، كأن هناك شيء يضغط على ملامحه، وهو يحاول أن يطرده عن نفسه.

وجهه كان شاحبًا بعض الشيء، والملامح فيه تروي قصة من السهر والتفكير العميق. كانت عيناه تحملان شيئًا

من الألم، وكأن قلبه كان يحمل جرحًا قديمًا لا يلتئم. كانت زوايا وجهه حادة بشكل غير مألوف، تجعل هيئته

تبدو مألوفة، لكنها مشحونة بمشاعرخفية، يُخفيها خلف تلك النظرة الهادئة التي تبدو وكأنها ترصد كل شيء من

حوله.

يده اليمنى كانت ممسكة بفرشاة الرسم، وهو يحركها برشاقة على اللوحة أمامه، بينما كانت يده اليسرى

مسترخية على ساقه، يديه تحملان آثار ألوام زيتية مختلطة بين الأصابع.

وقفت ليان على عتبة المكان، قلبها لا يزال يخفق بتردد غريب، وعيناها تتفقدان أرجاء المدخل بصمت. كانت

الرائحة المميزة للألوان والزيت تعبق في الأجواء، تشير بأنها دخلت عالمًا خاصًا لا يُفتح لأي غريب. استجمعت

شجاعتها، وقالت بصوت خفيض:

ليان: "السلام عليكم..."

رفع قصي عينيه عن اللوحة التي كان منكبًا عليها، وفي ملامحه انزعاج ممزوج بدهشة، ثم قال بنبرة حادة:

قصي: "إنتي مين ودخلتي هنا ازاي؟"

ابتسمت بخفة رغم التوتر الذي يعلو وجهها، وأجابت محاولة كسرالحاجز:

ليان: "حضرتك قصي... مش كده؟"

رمقها بنظرة ساخرة، ورفع حاجبه ببرود :

قصي: "أنا مقولتش ليكي تعرفي اسمي ولا لأ انا مش بتعرف عليكي؟  سؤالي واضح انتي مين؟"

ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت التماسك:

ليان: "أنا ليان، طالبة في كلية فنون جميلة، بدرس دراسات عليا حاليًا... وجيت أطلب مساعدة، بما إن حضرتك

متخصص في مجال الترميمات."

أسند ظهره إلى الكرسي، وكتف ذراعيه أمامه كمن يستعد لرفض قاطع:

قصي: "وأنا حاليًا لا فاضي، ولا دماغي جايباني أساعد حد زيك يدخل البيوت من غير ما يستأذن."

تنهدت ليان، تحاول أن تظل هادئة رغم نبرته المتحفزة:  "أنا قريت عن شغلك في مجلة الفن الحديث... وسمعت عن شغلك في المتحف، خصوصًا ترميم القطع

الأثرية، وشغلك في تجديد اللوحات القديمة... وحقيقي محتاجة مساعدتك في مشروع التخرج بتاعي . المشروع

متعلق بلوحة من القرن العشرين، ولازم أشتغل عليها بمنهجية علمية، وأنا... بصراحة، معرفتي النظرية مش

كفاية. والباب كان مفتوح، صدقني لو كان مقفول، أكيد كنت هستأذن، ومكنتش هزعج حضرتك أبدًا. بس بعد كدا اقفله عشان محدش يكرر عملتي دي مرة كمان"

نظر إليها طويلاً، بنظرة فاحصة، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف كلامها، يدرس ملامحها كما يدرس لوحة قديمة

قصي: "وإنتي م  تقدريش تساعدي نفسك؟ يعني ممكن بكل بساطة تدوري وتبحثي لحد م تكوني مستعدة تقدمي معلومات قوية تناسب

مشروع تخرجك ولا وجودي شيء أساسي طالما شايفة نفسك ف ورطة ومفيش غيري يقدر يقدملك إيده؟

رفعت رأسها بشيء من الإصرار، وعيناها تلمعان بصدق حقيقي:

ليان: "مش ورطة ولا حاجة... أنا مش طالبة مساعدة من أي حد، أنا طالبة من شخص فاهم، موهوب، ولو مش

هتساعدني، براحتك... همشي ومش هتشوف وشي تاني."

سكت قليلًا، ثم قام من مقعده ببطء، يتحرك نحوها بخطوات محسوبة، حتى وقف على بُعد خطوة واحدة فقط:

قصي: "عايز أعرف تفاصيل عن اللوحة بتاعتك ؟

تبدلت ملامحها من التوتر إلى لمحة أمل واضحة:

ليان: "لوحة اسمها لمسات قاتلة  من أعمال فنان مغمور اسمه فارس الزهراني، ما فيش عنها مصادر كتير،

لكن حالتها محتاجة تدخل عاجل، ومش أي حد يقدر يشتغل عليها."

قصي: "لو حصل واشتغلنا مع بعض في شوية تفاصيل كدا هتساعدنا نعدي الحوار دا بكل رضا منا ومني...يفضل تلتزمي بقواعدي واللي هي واحد مفيش أسئلة زيادة عن اللزوم ..اتنين مفيش فضول منك ف حاجات معتقدش تكون مهمة ليكي وممنوع اعيد كلامي مرتين فاهمة ولا ترجعي مطرح م جيتي

قالت بصوت أقرب إلى الهمس :

ليان: "موافقة."

تراجع خطوة إلى الوراء، مد يده نحوها بحركة ثابتة:

قصي: "هاتي الملف بتاع المشروع... ونشوف شغلك ده يستاهل إني أحط إيدي فيه ولا لأ.؟

ناولت ليان الملف بهدوء، ومدت يدها إليه بثقة مترددة. أمسك به قصي دون أن يُخفي نبرته الجافة، وبدأ يتصفح

الصور بسرعة. بدا وجهه جامدًا، ولكن عينيه تحملان نظرة فاحصة دقيقة.

رفع قصي حاجبيه وهو يقلب الصور ثم تمتم بنبرة لا تخلو من السخرية:

"يا أستاذة دي صور عادية... أنا محتاج أشوف اللوحة نفسها. هي فين؟"

أجابت بنبرة هادئة، لكنها متوترة قليلًا :

"مش معايا حاليًا."

أغلق الملف فجأة، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بحدة واضحة:

"أومال جاية لي ا؟ لما تروحي لحد وعايزة منه شغل، لازم يكون معاكي كل التفاصيل. بداية غير مبشرة بالمرة

في التعامل معاكي."

حاولت أن تشرح، بنبرة امتزج فيها الرجاء بالعزم :

"افهمني... هي موجودة في متحف تبع الجامعة، بس حالتها سيئة جدًا، متآكلة خالص، ومش هقدر ألمسها.

عايزاك تيجي معايا وتشوفها بنفسك."

أمال رأسه قليلًا، ونظر إليها بنظرة فيها شيء من التحدي:

"أعتبر دي ثقة فيا؟"

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بيقين:

"طبعًا... واثقة في شغل حضرتك استحالة اراجع وراك أبدا"

هز رأسه ببطء، ثم قال بنبرة أعمق وأكثر جدية:

"بس انتي جاية من غير خطة واضحة. لازم تفهمي إن اللوحات مش مجرد ألوان وخطوط... دي أرواح،

وصرخات محبوسة من سنين

نظرت إليه بثبات، وردت بصوت أقرب إلى الهمس:

"وأنا جاية علشان أطلع الصرخات دي للنور... علشان تتسمع وتتشاف."

صمت قليلًا، ثم اعتدل في جلسته وقال :

"هاجي أشوف اللوحة... الساعة عشرة. لو اتأخرتي، مفيش اتفاق بينا واعتبريه لاغي."

رفعت ذقنها بتحد هادئ، وقالت دون تردد:

"هكون هناك قبلك. "

......

داخل قاعة جانبية في المتحف

ضوء خافت وصمت مهيب.

دخلت ليان أولًا، وخطواتها كانت تحمل رهبة المكان ومسؤولية ما هي مُقدمة عليه. تبعها قصي بخطوات ثابتة،

عيناه تتحركان في فضول صامت وهو يتفحص القاعة بعين الخبير

وقفت ليان أمام صندوق العرض الزجاجي، وأشارت إليه بهدوء.

ليان:

"كنت متخيلة إنك مش هتيجي..."

قصي: ينظر للوحة، ثم يرد دون أن يلتفت لها

"مش بخلف وعودي يا أستاذة."

ليان: بابتسامة خفيفة

"تقدر تقولي ليان."

قصي: بنبرة حاسمة وهو يقترب من الزجاج

"مش بحب أرفع الألقاب... اتفضلي."

مدت يدها نحو الصندوق، وأشارت إلى اللوحة.

ليان:

"اتفضل... دي اللوحة."

قصي: )بصوت منخفض فيه شيء من الانبهار

"لوحة كلها صمت وعذاب... حكاية حياة ماكملتش. حد فضل يرسم في عذابه وسابه يتسجن وراه."

ليان: )بنظرة فيها رجاء(

"أنا عايزة أنقذها... تقدر تساعدني؟"

قصي

"ترميمها صعب بقالها سنين، وغير دا كله، مش عايزة شطارة إيد، دي عايزة إحساس صادق ... لو حد

فينا قلبه مش صافي، اللوحة هترفض ترجع للحياة."

ليان بثقة

"أنا مصدقة فيها... وفيك."

....

في الكافيه، كان قصي جالسًا وهو يمسك بسيجارته ويشرب منها ببطء. بينما كانت ليان تجلس قبالته، وتكح

بشكل متكرر.

"لو سمحت، اطفي السجاير دي، بليز."

قصي: )بنظرة غير مكترثة(

"مش عاجبك؟ امشي."

ليان: )بدهشة

"إيه الأسلوب ده حضرتك؟ دي مش طريقة شغل."

قصي: )بصوت هادئ ولكن حاسم(

"إذا كان عاجبك، إنتي اللي جيتي، أنا مش جاي عريس عشان تشوفيه وتقيمي فيه إحنا هنا في شغل،

ميخصكيش اللي بعمله، المهم اللي بقوله."

ليان: )بغضب خفيف(

"بس الريحة مش طبيعية."

قصي: )بابتسامة ساخرة(

"عايزة نصيحتي؟ اهربي وشوفي حد تاني."

ليان: )بدهشة واستفهام(

"ليه بتقول كده؟ "

قصي: )بصوت منخفض، ينظر في عينيها بتركيز

"عشان هتعبك أوي."

ليان: )تنظر إليه باندهاش، وتحاول أن تقاوم شعورها بالتوتر(

"ممكن توضح بعد إذنك؟"

قصي: )يضع السيجارة في الطفاية ويبتسم ابتسامة غامضة(

"أنا شخص مركب أوي، عندي انفصام وكل ثانية بحال. عندي جانب مظلم، مظنش سهل تعاشريه حتى لو

علاقتنا مجرد شغل."

ليان: )بخوف خفيف، ولكن تحاول أن تظهر القوة(

"مش فاهمة... حضرتك بتخوفني ولا إيه؟"

قصي: )يقترب قليلا ويهز رأسه(

"أنا بس بقولك إنك لو دخلت في دايرتي، هتندمي. وده مش تهديد، ده تحذير يا أستاذة."

ليان: )تهز رأسها(

"لو سمحت نقي ألفاظك. لو كانت دراستي هتخليني أتعامل مع شخص زيك وأتحمل سخافته، فأنا همشي حالا ."

قصي: )ينظز إليها بتمعن، ثم يعود للابتسامة(

"بس عايزك تعرفي إنك لو عملتي كده، مش هتلاقي حد زيي."

ليان: )بصوت ثابت(

"وأنا مشرفنيش أقابل حد زيك، حتى لو قولنا للفشل يامرحب . ولو أني لازم اعاشر شخص محتاج مصحة، مش

يمشي في الشارع ويقابل بني آدمين طبيعيين عن اذنك."

.....

بعد أن خرجت ليان من الكافيه، تركت قصي وحيدًا في مكانه، يتأمل الباب الذي أغلق خلفها، كما لو كانت هي

كل ما تبقى له في هذا العالم . لكن كلماتها الأخيرة كانت تزعجه بطريقة ما، تعصر قلبه بمرارة لم يشعر بها من

قبل. هو لم يصرخ، لم يعبر عن غضبه أو عن أي شيء يخص مشاعره، بل ظل جالسًا، يشرب ما تبقى في

فنجانه البارد.

رغم سلوكه الخارجي القاسي والشرير، كانت هناك عاطفة كامنة داخله لا يمكنه إنكارها، قلبه مثل قلب طفل

ضاع في وسط عالم مظلم. كان يشعر بها الآن أكثر من أي وقت مضى، تلك الهشاشة التي يخبئها خلف ستار

من السخرية والتجاهل.

قصي )همس لنفسه بمرارة(:

" كنت عايز أعيش وبس عايزة ابقي مبسوط وفرحان وراضي بس الكل استخسر الأحساس دا فيا، بس كله كان بيشدني لتحت لحد م بقيت انا  شخص مشوه مسخ وبس 

مش قادر أطلع من دايرتي ... دايرتي اللي أنا اخترتها بنفسي حاولت مقدرتش رغم اني بهلك روحي يوم عن يوم."

أخذ نفسًا عميقًا، وسحب سيجارة أخرى من علبته القديمة. كان يعرف أنه سيظل يلتف حول نفسه في هذه

الدائرة، لكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير في ليان، في نظرتها القوية، في تلك الرغبة التي كانت فيها

للهرب من كل شيء. وفي أعماقه كان يبتسم، حتى لو كان قلبه ينفطر في الداخل.

ربما كان يجب عليه أن يغير شيئًا ما. لكنه لا يعرف كيف يبدأ.

....

الفصل الثاني

استفاقت ليان من نومها فجأة، قلبها يخفق بقوة دون سبب واضح. كانت تشعر بعطش شديد، فنهضت من

السرير بخطى متثاقلة، وتوجهت نحو الحمام.

غسلت وجهها وهي لا تزال نصف نائمة، لكن بينما كانت تمسحه بمنشفة صغيرة، أحست  برطوبة مختلفة...

كانت دموعًا، لا ماءً فقط.

توقفت لحظة، تنظر لنفسها في المرآة وقد بدأت ملامح القلق ترتسم على وجهها.

– "إيه ده؟ أنا كنت بعيط؟!"

لكنها لا تتذكر شيئًا.

خرجت من الحمام ببطء، وما إن عادت إلى الغرفة حتى اخترق سكون الليل صوت بكاء مختنق، متبوعًا بنداء

أنثوي :

– "فااارس! لا يا فارس... آآه، متسبنيش لوحدي!"

تجمدت ليان في مكانها، نظراتها تمسح الغرفة كأنها تبحث عن شخص مختبئ، ثم تمتمت:

– "أنا مش بتهيألي اقسم بالله... أنا فعلا سمعت صوت صوت واحدة ست."

حاولت تهدئة نفسها وهي تضغط على صدرها المرتجف :

– "اهدي يا ليان اهدي... من إمتى وانتي بتخافي؟ قلبك جامد... متنسيش دا اكيد بتهيألك روحي ارتاحي ."

لكن عينيها سقطتا على شيء غير متوقع فوق السرير... منديل مبلول.

تقدمت ببطء، التقطته بأنامل مرتجفة، وحدقت فيه طويلا . آثار الدموع كانت واضحة، وكأن شخصًا ما كان

يبكي هنا منذ لحظات.

وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنها صورة ضبابية لرجل لا تعرفه، وصوت رجولي عميق يقول:

– "بحبك يا نيارا... بحبك أوي."

...

وقفت ليان أمام اللوحة داخل المتحف، تنظر إليها بيدين مرتعشتين، تحاول أن تفك رموزها. كانت اللوحة قديمة،

باهتة الألوان، تحمل في طياتها شيئًا مألوفًا وغريبًا في آن واحد .

همست بصوت خافت:

"فارس..."

استدارت لتغادر، لكنها وجدت قصي واقفًا أمامها فجأة، ينظر إليها دون تعبير واضح، وفي يده علبة سجائر.

قالت بتوتر:

"أستاذ قصي حضرتك بتعمل اي هنا؟..."

ابتسم بسخرية خفيفة، ثم قال:

"حبيت اجي واعملك مفجأة؟"

همت بالتحرك لتبتعد عنه، لكنه أوقفها بنظراته دون أن يلمسها.

قالت بحدة:

"عايزة أمشي، بعد إذنك عديني وروح شوف حالك بعيد عني."

رد بهدوء غير معتاد :

"أنا اسف"

نظرت إليه بدهشة، ثم قالت:

"معقول حسيت بالذنب طلع عندك دم زينا؟؟"

أومأ وهو يتنهد:

"آه طبعًا... أسلوبي وطريقتي معاكي مكانوش لطاف، بس صدقيني، دي شخصيتي. وأنا عارف إنك مش مُلزَمة

تستحملي، بس جيتلك أعتذر، وأكيد لازم تقدري ده ولا اي؟."

قالت وهي تشير إلى السيجارة:

"طب بعد إذنك... اطفي السجاير."

رفع حاجبه مستفهمًا، ثم قال بابتسامة ساخرة:

"ليه؟ ده حتى ريحتها حلوة أوي... تحبي تجربي؟"

نظرت إليه بحدة وقالت بجدية:

"عيب وحرام ! ولا إنت مش مسلم زينا ومتعرفش ربنا؟"

سكت قليلًا، ثم حول نظره نحو اللوحة وقال:

"تعرفي مين فارس زهران؟"

ردت وهي ترفع حاجبيها بدهشة:

"هو فنان مشهور... بس لما بحثت عنه، ملقتش أي معلومات تخصه."

أشار إلى اللوحة قائلا :

"هتلاقيها هنا... في اللوحة دي. عشان كده لازم أرممها. ومش هاخد وقت لو انتي ساعدتيني."

نظرت إليه مترددة، ثم قالت:

"وأنا هساعدك ليه؟"

ابتسم وقال:

"عشان إنتي الوحيدة اللي عارفة إنها مش مجرد رسمة... وإنها بتنادي على حد . كأنها بتوصل رسالة ولازم

نعرف انا وانتي هي اي وبأسرع وقت ممكن"

....

عادت ليان إلى المنزل مسرعة، وصوت قلبها يكاد يغلب على أنفاسها. ما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب

خلفها بتوتر، وأسندت ظهرها إليه كأنها تهرب من شيء يطاردها.

تقدمت ببطء نحو المرآة، عيناها متسعتان، ونبضها يتسارع. وما إن نظرت إلى انعكاسها، حتى تجمدت في

مكانها.

رأت نفسها تبكي، ووراءها قصي، لكن لم يكن كقصي الذي تعرفه. كان يقف عاري الصدر، يغطي جسده وشوم

داكنة، يتصاعد حوله دخان كثيف، وكان شريان يده مقطوعًا، يتدلى منه الدم في مشهد عبثي مفزع .

شهقت ليان وصرخت بفزع:

"آااااااااااااه

مدت يدها لترى إن كان ما تراه حقيقيًا، لكن المرآة لم تُظهر إلا انعكاسها وحدها.

تراجعت بخطوتين إلى الوراء، ثم جلست على طرف السرير، تحتضن رأسها بكفيها، وتهمس لنفسها:

"لا... كده الموضوع بقى بجد.

أنا شايفاها، والله العظيم شايفاها بعيني.

وبعدين؟ من ساعة ما شوفت اللوحة دي وكل حاجة قلبت،

أصوات، أحلام، شبح فارس، وقصي بيظهرلي في كل ركن، حتى في المراية!"

رفعت نظرها ببطء، تراقب انعكاسها بحذر، ثم قالت بصوت مرتعش :

"قصي... أنا لمحته، في المرايا... كأن في نسخة تانية منه، مش هو، بس هو...

إزاي يعني؟!

هو في إيه؟ هو قصي ده ليه علاقة بفارس

ولا أنا اللي فعلا بدأت أتهز نفسيا وقربت اتجنن؟ً"

سكتت لحظة، ثم قامت متوترة تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تهمس :

"أنا لازم أفهم... اللوحة دي مش عادية، فيها سر...

وفارس اللي بيظهرلي، وكلمة "بحبك يا نيارا"...

هي مين نيارا وليه اسم غريب كده؟

ومين اللي بيعيط في ودني بالليل؟!"

توقفت فجأة، نظرت للمرايا مرة تانية بنظرات متحدية، وقالت:

"خلاص... أنا هعرف .

هفضل ورا الموضوع ده، لحد ما أفهم كل حاجة.

بس قصي... لازم أعرف هو فين من ده كله،

...

دخلت ليان إلى مرسم قصي بخطوات مترددة، وقلبها يسبقها في الخفقان. وقع نظرها عليه فورًا، كان واقفًا أمام

لوحة كبيرة يرسم فيها بانسجام تام. اقتربت منه قليلًا، ثم تجمدت مكانها حين اكتشفت أن ملامح الوجه

المرسوم... هي ملامحها .

ليان )بدهشة وابتسامة خفيفة(:

"مكنتش أعرف إني حلوة كده؟"

قصي )من غير ما يرفع عينه عنها(:

"يبقى لازم تشوفي نفسك في عنيا أنا... أنا عمري ما شفتك وحشة."

ليان )بتحاول تخبي توترها(:

"أنا جيت عشان..."

قصي )مقاطعًا بنبرة هادئة( :

"قلبك كان عايز يطل عليا صح؟"

ليان )وهي بتبعد نظرها(:

"لأ... اللوحة، أصلي... كنت جاية عشانها."

قصي:

"آه، اللوحة. أنا جبتها هنا."

ليان )بانفعال(:

"جبتها إزاي؟ دي المفروض ممنوع تطلع من المتحف!"

قصي )بنبرة رسمية(:

"قدمت طلب رسمي لإعادة الترميم خارج المتحف، قلت إن في مواد لازم أستخدمها ومش موجودة هناك، وبعد

نقاش طويل جدًا، المدير وافق."

ليان )بإعجاب خفي(:

"طلعت مش سهل!"

قصي )بابتسامة خفيفة(:

"تعالي شوفي، اشتغلت فيها شوية."

اقتربت ليان من اللوحة بخطوات بطيئة، وفجأة، انطفأ النور، وساد الظلام. هب نسيم غريب حرك الستائر

بخفة، كأن شيئًا يستعد للظهور وقبل أن تنطق، انبعث من قلب اللوحة نور غريب .

ليان )بصوت مرتجف(:

"قصي! في نور... شوفته، يا قصي!"

قصي )مندهش وهو ينظر حواليه(:

"أنا مش شايف حاجة يا ليان !"

ليان )بحدة(:

"إزاي مش شايف؟ أهو، ياقصي أهو! استنى..."

قصي )برعب(:

"لأاا، ما تقربيش!"

ليان )بإصرار(:

"يعني إيه ما قربش؟ أنا مش خايفة!"

اقتربت من مصدر النور، وعيناها متسعتان من الذهول. هناك، داخل اللوحة، رأت صورة شاب يشبه إلى حد

كبير ذلك الذي رأته في المرآة... ويشبه قصي.

مدت يدها لتبتعد، لكنها شعرت بيد تمسك بها فجأة!

الصوت )من داخل اللوحة(:

"نيارا... أوعي تبعدي، خليكي جنبي... ساعديني أخرج للنور... لسه وقتنا مع بعض مخلصش... أنا كويس، مش

مشوه... يا نيارا، ثقي فيا... ثقي في فارس حبيبك..."

صرخت ليان بأعلى صوتها وارتدت إلى الخلف، سقطت على الأرض بعنف وهي ترتجف.

قصي )بقلق وهو بيقرب منها(:

"شُفتي إيه؟!"

ليان )بجسم بيرتجف، وإيدها بتشاور على اللوحة(:

"قالي... قالي يا نيارا، ناداني !، أنا حسيته... كان ماسكني، كان جوه اللوحة وانا كنت معاه ياقصي "

..

بينما كانا يسيران في الشارع ليلاً، قصي يحاول جاهدًا أن يبقي الأمور تحت السيطرة، رغم الشرر الذي بدأ

يتطاير في قلبه من شدة التوتر

قصي )بلهجة نصف مازحة تخفي ارتباكه(:

"انتي شكلك مجنونة."

ليان )بتوتر واندفاع(:

"مجنونة؟! بقولك لمسني! دي ماكنتش هلوسة، ولا خيال! كان شبهك بالظبط... بس جسمه كله وشوم، وكان

حواليه دخان... وكان بيقولي يا حبيبتي، ناداني نيارا!"

قصي )يتوقف فجأة، وعيناه تتسعان(:

"شبهي أنا؟! استني لحظة... اسم نيارا ده... مش غريب عني . حاسس إني سمعته قبل كده... بس فين؟!"

ليان )تمسك بذراعه وهي تتنفس بصعوبة(:

"قصي، لازم نعرف مين نيارا، وإيه قصة اللوحة دي قبل ما يحصل حاجة تانية. حاسة إن في أجزاء ناقصة...

وأنا المفروض أكملها. بس إزاي؟ إزاي أكمل حكاية مش فاكرة منها غير لمحات بسيطة كل م تيجي ع بالي

هتجنن؟!"

قصي )وقد بدا عليه التركيز(:

"مافيش حل غير إننا نبدأ من المصدر... نفتح أرشيف المتحف، أو ندور في أي مكتبة أثرية ممكن نلاقي فيها

تفاصيل عن اللوحة أو الاسم ده."

ليان )بعيونها المتسعة بالأمل والخوف معًا(:

"فكرة حلوة جدًا ياقصي... من بكرة نبدأ ندور، حتى لو اضطرينا نرجع سنين لورا..."

ومع كل خطوة كانا يبتعدان فيها عن مكان المرسم، كانت نسمات الليل الباردة تهمس بأن ما ينتظرهما، أكبر من

مجرد لوحة ... بل قصة قديمة تُصر أن تُروى من جديد.

...

في المكتبة الأثرية، كانت الأجواء ساكنة ومليئة بالهدوء الغريب، بينما كان كل واحد منهم غارقًا في البحث

وسط الأرفف المكدسة بالكتب القديمة. ليان كانت تشعر بالخوف يتسلل إلى قلبها مع كل لحظة تمر، وكلما

اكتشفت شيئًا جديدًا، زاد قلقها بشكل كبير.

ليان )بصوت مرتجف، وهي تقلب صفحات أحد الكتب القديمة(:

"أنا ابتديت أخاف، ياقصي..

قصي )يبتسم بتهكم، لكنه لا يخفي التوتر الذي بدا في عينيه(:

"لولا اني عارف لو عرفت سر اللوحة دي هيخليني معروف اكتر مكنتش كملت معاكي المشوار دا.

ليان )بنبرة ساخرة وبصوت عميق(:

"طبعا، عايز تعمل مؤتمر وتبقى معروف أكتر، صح؟"

قصي )يزفر بقوة ويحاول تغيير الموضوع( :

"وأي المشكلة؟ المهم دلوقتي إننا نعرف الحقيقة، يلا دوري."

ليان )فجأة توقفت، وعينيها تركزت على صورة في الكتاب، ثم نادت عليه(:

"قصي... تعال شوف كده."

قصي )يقترب بسرعة وهو ينظر بدهشة إلى الصورة(:

"دي صورتك؟!"

ليان )بعيون مرتعشة، لم تستطع أن تخرج من ذهولها(:

"أيوة، دي صورتي... بس مش أنا."

قصي )ينظر إليها بقلق، وعينيه ضيقت مع صدمته( :

"أومال مين؟"

بدأ قصي يدور حول نفسه وهو ينظر بقلق إلى ليان، وكأن الفكرة لم تصله بعد.

قصي )يقترب أكثر من الصورة وهو يشير إليها(:

"دي نيارا... بيقولوا إنها فنانة كبيرة جدا، بس إيه علاقتها بفارس؟ أكيد هي حبيته... لكن إزاي شبهك كده،

ياليان؟"

ليان )بصوت يتسارع، وقلبها ينبض بسرعة أكبر(:

"مش عارفة ... والصدمة الأكبر. إزاي فارس شبهك؟"

الاتنين نظرو لبعض بصدمة كبيرة، وكأنهم في لحظة تجمد الزمن، لا يستطيعان فهم ما يحدث حولهم، وكل

شيء أصبح غامضًا ومريبًا أكثر من أي وقت مضى.

..

وقفت ليان أمام فارس، الذي كانت صورته تتداخل مع صورة قصي بشكل غريب .

فارس )بصوت هادئ وغامض(:

"نيارا..."

ليان تجمدت في مكانها، ثم التفتت بسرعة لتجد قصي، نفس الشخص الذي تعرفه، يقف هناك أمامها.

ليان )بصدمة(:

"قصي؟!"

فارس )بصوت هادئ(:

"أنا فارس... يانيارا."

ليان كانت في حالة من الذهول، تتساءل عن ما يحدث، وكل شيء حولها أصبح ضبابيًّا .

ليان )بتساؤل وخوف(:

"إحنا فين؟"

فارس اقترب منها بخطوات ثابتة، ومد يده إليها بلطف.

فارس )بصوت هادئ(:

"تعالي معايا."

ليان، رغم خوفها، تبعته. دخلت معه إلى غرفة واسعة، وعندما رفعت عينيها، شعرت أن قلبها توقف. أمامها

كان قصي، في نفس الغرفة.

ليان )بصدمة وحيرة(:

"انتو ازاي؟!"

فارس نظر إليها بهدوء، ثم أجاب بلطف.

فارس )بصوت هادئ(:

"دا قصي، بس أنا فارس."

ليان )بذهول(:

"لا، انتو واحد!"

فارس اقترب منها أكثر، ثم سألها بابتسامة غريبة.

فارس )بفضول(:

"وعرفتي منين؟"

ليان )بشعور غريب(:

"حاسه..."

في زاوية الغرفة، كان قصي

يحاول الانتحار بنفس الطريقة التي رأته فيها في المرايا.

ليان )بصرخة عالية(:

"لاااااااااا!"

فارس أمسك بيدها بسرعة، محاولًا تهدئتها.

فارس )بصوت هادئ(:

"مش هتعرفي تتفذيه، يانيارا."

ليان ابتعدت عنه بسرعة، واتجهت لإنقاذ قصي، ولكن المفاجأة كانت أكبر. جسده كان مليئًا بالوشوم، تمامًا مثل

فارس، وشكله أصبح شبهه تمامًا.

ليان )بأنفاس متسارعة وبصوت متقطع(:

"اااااااااااه! "

فجأة، استفاقت ليان من حلمها، قلبها ينبض بسرعة، وأحاسيسها مضطربة. شعرت بشيء غريب يعتصر

صدرها، وفجأة سمعت رنين هاتفها.

ليان )بصوت خافت ومتوتر(:

"الو? "

قصي

"أنا عرفت مين فارس زهران، ياليان."

كان هذا هو التصريح الذي جعل ليان تشعر بالذهول، والمزيد من الأسئلة تتسلل إلى عقلها، وفي قلبها، بدأت

تتشكل صورة جديدة عن فارس زهران، وعن سر عميق يربطهم جميعًا.

                 الفصل الثالث من هنا

قراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>