
[بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات]
•••••
بمطار القاهرة
تسير بتباهي تجر خلفها حقيبة متوسطة... صوت طرقعات حذائها تسبقها، دخلت الى إحد الغرف تبسمت قائلة بدلال:
أنا رجعت مصر.
تبسمت إحد الجالسات ونهضت قائلة:
مصر نورت يا عهد، ها قوليلي جبتي الحاجات اللى قولت لك عليها قبل رحلة باريس.
اومأت بإبتسامة قائلة:
وماركات كمان، بس كله بحسابه طبعًا يا عزيزتي.
ضحكت الأخرى قائلة بمرح:
إنتِ تنفعي تاجر شنطة شاطر ووشك مكشوف.
ضحكت عهد قائلة:
انا الهدايا اللى بجيبها لأختي باخد منها تمنها.
تنفست الأخرى بمرح قائلة:
طب أختك جوزها مليونير إحنا غلابه.
ضحكت قائلة بمرح:
الله أكبر فى عنيكِ هتحسدي أختي، وبعدين كان حد غصب عليكِ تتجوزي وأهو حامل على أخرك، ومن بعد ما كنتِ مضيفة جوية تلفي العالم وتشتري أي شيء نفسك فيه، بقيتي مضيفة أرضية تتلقحي على زمايلك السابقين يشتروا ليك
اتسعت ابتسامة الأخرى، لكن عينيها لم تضحكا، بل لمعتا بغيظٍ مرح وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
لا يا شيخة… باين عليكِ رجعتي من باريس ولسانك سابقك بخطوتين.
اقتربت عهد منها بخطوات واثقة، ألقت بحقيبتها على المقعد، وجلست وهي تعقد ساقًا فوق الأخرى قائلة بمرح:
ما هو ده الفرق بين اللي سافرت تشم الهوا، واللي رجعت تشم ريحة الحقد الطبقي.
شهقت الأخرى بتصنع، وهي تلوح بيدها قائلة بمرح:
خلاص يا ستي، مش قصدي. بس إنتِ دايمًا كده… شايفة نفسك... نفسي تتهفي فى عقلك زيي كده وتتجوزي وأشمت فيكِ.
ضحكت عهد وإنحنت برأسها قليلًا، قائلة بعناد وثقه مرحه:
لا، أنا شايفة اللي قدامي كويس أوي… وعارفة أنا واقفة فين،مش فى دماغي جواز، منفعش فيه، إيه يغصبني اقيد حريتي... أنا كده زي العصفورة من بلد للتانية، شغل وفسح فى نفس الوقت، إيه يجبرني أحرم نفسي من راحة البال.
ضحكت زميله أخرى سائلة:
ها المهم… رجوعك ده هيطول ولا يومين وتسافري.
رفعت عهد حاجبها، وأخرجت نظارتها الشمسية من حقيبتها، وضعتها على الطاولة بتمهل مقصود:
والله ما أعرف لسه أنا بقالي فترة مش باخد أجازات مقضياها بين السما والأرض قررت كده أخد راحة، أهلى وحشوني أقعد معاهم شوية... يلا هاتي حساب الحاجات بتاعتك خليني أمشي، حاسة بإرهاق وعاوزه أرجع البيت أخد شاور وأنام لحد ميعاد الرحلة الجايى
ضحكت زميلاتها وتحدثت لها بمرح قائلة:
إستغلاليه عالعموم تمن حاجاتي إيه.
ضحكت عهد وهي تنهض وضعت حقيبتها على منضدة بالغرفة، فتحتها، إقتربت زميلتها لاحظت تلك الالعاب الموجودة بالحقيبة سألتها:
إيه اللعب دي، إنتِ هتفتحي محل لعب أطفال ولا إيه.
ضحكت عهد قائلة:
لاء.. دي لأبن أختي.
تفوهت زميلتها:
يا بخته، إنتِ جبتي له محل اللعب ولا إيه... كده بقي هتاخدي تمن اللعب دي وفوقها عمولة محترمة.
ضحكت عهد قائلة:
للآسف الوحيد اللى مش باخد منه تمن الهدايا، هو ياسين.
ضحكت زميتلها وتنهدت بآسف:
يا بخته، إبن مليونير، وكمان بيجي له لعب ببلاش مش زي عيالنا آخرهم دبدوب بينور، والصبارة الراقصة.
ضحكت عهد وهو تنظر لها قائلة:
كفايه حسد وحقد عالواد، خدي دي طلباتك أهي، ومكتوب على كل منتج تمنه، وعشان أنا حنونه، مش هاخد منك عمولة الجمرك.
-عمولة الجمرك ايه، إنت مضيفه يعني مفيش جمرك، تمام يلا هدعي ليكِ يرزقك بمليونير زي أختك.
ضحكت عهد قائلة:
وفري الدعوة، أنا كده مبسوطة، يلا هسيبكم تكملوا شغلكم.. بلاش تعطيل لمصالح المسافرين... سلام.
خرجت عهد تجر خلفها حقيبتها، بنفس الوقت صدح رنين هاتفها، وقفت للحظة حتى أخرجته من حقيبة يدها، ونظرت له تبسمت حين رأت هوية التى تتصل عليها، سُرعان ما ردت بمرح:
إيه إنت ظابطة الإتصال ولا إيه،أنا يادوب أهو رايحة ناحية باب الخروج من المطار ، ساعة ونص بالكتير أكون عندك فى الشقة، حضري لي الأكل اللى طلبته، ويا سلام كمان لو تحضري لى حمام دافي كده، الجو برد جدًا.. ياماما.
إبتسمت على رد والدتها الحانق:
وماله، إنتِ تروحي تصعي فى بلاد باره مصر وتجي هنا مصر عاوزه الفيلبنية اللى باباكِ جابها لك تخدمك...عالعموم توصلي بالسلامة.
ضحكت عهد وهي تغلق الهاتف وعاودت وضعه بحقيبة يدها،وعادت تجر الحقيبه الأخري،لكن توقفت حين إصطتدمت حقيبتها فى حقيبة أخري توقفت..
فقط وجذبت حقيبتها لكن الآخر وقف يعتذر،ثم تأمل فيها،تذكرها مباشرة قائلًا:
إنتِ.
نظرت له رغم عدم إهتمامها ظنًا أنه قد يكون تقابل معها بأحد الرحلات...لكن هو تعمد الوقوف سائلًا:
إنتِ مش فاكرني.
لم تعطي أهمية قائلة:
للآسف..
قاطعها وهو يُذكرها بذلك الموقف القديم مع خطيبها يوم فسخ خطوبتها.
تذكرت قائلة:
أه أفتكرت،أهلًا وسهلًا بحضرتك.
تبسم وهو يمد يده لها قائلًا:.
نديم الجنايني.
تفوهت بذوق:
أهلًا وسهلًا..عن إذن حضرتك العربيه بارة المطار ومش لازم أتأخر عليها.
لم تهتم بنظراته لها
بالفعل تركته وذهبت هو الآخر أكمل طريقه ود معرفة إسمها..الذي نسيه..لكن بنفس اللحظة إنتبه الى إشارة أخيه الذي جاء لأستقباله.
❈-❈-❈
بعد لحظات بالسيارة على الطريق
تنهد نديم قائلًا:
مقولتش ليه إن بابا تعبان من فترة.
أجابه أخيه بتوضيح:
فى البدايه كنت مفكر إنه أمر عرضي وبابا هيتحسن، بس للآسف الحالة بتزيد سوء واضح إن المرض تمكن منه، وطلبت منه يفضل قاعد معايا فى الغردقة إنت عارف إن شغلي هناك...بس هو رفض وعاوظ يقعد هنا فى القاهرة معرفش السبب،رغم إن قبل كده كان مستمتع هناك...وأنا تقريبًا خلصت كل أجازاتي،ومقدرش أنقل شغلي هنا...عشان كده فكرت إن يمكن إنت لما تنزل أجازة تقدر تقنعه يرجع يعيش معايا في الغردقة من تاني.
تفهم نديم ذلك قائلًا:
متقلقش أنا قاعد شهرين أجازة هحاول أقنعه،أو ممكن أعمل له تأشيرة سفر وأخده معايا.
أومأ أخيه له بتفهم...نظر نديم الى خارج السيارة لاحظ التغيير الملحوظ بالأماكن،كذالك بالطريق مر من أمام ذلك النادي الرياضي..لوهله تبسم وجائت الى خياله إحد مباريات المنافسة بينه وبين يارا...الذي علظ بالصدفة أنها إرتبط..تنهد بشعور غير مفهوم،لا ينكر وقتها شعر بغصة فى قلبه لكن كان لديه هدف آخر هو إثبات نفسه فى وظيفته الجديدة...فكر عقله بها
ترا هل تزوجت؟.
زفر نفسه يلوم،ولماذا جاءت على باله الآن. ..
والجواب... مجرد فضول.
❈-❈-❈
ليلًا
بغرفة محي وإجلال
زفرت نفسها بقوة لاحظ محي ذلك، نظر لها سائلًا:
مالك حاسس إنك مضايقة بقالك فترة.
تنفست بقوة قائلة:
فعلًا مضايقة بسبب يارا.
نظر لها بإستفهام سائلًا:
وإيه السبب بقى.
جاوبته بضيق:
يعني لما تتخطب مرتين والخطوبة تتفسخ ده مش شيء يضايق، غير كلام الناس يا محي…
كل واحد بقى يحط لسانه عليها، واللى يقول عين، واللى يقول سوء اختيار، واللى يلمّح إن فيها حاجة غلط...كمان خايفة تقفل قلبها…
وتزهق من فكرة الجواز كلها.
تنهد محي بعمق قائلًا:
لاء متقلقيش يارا مش ضعيفة،وده نصيب،ويمكن نصيبها لسه مجاش،عالاقل لما الخطوبة تتفسخ أحسن ما تكمل وتدخل جوازة فاشلة،إنتِ شاغله بالك زيادة عن اللزوم.. المسألة كلها نصيب.
تنهدت وأومأت رأسهل بفهم لكن تفوهت بأمنية:
اللى السبب فى قلقي، إنها بتوافق عالعرسان مش بنضغط عليها ومفيش فترة قصيرة وتقول إنها مش مرتاحه وعاوزه تفسخ الخطوبة.. أوقات بيدخل فى دماغي شك أن ممكن يكون فى سبب بيخليها توافق وبعد كده تفسخ بدون سبب مقنع العريسين والله كانوا كويسين ومحترمين جدًا.
ضمها محي يديه تحتويها قائلًا:
زي ما قولتلك النصيب، وكفاية تقكير في الموضوع ده أنا شايف إنه مش مستاهل ضيقك ده كله، بلاش تكبري الموضوع وهو سهل النصيب بينادي صاحبه.. يبقي بلاش تفخمي الأمر زيادة، إنتِ مركزتيش كده لا مع محسن ولا فاروق، كمان مع أخرة صبرى كنان اللى عايش على قفا أخواته.
تبسمت بغصة قلب قائلة:
هو من صغره مش غاوي شغل المدابغ ولا الحاجات دي، حابب يبقى مُدرس فى الجامعة وأهو برضوا بيساعدهم وقت الحاجه.
تنهد قائلًا:
والله ده اللي مصبرني عليه.. رغم كان نفسي يبقى زيهم له إسم وسُمعة فى عالم رجال الأعمال زي أخواته.. حتى عشان فى المستقبل محدش ضامن عمره، أهو يبقى يعرف يدير نصيبه فى الميراث.
بخضة قلب تلهفت إجلال تضم نفسها له اندست في حضنه كأنها تبحث عن أمانٍ فقدته فجأة.
مررت يدها فوق ظهره بحنان، وهمست بصوتٍ مبحوح:
اللي ربنا كاتبه له هيبقى خير… مش كل اللي ليهم اسم في التجارة مرتاحين، ومش كل اللي ماشيين في سكة العلم خسرانين.
ضمها إليه أكثر، وقال وهو ينظر في فراغٍ بعيد:
عارفة… يمكن أنا خوفي عليه أكبر من طموحي له.
رفعت رأسها قليلًا، حدّقت في ملامحه التي أثقلها القلق:
والخوف ده دليل حب، مش ضعف. سيبه يختار، وإحنا نفضل جنبه… ده أكبر ميراث ممكن نسيبه له.
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها كانت دعاءً خفيًا، ثم قال بنبرة أهدأ:
ربنا يقدم له الخير.
ابتسمت بخفة، رغم الغصة التي لم تغادر صدرها، وبقيا هكذا… متعانقين، يحمل كلٌ منهما خوف الآخر.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صباحً
ككل يوم منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تنظر من بين فراغ القطع الخشبية للنافذة
( من خلف الشيش) تتابعه بخفيه موجعة،عينيها تتعلقان به وهو يسير بسيارته فى شارع الغورية، لوهلة سئمت ملامحها وسكنت حسرة،حسرة من اعتاد الانتظار حتى بهت الأمل فى قلبها،بداخلها أنها تتعلق بطيف حِلم لن يتحقق... هو لا يراها، ولن يراها.. فأمثالها يبقون فى الظل شهودًا صامتين على أحلام غيرهم، يكتفون بالنظر من بعيد، ويُتقنون إخفاء الوجع خلف وجوهٍ اعتادت الانكسار دون ضجيج.
فاقت من هيامها على نداء... إنتبهت وأغلقت النافذة جيدًا، ثم ذهبت نحو المطبخ مكان النداء، قائلة:
صباح الخير يا عمتي.
ابتسمت لها قائلة:
صباحك ورد يلا تعالي اقعدي نفطر سوا، عمك أبو صبري غار من بدري ومعاه صبري.
ابتسمت وجلسن سويًا بأرضية المطبخ وأمامهن صنية طعام.. نظرت لها مُبتسمة تشعر بتردُد.. لكن تجرأت قائلة:
هسألك سؤال يا عمتي.
حثتها أم صبري على إسترسال حديثها بمودة قائلة:
قولي يا قلب عمتك من جوة.
ابتسمت قائلة بتردُد:
هو إنت ليه بحس أنك مستقوية على جوزك كمان صبري إبنك.
تركت الطعام وضحكت قائلة:
بصي أنا اتربيت وسط ولدين أخواتي كان أبويا يقول عليا مسترجلة عنهم، وده كان غلط يمكن بسبب الطبيعة اللى عٓشت فيها، وده كان سبب أتأخرت على ما أتجوزت مكنش فى راجل من اللى إتقدمولي بيملى عيني، مش طمع والله، انا عِشت عالرضا بالرزق اللى ربنا بيبعته ليا وأقول طالما مستورة ومكسيه وعندي أربع حيطان يستروني ولقمة حتى لو حاف بس تسد جوعي بقول الحمد لله رضا، بس قوة ربنا حطها جوايا.. مش عاوزة راجل شديد زي أبويا، ولا عاوزة راجل ضعيف زي أخواتي، خير الأمور الوسط.. ولا عاوزة راجل
يكسرني باسم الرجولة،
ولا يفتكر إن صوته العالي هو الأمان.
عاوزة راجل أحس معاه إني ست… مش واقفة دايمًا في وضع الاستعداد.
راجل يطمني مش يختبر قوتي،
يسندني مش يستعرض إنه أقوى.
صمتت لحظة، ونظرت أمامها كأنها تسترجع عمرها كله في نقطة واحدة، وكملت بصوت أهدأ:
يمكن اتعلمت أبقى قوية غصب عني،
بس ده ما يمنعش إني من جوايا كنت محتاجة حد يقول لي
"سيبيها عليا… إنتِ كفاية عندي"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، يشوبها الرضا أكتر من الوجع قائلة:
القوة نعمة…بس الأجمل منها إنك تلاقي اللي يخليك تستغني عنها شوية،من غير ما تخافي.
عمك أبو صبري كان آخر شخص افكر أتجوزه وفعلًا رفضته بس النصيب رجع وإتقدم لى وقتها امي قالت لى
"البنت لها زهوة لما بتنطفي مبترجعش تاني"
نظرت لها بعدم فهم... لاحظت أم صبري ذلك فضحكت قائلة:
كان قصدها ان فى فترة البنت تبقي لها سوق وممكن يتقدم لها عرسان كتير، وهوب فجأة ده ينتهي، وده اللي حصل معايا قد ما رفضت عرسان قد ما بقيت بنتظر عريس يتقدم لى زي صحباتي فى الحارة اللى معظمهم اتجوزا وخلفوا عيل وإتنين... وانا العمر بيجري.. رجع عمك أبو صبري اتقدم وقولت أهو ألحق اجيب لى عيل ولا إتنين.. خلفت صبري على تسع شهور باليوم... وزي ما أكون أتنكست بعده قطعت الخلف مع إني كنت لسه مش كبيرة والعادة الشهرية بتجيلي في ميعادها، دوخت عند الدكاترة، ومفيش فايدة، رضيت وقولت الحمد لله.. عارفه إنتِ إتولدتي على إيدي دخلتي قلبي زي ما أكون جبتك من بطني... قولت البت دي خسارة في أبوها وأمها، أتعلق قلبي بيكِ بس غصب عني مكنتش أقدر أخدك منهم،كنت عارفه ان الاتنين مش هيعمروا مع بعض، وحصل الطلاق.. أمك خدتك بس عِند فى أبوكِ، حتى بعد جوازها سألت محامي وكنت هرفع قضية أطلب حضانتك.. بس المحامي قالي القانون مش هيحكم لى بحضانتك لأني متجوزه.. لازم أكون أرملة أو مطلقه.. والله فكرت أطلق جوزي، وقولت اتلم عليكِ إنت والواد صبري،بس جدتك أم أمك كانت حنينه وإنتِ فضلتي معاها لحد ما ربنا خد امانته من أربع سنين، وقولت هتتشحطط بين مرات أبوها وجوز أمها،لاء أنا أولى بيها،والله من يوم ما جيتي وعيشتي معايا وأنا قلبي فرحان،وبتمني تطلعي من هنا عروسة للى يصونك ويعوضك خير.
-إن شاء الله.
جملة قالتها بقلب موجوع،عمتها رغم قسوتها مع زوجها لكن العكس معها،لكن رغم ذلك هنالك شقوق في قلبها من قسوة عاشتها وهي بكنف جدتها لأمها تذكرت زوج والدتها الذي كان يأتي يستقوي على جدتها ويسلبها المال،وأكثر من مرة قام بضربها بعلم والدتها التي تخشي شماتة زوجها السابق..قسوة عاشتها،ومازال قلبها يتمني ان تجد قلب يشعر بضعفها، حُب سكن قلبها. لشخص لا يراها، كيف يراها وهي مُشعثه هكذا.
نظرت لها عمتها تربت على كتفها بحنان قائلة:
عارفة يا بِت إنتِ لو إهتميتي بنفسك هتبقي قمر، تحطي مكياج وشعرك ده تلميه وتتحجبي وشك هينور، مش هتبقي شبة الرجالة كده.. أنا لو مش عارفاكي بلبسك الصبياني وشعرك المنكوش القصير ده كنت قولت راجل.
ضحكت بقوة قائلة:
طالعه لك يا عمتى مش لسه من شويه بتقولى على نفسك مسترجلة.
تبسمت عمتها قائلة:
لاء إنت مش زيي وربنا هيبعتلك اللى يعوضك ويبقي سندك بحق مش مخدة الكنبة اللى أنا متجوزاه.
ضحكت بأمنية فى قلبها وأمل تتمنى لو يتحقق ويراها أصغر أبناء الدباغ،الذي يتنفس قلبها بأسمه"كنان".
❈-❈-❈
بشقة والد عهد
شغب عهد مع ياسين كالمعتاد..تبسمت فرح حين دلفت الى الغرفة وجدتهما الأثنين يقومان بلعق قطع الحلوى(المصاصة)
يجلسان بإنسجام معًا يتبادلان تذوق الحلوى.. تفوهت بنزق قائلة:
من شويه كنت أنا وماما سامعين خناقكم مع بعض دلوقتي بتتبادلوا المصاصات بمنظر مُقزز.
أومأت عهد قائلة:
بصراحة الطعمين زي بعض تقريبًا بس بتاعت الواد ياسين الطعم فيها شوية...هات أما أدوقها وخد من بتاعتي.
وافق ياسين على ذلك،تقززت فرح منهما
وضحكت قائلة:
غريبة إنه بيرضي معاك وهو عينه فارغة ومش بيرضي يعطي لحد حاجه، حتى إنتِ كمان بتقرفي، بس أقول إيه أنتم الإتنين عاملين زي المولدين فوق روس بعض.
بعد قليل جلست فرح تبتسم على صغيرها الذي إلتهي فى تلك الحقيبه يُخرج الالعاب..
نظرت لـ عهد بإمتنان ثم تنحنحت قائلة:
إيه الالعاب دي كلها.
نظرت عهد الى ياسين الذي يستمتع بتلك الالعاب قائلة:
بصراحه بقى عندي هوس لما أكون ماشيه وأشوف محل ألعاب بدخل ومعرفش إزاي بلاقي نفسي إيدي بتتمد علي اللعب واللى بيعجبني بشتريه.
ضحكت ميرفت التى دلفت للغرفه قائلة:
الله يرحم أيام زمان لما كانت تشوف حد بيشتري ألعاب كانت تقول فاضي ومستكتر فلوسه إزاي يشتري لعب أطفال هتتكسر بسرعة... دلوقتي مضيعه نص مرتبها عاللعب.
ضحكت فرح، بينما إغتاظت عهد قائلة:
تمام أنا بقيت تافه خلاص كده مش عاوزه تقولى كده يا ماما.. بس فرحة الواد ياسين أحلى بسمة.
تبسمت فرح وتنحنحت أكثر من مره مما جعل عهد تلاحظ فتحدثت مباشرةً:
قولى عندك إيه وبطلي نحنحة.
إبتلعت فرح ريقها قائلة بتبرير:
عيد ميلاد ياسين الرابع بعد بكره.
إبتسمت عهد قائلة:
ياااه أربع سنين مروا بسرعه أوي،أه بتفكريني يعني عشان أجيب له هدية عيد ميلاده متقلقيش اللعب دي مش محسوبة من هدية عيد الميلاد...هجيب له...
قاطعتها فرح بكسوف:
لاء يا عهد كفايه لعب وهدايا،أنا عاوزه حاجه تانيه.
ضيقت عهد عينيها سائلة بإستفسار:
وإيه الحاجه التانيه دي.
نظرت فرح ناحية والدتها ثم الى عهد قائلة بتردد متأكدة من رفض عهد للاقتراح:
يعني هنعمل حفلة صغيرة زي كل سنه في بيت الدباغ.
فهمت عهد تبدلت ملامحها وكادت تتحدث لكن سبقتها فرح:
كل سنه كنتِ بتبقي فى رحلة السنه دي إنتِ هنا، مش هقولك عشان خاطري، عشان خاطر ياسين بيبقي مبسوط معاكِ.
نظرت لها عهد قائلة:
فرح إنتِ عارفه أنا مش برتاح فى البيت ده، ولا برتاح فى وجود فاروق، ومن يوم ما إتعصب عليا وأنا مشوفتوش يعني من أكتر من تلات سنين، وسبق وقولت لك...
قاطعتها فرح بإلحاح قائلة:
قولتلك مش عشان خاطري وغلاوة ياسين عندك... أنا بنبسط لما بتبقي جانبي.. وده يوم عيد ميلاد ياسين.
كادت عهد أن ترفض وهي تعلم أنها غصبً ستتقابل مع فاروق وهي تبغض ذلك، لكن إلحاح فرح أرغمها على الموافقة على مضض، وهي تنبه نفسها بسهولة ستتجنب فاروق.
❈-❈-❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بالنادي الرياضي، صدفة عبثية…
أمام مُربع الإسكواش، تفاجأت يارا بذلك الذي لم تكن تتوقعه أبدًا... لوهلة
تجمدت خطواتها ، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها، بينما هو كان يقف هناك، يجفف العرق عن جبينه، يمسك بالمضرب بيد وعيونه إستقرت عليها بدهشة لم تقل عنها...
ثوانٍ ثقيلة مرت… لم يتكلم أحد، لكن الذكريات سبقت الكلمات، واشتعل الهواء بينهما بأسئلة مؤجلة ونبض خان الصمت...
ابتلعت يارا ريقها، حاولت أن تبدو ثابتة، لكن ارتجافة لمست قلبها..
بينما … فابتسامة صغيرة، غامضة، ارتسمت على شفتيه وكأن القدر قرر أن يلقي نرده في توقيت غير مناسب...
خرج نديم من مربع الإسكواش وأقترب من يارا وتحدث بصوت متزن:
يارا… مش معقول الصدفة... لسه بتلعبي إسكواش.
رفعت رأسها أخيرًا، بعينين تحملان دهشة وأجابته ببرودٍ مصطنع:
واضح إن النادي بقى ضيق أوي، كمان إنت شكلك لسه مواظب على اللعب.
تبسم نديم ولا يعلم لما تعمد النظر الى يديها، تفاجئ أنها خالية من أي خاتم، لكن ذلك ليس دليل على عدم إرتباطها، ربما لا تضع خواتم بسبب تأهبها للـ اللعب... ود معرفة ذلك لكن عقله يسأله لما تود معرفة ذلك... بينما نظرت له يارا بتعالي وغرور.. لكن قلبها كان يقول شيئًا آخر…
لكن يبدوا أن الصدف العبثية أحيانًا لا تأتي عبثًا، بل لتفتح أبوابًا أُغلِقت قبل أوانها.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ بشقة فرح
لم تهتم بالتجهيزات وجلست مع ياسين تشاركه اللعب، تعمدت ذلك، حتى لا تُثير أي إنتقاد، هي هنا من أجل ياسين فقط والافضل أن تنزوي معه...
بعد وقت
أمسكت عهد ذلك الصغير صاحب الأربع سنوات من ياقة كنزته قائلة:
ولا... إنت بتغش فى اللعب، دي آخر مرة هلعب معاك... إنت عيل غِتت زي باباك بالظبط.
ضحكت فرح التى دلفت عليهما ونظرت لهما بمرح قائلة:
إنتِ جايه تساعديني فى تعليق زينة عيد الميلاد ولا تلعبي مع ياسين، كمان عاملة عقلك بعقله، إمتي هتكبري يا عهد.
نظرت لها عهد بمرح قائلة:
الواد إبنك غشاش على فكرة ومعندوش أدب ولا إحترام ده بينادي عليا بيقولى يا عهد من غير ألقاب كأني زميلته فى الروضة... مش مؤدب أكيد وراثة من باباه.
ضحكت فرح قائلة:
إنتِ أي حاجة سيئة تقولي زي باباه، يلا انا عارفه إن مفيش منك منفعة خدي ياسين وإنزلوا الجنينة كملوا لعب والشغالة هتساعدني فى تعليق الزينة.
أومأت لها عهد بتوافق وهي تُشير للصغير قائلة!
يلا يا غِتت قدامي عالجنينة أنا بتوه فى البيت ده.
ضحكت فرح بينما تصلب الصغير ورفع يديه قائلًا بحروف متقطعة:
شيلني وأنا أقولك فين الجنينة.
نظرت له عهد بحِدة مرحة قائلة:
أشيل مين، إنت بقيت راجل كبير خلاص.
لم يتحرك الصغير وصمم على ذلك... ضحكت فرح، بينما إستسلمت عهد قائلة:
ماشي هشيلك يا رِخم.
إدعت عهد بعدما حملته قائلة:
إنت تقيل أوي بيأكلوك إيه، أكيد طنط إجلال بتأكلك من طبيخها الدسم.
ضحكت فرح، حين غادرت عهد وياسين.
بعد لحظات
وضعت عهد ياسين تنظر حولها قائلة:
قولي هنلعب إيه بقي هنا فى الجو ده.
توقف ياسين يُفكر بطفوله ثم تحدث قائلًا:
الطبق الطاير هنا بلعب بيه مع عيال عمو محسن.
ابتسمت له قائلة:
تمام هات الطبق.
بالفعل بعد لحظات كانا يلعبان بذلك الطبق الخفيف الذي يُلقيه ياسين وهي تذهب لتأتي، به، لكن وقت قليل وتركها ياسين يهرول ناحية تلك السيارة بلهفة طفل، تقابل مع فاروق الذي إنحنى وحمله وسمع حديثه عن لعب عهد معه، تبسم له وهو ينظر الى مكان وقوف عهد، ذهب نحوها مُرغمً بسبب إلحاح ياسين، توقف أمامها يُرحب بها بذوق... اومأت عهد بإبتسامة بسيطة.. تحدث ياسين عن مشاغبته لـ عهد التي تبتسم...
ظلا واقفان لمجرد دقائق قليلة، لكن كانت صورة للمستقبل ترسمها تلك التى كانت تقف خلف زجاج نافذة بشقتها... تدمعت عينيها لوهلة لكن سرعان ما تبسمت تنفض ذلك الألم الذي يتسرب الى خلايا جسدها.. تعلم أن له نهاية واحدة... لكن جففت تلك الدموع وتبسمت وهي تنظر نحو ثلاثتهم...
من يراهم يُجزم أنهم عائلة صغيرة
تتكون من ثلاث أفراد يجمع بينهم الحب.
بينما الحقيقة كانت خلاف ذلك
فاروق لأول مره يراها مباشرةً منذ ذلك الإحتداد الذي حدث قبل سنوات... تعمد عدم النظر لوجهها تعامل معها بحيادية، وهي كذالك حتى أنها إدعت السأم من الشمس وإنهاء اللعب... وتحججت بمساعدة فرح بتعليق الزينة وإبتعدت عن مجال فاروق...
الذي لاحظ ذلك فى حديثها معه، كانت ترد بإختصار... وتعمدت عدم النظر له.. بينما هو رسم البرود، فالماضي إنتهي وحقيقة واحدة فقط.. هي شقيقة زوجته.
مر الإحتفال بسلام، حاولت عهد أن تتعامل مع الجميع على أنها مجرد ضيفة... غادرت بمجرد إنتهاء الحفل.
❈-❈-❈
بعد مرور اسبوعين تقريبًا
كانت عهد بإحد الرحلات... كانت تقطن بأحد الفنادق... تقف خلف زجاج شُرفة الغرفة تنظر الى الخارج تتأمل تلك المدينة، قطع تأملها صوت رنين هاتفها.. تركت النظر من الشرفة وذهبت نحو مكان هاتفها، تبسمت حين رأت إسم فرح على الشاشة قامت بالرد بمرح:
متصلة بدري أوي، في فرق توقيت بين هنا وبين مصر مش أقل من ساعتين...
تصنمت يد عهد على الهاتف، حين قاطعت فرح حديثها قائلة مباشرةً:
عهد أنا تعبانة أوي أوي... ومتأكدة إن أيامي فى الدنيا معدودة، أنا محتاجة ليكِ، ولو رجعتي مصر وكنت رحلت وصيتك ياسين إبني.
صدمة اطارت او بالأصح شلت عقل عهد وهي تتحدث بتعلثم غير مستوعبة:
بتهزري، حتى لو بتهزري ميبقاش بالطريقة دي... فرح.. يعني إيه تعبانه... قولي إن ده مقلب منك.
لكن الرد كان صادم أكثر حين سمعت عهد صوت يبدوا عبر مكبر صوت لنداء أحد الأطباء ، وبعدها إنقطاع الإتصال.. جعلها تشعر بإنهيار تام.