
ابتسم سليم لها بغل وقال في صوت غليظ مخيف:
_أنا سليم الطوخي.. اعتقد فكراني كويس
جحظت عيناها بذهول وعلت تعابير الارتيعاد على صفحة وجهها ثم خرج صوتها المضطرب وهي تسأله:
_أنت جاي ليه.. لو جاي تسأل على بنت صبحي فأنا سبق وجاوبتكم وقولتلكم معرفش فينها
استشاط سليم غيظًا لكنه تمالك انفعالاته وحافظ على ابتسامته الهادئة وهو يجيبها:
_ ما أنا عارف أنك متعرفيش فينها بس أكيد عارفة سبتيها فين أو ادتيها لمين
هزت رأسها بالنفي وقالت في رفض تام وهي تهم بغلق الباب في وجهه:
_ لا أنا معرفش حاجة وامشي من هنا يابن الطوخي
بسط سليم ذراعه وامسك بالنقبض قبل أن تغلقه ثم ظفعه بعنف لبنفتح مجددًا وترتد هي للخلف متطلعة إليه بنظرات مرتعدة وتزدرد ريقها بصعوبة من فرط الرعب، بينما سليم فتقدم لداخل المنزل يقترب منها بخطوات متريثة ونظرات مرعبة متمتمًا في اشمئزاز:
_أنا بجد مش قادر افهم أنتي جنس ملتك إيه.. ازاي في حد يعمل كدا في ابنه وبتقولي أنها بنت صبحي وكأنها مش بنتك يعني
هتفت تجيبه بعصبية وغل بعدما وصلت لطريق مسدود والتصقت بالحائط:
_ ايوة مش بنتي دي جات غلط أنا لا عايزاها ولا عايزة ابوها ومش عايزة من ريحته أي حاجة، أنا كان لازم اقتلها خالص كمان بس للأسف وقتها معرفش ليه معملتش كدا وبعدها ندمت أني مقتلتهاش
بعد تلك الكلمات البغيضة واللعينة التي خرجت من سفتيها لم يتمكن سليم من تمالك أعصابه أكثر فقد أثارت جنونه بشكل مرعب، فأنقض عليها كالأسد وقبص على رقبتها يخنقها وهو يصرخ بصوت جهوري:
_اقسم بالله لو مقولتيش وديتي البت فين وادتيها لمين لأخد روحك بإيدي
حاولت إفلات قبضته من على رقبتها وهي ترتجف بين يديه من شدة اختناقه لها، فأفلت سليم قبضته بعدما راى منها إشارات بأنها ستتحدث.
اخذت تسعل بقوة وهي تلتقط انفاسها وممسكة برقبتها في رعب لتجده يصرخ بها بصوت نفضها:
_انطقي يلا
خرج صوتها متقطع ومبحوح بالكاد يسمع:
_ اد..يـ..تها لرا..جل وسـ..ت ودفعولي فلوس عـ..شان اديهالـ..هم لما شافـ..وني بحطها قـ..دام باب ملـ..جأ
دس سليم يده في جيب سترته وأخرج صورة والدي فيروز ورفع الصورة أمام عيناها وهو يسألها بحدة:
_ هما دول الراجل والست؟
راحت تحدق في الصورة لوقت طويل دون رد فقرأ سليم في تعابيرها التردد والخوف فصاح بصوته الرجولي مجددًا:
_ردي هما ولا لا ؟
هزت رأسها بالإيجاب في نظرات مرتعدة فأعاد سليم الصورة لجيبه مجددًا بعدما حصل على الرد المنتظر وتأكد من شكوكه أن فيروز هي ابنة صبحي، اخفض نظره يتطلع لتلك المرأة بتدقيق فيرى ملابسها الفاضحة وهي ترتدي قميص نوم أحمر وتضع زينة وجه كاملة وكأنها تستعد لليلة غرامية مشتعلة، فمال ثغره في ابتسامة جانبية متقززة ثم تمتم بنبرة وضيعة تليق بامرأة مثلها:
_ شكلك بتكسبي حلو أوي من الـ**** يا ****
تلقت تلك الألفاظ البذيئة ولم تظهر أي تعبير يظهر ضيقها مما نعته بها للتو وكأنه قال شيئا اعتادت سماعه وحقيقة تحب أن تُصف بها، بينما سليم فالقى عليها نظرة نارية ومتقززة أخيرة قبل أن يتسدير وينصرف....
***
بمكان آخر كان طارق بأحد الشوارع مختبأ بجانب بناية ضخمة منتظرًا خروج والده من البناية بعدما قرر مراقبته ليكتشف الحقيقة كاملة، فرآه وهو يدخل شقة بالطابق السادس فغادر البناية مجددًا وظل منتظرًا بالشارع خروجه الذي دام لأكثر من أربع ساعات.
رأى أبيه وهو يخرج من البناية ويستقل بسيارته ثم ينطلق بها فقاد طارق خطواته فورًا لداخل البناية وصعد الدرج بخطا سريعة حتى وصل للطابق السادس ووقف أمام باب الشقة المقصودة، رفع يده وضغط على زر الجرس وهو يتنهد بحرارة متمنيًا أن يكون كل هذا مجرد توهمات منه، لكن انفتح الباب وظهرت من خلفه مروة مرتدية ثوب حريري قصير وتضحك بغنج هاتفة:
_إيه ياشاهو نسيت إيه؟!
لكن تجمدت تعابير وجهها عندما رأت طارق أمام عيناها وهو ينظر لها بمزيج من الذهول والغضب ثم هتف بعد لحظات من الصمت القاتل:
_أنا كنت شاكك فيكي من الأول واديني اتأكدت
ابتسمت مروة باستفزاز وقالت في وقاحة:
_ماشاء الله عليك ياطروقة طالع نبيه وذكي زي أبوك جوزي حبيبي
وقعت أثر كلمة " جوزي " على سمعه كأثر الرعد جعلت عيناه تتسع بعدم استيعاب وراح يصرخ بها وهو يتقدم نحوها بخطوة ثائرة:
_أنتي إيه اللي بتقوليه ده !
تراجعت مروة للخلف لا إراديًا كردة فعل على تقدمه الهجومي عليها وردت عليه مؤكدة في غل:
_زي ما سمعت أبوك اتجوزني يعني أنا مرات أبوك دلوقتي، وقريب أوي كمان هجيلكم البيت عشان اسلم على مامتك داليا هانم ضرتي
التهبت نظرات طارق فور ذكرها لأمه وراح يقبض على ذراعها بعنف جعلها تصرخ من الألم وهتف بحذرها بنظرة مرعبة لا تحمل سوى الشر الحقيقي:
_أنتي تبعدي عن ماما نهائي ولو حاولتي تقربي منها ولا تأذيها هخليكي تندمي على اليوم اللي عرفتي فيه بابا
كان طارق رغم صغر سنه إلا أن بدنه قوي وقامته طويلة اشبه برجل في مقتبل العشرين من عمره، مما جعل مروة تهابه عندما رأت هجومه العنيف عليها وهو يهددها بحقد مرعب، التزمت الصمت ولم تناقشه أو تتفوه ببنت شفة حتى وجدته يدفع ذراعها بعيدًا وهو يلفته ويلقي عليها نظرة نارية قبل أن يستدير ويغادر....
***
داخل منزل داليا وشاهين...
خرجت داليا من المطبخ وهي تحمل كأس من الماء البارد وبطريقها لغرفتها بالأعلى لكن توقفت عند أول درجة من السلم واستدارت برأسها للخلف عندما سمعت صوت باب المنزل يُفتح ويدخل طارق، وفور رؤيته لأمه تسمر بأرضه للحظة يتمعنها ثم اشاح بنظره محاولًا إخفاء تعابير وجهه الساخطة وحالته المريبة، أغلق الباب واتجه نحو الدرج وهتف وهو يمر من جانب أمه يصعد الدرج:
_تصبحي على خير ياماما
قبضت ظاليا على ذراعه توقفه وتهتف بحدة بسيطة:
_استني عندك هو إيه اللي تصبحي على خير يا ماما ومعدي كدا علطول.. كنت فين لغاية دلوقتي أنا فكراك في أوضتك
تنفس الصعداء بهدوء متصنع وقال مخترعًا كذبة:
_كنت مع صحابي
داليا بانزعاج وهي توبخه:
_مع صحابك لغاية دلوقتي!!.. أنت عارف الساعة دلوقتي يا طارق وإزاي متقوليش وأنت طالع
كان يحاول الثبات أمامها وعدم إظهار أي شيء فقال في أسف دون جدال:
_أنا آسف ياماما.. ممكن بقى تسبيني اطلع اوضتي بعد أذنك
دققت النظر في معالم وجهه وسألته بقلق وفضول:
_وأنت ليه مضايق كدا حصل إيه معاك؟!
طارف ببساطة وهو يجيب بكذبة أخرى:
_لا عادي اتخانقت شوية بس مع صحابي ومشيت وأنا متعصب
تركت يده وهي تتطلعه بشك لكن لم تكمل في نقاشها وتوبيخها له أكثر عندما افصح عن شجاره مع اصدقائه، ثم وجدته هو يكمل طريقه للأعلى حيث غرفته فتنهدت بحيرة وأكملت هي أيضًا طريق عودتها لغرفتها ومازال عقلها مشغول بابنها وقلبها يخبرها بأنه يخفي عنها شيء.
فتحت داليا باب غرفتها ودخلت ثم اغلقته خلفها وتقدمت نحو الفراش لتجلس بجوار شاهين الذي كان يتصفح هاتفه بتركيز، فاخذت نفسًا عميقًا بعد تفكير للحظات وقالت:
_شاهين ؟
رد عليها دون أن يحيد بنظره عن الهاتف:
_نعم يا ديدي
هتفت داليا دون مرواغة وبثبات تام:
_أنا عايزة ارجع من تاني اشتغل في الشركة
لفت انتباهه جملتها الصريحة والتفت له يحدقخا باندهاش وهو يسألها:
_وإيه اللي خلي الفكرة دي تيجي في دماغك تاني احنا مش خلاص كنا شيلناها تمامًا من دماغنا
_لا أنت اللي شلتها يا شاهين مش أنا.. أنا وافقت اسيب الشغل لأن دي كانت رغبتك لكن أنا بحب شغلي أوي وكنت مرتاحة أوي في الشركة وبابا وسليم كانوا مخليني مرتاحة أوي ومسكيني position ممتاز
ترك شاهين الهاتف من يده واستدار بجسده كاملًا ليصبح في مواجهتها وامسك بكتفيها في حنو متمتمًا:
_وهي دي كانت رغبتي ليه يا داليا.. ما أنتي عارفة ياحبيبتي أنا مبستحملش حد يبصلك بصة كدا أو كدا وبغير عليكي
اكلقت زفيرًا حارًا بنفاذ صبر وقالت في رزانة وهي تحاول اقناعه بوجهة نظرها:
_غيرتك ملهاش أي مبرر ياشاهين وبعدين ده شغل أنت مش عايزني اتعامل مع أي رجالة لازم هتعامل مع الكل، وبعدين أنا عارفة حدودي كويس وأي حد بيحاول يتخطى حدوده معايا بيشوف مني الوش التاني، بعدين أنا هكون معاك ياحبيبي طول الوقت في الشغل وقدام عينك يعني هتبقى مطمن عليا
تذكر شاهين وجود مروة بالشركة، وتخيل بلحظة مشاهد تصادمهم كل يوم مع بعضهم البعض وربما تكتشف داليا حقيقة خيانته لها، فقال بحدة وهو يجيب على رغبتها في العودة للعمل بالرفض القاطع:
_لا يا داليا مش هترجعي الشغل أنا مش موافق ومتحاوليش تتكلمي معايا في الموضوع ده نهائي
استاءت بشدة وهتفت في عصبية:
_يعني إيه مش موافق يا شاهين وليه العند والاصرار الغريب ده.. أنا عايزة ارجع الشغل ومش هقبل رفضك
انهت عباراتها وتمددت على الفراش وجذبت الغطاء فوقها وهي توليه ظهرها فهتف هو منفعلًا:
_مش قابلة رفضي!!.. يعني هترجعي غصب عني مثلًا
لم تجيبه ولم تعطيه إي اشارة بالرد فاستشاط غيظًا منها أكثر وهب واقفًا من الفراش ثم اندفع لخارج الغرفة وهو يشتعل من الغضب....
***
عودة إلى الحي التي تقطن به فيروز وسليم...
لأول مرة منذ قدومها لمنزل سليم تغادر المنزل ودون معرفته.. لكنها اضطرت عندما وجدت اخيها الصغير مريض ويحتاج للعلاج فورًا من الصيدلية، ظنت أن سليم نائم في غرفته بالأعلى ولم ترد ازعاجه فقررت هي الخروج بنفسها.
لكن في طريق عودتها من الصيدلية بعد شراء الدواء وكان يفصلها عن المنزل بضع خطوات أوقفتها احدى فتيات الحي وهي تهتف صائحة عليها:
_شوف مين طلعت من عش الـ**** بتاعها
التفتت فيروز برأسها تجاه تلك الفتاة المعروفة بطباعها السيئة ولسانها البذيئ، وراحت فيروز تجيب عليها بغضب:
_أنتي بتكلميني أنا وبتقوليلي الكلام ده !
تقدمت الفتاة واقتربت حتى وقفت أمام فيروز مباشرة وقالت له في نظرة وقحة:
_أه بقولك أنتي.. مش أنتي برضوا بقيتي من البنات أياهم.. ده أنتي وصل بيكي الفُجر انك تقعدي وتعيشي مع الرجالة في بيوتهم
استشاطت فيروز حنقًا وراحت ترفع كفها في الهواء لتنزل به على وجنة تلك الفتاة تصفعها صفعة عنيفة وهي تجيبها بغضب:
_أنا أشرف من المنطقة دي كلها واللي هيقول عني كلمة واحدة في شرفي هقطلعه لسانه فاهمة ولا لا
رمقتها الفتاة بغل بعد تلك الصفعا التي تلقتها للتو وهمت بأن ترد له الصفعة لكن فيروز احالت بين كفها ووجهها ودفعت يدها بعيدًا تقول بشراسة:
_أنا مبقتش فيروز المسكينة بتاعت زمان اللي أي حد هيحاول يجي عليها هتسكتله.. أنا عارفة كويس أن أنتي اللي طلعتي عليا السمعة دي أنتي وسمير الكلب، وان شاء الله دورك جاي في العقاب وربنا هيخدلي حقي منك وحسبي الله ونعم الوكيل في كل واحد خاض في عرضي
انهت فيروز عباراتها واندفعت تكمل طريقها إلى المنزل فسمعت الفتاة تصيح بحقد ووعيد:
_ماشي يافيروز وحياتك لأعرف المنطقة كلها أنك قاعدة مع الراجل ده في شقته وسعتها هتترمي في الشوارع وهيتبلغ عليكي كمان
تصنعت عدم الاكتراث لما تقوله واكملت حتى وصلت لبناية المنزل ودخلت ثم اغلق باب البناية خلفها ثم اقتربت من السلم وجلست فوق أول درجتين ثم أنهارت باكية بحرقة وألم.
تؤلمها الظروف القاسية التي تحاملت عليها وأصرت على أن تفقدها بريقها ولمعانها، تساءلت متى سنتنهي المعاناة.. حين تنتهي هي أم حين تعتاد الألم، متى ستتوقف الحياة عن تلقيها دروس قاسية؟.. جاءت للحياة لقيطة ومنبوذة وينتهي بها المطاف الآن كما جاءت، ربما مازالت الأعاصير تعصف بها ولكنها ستتعلم كيفية التصدي لها.
انفتح باب البناية ودخل سليم لكنه تسمر بأرضه بفزع بسيك عندما رأى فيروز أمامه جالسة على الدرج في حالة يرثى لها ولا تتوقف عن البكاء، رفعت هي رأسها على أثر صوت الباب وفور رؤيتها له رفعت اناملها تجفف دموعها وتهمس بتعجب:
_سليم!!
اقترب منها بقلق وهتف يسألها:
_إيه اللي مقعدك هنا يا فيروز وبتعيطي ليه كدا؟!
ردت عليه بخفوت وهي تستقيم واقفة:
_طلعت الصيدلية اشتري علاج وانا وراجعة قابلت البنت اللي طلعت عليه السمعة هي وسمير وفضلت تقول كلام بشع جدًا.. واضح أن الناس كلها خلاص بقت شيفاني مش كويسة بذات لأني قاعدة في بيتك
تنهد الصعداء محاولًا تمالك اعصابه بعدما أخبرته بخروجها دون علمه وقال في هدوء متصنع وهو يوبخها بلطف:
_وأنتي إيه اللي وداكي الصيدلية أنا مش نبهت عليكي متطلعيش من البيت ولا تفتحي الباب لأي حد
بدأت دموعها في الانهمار مجددًا وردت بصوت مبحوح:
_وأنا هفضل محبوسة لغاية امتى في البيت عشان خايفة من حازم أو عمتى أو حتى كلام الناس.. أنا تعبت
أطال التمعن في وجهها وهو يتذكر لقائه بوالدتها وتأكده الآن من أنه يقف أمام ابنة صبحي الذي طالما ساعده في البحث عنها وكان يحاول استخدام كل الطرق الممكنة للعثور عليها وإعادتها لوالدها، وإذا بها كانت تعيش العمر كله بجوارهم ولم يعرفوها، تخبره بأنها تعيش داخل بيته ولكنه هو الذي يعيش في بيتها.. الآن هي صاحبة المنزل وهو الضيف.
أجاب عليها برزانة:
_معلش قريب هتسيبي المنطقة دي كلها خالص وتمشي واللي عايز يقول حاجة يقول.. هو أنتي مش دايما بتقولي أنك مظلومة والكلام ده كدب
هتفت بلهفة وهي تقسم ودموعها تسيل بغزارة فوق وجنتيها:
_أيوة والله العظيم ورحمة بابا وماما ده كله كدب أنا لا يمكن أعمل كدا.. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم
تنهد الصعداء بهدوء تام وامسك بذراعها في لطف وهو يحثها على الصعود للأعلى:
_طيب اطلعي يلا البيت.. أنتي جايبة العلاج لمين ؟
فيروز بقلق ملحوظ في نبرة صوتها:
_ياسين شكله واخد دور برد وحرارته عالية شوية بس أن شاء الله لما اديله العلاج هيبقى كويس
رافقها حتى وصلوا إلى باب الشقة ودخل معها إلى غرفة ياسين ليطمئن عليه ومكث معهم لأكثر من نصف ساعة ثم استقام وودعهم وانصرف.....
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة مكتبه الخاص.....
كان جالسًا على الأريكة بكل أريحية وبجواره صلاح الذي بدأ في سرد كافة التفاصيل والمعلومات التي جمعها عن فيروز وقال:
_االي عرفته ياعوني بيه أن البنت دي ابوها وامها اتوفوا من فترة وهي معاها أخ صغير بقت هي اللي بتراعيه دلوقتي وكان في ست مربياها معاها في العمارة اتوفت من يحي اسبوع كدا بسبب ابن صاحب العمارة حاول يعتدي عليها ولما الست دي دافعت عنها قتلها.. ده كلام بيتقال من جهة والجهة التانية بتقول عنها كلام غير كدا خالص أنها بنت مش تمام ومشيها بطال وان الراجل اللي قتل الست ده واحد من ضمن الرجالة اللي كانت بينها وبين علاقة، ده غير أنها كانت متجوزة ابن عمتها واطلقوا بعد كتب الكتاب وابن عمتها مازال حتى الآن بيحاول يرجعها
رفع عوني حاجبه باستغراب وقال مبتسمًا بخبث:
_ده حكايتها حكاية البنت دي شكلها.. طيب وهي إيه علاقتها بسليم ليه مخلي بنت زي دي تقعد في البيت عنده
رد صلاح وهو يمط شفتيه بحيرة:
_دي بقى مقدرتش اوصلها كويس ياعوني بيه بس غالبًا سليم بيه صعبت عليه هي وأخوها الصغير وحب يساعدهم ويحميهم كمان في كلام طالع ات في علاقة بينهم لأنها قاعدة معاه في البيت وأهل المنطقة كلهم شايطين ومش عاجبهم الوضع وعايزين ياخدوا موقف
بدأت ابتسامة عوني تختفي تدريجيًا عندما سمع عن وجود علاقة بين ابنه وتلك الفتاة وأن سمعتها السيئة طالته، فسأل بوجه مكفهر:
_وأنت إيه رأيك ياصلاح البنت دي فعلا مشيها بطال زي ما بيتقال عنها ولا لا؟
أجاب صلاح بذكاء وحكمة:
_معتقدش ياعوني بيه وإلا مكنش سليم بيه هيساعدها هي وأخوها.. أنت عارف الباشا كبير مش غبي وأكيد فاهم الوضع، بس هل بقى هو في بينهم علاقة فعلا ولا لا دي منعرفهاش
هتف عوني بغضب وهي متحفز:
_وأنت فكرك أني هسمح بعلاقة زي دي سواء كان حقيقي أو كدب دي بنت مشكوك في شرفها، بس ده ميمنعش أني استخدمها لمصلحتي مؤقتًا وأنها ممكن تنفعني دلوقتي
ضيق صلاح عيناه باستغراب وسأل مستفهمًا:
_مش فاهم ياعوني بيه
عادت ابتسامة عوني الشيطانية تزين وجهه ورد بمكر:
_يعني جهز نفسك ياصلاح عشان ورانا طلعة.. سليم مش هيقبل يرجع غير لما اجبره بأقذر طريقة والبنت دي هتبقى ورقتي الرابحة هي وأخوها
لمعت عين صلاح بخبث بعدما فهم مقصد عوني ومراده وراح يهز رأسه مؤيدًا لفكرته الشيطانية، أما بالخارج فقد هرولت أمينة باتحاه المكبخ حيث توجد كاميليا وهي تنادي عليها متلهفة:
_ الحقي ياكاميليا هانم الحقي
رمقتها كاميليا بفزع وتساءلت:
_مالك يا أمينة في إيه مية مرة قولتلك متفزعنيش كدا
جلست أمينة على المقعد المجاور لكاميليا حول الطاولة وقالت في صوت خافت وعينان متسعة:
_عوني بيه شكله عرف مكان سليم.. كان بيتكلم مع صلاح وسمعت طراطيش كلام كدا بيقولوا سليم راجع بس كمان سمعت حاجة مش قادرة افهمها في بنت مع سليم معرفش مين دي
هتفت كاميليا بانزعاج شديد وهي تنهر أمينة:
_وبعدين معاكي يا ولية أنتي أنا أفرح ولا اتنيل دلوقتي.. بنت مين دي اللي مع ابني متخلنيش اقلق
زمت أمينة شفتيها للأمام وقالت في عبس:
_لا الصراحة ياست هانم لازم تقلقي شكله موضوع كبير.. ياحوستي ليكون سليم اتجوز ودي البنت اللي بيتكلموا عنها
قالت جملتها الأخيرة وهي تضرب على صدرها بصدمة وخوف فانفعلت كاميليا وصاحت به مغتاظة:
_ياتقولي كلمة عدلة يا أمينة ياتسكتي خالص قال سليم اتجوز.. بعد الشر لا يمكن أوافق أن ابني يتجوز واحدة معرفهاش
***
داخل النادي الخاص بأمير تحديدًا بغرفة مريم الخاصة كان أمير جالسًا ويتحدث في الهاتف مع مروان بغضب بعدما اكتشف حقيقة أن مروان يعرف مكان شقيقه ولم يخبره، وانتهت بينهم الماكلمة بعد نقاش حاد بينهم ليسمع سؤال من مريم التي كانت جالسة بجواره تنتظره ينهي مكالمته لبستكملوا عملهم:
_في إيه ليه بتتخانق مع مروان كدا؟
هتف أمير بسخط هادر:
_طلع عارف مكان سليم ومقاليش والفكرة أن سليم نفسه اللي طلب منه ميقوليش
تنهدت مريم وقالت في رزانة:
_طيب ما أنت عرفت ليه سليم مش عايز يقولك يا أمير اعذره بقى
أجاب منفعلًا بصوت مرتفع:
_اعذره على حاجة مش فاهمها يا مريم.. أنا مش قادر افهم هو خايف أن بابا يعرف مكانه ليه.. أكيد هو مخبي حاجة كبيرة وعارف أن بابا ممكن يستغلها ضده
مدت يدها وامسحت بكفه في رقة وهي تهمس مبتسمة في صوت ناعم:
_طيب ممكن تهدى ومتتعصبش.. وكل حاجة هتبان قريب وأنت اتصل بسليم واسأله وافهم منه كل حاجة
لمسة يدها الناعمة لكفه الرجولي ءذابته فجعلت لا إراديًا ينسى كل شيء ومحت غضبه في لحدة فابتسم لها بخبث وقال في عبث:
_هو الـ data بتاع امبارح عجبك للدرجادي.. نلت الرضا أوي يعني أنا
سحبت يدها بهدوء وهي تبتسم بإحراج ثم أجابت بصوت خافت:
_آه كان جميل يا أمير شكرًا جدًا
لوى فمه بغيظ وقال بحنق مازحًا:
_هو إيه اللي شكرًا هو أنا وديتك الدريم بارك تلعبي، وبعدين إيه أمير دي !!
حدقته بكل برود وردت:
_إيه أنت غيرته ولا إيه؟
_هو إيه ده؟!!
_أسمك !
طالعها بقرف ولوى فمه بطريقة كوميدية يسخر منها هاتفًا:
_هاهاها ظريفة
اشاحت بوجهها للجهة الأخرى ضاحكة بينما هو فأكمل باستياء:
_قولي يا ميرو دلعيني أو حبيبي مثلًا ياسلام لو تطلع منك
هزت رأسها بالإيجاب متصنع تأييد رغباته ثم قالت ضاحكة باستهزاء:
_واضح أن الموضوع تطور أوى في دماغك دي كانت مجرد خروجة واكلنا في الآخر
هتف دون تفكير من شدة غيظه:
_طفحنا.. قصدك طفحنا المر مش اكلنا
اتسعت عيناها بحدة على جملتها فعاد يصحهها بقرف يقول:
_أنا اللي طفحته ولسا بطفح أهو.. بعد الشر عليكي من الطفح طبعا يابرنسيسة
لم تتمكن من حجب ضحكتها فانفجرت ضاحكة بقوة وظل هو يراقبه مبتسمًا رغم غيظه منها إلا أنها ضحكتها جعلته يبتسم لا إراديًا بحب...
***
بمساء اليوم في تمام الساعة العاشرة كان سليم في طريقه لشقته حيث تقطن فيروز ليطمئن على وضع ياسين ويسأل إذا كانوا يحتاجون لشيء أم لا.
وصل إلى المنزل ورفع يده يكرق الباب عدة طرقات متتالية وظل واقفًا أمام باب المنزل منتظر الرد وأن يُفتح له الباب بعد طرقه لكن طال انتظاره، وليست من عادتها أن تتأخر في فتح الباب له، فعاد يرفع يده ويطرق على الباب بقبضة يده القوية في عنف أقوى ظنًا منه أنها ربما تكون في غرفة نومها ولا تسمع الباب، لكن تلك المحاولة أيضًا باتت بالفشل واستمر في الطرق لدقائق طويلة حتى بدأ الشك والقلق يأكل صدره فأخرج مفتاح المنزل من جيبه ووضعه في القفل ثم فتح الباب ودخل وفور دخوله هتف مناديًا:
_فــيـروز.. يــاسـين
لم يحصل على رد منهما فغضن حاجبيه باستغراب وأكمل خطواته المتريثة إلى داخل المنزل أكثر حتى وصل إلى باب غرفته سابقًا وغرفتها الآن ووقف أمام باب الغرفة ينادي مجددًا في حذر قبل أن يفتح الباب:
_فيروز أنتي جوا
فتح الباب بقوة عندما لم يسمع أي صوت ودخل الغرفة فوجدها فارغة.. وقف بالمنتصف حائرًا يتسائل إين ذهبوا وبلحظة ظن أنها ربما تركت المنزل وذهبت، لكن بنفس اللحظة جاء الرد وكأنه يجيب على نفسه.. لماذا ستذهب دون أن تخبره؟!.
فاندفع نحو خزانة الملابس وفتحها فوجد ملابسها واشيائها كما هي، تسمر مكانه لثواني وبدأت الوساوس تنهش عقله خوفًا من أن يكون ذلك الوغد " حازم " أو حتى عمتها حاولوا أذيتها هي وياسين، فاندفع خارج الغرفة متلهفًا وهو يبحث عنهم في بقية المنزل ويصيح مناديًا لكن لا أثر لهم، فأخرج هاتفه بالنهاية وأجرى اتصال بها.
صك سمعه صوت رنين هاتفها منبعث من الخارج فغادر غرفة ياسين وهو يتبع صوت الهاتف حتى وصل للصالون لكنه تصلب بأرضه عندما رأى من يجلس على الأريكة ممسكًا بهاتف فيروز ويرفعه لأعلى أمامه ويهتف مبتسمًا في هدوء تام:
_إيه بتدور على صاحبة التلفون ؟
خرجت من سليم همسة خافتة ممتزجة بنظرة صدمة وسخط:
_بابا !!