رواية اشتد قيد الهوى الفصل السادس والثلاثون36 بقلم دهب عطيه

رواية اشتد قيد الهوى بقلم دهب عطيه
رواية اشتد قيد الهوى الفصل السادس والثلاثون36 بقلم دهب عطيه
أوقفت السيارة الفارهة ثم ترجلت منها وهي تحمل بين يديها باقة أنيقة من الورد...

سارت بخطوات هادئة أنيقة كعب حذائها العالي يقرع الأرض المصقولة بخيلاء... 

كانت متأنقة في ثوبٍ ربيعي طويل بحمالاتٍ عريضة يكشف عن ذراعيها بالكامل وتترك شعرها حرًّا خلف ظهرها فيما تضع نظارةً سوداء تخفي تفاصيل ملامحها المزينة...

أشار لها أحد العاملين على باب غرفة أيوب الذي يجلس ويعمل بها أغلب الأوقات...

فتحت الباب بعد الطرق عليه نازعة النظارة 
عن عينيها...

ويبدو أن كليهما لم ينتبها لطرقات الباب
فقد رأته يقف منحنياً على سطح المكتب يرسم شيئًا ما وتلك الـ ليان تقف بجواره منحنية مثله لكن بشكلٍ أنثويٍّ ملفتٍ حتى تثير انتباهه.....وربما غرائزه من يدري...

ستظل تلك الفتاة كالعلكة في حياتهما متى تنتهي منها كالباقيه؟!.....

انقلبت ملامح نغم مائة وثمانين درجة وبهتت تعابير وجهها من الموقف تجزّ على أسنانها بغيرةٍ تشعل أوردتها...

ـ"إيه رأيك كده؟..."

خصَّ أيوب بالسؤال تلك التي تقف بجانبه ولم ينتبه إلى الواقفة عند الباب تراقبه بعينين مشتعلتين....

قالت ليان بنعومة وهي ترفع عينيها نحو أيوب....

"كده حساها بقت أحسن فعلًا... حقيقي يا أيوب.... إنت تجنن... "

ردّت نغم بسخريةٍ لاذعة وغضبٍ مكتوم...

"لا... سلمتك من الجنان !"

وزعت نظراتها الحارقة بالاتهام عليهما فرفع أيوب عينَيه عليها مندهشًا من وجودها هنا لكن الدهشة سرعان ما تحولت إلى غضبٍ مكتوم وغيرةٍ نارية وهو ينظر إلى ذراعيها المكشوفتين من خلال ذلك الثوب المستفز الذي يرسم خصرها بوضوح... هل خرجت من بيتها بهذا الشكل؟!

كانت أول من قطع الصمت ليان التي اغتصبت البسمة على شفتيها بصعوبة قائلة بدهشةٍ متكلفة...

"إيه ده؟ نغم هانم عندنا...فرصة سعيدة... نورتي المكان..."

اقتربت منها تصافحها فقابلتها نغم بخطواتٍ ثابتة حتى صارت بالقرب منه ترمقه بنظرةٍ ذات مغزى....

"منور بصاحب المكان..."

تبادل أيوب معها النظرات بصمتٍ مهيب وعيناه تنحدران على ذراعيها المكشوفتين بغيظٍ مكتوم....

وعند صمته المزعوم ذاك قالت هي بضيقٍ ممزوجٍ بالغيرة...

"إيه تحب أمشي؟..... عطلتكم ولا حاجة؟"

سحب أيوب نفسًا طويلاً وهو يخطو نحوها ليمد يده بمصافحةٍ فاترة قائلاً أمام ليان بتحفظ....

"عاملة إيه يا نغم..."

ارتفع حاجباها منزعجة من هذا التحفظ الغريب الذي يتقنه أمام الأخرى فقالت بلؤمٍ واضح...

"أكيد مش كويسة وإنت بعيد عني..."

ظهرت الصدمة جلية على ملامح ليان التي تبادلت النظر بينهما مما جعل نغم تبتسم وهي ترى الطريق يُفتح أمامها....

"سوري... هو إنت ما فرحتش ليان معانا؟ معقول تسيبها كده لحد ما تعرف من برّا؟"

نطق أيوب اسمها بتحفّزٍ غاضب...

"نـغـم..."

سألتهم ليان بترددٍ وهي تقرأ الإجابة على وجهيهما...

"يقولي إيه بالضبط؟!"

حدجتها نغم بنظرةٍ ظافرةٍ قائلة...

"إننا هنتجوز كمان أسبوعين... أصلنا قرينا الفاتحة.... عقبالك..."

شحب وجه ليان وهي ترفع عينيها المصدومتين نحو أيوب بتساؤلٍ 
مضطرب....

"الكلام ده حقيقي يا أيوب؟!"

أومأ أيوب برأسه بوجهٍ جامدٍ خالٍ من أي تعاطف قائلاً...

"أيوه... وكنت ناوي أقولك عشان أعزمك..."

ابتسمت ليان ابتسامةً باهتة ورفعت رأسها بشموخٍ وهما أمامها تبتلع غصّة بكائها وهي تقول ببرودٍ متصنّع....

"والله... مبروك... ألف مبروك..."

ثم تحركت من أمامهما دون أن تنطق بكلمةٍ أخرى مكتفيةً بهذا القدر من المهانة لكرامتها.

وحين أغلقت الباب خلفها هبت عاصفة الغضب في عيني نغم الرماديتين وهي تسأله بغيرةٍ متقدة....

"ممكن أفهم؟.... ليه ما قلتلهاش خايف على مشاعرها مثلًا؟!"

نظر إليها أيوب بوجومٍ وسأل بغلاظة...

"إنتي إيه اللي جابك؟!"

صدمها الرد وشعرت بالإهانة بعد تلك النظرة القاسية فقالت بضجرٍ حانق....

"هو ده اللي فارق معاك؟... مكنتش عايزني أجي هنا؟.... عشان ما أقطعش الجو اللطيف اللي بينكم؟!"

دسَّ أيوب يديه في جيب بنطاله وظل يحدّق فيها بملامحٍ صخرية....

استشاطت غضبًا من صمته وكأنها حصلت على الإجابة فقالت بهياجٍ واضح....

"وطالما كده... عايز تتجوزني ليه.... طفاسة وخلاص؟!"

رفع حاجبه بشكلٍ خطيرٍ وهو يرد بوقاحةٍ جارحة....

"طفاسة؟! يمكن... أصلك نوع جديد ما دقتوش قبل كده..."

أشعل رده غيظها أكثر فقالت بصيحةٍ حادة...

"اعتبر الفاتحة اللي قريتها مع بابا ملغية ومفيش زفت جواز من واحد خاين زيك
خليها تنفعك... "

ثم أردفت وهي ترمي باقة الورد في
وجهه...

"وخد الورد... مع إنه خسارة فيك..."

سقطت الباقة أرضًا فدعستها بحذائها عدة مرات بأنفاسٍ لاهثةٍ من شدة الغضب...

راقبها وهي تتحرك نحو الباب تنوي المغادرة فلحق بها يطوق خصرها من الخلف محاصرًا إياها خلف الباب المغلق وهمس بحشرجةٍ حانقةٍ قرب أذنها....

"خاين..... دخلتي لقيتيها في حضني؟!"

تمتمت ساخطة وهي تحاول الفكاك من حصاره...

"ما أنا شوفتها قبل كده في حضنك مش هتصدم يعني.... "

أدارها نحوه بعنفٍ هامسًا بأمرٍ خشن...

"ادخلي اقعدي وبطّلي جنان..."

رفضت بعنادٍ وهي تضربه في صدره...

"أنا هروح... خليها هي تيجي تفرفشك.."

أمسك قبضتها قائلًا بنظرةٍ عابثة..

"مفيش حد يعرف يفرفشني غيرك..."

قالت بتهدجٍ متوتر...

"أنا مليش في الفرفشة..."

التوى فكه باستهجانٍ قائلاً...

"مش لازم تقولي...أنا متأكد إنك ملكيش غير في النكد والاتهامات..."

ابتعد أيوب عنها خطوتين ثم مال يلتقط الباقة المهروسة من الأرض ووضعها بعنايةٍ على سطح المكتب..

عناية لا تناسب وحشيتها معها منذ دقيقة...

عاد ينظر إليها قائلاً بتهكمٍ ساخر...

"وشكرًا على الورد المهروس... هنجملك بحاجة زيه كده إن شاء الله..."

ظلت واقفة مكانها تحاول كبح انفعالات جسدها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها
بينما هتف هو بغيظٍ وهو يحدق في ثوبها الربيعي...

"ممكن أفهم بقى إنتي خرجتي من البيت 
كده إزاي؟!"

جاشت مراجلها وهي تقترب منه قائلة...

"إنت بتقلب الطربيزة عشان ما أسألكش إنت ليه ما قلتلهاش إننا هنتجوز؟!"

رد بصبرٍ نافد...

"كنت هقولها لما ييجي وقتها..."

اهتاجت أكثر وهي تقول ببغضٍ متزايد..

"ووقتها ده إمتى إن شاء الله؟... تكونش خايف على مشاعرها؟!"

أكد ببرودٍ متعمّد...

"حاجة زي كده..."

اتسعت عيناها الغاضبتان بصدمةٍ مشتعلة...

"خايف على مشاعرها؟!..... أما مشاعري أنا تتحرق بجاز مش مهمة عندك؟!"

اقترب منها محاولًا الإمساك بذراعيها قائلاً برجاءٍ حازم...

"ممكن تستهدي بالله وتسمعيني..."

سحبت ذراعيها بعنفٍ قائلةً...

"لو هي عاجباك روحلها... وما تعلقنيش بيك... بلاش طفاسة....وتبقى عايز كل حاجة.. "

اغتاظ من ردها فقال بصرامةٍ غليظة...

"برضو هتقولي طفاسة؟!... ما تعقلي الكلام
يا نغم..."

لوّحت بيديها وهي تجلس على أقرب مقعدٍ بأعصابٍ منهارة...

"مبقاش فيا عقل.... طالما عارف إنها بتحبك ليه ما بعدتهاش بالطريقة.... ليه أفهم؟!"

سألها باستنكارٍ واضح...

"عايزاني أقطع عيشها يعني؟!"

ظهرت السخرية في عيني نغم وهي تقول بوجومٍ مرير....

"وانت فاكِر ليان مستنيّة الشغل معاك؟
ليان بتقبض مرتب كويس جدًا من الشركة ومستواها مش بطال.... يعني مش محتاجة تشتغل في مكان تاني عشان تغطي مصاريفها..."

ثم تابعت بحدةٍ أكبر...

"يعني هي هنا عشانك... عشان تبقى جنبك مش أكتر..."

تحدث أيوب وهو يجلس في المقعد المقابل لها عيناه لا تحيدان عنها وقال بصبرٍ 
متكلف...

"حتى لو كل اللي بتقولي ده صح مش هينفع أقطع عيشها من هنا بعد ما قدمتلي المساعدة ووقفت جنبي أول ما فتحت المشروع..."

"وأول ما بدأ يشتغل أقولها معلش مش هينفع تكملي معايا عشان نغم مش عارفة تتحكم في غيرتها؟!"

ظهر خطٌّ من الألم في عيني نغم وهي تعقب بخفوتٍ موجوع...

"انت تقصد إيه بـ(وقفت جنبي)؟"

أسبل أيوب عينيه وهو يجيب بجمودٍ واقعي..

"دي الحقيقة يا نغم... كلهم كانوا جنبي في الأول... إلا إنتي... مع إنك أكتر واحدة كنت مستنيها في ضهري..."

نمت الغصة في حلقها بقسوة وقالت باختناقٍ متقطع...

"عشان كان بينا سوء تفاهم... كنا بعيد عن بعض وقتها..."

أومأ برأسه والعتاب في عينيه بحرٌ يغرقها 
بين أمواجٍ عاتية....

"عارف... بس ده مش معناه إني أقل بأصلي مع ليان... خليكي واثقة فيا شوية. أنا قلبي وعيني مش شايفين غيرك..."

ترقرقت الدموع في عيني نغم وهي تقول بابتسامةٍ حزينة...

"بلاش تضحك على نفسك يا أيوب... إنت مبقتش بتحبني...كل ما أبص في عينيك 
مش بشوف غير عتاب..."

مد يده يمسح دمعةً سالت من عينيها وهو يقول معتذرًا....

"العتاب على قد المحبة... لو مش بحبك زي ما بتقولي...ما كنتش هتشوفي حتى العتاب في عيني..."

ثم نهض من مكانه وسحب سترته ليضعها على كتفيها قائلاً بأمرٍ حانٍ....

"خدي البسي الجاكيت ده... وبعد كده ما تخرجيش من البيت بالشكل ده... حتى 
دراعِك يتغطى يا نغم..."

رضخت له بصمتٍ وهي ترتدي السترة بهدوء فسألها أيوب باهتمامٍ حاني...

"وشك لونه مخطوف... فطرتي النهارده؟"

أجابته...

"شربت قهوة..."

قطّب جبينه بعدم رضا قائلاً...

"قهوة... قهوة إيه اللي تعملك قرحة في المعدة إحنا نفطر سوا... هشوف حد أبعته يجيبلنا فطار ملوكي..."

رفضت بشجنٍ ووجوم...

"مليش نفس يا أيوب..."

ابتسم لعينيها قائلاً بحنوٍّ عذب...

"أنا هفتح نفسك....اطمني..."

بعد فترة كان على سطح المكتب عدة أصناف من الإفطار الشعبي الشهي ذاك الذي تناولته يومًا على عربة الفول معه....

لم تُقاوِم كثيرًا فقد بدأت معدتها المستغيثة تُصدر أصواتًا عالية مما جعلها تتناول الطعام معه لقمةً وأخرى ثم وجدت نفسها تأكل حتى التخمة....

ولأول مرة تنسى نفسها أمام الطعام وتأكل بنهم...

نهمٍ جعل أيوب يتوقف عن الأكل ليراقبها مبتسمًا راضيًا بالنتيجة النهائية وعيناه هائمتان بها وبتفاصيلها....

فكلما تصرفت على طبيعتها أمامه جذبته
اكثر إليها...

فهي تُنسيه كونها ابنةَ الذوات وهو يتمنى أن ينسى كل الألقاب والمستويات الفارغة بينهما ليبدأ معها من جديد...

شاكسها أيوب قائلًا بغلاظة

"مليييش نفس يا أيوب....تعالي كُليني"

احمرّت وجنتاها بحرجٍ شديد وهي تنهض من أمامه لتلملم العلب بينما ساعدها هو في ذلك فقالت بأنفة...

"ده عشان كنت متغاظة.... فحطيت غيظي في الأكل... بس أنا مكنتش جعانة...."

وضع هو بقايا الطعام في سلة المهملات بينما تحركت هي لتغسل يديها في الحمام الصغير المجاور للغرفة ثم عادت وهي تجفف يديها وقد عطرت فمها....

جلس أيوب في المقعد المقابل لها قريبًا منها ثم مد يده بزجاجة مياه غازية قائلًا...

"خُدي.... عشان تهضمي...."

سألته بحرصٍ شديد...

"دي دايت؟!"

انفجر أيوب ضاحكًا على جديتها....

"أكتر حاجة بحبها فيكي إنك ماشيه على النظام.... "

ابتسمت بخجلٍ وهي تأخذ رشفة من المياه الغازية مستمتعة بها بعد تلك الوجبة الدسمة ثم ناولته الزجاجة ليشرب معها فقال وهو 
يهمّ بفتح أخرى...

"اشربيها.... في واحدة تانية."

رفضت نغم وهي تضع يدها على معدتها المسطّحة...

"مش هقدر أشربها كلها... خلينا نشربها سوا."

أخذها منها وتشاركا في شربها معًا وسط جوٍّ مليء بالألفة والدفء مشاعر افتقداها في تلك الأشهر المضنية بالوجع والفراق....

بعد فترة من جلوسها معه أعطاها دفتر تصاميمه لتطلع على آخر ما صممه وأبدع في تنفيذه منها ما نال إعجاب الزبائن ومنها ما هو تحت التنفيذ...

وأثناء اندماجها في مشاهدة كل التصاميم وتفاصيلها المبهرة كان هو يتأملها عن كثب وقلبه هائمٌ في تفاصيلها المليحة وجمالها الأبي...

كيف ركضت الأيام والشهور بينهما وتحولت الفتاة المتعجرفة سليطة اللسان إلى امرأة يعشقها حدّ الضياع بدونها؟

كيف تحولت ابنة الذوات إلى المرأة التي يشتهي قربها ويرغبها دون عن أي شيء 
آخر في حياته؟

"وحـشـتـيـنـي..."

كلمة كان لها مفعول السحر جعلتها ترفع وجهها إليه مصعوقة غير مصدقة أنه قالها.

همست نغم بارتجاف...

"بجد يا أيوب؟"

أكد مبتسمًا وهو يسحب مقعدها نحوه حتى باتت قريبة جدًا منه ثم قال بعذوبة...

"بجد يا مجنونة.... حتى وانتي جمبي وحشاني.... عندِك شك في كده؟"

هزّت رأسها وهي تقول بعذاب...

"بصراحة آه... حاسة إننا مش هنرجع زي الأول...."

احتوى وجهها بين كفيه أنفاسه تلفح صفحة وجهها وعيناه تعانقان تفاصيلها بعشقٍ لا يهدأ همس بصوتٍ أحش....

"هنرجع أحسن من الأول... البركة فيكي... تنسّيني عمايلِك السودة... وتعالِجيني من أول وجديد."

سألته ببلاهة...

"أعالِجك إزاي؟"

مال عليها أكثر حتى لم يفصل بينهما سوى شعرة وهمس بصوتٍ مبحوح...

"عالِجيني بحبك.... بحضنك.... بلمستك.. أنا اللي هقولك تعالجيني إزاي.... "

أغمضت عينيها بضعف هامسة باسمه..

"أيييوووب..."

مال عليها يطبع القبل على وجنتيها وأصابعه تلامس جيدها الناعم ورائحتها العطرة الفاخرة تتسلل إلى أنفه بمداعبة صريحة....

همس بالقرب من أذنها وهو غارق في جمال اللحظة...

"بحبك يا نغم.... بحبك أوي... ومش عارف أقسى عليكي... أول ما أبص في عنيكي بنسى نفسي مش زعلي بس منك.... قوليلي الحل إيه؟"

همست بوهنٍ عاطفي وهي تفتح عينيها اللامعتين إليه....

"وأنا والله بموت فيك... آسفة والله آسفة غلطة وهفضل طول عمري ندمانة عليها."

وفجأة فُتح الباب وهما على هذا التقارب العاطفي فتراجع كلاهما عن الآخر ونظرا نحو ليان التي قالت باعتذارٍ بارد مشيرة إلى الملف بين يديها...

"سوري يا أيوب.... في طلبية بره بتحمّل ومحتاجين إمضتك هنا."

أطلق أيوب تنهيدة خشنة وهو يشير لها بالاقتراب بينما أرجعت نغم خصلاتها إلى الخلف بخجل وعادت إلى دفتر التصميمات تلهو به بعقلٍ مشغول....

بعد أن وقع على الملف أمرها بصوتٍ عابس..

"ليان لو سمحتي خدي الباب في إيدِك… وبلاش حد يدخل دلوقتي..."

تجهمت نظرات ليان عليهما وبهت وجهها وهي تتحرك خارجة من المكتب بخطواتٍ غاضبة...

تضاعف حرج نغم وهي تقول باحتجاج...

"إيه اللي عملتُه ده؟!.....تقول إيه علينا دلوقتي؟"

استنكر أيوب حديثها بلا اكتراث...

"مش مهم... وبعدين إنتي مش عايزاها تعرف اللي بينا؟"

عضت على باطن شفتيها قائلة بعدم ارتياح..

"تعرف.... بس مش تشوفنا كده... "

هتف أيوب بتملّك...

"كلها كام يوم وتبقي مراتي... ومحدش هيبقى لي حاجة عندنا.... "

توهّجت وجنتاها وعيناها تهربان من عينيه والتعبير الصارخ فيهما....

"إيه رأيك تشوفي الفستان؟"

نظرت إليه بدهشة وتساؤل...

"فستان إيه؟!"

استقام أيوب واقفًا وهو يمد يده لها كمن يدعوها للرقص...

"تعالي معايا.... بس غمضي عينِك الأول."

نهضت معه مبتسمة متحمسة لتراه يضع على عينيها شريطًا حريريًا أبيض فسألته متعجبة..

"بتعمل إيه يا أيوب؟!"

أخبرها هامسًا بعذوبة....

"متبوظيش المفاجأة..... اصبري."

سحبها معه إلى أحد الزوايا ليقف هو وهي أمام مجسم مغطّى بقطعة من القماش تخفي تفاصيله خلفها....

سحب الشريط الحريري عن عينيها برفق 
ثم أشار لها قائلاً...

"شوفي كده وقوليلي رأيك..."

ابتسمت نغم وجسدها يرتجف من فرط الحماس والسعادة وسحبت الغطاء عن المجسم لترى أمام عينيها ثوب زفاف أبيض يختلف عن أي تصميم رأته أو أعجبها من
قبل...

كان مميزًا ومبهرًا في كل تفصيلة بشكل جعلها تقف أمامه مذهولة تضع يدها على فمها بإعجاب صارخ...

ثوب الزفاف وكأنه نُسِج من ضوء القمر كما أن تفصيلته كلاسيكية راقية بشكلٍ مبهر وكأنه مقتبس من أثواب الأميرات.

"تحفة يا أيوب..بجد مكنتش متخيلاه بالجمال ده...أنا متوقعة إنك هتفاجئني بس مش لدرجادي..."

هتفت نغم بتلك الكلمات غير المرتبة تعبّر عن سعادتها بهذه الهدية وهي تلامس قماش الثوب بإعجاب.....

"تحبي تجربيه..... نعمل بروفا عليه..."

سألها أيوب وفرحتها كانت تنعكس على ملامحه هو بالرضا والاعتداد بالنفس 
لكونه لمسها بتلك الطريقة...

ولم تكن مبالغة في فرحتها فهو ظل لأشهر طويلة يرسم هذا التصميم بالشكل الذي يليق بـ(ابنة الذوات) بشخصيتها الممزوجة بين الرقة والقسوة..... العناد والرضوخ.... الحب والاستغناء....

صمّم شيئًا يُعجبها من الوهلة الأولى كما أعجبته يومًا ونالت من قلبه بضراوة العشق منذ النظرة الأولى !....

سألته بتردد..... "ينفع؟!"

أكد أيوب وهو يتراجع للخلف بكياسة قائلاً...

"هقف على الباب لحد ما تخلصي... أول ما تخلصي نادي عليا..."

أومأت برأسها موافقة والسعادة تتوهّج في عينيها الرماديتين..شتاءٌ يأتي في كلِّ الفصول ناسجٌ من الرماد حرارةَ الصيف وأحيانًا خريفًا هادئًا....أمّا ربيعُ الحب فيأتي عنده متفتّحًا...

هكذا كانت عينيها وستظل بنسبة له شتاء ياتي في كل الفصول.....

حين أغلق أيوب الباب قفزت عدة مرات صارخة بابتهاج وهي تنظر إلى الثوب.

المميز في هذا الثوب ليس لأن تفاصيله نالت إعجابها ولمستها بل لأنه تصميم أيوب عبد العظيم الرجل الذي سلب لبّها....ولم يكتفِ بهذا القدر لقد احتلها احتلالًا مقبولًا !....

لاحظت ليان وقوف أيوب خارج الغرفة الصغيرة المسماة (بالمكتب)....

أخذت تقترب منه عابسة وهي تلفت انتباهه بسؤالها الفضولي...

"واقف بره ليه..... هي نغم مشيت؟"

رد أيوب بخشونة....

"لأ جوا... كنت بعمل مكالمة... الشغل تمام..."

أجابته بنظرة حزينة معاتبة...

"كله تمام؟... انت فعلاً هتتجوز نغم كمان أسبوعين؟"

دون أن يرف له جفن أكد الأمر...

"إن شاء الله... ليه بتسألي تاني؟"

انحنى حاجباها ألمًا وحزنًا وهي تقول 
بتعجب...

"بعد كل اللي عملته معاك ترجعلها؟!"

سحب أيوب نفسًا خشنًا وهو يجيبها بصبر...

"اللي بيني وبينها حاجة تخصنا... لا هتقدري تفهميها ولا هتحسيها زينا..."

قالت ليان بنبرة مثخنة بالجراح...

"بالعكس يا أيوب... أنا عشان حسيت بوجعك قولت كده... صدقني إنت خسارة فيها..."

عقب أيوب باستهانة...

"ومكسب لمين بقى؟... ليكي؟"

بلعت الغصة في حلقها وهي تقول بتوتر...

"أنا مقصدش كده...أنا بس خايفة عليك...
هي مش بتحبك..."

رد أيوب بثبات وثقة...

"نغم ما عرفتش الحب غير معايا زي ما أنا ما عرفتهوش غير في حضنها..."

أجفلها الرد وازداد شحوب وجهها وعضّت بحقد على لسانها لاعنةً في سرها نغم وقيدها المغوي لقلبه.....

تنهد أيوب مجيبًا بهدوء محافظًا على ثباته الانفعالي...

"قولتلك اللي بينا صعب تفهميه أو تحسيه... إنتي مش في مكانا... يمكن كل اللي حصل
ده كان خير لينا...عشان نتمسك ببعض أكتر ونعرف قيمة اللي بينا..."

شعرت أن لسانها سينقطع أسفل أسنانها الحادة من شدة الغضب لكن آلامها تلك لا تُوازي ألم قلبها وكرامتها المطعونة.....

تابع أيوب برفق رغم صلابة كلماته...

"ويمكن كمان عشان تعرفي...إن الحب اللي بجد لازم يكون بين طرفين... أما طرف واحد فده عمره قصير أوي...و مش بيدوم."

لانت نظراته نحوها مشفقًا عليها بعد أن رأى تأثير كلماته بوضوح على صفحة وجهها الشاحبة.....

"ليان أنا بقدرك وبحترمك... بس إنتي بالنسبة ليا أخت وزميلة عمل مش أكتر... ولو مش هتقدري تكملي في الشغل هنا مـ..."

انطلقت الأحرف منها ترفض الاستسلام لتلك النهاية المخزية...

"إيه دخل الشغل بكلامنا؟!... موضوع وانتهى وكل شيء قسمة ونصيب... أنا هكمل شغلي معاك هنا... إلا بقى لو نغم ليها رأي تاني..."

تجهم أيوب بخشونة وثبات قائلاً...

"إيه اللي هيخلي نغم تدخل في حاجة زي دي؟!... هي واثقة في نفسها وفيّا... وجودك مش مسبب أي مشكلة بالعكس مرحب بيكي معانا في أي وقت..."

ثم استأنف حديثه بجدية...

"أنا قولت أعفيكي...يمكن بتفكري تمشي..."

قالت ليان بنظرة حازمة تحمل الكثير بين طياتها...

"بالعكس شغلي معاك هو الحاجة الوحيدة اللي هفضل متمسكة بيها... اطمن..."

لم يرتح لتلك النغمة في حديثها شعر بالريبة من نظرتها وتصميمها على البقاء بعد كل شيء لكنه في قرارة نفسه لم يطلب منها المغادرة فهو لم يتعلم أن يرد الجميل بالنكران....

دلف أيوب إليها بعد أن سمحت له ثم رفع عينيه نحو تلك الغيمة البيضاء البعيدة عنه بعدة خطوات فقط...

وقف مشدوهًا أمام إطلالتها الساحرة وبرغم أن التصميم من صنعه إلا أنه عليها بدا غريبًا مبهرًا بشدة وكأنه يراه لأول مرة...

كان فستانها قطعةً من القمر يضوي بجمالٍ يلتف حولها برقةٍ... ترتفع ياقة الدانتيل لتطوّق عنقها بنعومةٍ فيما تسلسلت الأزرار الصغيرة نزولًا على صدرها كدُرَرٍ مصطفّةٍ على خيطٍ خفي....

أما أكمامه المنتفخة بخفوتٍ جميل فقد منحتها هيئة أميرةٍ من زمنٍ قديم تتهادى بخجلٍ واعتدادٍ في آنٍ واحد...

وتحت الخصر الممشوق انسابت التنورة الواسعة ككومةٍ بيضاءَ تتأرجح مع كل حركةٍ منها جاذبةً الأنظار إليها...

قالت بهمسٍ رقيق...

"إيه رأيك...... حلو عليا"

فأجابها بصدقٍ أملاه عليه قلبه...

"هو بقى حلو فعلًا لما لبستيه..."

سألته بخجلٍ...

"بجد يا أيوب؟... إنت شايف كده؟"

ألقى الكرة في ملعبها قائلًا وعيناه تنهلان
من حسنها...

"المهم إنتي شايفة إيه؟"

اقتربت منه تفصل بينهما الخطوات القليلة وهي تقول بتورد....

"شايفة إني محظوظة... محظوظة بيك وبكل حاجة حلوة حصلت في حياتي لما دخلتها..."

بملامح مشبعة بالعشق وبعينين دافئتين اعترف بصوتٍ أجش...

"إنتي اللي حليتي أيامي وخليتي ليها معنى يا نَغَم... إنتي اللي خلتيني أكمل في حلم نسيته..
رجّعتيلي شغفي وحبي ليه من تاني...ده غير حبك... حبك أجمل حاجة حصلت ليا....."

مال عليها يشم عبيرها الفاخر هامسًا بعاطفة
جياشة....

"بـحـبـك يـا كـل الـحـب..."

فأجابته بهمسٍ ناعمٍ وعينين تتلألآن بالسعادة والهوى....

"وأنـا بـمـوت فـيـك يـا حـبـيـبـي..."

ثم قالت وهي تنظر إلى صورتها المنعكسة في مرآةٍ بيضاوية الشكل موضوعةٍ جانبًا...

"قولي صحيح...مين ساعدك في تنفيذ التحفة دي؟... "

وقف خلفها يتأملها من خلال صورة المرآة فكما كانت هي شديدة الأنوثة والرقة حدَّ الجمال كان هو شديد الرجولة حدَّ الكمال وقصة حبهما تشي بعنف مشاعرهما...

أجابها أيوب بصوتٍ هادئ....

"محدش مد إيده فيه ولا حد شافه غيرك... أنا عملت كل حاجة بنفسي عشان ده مش فستان فرح أي حد... ده فستان فرح حبيبتي ومراتي ولازم يبقى غير..."

استدارت إليه تسأله بدلالٍ وهو يرضي أنوثتها بكل الطرق سالبًا قلبها وأنفاسها للمرة التي فشلت في عدّها....

"المفروض أقول إيه بعد الكلام ده؟"

قرص وجنتها بخفةٍ وهو يقول مداعبًا...

"متقوليش... تعالي في حضني وكأنك قولتي كل حاجة..."

دست نفسها بين ذراعيه مستسلمةً للهوى ولحبيبها هامسةً بضعفٍ...

"بـحـبـِك..."

دفن أنفه في قمة رأسها مستنشقًا عبير شعرها الزاكي متمتمًا بولهٍ....

"وأنـا دايـب.. يا كـل الـحـب..."

..............................................................
تمرغت على الفراش بنعومة وهي تضع يدها تحسست المكان الفارغ بجوارها... فتحت عينيها بتكاسل لترى نفسها تنام وحدها 
على الفراش....

نظرت حولها وهي تستوي جالسة وتتثاءب مناديةً عليه بصوتها الناعس....

"سي سلامة..."

لم تجد ردًا قابلها السكون والهدوء من حولها فنهضت تبحث عنه في الحمّام لكنها كما توقعت لم تجد أحدًا غيرها....

ارتسم الاستياء على وجهها وهي تنظر في هاتفها الصغير لترى الساعة تشير إلى العاشرة. ما زال الوقت مبكرًا على صلاة الجمعة...

أين ذهب في يوم الإجازة.... لقد وعدها أن يقضيه معها...

تحركت بخفة ترتب الفراش والمكان من حولها ثم دلفت إلى الحمام وشرعت في الاستحمام مبدّلةً ثيابها بمنامةٍ بيتيّة بسيطة....

وأثناء تجفيف شعرها سمعت صوت المفتاح في المزلاج ثم ظهر سلامة وهو ينحني ليلتقط علبة كرتونية كبيرة ويدلف بها....

"سي سلامة... كنت فين أنا قولت إنك
رحت الشغل... "

قالتها عزة وهي تقترب منه مغلقةً الباب خلفه.

فأجابها سلامة وهو يضع العلبة الكبيرة جانبًا قائلاً...

"ما أنا قولتلك إننا هنقضي اليوم سوا..."

سألته باهتمام...

"طب كنت فين الصبح كده؟"

رد وهو يشير إلى العلبة...

"كنت بشتري التلفزيون ده..."

سألته بدهشة مبتسمة.... "تلفزيون؟!"

أومأ برأسه قائلاً ببعض الحرج...

"هو استعمال نص عمر كده...بس أهي حاجة توفّي الغرض..عشان متزهقيش وانتي قاعدة لوحدِك..."

فغرت فمها مشيرةً إلى نفسها بلهفة...

"جبته عشاني؟!"

قال دون أدنى تردد...

"أمال عشاني أنا؟!.... أنا عايش طول عمري
من غيره... إيه رأيك؟"

قالت مبتسمة برقة...

"تعيش وتجيب... إن شاء الله تسلم."

أشار سلامة إلى الأشياء التي جاء بها قائلاً بملاطفة....

"طب يلا حضرلنا الفطار.... جبتلك فلافل سخنة وفول بزيت الحار. وضبي القعدة برا... خلينا ناكل في الهوا... "

أشارت على عينيها بمحبة وهي تهمّ بتحضير الفطور...

"من عنيا الإتنين.... دقايق والفطار يكون جاهز...."

سألها سلامة...

"تحبي أساعدك يا وِزة؟"

نظرت إليه قليلاً ثم قالت برقة...

"لو عايز تساعدني... حطّ الفلافل في طبق والجبنة... على ما أقلي البيض."

بعد تناول وجبة الفطور معًا تشاركا الجلسة قليلًا على الأريكة حتى شرع سلامة في تشغيل التلفاز.... وبعد ساعات ظهرت القنوات على الشاشة... وقتها كانت عزة تقف في ركن المطبخ الصغير تحضّر الغداء....

وحين ظهرت المحطات على الشاشة اقتربت منه تناوله كوب الشاي قائلةً بجذل....

"تسلم إيدك... أيوه كده... "

غمز لها سلامة بشقاوة قائلاً وهو يغيّر المحطات بجهاز التحكم...

"إيه رأيك؟.... صنايعي مش أي كلام.. "

أكدت على حديثه وهي تضحك متجهة إلى ركنها الصغير لتتابع ما تفعله...

فسألها سلامة بعد أن أخذ رشفة من الشاي..

"بتعملي إيه؟"

أجابته وهي تفتح باب الثلاجة لتضع فيها الإناء...

"كنت بتبّل الفراخ... ناوية أعملك فراخ مشوية على الفحم...."

انبسطت ملامحه قائلاً بزهو...

"جيتي في ملعبي... "

سألته بشك.... "بالله عليك؟!"

أكد سلامة بصوت أجش....

"أمال أنا كنت أحسن واحد بيشوي فراخ.. "

سألته بفضول...

"وكنت بتشويها لمين بقى؟"

رد سلامة ببساطة...

"في سهرة أنا وصحابي... كانت أكلتنا الفراخ المشوية والكفتة... وحاجة تانية."

سألته بقلق.... "حاجة تانية؟!"

أطلق تنهيدة طويلة ثم تمتم بخفوت...

"الحمد لله إن ربنا تاب علينا..."

ارتسمت الغيرة على ملامحها فسألته بحدّة مكتومة...

"ستات بقى على كده؟!"

اتسعت عينا سلامة وهو يحدّق فيها باستنكار

"ستات إيه؟!....ليه دماغك رايحة في الحتة دي؟!... "

قالت بضجر.... "مش إنت اللي بتقول..."

قال سلامة بسأم...

"أنا قصدي على الشرب."

ارتفع حاجباها معًا في تساؤل...

"ولسه بتشرب؟!"

"لأ... اطمني... ربنا تاب عليا وبعدني عن الصحبة دي... آخِرِي سجارة مش أكتر."

وضعت يدها على صدرها تتنفس الصعداء وهي تقول بلوعة...

"ربنا يبعد عنك ولاد الحرام..."

لم يُعقّب سلامة على الدعوة لكن السخرية القاتمة تجلّت في عينيه.... قال وهو يهمّ بالخروج من الغرفة...

"هروح أولع الفحم... على ما تخلصي."

ثم توقف متذكرًا شيئًا هامًا....

"هو فين الراديو صحيح؟"

سألته بدهشة.... "عايز تسمع حاجة؟"

أومأ برأسه بنظرة مداعبة...

"سمعيني حاجة على ذوقِك يا وِزة."

انطلق لسانها بعفوية...

"من عنيا يا حبيبي..."

ثم عضّت على لسانها وهي تتبادل معه النظرات بتردد....

"تسلم عيونك..."

جاء رده بنبرة دافئة صعقتها تحت وطأة الصدمة لوهلة.....

تحرك سلامة مبتعدًا عن مرمى عينيها فيما ابتسمت هي بسعادة ثم قفزت بجنون في مكانها وهي تمتم بتوله....

"قمر... قمر يتاكل أكل... "

(حبيب عينيّ حبيب أحلامي حبيب دموعي وهنا أيامي أهون عليك أسهر بألامي وتوه نجوم الليل في ظلامي.....يا رايح للي فايت
لي عيوني سهرانة ولا داري أمانة أوصف له
دمع عيوني طول ليلي ونهاري.....)

بدأ المذياعُ يبعثُ تلك الأغنية في أرجاء السطح...

فيما الغروبُ يُسدل أطرافه على المكان أنار سلامة المصباح ليضيء ما حوله وقد أنار الجزء الذي يجلسان فيه عند الأريكة الركنَ الأكثر دفئًا وأُلفةً والذي أصبح كذلك بوجودها.

بدأت النسماتُ العابرة الخفيفة تُشعل الفحم أكثر وتحمل الدخان إلى الأعلى ليختفي في السماء كأنه لم يكن...

ظلَّ سلامة واقفًا أمام الشواية يتصاعد منها دخانٌ مختلطٌ برائحة الفحم والدجاج المُتبَّل.
كان يرتدي بنطالًا قطنيًا وفانلةَ حمالاتٍ سوداء.

يقلب قطعَ الدجاج والخضار التي وضعها معها فيما خرجت عزة من الغرفة وبين يديها طبقُ المكرونة تضعه على الطاولة أمام الأريكة التي سيجلسان عليها....

قالت ممازحة...

"لسه مخلصتش يا سي سلامة؟"

ردَّ عليها مبتسمًا...

"هانت..."

قالت عزة بهدوء...

"خلاص... هروح أعمل سلطة الطحينة..."

ناداها سلامةُ بشغف...

"تعالي دوقي الأول..."

اقتربت عزة منه بابتسامة مشرقة سعيدةٍ بهذا الدفء والوُنس المتبادل بينهما والذي يزداد يومًا بعد يوم... 

حتى أصبح سلامةُ يعني لها أكثر من حبيبٍ تكنُّ له أسمى المشاعر....

أصبح مع الوقت عائلتَها وحياتَها بأكملها 
تدور حوله....

غرس سلامةُ الشوكةَ في قطعةٍ من الدجاج ثم قرّبها منها فما إن مستها شفتاها حتى اندفعت الحرارة منها تلسع شفتيها فارتدت للخلف متأوهةً واضعةً يدَها على فمها...

انتفض سلامةُ مصدومًا وأخذ خطوةً نحوها بلهفةٍ قائلًا...

"اتلسعتي؟!... حقك عليا... ما خدتش بالي... وريني...."

أبعد يدَها عن فمها فيما أغمضت هي عينيها بوجع...

لمس شفتيها الحمراوين برقة متأملًا ليرى خطًّا ورديًّا أدقَّ من أن يُرى لكنه كافٍ ليُظهر أثر اللسعة....

قال بصوتٍ مفعمٍ بالندم...

"حقك عليا..."

نظرت إليه بحبٍّ ينبع من قلبها الولهان وتحت أصابعه ابتسمت شفتيها الحمراوان كبتلاتِ زهرةٍ تتفتح في ربيع الحب وهمست بأنوثةٍ دافئة....

"محصلش حاجة... فداك روحي كلها..."

انتفض قلبه بين أضلعه متجاوبًا لأول مرةٍ مع حديثها الحاني وحبها...

تجرأ ولمس شفتيها الناعمتين بطرف إبهامه سائلاً وهو يزدرد ريقه....

"بتوجعك؟"

هزت رأسها نفيًا ووجنتاها تتورّدان خجلًا وقلبها تتسارع دقاته أمام عينيه اللتين تلتهمانها لأول مرة...

أخيرًا نظر إليها كامرأةٍ تحلُّ له... ملكَ يديه
ولا تمانع !....

ابتعدت عزة بخفّة وهي تأخذ الشوكة لتتناول قطعة دجاجٍ وتتذوقها ثم أشادت بسعادةٍ وهي تمضغها...

"تسلم إيدك يا سي سلامة...طعمها حلو أوي."

رد وعيناه لا تفارقان وجهها الضاحك...

"تسلم إيد اللي تبلت.... "

قالت بمداعبة...

"واللي شوَى برضو..."

ابتسم قائلًا بمناكفةٍ خفيفة...

"يبقى تسلم إيدينا إحنا الاتنين..."

قالت وهي تتحرك من أمامه بخفةٍ...

"هروح أعمل سلطة الطحينة... على ما تطلع الفراخ وتبرد شوية..."

تابعها بعينيه حتى اختفت عن نظره
فأطلق تنهيدةً حارة وهو يُرجع شعره
للخلف...

متى أصبحت مرحةً بهذا الشكل؟!...وأيضًا مكتملة الأنوثة والجمال بشكلٍ بات يُسيل
لعابه يومًا بعد يوم ؟!...

تناولا وجبة الغداء في مكانهما المفضل على الأريكة وبعدها شربا المشروبات الغازية وهما يتبادلان أطراف الحديث حول أي شيءٍ وكل شيءٍ حتى تأخر الوقت ودخلا إلى الفراش.

لم تسبقه عزةُ إلى الفراش دخلت الحمّام أولًا وأخذت وقتها بالداخل....

كان ينتظر خروجها ولا يعرف لماذا ينتظرها. انتهى اليوم والأمسية بينهما وقضيا وقتًا لطيفًا ودافئًا معًا... فماذا ينتظر أكثر من
ذلك؟!

هرب من السؤال وهو يُقنع نفسه أنه سيخلد إلى النوم بعد أن تأتي إلى جواره...

خرجت عزة بعد دقائق متألقةً كحوريةِ بحرٍ شديدة الفتنة والإغراء...

ازدرد سلامة ريقه وهو يُحدّج فيها بدهشة عينيه تجريان على تفاصيلها بنهمٍ....

وعلى أثر نظراته الفاضحة تلك توهجت وجنتاها بشدة وارتجف قلبها بين أضلعها برهبةٍ....

كانت عزة ترتدي قميصَ نومٍ ناعمًا قصيرًا
بلونٍ أزرق يُبرز قَوامها الانثوي الممشوق
تاركةً شعرها القصير حرًّا حول وجهها 
تضع أيضًا زينةً رقيقةً على وجهها وتُكحل عينيها الضيقتين بشكلٍ جعلها أكثر فتنةً وجاذبية.

"إنت لسه صاحي؟"

ردَّ بصوتٍ متحشرجٍ...

"مش جايلي نوم..."

قالت بترددٍ وهي تشير إلى التلفاز...

"إيه رأيك نشغّل التلفزيون؟.....نتفرج على حاجة لحد ما النوم يكبس علينا... "

أومأ برأسه موافقًا فقالت وهي تقف على أطراف أصابعها قليلًا لتأخذ شيئًا من أعلى الخزانة ثم اقتربت منه بنعومةٍ قائلة...

"تقزقز لب؟... لب مملّح..."

لم يرفض وهي تجلس إلى جواره في الفراش وبينهما طبق اللب وطبقٌ فارغٌ لوضع القشر.

اندَمجا في مشاهدة التلفاز أمام فيلمٍ قديمٍ وهما يأكلان التسالي...

قالت عزة بمناكفةٍ لطيفة لتكسر الصمت بينهما....

"البيت وهو فيه تلفزيون...حاجة تانية
مش كده؟... "

قال سلامة بفتور...

"طالما إنتي شايفة كده...يبقى خلاص."

نظرت إليه بوجومٍ قائلةً بمناكفةٍ...

"شكلك مش غاوي حاجة خالص."

تبادل معها النظرات بجرأة ثم غمز بشقاوةٍ قائلًا...

"غاوي... بس كنت مستني إشارة."

بلعت ريقها وهي تشيح بعينيها عنه..

"قصدك إيه؟"

رد بنبرةٍ مداعبة...

"شكلك حلو يا وِزّة..."

عضت على شفتها لتمنع ابتسامةً كادت تفلت منها وقالت بعتابٍ لطيف....

"لسه واخد بالك؟"

ردَّ بصوتٍ أجشّ...

"أنا واخد بالي من أول ما طلعتي من الحمّام."

قوّست شفتيها إلى الأمام وهي تقول بنظرةٍ لائمة...

"مش قصدي كده... يعني قبل كده مكنتش حلوة؟"

رد بصراحةٍ بعد أن شملها بنظرةٍ كاملة...

"الكدب خيبة... الحلاوة دي كلها كنتي
مخبياها تحت العباية السودة..."

تبرّمت عزة وامتقع وجهها قائلةً بقنوط...

"ما هو ده الصح... محدش يشوفني كده غير جوزي... بس يعني قبل كده... ما خدتش بالك خالص إني حلوة؟"

ردَّ سلامة بعد برهة...

"طول عمري شايفك بنت جدعة وطيبة وبمية راجل... وده اللي خلاني أتجوزك."

سألته مترقبةً...

"طب ودلوقتي؟"

ردَّ بنبرةٍ هادئة...

"دلوقتي بقيتي مراتي... وكل حاجة ليا."

غمرته هي بمشاعر فياضة قائلة بعاطفةٍ جياشة...

"وانت حبيبي وجوزي وتاج راسي... إنت متعرفش أنا بحبك قد إيه يا سي سلامة. نفسي أسعدك..نفسي أشيل الحزن من عينك وقلبك...وأعوضك...."

ابتسم سلامة مذهولًا....

"إيه الكلام الكبير ده يا عزة؟"

قالت عزة بحبٍّ يلمع في عينيها...

"ده اللي شايفاه عيني... وحاسه قلبي."

تبادلا النظرات طويلًا عيناه مأسورتان بها وصوت مضخة قلبه لا يعلو عليه إيقاع...

مرت دقائق قليلة ثم تثاءبت عزة بكسلٍ وهي تنزلق بظهرها أسفل الغطاء لتنام.....

فعل سلامة مثلها وهو يلملم الأشياء من حولهما ويضعها جانبًا ثم جذبها إلى أحضانه مغلقًا التلفاز من خلال جهاز التحكم.....

سألته عزة بخفوت

"هتنام؟"

هزَّ رأسه نفيًا مقربًا وجهه من وجهها لتلفحها أنفاسه الساخنة وهمس بصوتٍ محموم....

"عايزِك..."

تلك الكلمة فتحت الأبواب أمامه فلم تمانع اقترابه بل رحبت به فاتحةً ذراعيها له... تغمره بعطفها وحبها وترويه بأنوثتها وجمالها...
............................................................... 
تشعر بالاختناق تلك الرائحة العفنة التي تفوح منها الممنوعات تتسلل إلى رئتيها تكاد تغلقهما من شدة قوتها...

تسمع همساته الخشنة في أذنها وهو يسندها قبل أن تسقط أرضًا تشعر بيديه الساخنتين تعتصران خصرها تكاد تحرقان جلدها...

تحاول الاستيقاظ والمقاومة لكن قوتها خارت ولم تشعر بشيء بعدها سوى الظلام الحالك...

وآخر همسة متوعِّدة قاسية منه كانت...

(متعوضة يا أم بنتي... مصير الحي يتلاقى 
من تاني... والحساب يجمع...)

انتفضت انتفاضة قوية من على فراشها وهي تصرخ نهضت من مكانها وفي اللحظة ذاتها احتوتها ذراعان حانيتان لمستهما الدافئة وعطر العود الذي داهم رئتيها بقوة أعادا
إليها الحياة والأمان اللذين افتقدتهما للحظات كانت أشبه بجحيم عادت إليه مرغمة...

"اهدي يا شروق... دا كابوس..."

أتى همس صالح وهي بين ذراعيه تستريح على صدره الرحب يطمئنها أنه مجرد كابوس لكنها تجزم أنه حقيقة...

كل مشاعرها وما عاشته لدقائق قبل أن تفقد وعيها من شدة الهلع كان حقيقة ملموسة بكل تفاصيلها...

بدأ صالح يردد الأذكار والآيات القصيرة بالقرب منها وهو يمسد على شعرها...تشبثت به أكثر وهي تغمض عينيها غافية لدقائق حتى هدأت قليلًا بين ذراعيه...

وحين هتف باسمها برقة غير منتهية فتحت عينيها الحزينتين ونظرت إليه رافعة رأسها نحوه...

"بقيتي أحسن؟!"

أومأت شروق برأسها ونظرتها تقول بحب...

طالما أنك هنا أمامي تحتضنني بذراعيك كيف لا أكون في أفضل حال؟!....

"إزاي أُغمى عليكي على السلم؟"

أعاد السؤال البسيط كل المشاعر السوداوية داخلها بصورة أبشع وظهر ذلك في بُنيتيها اللتين لا يحيد عنهما...

"في حاجة حصلت... مالِك يا شروق؟"

زاغت عيناها بعيدًا عنه والخوف يعصف في صدرها...

"مفيش... مفيش حاجة... تلاقيني من المجهود اللي عملته الأيام اللي فاتت... علشان خطوبة أبرار وكده..."

ثم شهقت وهي تعود إلى صالح بصدمة...

"أبرار؟!..... أنا بوظت ليلتها؟!"

طمأنها صالح بصوته الحاني....

"اطمني...محدش خد باله. أنا طلعت بالصدفة لقيتك واقعة على السلم خدتك ونزلت بيكي وجبت لك الدكتورة..كشفت عليكي وبشرتني..."

عند آخر كلمة اتسعت حدقتاها بتساؤل...

"بشرتك؟!....... بشرتك بإيه؟!"

ارتفع حاجباه معًا بشك قائلًا بخشونة...

"معقول مش واخدة بالك؟!... أنا قولت إنك عارفة كل حاجة... ومخبية عليا عشان شوية الزعل اللي بينا..."

سألته بارتياب.... "عارفة إيه بالضبط؟"

رد بهدوء وعيناه تترقبان أول ردة فعل لها

"إنك حامل..."

فتحت فمها ببلادة... "حامل؟!"

كانت تشك في الأمر منذ شهر وقررت أن تجري اختبار حمل بعد خطبة أبرار وقد احتفظت به في خزانتها...

لكن إغماءها المفاجئ وفحصها وهي نائمة جعلا المفاجأة السارة من نصيبها هي وليس هو كما كانت تخطط...

سألها صالح وهو يدقق النظر إليها متوجسًا..

"مالِك مش مبسوطة؟"

رفعت بنيتيها تسأله هي.... "إنت مبسوط؟!"

أومأ برأسه مؤكدًا فرحته لكنه لم يبتسم ما جعلها تشك في الأمر...

"عندك شك في دي كمان؟!"

"بصراحة... مش باين عليك..."

أكدت دون أن يرف لها جفن أنها لا ترى معالم الفرح على وجهه...

هذه المرة ابتسم صالح ابتسامة قصيرة المدى قبل أن تعود ملامحه الجادة إلى وضعها...

"كل واحد بيفرح بطريقته... مش لازم أتنطط عشان تتأكدي... بصي في عيني وهتعرفي..."

بالفعل نظرت إلى عينيه لتراهما تبرقان كالألعاب النارية فوق ملامحه الجادة 
الخشنة...

فقالت بلهفة متناسية ما حدث معها قبل الإغماء....

"بجد فرحان يا صالح؟!"

أردف بحزم....

"بس لسه زعلان منك..."

زمت فمها بغيرة قائلة بوجوم:

"أنا اللي المفروض أزعل منك... إنت لسه بتحبها..."

طال نظر صالح نحوها ليرى شظايا الغيرة تتناثر على وجهها بوضوح...

فأطلق تنهيدة قصيرة وهو يستمد صلابته وصبره كي يتحدث عن الأمر بمنتهى الصراحة...

"لو قولتلك إني كرهتها... أكون راجل كداب ولعبي... بيضحك عليكي بكلمتين كدب... وأنا مليش في الكدب والملوعة عشان أكسب رضا حد... حتى لو كنتي انتي..."

نظرت إليه شروق بعينين مجروحتين...

"مش عايزاك تكدب... عايزاك تقول الحقيقة... تطمن قلبي الموجوع..."

همس بأسلوب عذب كالبلسم....

"سلمتك من الوجع..."

خفق قلبها وهي تغمض عينيها بنعومة عذبة وكأنها تغلقهما على كلماته...

ثم استرسل صالح بهدوء....

"الحقيقة إنك إنتي حاجة..وهي حاجة تانية
يا شروق... الحقيقة إن اللي بينا مختلف ومشاعري معاكي غير أي مشاعر حسيتها
قبل كده.."

فتحت عينيها تسأله... "مش فاهمة..."

بنظرة حازمة قال بجدية...

"هوضحلك بس بعد كده الموضوع ده هيتقفل... عشان أنا مش حابب أجيب 
سيرتها بينا...

هي إنسانة جميلة زي اسمها وما قدمتش ليا غير كل خير...وآخرهم بنتي أبرار... فأنا مش حابب نذكرها بعد كده غير بالرحمة... اتفقنا؟"

أومأت برأسها بتحفظ فيما تابع هو...

"الفرق بينك وبينها... إني خيرت بيها
وإني اختارتك انتي..."

ارتسمت الحيرة على ملامحها فقال بحنو وصبر....

"شكلك مش فاهمة... هوضحلك أكتر..."

"يعني لما كبرت وبقا عندي ٢٢ سنة كده
قرر أبويا الله يرحمه يجوزني... وأمي اختارت جميلة عشان كانت جارتنا...وأهلها ناس 
طيبين وفي حالهم...

مش هكدب عليكي شوفتها مرة أو اتنين بحكم الجيرة... ووافقت عليها لأنها كانت حسنة الخلق والشكل وفوق كل ده كانت محجبة ومحتشمة...

فطبعًا وافقت واتجوزتها... وعشنا مع بعض أيام جميلة... وسنين هادية كلها عشرة ومحبة واحترام متبادل..."

أسبلت جفنيها أرضًا وهي تسمع كلامًا يحرق قلبها لكنها لن تلوم عليه فهي من دفعته للتحدث عن زوجته الراحلة...

هل كانت تريده أن يذمها وبسنوات زواجهما ليرضيها؟!......ليس هذا الشيخ إن فعلها...

تابع صالح بنبرة دافئة...

"والحب اللي مش بييجي قبل الجواز بييجي بعده وبيكبر وبيعيش مع التعود... ودي الفطرة اللي ربنا خلقنا عليها..."

"فأنا ما شوفتش منها غير كل خير... وهفتكرها بالخير ده لآخر نفس في عمري..."

هتفت شروق بسرعة.... "بعد الشر عليك..."

ابتسم صالح وهو يمسك ذقنها ليرفع عينيها إلى مستوى عينيه الخضراوين اللتين تنتظرانها رغم العتاب بكل شوق نابع 
من أعماقه...

"نيجي ليكي انتي يا غزالة الشيخ..."

رفرفت بأهدابها بارتباك تنظر إليه بعشق خالص بينما استرسل هو بنبرة أكثر دفئًا ومشاعر فياضة لم يزيفها يومًا عليها...

ومعها كانت نبرته مختلفة بشدة... وهذا هو الحب الذي لا يحتاج إلى براهين !...

"وجودك في حياتي في الأول كان مرفوض... وكنت بدور على أي طريقة أمشيكي بيها... جرحتك بكلامي وبنظراتي أكتر من مرة...

" وفي كل مرة كنت بلاقي ردود فعلك وقوتك بتشدني ليكي... عنادك وجرأتك استفزوني... وكانوا حاجة غريبة بالنسبة ليا إني أشوفهم في ست...ومضطر أقبل بوجودها بأمر من
أمي اللي مينفعش أعصيها ولا أكسر لها كلمة..."

ابتسم وصوته يزداد دفئًا حتى أصبح شديد
الحرارة.....

"كنت بقولك إني خايف منك على أهل بيتي... بس الحقيقة... إني كنت خايف على قلبي منك..."

كيف لعدة كلمات دافئة أن ترفعها كالسحاب إلى الأعلى غامرة قلبها بالراحة والسعادة والحب في آن واحد؟!

تابع صالح معترفًا لعينيها اللتين لهما مفعول السحر على قلبه منذ أن وقع عليهما...

"بعدها...لما بدأتي تفوقي لنفسك وتبعدي... كنت خلاص... صبري معاكي نفد... وبقيت عايزك...عايزك تكوني حلالي...شوفي من بعد السنين دي كلها... ومن بين كل الستات جيتي انتي... وقلبتي الموازين..."

"فاختارتك... ومحدش خيرني بينك وبين حاجة تانية...أنا اختارتك بنفسي... قلبي شاور عليكي من بين كل الستات..."

قلبها يقرع بسرعة يكاد يقفز من قفصها الصدري بين يديه...

ارتسم التجهم واللوم في عينيه قائلًا...

"وفي الآخر... بتتهميني إني راجل شهواني... بس عشان بينت شوقي وحبي ليكي في كل مرة بنبقى فيها مع بعض..."

قالت بسرعة....

"أنا مقولتش عليك كده..."

تبرم صالح قائلًا بلوم...

"مش محتاجة تقوليها... عينيكي قالتها..."

ازدردت ريقها بحرج بينما قال هو بهدوء..

"عامة... الأحسن نفضل بعيد عن بعض فترة... وكل واحد يعيد حساباته..."

هوى قلبها أرضًا بفزع ناطقة مخاوفها...

"يعني إيه نعيد حساباتنا؟!.... إنت ناوي تسبّني؟!"

ظهرت الصدمة في عيني صالح ثم الغضب والتملك ثم حافظ قدر الإمكان على رباطة جأشه قائلًا....

"ده اللي مش هيحصل أبدًا... حتى لو انتي عايزة كده... إحنا بقى فيه بينا طفل... ولازم ييجي الدنيا بين أب وأم متفاهمين..."

اضطربت أنفاسها وهو يميل عليها يُقبّل رأسها بخفوت مهنئًا...

"مبروك..."

"الله يبارك فيك...."

تبادلت معه النظرات بضعفٍ أنثوي كل مؤشرات جسدها تناديه بشوق صارخ 
لكن لسانها يأبى الإفصاح...

"مبروك علينا يا غزالة الشيخ..."

طبع قبلة أخرى على قمة رأسها لينوي الابتعاد عنها...

فتشبثت بذراعه قبل أن يتحرك عنها خطوة هامسة بخرير كالقطط....

"صالح... خليك جنبي... حضنك وحشني..."

شملها بنظرة قوية قبل أن يقول بصوتٍ 
أجش....

"مينفعش... عشان مترجعيش تلومي عليا...
لو حصل بينا حاجة تانية..."

قالت بدلال وهي تعبث في لحيته الكثيفة...

"وإيه يعني لو حصل؟!..... إنت جوزي..."

رمقها باستنكار وقال وهو يبعد يدها عنه...

"محتاجة ترددي الكلمة دي عشر مرات...
يمكن عقلك يستوعبها..."

أعادت أصابعها الرقيقة إليه تعبث في لحيته والأخرى عند زر قميصه...

"هرددها... بس وأنا في حضنك..."

ثقلت أنفاسه متأثرًا بقربها ودون أن يمنعها قال بتجهم...

"الضيوف تحت... وينفعش أفضل معاكي هنا..."

قالت بابتسامة شقية...

"مش هنتأخر عليهم..."

رفض صالح وهو ينظر إليها بقوة وأمر قاطع

"انسي... انتي مش هتتحركي من على السرير... الدكتورة أمرت براحتك..."

قالت وهي تمسد على صدره بيديها...

"أوامرك يا شيخ... بس متسبنيش لوحدي..."

سألها صالح وهو يلامس خدها الناعم بظهر أصابعه فيما عيناه تنهالان من حسنها 
بجوع.....

"مالك يا شروق؟!.... شكلك مش مطمني..."

همست بارتجاف....

"خايفة... خايفة عليك قوي..."

رد بنبرة هادئة واثقة...

"قُل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا... خايفة 
من إيه؟!"

"لسه مش عارفة..."

اهتزت حدقتاها بحيرة... فهي في الحقيقة لا تعرف إن كان ما رأته على السلم كابوسًا أم حقيقة...

لكن في الحالتين... الوضع لا يطمئن أبدًا...

ابتسم صالح بمداعبة ويده تسبح في خصلات شعرها بشوق وعيناه مبهورتان بحسنها المتمرد كطبيعتها...

"لا... ده واضح إن بُعدي عنك قصر على مخك..."

أحاطت عنقه بذراعيها بنعومة وهي تميل عليه بجسدها الغض قائلة بصوتٍ مغرٍ....

"على مخي... وقلبي... اتأكد بنفسك..."

زفر صالح بحرارة وأمام دعوتها السخية مال عليها بشوق يرتشف من رحيق حسنها بنهم...

.......................................................... 

لانَت ابتسامتها في سعادةٍ غير منتهية وهي تدلف إلى غرفتها منهكة تجر ساقيها جرًّا عن الأرض بعد ليلة صاخبة كانت فيها الأميرة الجميلة تُزَفُّ بجوار أميرها الوسيم المُحب...

تحقق مرادهما معًا وارتبطا أخيرًا برضا الجميع.... لا تُصدق أنه حدث حتى الآن...

ألقت نفسها على الفراش متنهدة بتعبٍ لا يخلو من الابتهاج بذلك اليوم وجمال تفاصيله... 

رقصهما وصياحهما وغنائهما معًا وسط تصفيق حار من الجميع وتشجيع كبير من صديقتيها وبنات الجيران...

كان الجميع يهمس متعجبًا من حالتهما الفريدة من صخبهما المشترك واندماجهما الرهيب مما أضفى أجواءً مميزة على الخطبة لم يرَها الحاضرون من قبل...

البعض قال إنه الحب... وآخرون ذمُّوا أخلاقهما ووصفوهما بالوقاحة؟!...

لكنها لم تهتما بأحد كانا في عالميهما الصاخب وفرحتهما الكبرى...استغلا كل لحظة مستمتعين بها وتركا اللغو والحقد يملأ 
قلوب من لا يرضى...

صدح هاتفها بنغمة مميزة تخصه فتحركت بميوعة تناولت الهاتف وأجابت....

"ياسين..."

فأتاها صوته بحرارة العشق مجيبًا...

(قلبه... فينك يا أبراري؟)

لم تفارق البسمة ثغرها لكن عينيها تلألأتا بقوة أكبر وهي تجيبه برقة....

"لسه داخلة أوضتي... وأنت فين؟!"

رد ياسين وهو الآخر مسترخي على فراشه..

(فوق في أوضتي مش قادر أتحرك من مكاني... عايز أقوم آخد دُش ومش قادر... فرهدتيني يا بت !)

استنكرت الوضع قائلة برقة غير منتهية..

"أي بت دي؟... لم نفسك... وبعدين اللي يسمعك يقول عدّيت الأربعين... ده إنت
لسه ستة وعشرين سنة !... "

ضحك ياسين عابثًا وقال بخبث...

(واخد بالي... وبعدين حتى لو عدّيت الأربعين فأنا مطمن... أبوكي وصل للأربعين واتجوز تاني يعني في أمل...)

تجهمت ملامح أبرار رافعة حاجبيها إلى الأعلى بوجوم...

"في أمل في إيه بالضبط؟!... وضح كلامك..."

رد بتلاعب شاعر بنشوة لإثارة حنقها....

(إني أفضل شباب....دماغك راحت فين؟!)

قالت باقتضاب...

"افتكرتك ناوي تتجوز..."

ضحك بقوة ثم أردف ببراءة....

(مش لما أتجوزك إنتي الأول..وبعدها نشوف...)

صاحت بخشونة متناسية رقتها جانبًا...

"نشوف إيه يا ياسين؟!... اتلم ومتخلنيش أنكد عليك في أول يوم خطوبة... "

تراجع ياسين قائلاً بمداعبة....

(لا ونبي خلي النكد لبعدين... إحنا لسه بنتعرف...)

ضحكت أبرار بدهشة....

"نتعرف؟!..... إنت مجنون..."

ومع ضحكتها المفعمة بالحياة والشقاوة قال بوقاحة...

(أيوه كده طريها... ده الناس لبعضيها...)

مطّت اسمه بميوعة.... "ياسيييين..."

ابتسم ياسين وهو يتنهد قائلاً بحرارة...

(كانوا دايمًا صحابي يقولولي المكالمة اللي
بعد الخطوبة بيبقى ليها طعم تاني... بس ما صدقتش غير دلوقتي... ولا إنتي إيه رأيك؟!)

أجابته برقة...

"يمكن عشان بنبقى فرحانين وكده..."

سألها بعبث...(وكده إزاي يعني؟...)

عادت تصيح باسمه.... "ياسييييين!"

هتف ياسين بتهور...

(ما تيجي نكمل سهرتنا فوق السطح وأغنيلك تاني... لعمرو دياب....)

مطت الكلمات قائلة بتفكير....

"هو عرض مغري بصراحة... بس فين الجيتار؟"

رد بزهو...

(كفاية صوتي...)

قالت أبرار بصوت كالخرير....

"مش كفاية... إمتى هتشتري جيتار غير اللي اتكسر؟"

رد مختصرًا...

(مش عارف...كل ما أنوي اتشغل بحاجة... المهم مش هشوفك...)

قالت باستنكار بعد طلبه الملح...

"إحنا لسه سيبين بعض؟!..."

رد بأسلوب مقنع، بين طياته شوق لا ينضب:

(كنا وسط ناس... ملحقناش نشبع من بعض...)

ضاقت عيناها وهي تقول بشك...

"كلامك معناه إنك ناوي على نِيّة... ومش هتعجبني..."

رد بمداعبة صبيانية...

(يمكن تعجبك... مين عالم...)

قالت بصوت حاد محذر...

"ياااسين احترم نفسك بقى... بابا مستنيه غلطة مننا عشان ينكد علينا..."

أطلق ياسين تنهيدة سئم وهو يقول بتوعد..

(الصبر جميل يا بُرتي... بكرة تبقي حلالي وساعتها آخدك في حضني قدامه وهبوسك كمان...)

وضعت يدها على خدها المتوهج بالخجل متصورة المشهد..

"أحيه.... إياك تعمل كده وتحطني في الموقف ده..."

هتف ياسين وهو يستشيط غضبًا من 
كلاهما...

(ده فيه مواقف أتقل... اتقلي ده أنا ناوي... أطلع عليكي إنتي وأبوكي كل اللي فات...)

سألته ببراءة....

"أخص عليك... أهون عليك..."

رد بصوتٍ أجش مغازلًا...

(متهونيش... بس انا عقابي مش وحش... بالعكس بكرة تحبيه...)

هزّت أبرار رأسها باستياء....

"المكالمة واخدة طريق تاني خالص... هما صحابك قالولك كده؟"

أجابها بنبرة هادئة...

(لا طبعًا... كل واحد بيجتهد بطريقته وأنا 
دي طريقتي...)

عقبت ساخرة.... "الوقاحة.."

أكد عليها بفخر غريب...

(بموت فيها... فاكهتي المفضلة... ولا إيه يا فاكهتي؟)

همست بتوله.... "بحبك يا ياسينو..."

رد عليها بحرارة أكبر جعلتها ترتعش وقلبها يرفرف بين أضلعها كعصفور صغير...

(وأنا دايب فيكي يا عمري... كنت هموت وآخدك في حضني وألف بيكي قدام الناس
دي كلها... الله يسامح أبوكي لو كان خلاها كتب كتاب...)

عادت تضحك بقنوط...

"هنرجع لنفس الموضوع..."

ابتسم ياسين قائلاً برقة...

(خلاص... نتكلم في حاجة تانية... كنتي زي القمر النهاردة... عيني ما كانتش شايفه غيرك...)

قالت أبرار بتهكم...

"كداب... شوفتك بتبص لأم بطة... إنت ليك في الستات الكبيرة..."

تحشرج صوت ياسين وسعل مصدومًا...

(إيه أم بطة؟!...إنتي اتهبلتي إيه التهمة دي)

ضحكت أبرار بشقاوة بعد أن انطلت عليه كذبتها وصدمته....

زمجر ياسين باستهجان...

(بطلي الهزار البايخ ده... عشان لو عملته معاكي مش هتستحملي وهتفتحيها نواح..)

قالت بدلال.... "متقدرش تعمل كده معايا..."

سألها وشرارة الغضب تتطاير من عينيه...

(متأكدة؟)

أكدت باعتداد بالنفس....

"طبعًا.... أنا بنت صالح الشافعي يا بني..."

تنهد ياسين وهو يحمحم بجدية...

(طب يلا اقفلي... عشان في حد بيرن عليّا ودي مكالمة مهمة...)

سألته بفضول.... "مين بيرن عليك؟..."

رد بسرعة ثم تنحنح معدّلًا إجابته...

(واحدة... قصدي واحد صاحبي...)

انفجرت الدماء في عروقها فجأة وأوغر صدرها بالغيرة وهي تقول بحدة....

"إنت قولت واحدة؟!..."

رد بصلابة وثقة....

(لا ده واحد صاحبي... بس غالي عليّا حبتين واحتمال المكالمة تطول بينا... روحي نامي إنتي...)

جزت على أسنانها بقوة وهي تقول من بينهما بغيظ....

"مش هنام غير لما أعرف مين دي اللي هتخوني معاها... مين دي اللي هتقفل
وتكلمها طول الليل... ويوم خطوبتنا كمان
يا بجاحتك؟!"

سمعت صوت ضحكاته فقبضت جبينها متجهمة أكثر....

"بتضحك على إيه؟!....رد عليا يا ياسين 
مين دي؟!"

أتاها صوته الذكوري مشاكسًا متشفّيًا...

(تجنني وإنتي غيرانة..... تتاكلي أكل)

علت أنفاسها حدّة وتسالت...

"تقصد إيه؟!..... إنت كنت بتشتغلني؟!"

ضحك بقوة فنظرت هي إلى صورتها المنعكسة في المرآة متخيلة نفسها كالبقرة الوردية الساذجة...

قال هو هازئًا....

(حمدلله على السلامة.... لسه واخدة بالك؟!)

غلت الدماء في عروقها من غِلاظته معها فصرخت ببغض....

"والله طب غووووور.... مش عايزة أعرفك"

ثم صدمته بقطع الاتصال... فأعاد الاتصال بها أكثر من ثلاث مرات وهو في موجة من الضحك غير المتناهي متخيلًا شكلها
الغاضب الشهي...

حين فُتح الخط قال محذرًا...

(عارفة لو قفلتي السكة تاني... هتلاقيني في أوضتك فوق دماغك...)

قالت بتحدٍ سافر...

"متقدرش تعملها... ده كان بابا دبحك.. "

رد عليها بجسارة...

(مش مهم... إنتي عارفة إني مش بيفرق 
معايا حد...)

"إنت مستفز أوي.... وأنا بكرهك..."

أعربت عن غضبها منه بعدة كلمات فارغة...

فكان رده مشبعًا بالعاطفة وهو يُهدئ قلبها بالحب....

(وأنا بعشقك يا أبراري...)

فتحت عبلة الباب قليلًا لترى ابنها غارقًا في موجة من الضحك... والحب...

ابتسمت بحزن وهي تغلق الباب عليه متحركة بخفة على أطراف أصابعها حتى وصلت إلى باب الشقة لتخرج منه دون أن يشعر بها ابنها الذي غالبًا سيظل على فراشه يتحدث عبر الهاتف حتى يَغلبه سلطان النوم...هو وحبيبته معًا.....
................................................................ وقفت عبلة أمام الشاطئ تكبح انفعالاتها وهي تعقد ذراعيها حول صدرها ناظرة إلى الأمواج الثائرة بغضب وحشي ونيران الحقد والانتقام تشتعل في قلبها...

جاءها صوته الخشن مطيعًا....

"أومرك يا هانم..."

جزّت على أسنانها والغضب يتفاقم داخلها أكثر ثم استدارت إليه بنظرة نارية وقالت...

"إيه العك اللي عملته النهاردة دا مكنش الاتفاق يـا... يـا حنش.... "

ظهر وجه ممدوح المشدود شديد الخشونة 
الأقرب إلى الوحشية يعلوه ندوبٍ عميقة بغيضة اكتسبها خلال سنوات احتجازه بين قتلةٍ ولصوصٍ وتجار مخدرات.... 

صار يشبههم بصدق...بات مختلفًا كل الاختلاف عما كان عليه قبل دخول السجن....

وكيف لا يتحول إلى نقيض نفسه؟ 

فستُّ سنواتٍ من العزلة مع المجرمين صنعت منه واحدًا منهم.... في تلك الفترة مات الولد الذي تمناه قبل أن يولد ثم رفعت زوجته عليه دعوى خلع وكسبتها من الجلسة الأولى مهينة
كرامته امام الجميع.... 

وفي الآونة الأخيرة حكم على أمه بعدة تهمٌ وتم سجنها ولن تخرج منها إلا على نعشها.....

ثم جاءت الكارثة الأخيرة تزوجت زوجته من رجل غني امتلك كل ما عجز هو عن امتلاكه وحرمتْه حتى من ابنته الوحيدة....

فهل عليه ان يبقى كما هو....

كيف لا يتحول إلى النقيض التام بعد سنوات السجن الطويلة الجافة التي قلبت حياته رأسًا على عقب فصار نسخةً طبق الأصل من السفاحين الذين عاشرهم يومًا هناك...

والسفاح حين يسعى للانتقام يعرف وجهته بدقة.....فالدماء صفحته لتشفي غليلة

هذا ما يريد....ويجب أن يسلبها كل شيء حتى تعود تحت قدمه ذليلة كما كانت....

"كنتي عايزاني أعمل إيه... بعد ما عرفت طريقها منك؟"

قالت عبلة بغيظ شديد...

"تصبر...اللي خلاك تصبر كل السنين دي كلها مش قادر تصبر كام يوم؟"

صاح بوحشية وشرارة الانتقام تندلع من عينيه.....

"ولا ثانية... اللي كان منعني عنها سور... لكن دلوقتي وبعد ما خرجت مفيش حاجة تمنعني إني أشفي غليلي منها... الخاينة..... "

لفظ الكلمة الأخيرة بغضبٍ مضطرم....

كان الغضب يغذي روح عبلة ويمنحها راحةً 
لا مثيل لها فهي تحتاج لهذا الغضب لتكتمل خيوط حلمها بالحصول على عشقها الأبدي...

"في اللي يقدر يمنعك جوزها... صالح الشافعي...."

أثارت كلمات عبلة حفيظته أكثر فقال بقتامة

"أنا جوزها... أنا أبو بنتها... مصيري أرمِلها وأحرق قلبها عليه..."

صاحت عبلة وهي تشعر أن الأمور تخرج عن سيطرتها فشدت لجامها قائلة بتحذير...

"لا عندك...دا مكنش اتفقنا. أنا عرفتك مكانها بشرط إنك تبعدها عن صالح مش تبعده هو عنها.... "

سألها بنزق.... "هتفرق يعني؟!"

أومات برأسها بحدة مزمجرة...
"هتفرق كتير.... لأنه يخصني وهي سرقته مني...."

ابتسم ممدوح وهو يحدق في وجه عبلة باهتمام شديد قائلاً....

"معلوم شروق تسرق الكحل من العين... مش هتسرق راجل بشنبات.... إيه اللي في دماغك يا ست.... رسيني على الدور عشان أكون معاكي على الخط.... "

سحبت عبلة نفسًا طويلاً ثم قالت 
بتريث...

"اللي بينك وبين شروق إيه دلوقتي؟"

رد بفطنة.... "بنتي."

ابتسمت بإعجاب على رده السلس...

"برافو عليك... هي دي الطُعم اللي هيجيب شروق لحد عندك.... "

سألها مستفسرًا... 

"مش فاهم... أضم بنتي لحضنتي؟"

عبست ملامحها وقالت بتهكّم...

"واحنا لسه هندخل في محاكم ووجع دماغ... إحنا عايزين ننجز عشان نطلقهم وكل واحد ياخد اللي ليه...."

قرأ ممدوح المكتوب على ملامحها فرفع حاجبيه معًا بلؤم...

"عايزاني أخطف بنتي؟!"

ابتسمت عبلة باستحسان وقالت بمكر...

"وهو في أب يخطف بنته؟... دي بنتك ومن حقك تعيش معاها... ودي الوسيلة الوحيدة للضغط على شروق..."

استنكر ممدوح الخطة وقال...

"وإزاي هعمل كده؟....والبنت مبقتش بتروح المدرسة بسبب الإجازة وقعدة طول الوقت في البيت...هدخل تاني بيتهم؟!"

عاد مفكرًا وهو يقول بضراوة...

"لما عملتها في الأول كان زحمة وناس طالعين وناس داخلة...ولولا إنها أُغمِي عليها أول ما شافتني...والنطع اللي متجوزاه ده ظهر كان زماني فاتح كرشها بمطوتي..."

ظهرت السخرية جلية في عيني عبلة وهي تقول....

"لو كنت عايز تموتها زي ما بتقول كنت خلصت في ساعتها...."

سألها ببعض التوتر.... "تقصدِ إيه؟"

قالت بهمسٍ أشبه بفحيح الأفعى مع تراطم الأمواج الثائرة أمامهما...

"أقصد إنك أول ما عرفت مكانها مني رحت تشوفها...مكنتش مصدق إنها فعلاً اتجوزت غيرك... وروحت تتأكد بنفسك... وكنت ناوي تخطفها بس مكنتش عارف تخرج بيها إزاي ووجود صالح شتتَك...."

ظهر القلق والتوجس في عيني ممدوح كيف علمت بكل هذه الدقةِ ما يدور في عقله؟

هي لا تعرفه إلا منذ أيام حين وصلت إلى عقر داره تزف له خبر زواج شروق من رجل ثري متفقة معه على خراب هذا الزواج كيّ يثأر لكرامته ورجولته أمام الجميع... وتحصُل هي على ما تريد....

أضافت عبلة بابتسامة سامة...

"بس أنا هساعدك عشان مصلحتي إنها تختفي من حياة صالح وظهر أنا في الصورة... وبنتك هي المفتاح.... هي اللي هتجبها راكعة تحت رجلك.... "

"وكده هتكون ضربة عصفورين بحجر واحد..."

سألها ممدوح بريبة....

"وهعمل كده إزاي... والبت مبتخرجش 
من البيت؟"

قالت عبلة بنفس الابتسامة مع لمعةٍ حاقدة في عينيها...

"سيب الموضوع ده عليا... أنا هرتب لكل حاجة وانت عليك التنفيذ. بس أهم حاجة إحنا متقبلناش.... "

أومأ ممدوح برأسه يطمئنها...

"لا اطمني من الناحية دي... أنا عمري ما شوفتك.... "

نظرت إليه برضا تام....

"كده تعجبني"

تعليقات



<>