رواية عهد الدباغ الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم سعاد محمد سلامه

رواية عهد الدباغ الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم سعاد محمد سلامه
قبل قليل 
بالسيارة 
إدعت الانشغال بالهاتف وتعمدت عدم النظر نحوه، شعر بالضيق من تجاهلها، زفر نفسه بقوة ثم تحدث بعد تردُد: 
ليه سيبتي البيت قبل ما عمتك ترجع من العُمرة. 

لم ترد وإدعت عدم الانتباه وظلت تعبث على الهاتف، شعر بضيق نظر نحوها زاد ضيقه حين رأها تُركز فى الهاتف وتبتسم،شعر بغضب أوقف السيارة فجأة 
ارتجف جسدها قليلًا من توقف السيارة المفاجئ، ورفعت رأسها نحوه أخيرًا بنظرة منزعجة، بينما كان هو ينظر إليها بعينين يشتعلان غضبًا وغيظًا.
قال بحدة مكتومة وهو يشير نحو الهاتف بيده: هو أنا بكلم نفسي. 

أغلقت الهاتف ببطء، ثم التفتت نحوه ببرود متعمد، وقالت: 
لأ... بس أنا مش مضطرة أرد على أي سؤال.

قبض يده فوق المقود بقوة حتى برزت عروقه ثم قال وهو يحاول السيطرة على أعصابه: 
لا، مضطرة... لما تختفي فجأة وتسيبي البيت وتمشي من غير كلمة، أبقى من حقي أفهم.

ضحكت بسخرية قصيرة أزعجته أكثر مما لو صرخت في وجهه:
حقك.. من حقك إزاى وإنت من إمتى بقى ليك حقوق عندي.. أنا زي ما قولت كنت مجرد ضيفة، ولما حسيت إني ضيفة تقيلة ومش مرغوب فى وجودي.. والأفضل أمشي، مشيت.. ارتاحت كده انا رديت على سؤالك.

زفر نفسه يحاول تمالِك غضبه قائلًا: 
إيه عالموبايل شاغلك أوي كده. 

أجابته بغضب:
وإنت مالك شيء، ميخصكش و... 

رفعت يدها وضعتها على مقبض باب السيارة وكادت تفتحه، لكن لاحظ ذلك فقام بغلق اللقفل الاليكتروني بعدما 
للحظة يلوم إندفاعه بالسؤال.. ، كذالك كأن كلماتها أصابته في منطقة ما فى قلبه لم يكن مستعدًا له، لكنه سرعان ما تفوه بحِدة: 
بتكلمي مين،مش قادرة تشيلي عينك من عالموبايل وبيضحكك اوي كده... 

نظرت له ساد الصمت بينهما لثواني رغم قلتها لكن مرت طويلة... لا يُسمع خلالها سوى صوت أنفاسهما المتسارعة... 

ثم هزت رأسها ساخرة، محاولة الهروب من تلك الرجفة التي ضربت قلبها رغمًا عنها: 
وإنت مالك أنا بكلم مين ولا بضحك لمين... ومن فضلك إفتح مسوجر الباب.. عاوزه انزل من العربية، خلاص بقيت قريبة من الجامعة هاخد الباقي مشي،حتي كمان محدش من زمايلي يشوفني نازله من عربيتك...أنا فى الأساس مش عاوزة أفضل قاعدة معاك دقيقة زيادة.

أشاحت بوجهها نحو النافذة، تدّعي الثبات رغم أن قلبها  يخفق بعنف داخل صدرها... حاولت فتح الباب، لكنه كان ما زال مغلقًا.

هتف بغيظ:
متحاوليش... مش هتفتحيه غير لما تردي عليا.

التفتت إليه أخيرًا، وعيناها تلمعان بعناد:
أرد على إيه... إنك طول الوقت فاكر إن من حقك تتحكم بمزاحك.. تسألني كنت بكلم مين وبضحك ليه...إنت مالك أنا حرة... بأي صغة بتسألني، مالكش عندي أي أهمية.. إنت مجرد جار. 

ظل يحدق بها لثواني، وكأن كلماتها أصابته في مكان لا يريد الاعتراف به... ثم قال بصوت أكثر هدوءًا، لكنه أخطر: 
ولما انا ماليش أي صفة، ومجرد جار ليه ركبتي معايا العربية. 

ارتجفت أنفاسها رغمًا عنها، ونظرت إليه سريعًا قبل أن تهرب بعينيها... لوهلة نسيت كيف ترد.. ذلك الوجع الخفي في قلبها... وذلك الغضب الظاهر عليه، الذي لا  يشبه الغيرة العادية... 
ابتسمت بسخرية باهتة تحاول بها إخفاء ارتباكها:
وده يفرق معاك في إيه.. عالعموم كنت تقدر ترفض وتقول لجوز عمتي، إنك مش رايح الجامعة وكان إنتهي الموضوع، وأنا مكنتش هغلب فى المواصلات متعودة عليها. 

اقترب منها قليلًا، حتى شعرت بحرارة أنفاسه وصوته حين قال ببطء:
غزال... 

لأول مرة ينطق إسمها هكذا بهدوء، بالاساس لأول مرة تسمع إسمها من بين شفتيه، إنتبهت له رفعت رأسها تلاقت عيونهم معًا..
حوار صامت
هو ينكر أن ما يشتعل بداخله غيرة... وهي تلوم نفسها أن قلبها ارتجف لمجرد أنه نطق اسمها... 
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن بينهما كلمات كثيرة لا يجرؤ أي منهما على قولها...
إنتهت النظرات بينهما حين سمعا صوت تنبيه سيارة من خلفهما... نظر كل منهما أمامه يلتقط نفسه... غصبً عاود تشغيل السيارة وتجنب للسيارة التى كانت خلفه كي تمُر، ثم تجنب وتوقف جوار الرصيف، كاد يتحدث لكن صدح رنين هاتفه بنفس اللحظة، أخرجه من جيبه ونظر له، ثم نظر اليها،إرتبكت قائلة: 
إفتح السنتر لوك خليني أنزل ورد شوف مين بيتصل عليك. 

تنفس بضجر قائلًا بأمر: 
إسكتي إنتِ. 

كادت تتفوه لكن هو قام بفتح الإتصال قائلًا بهدوء: 
أيوا يا بابا. 
تفوه محي قائلًا: 
إنت فين. 

اجابه وهو ينظر الى غزال: 
أنا فى الطريق للـ الجامعة، بتسأل ليه. 

أجابه محي: 
إلغي المحاضرة وعاوزك تروح المدابغ، هناك فى مشكلة تحلها وتجي لى عالمقر. 

_بس.. 

قاطعه محي بأمر: 
مفيش بس زي ما قولتلك، تحل المشكلة وتجي لى بعدها.. يلا بالسلامة. 

اغلق محي الهاتف.. زفر كنان، ثم نظر لثواني نحو غزال يُفكر للحظاتقبل ان يضغط على ذر التحكم وفتح قفل الباب دون أن ينظر إليها، وقال ببرود متعمد يخفي به كل ما يشتعل داخله:
انزلي.

وضعت يدها على المقبض، لكنها لم تفتح الباب فورًا... ظلت ثانية واحدة مكانها، تنتظر... لا تعلم ماذا بالتحديد، ربما أن يمنعها، أو يقول شيئًا آخر غير ذلك البرود المستفز.
لكنه ظل ينظر أمامه، فابتلعت غصتها ودفعت الباب.
وقبل أن تنزل، سمعت صوته يسبقها هذه المرة، منخفضًا لكنه واضح:
ومتسمحيش لحد غريب تاني يوصلك.

التفتت إليه بسرعة، وحدقت به غير مصدقة، ثم ضحكت بسخرية تخفي رجفة قلبها:
 حد غريب.. تمام. 

قبض على المقود بقوة أكبر، ثم التفت لها أخيرًا، كانت عيناه حادتين بشكل أربكها حين قال: 
أنا مش غريب.

ارتبكت للحظة... للحظة فقط، ثم هزت رأسها بعناد: لأ... إنت جار،.. مجرد جار.

نظرت له آخر نظرة، ثم نزلت وأغلقت الباب بقوة أكبر مما كانت تقصد.
ظلت تسير بخطوات سريعة تحاول أن تبدو ثابتة... لكن قلبها كان يدق بعنف، وكأن كل خطوة تبعدها عنه كانت تثقل صدرها أكثر.
أما هو فظل مكانه عدة ثوانٍ، يراقبها وهي تبتعد في المرآة الجانبية... حتى اختفت تمامً 
زفر بقوة وضرب المقود بيده مرة واحدة يلوم نفسه:
 إنت مالك أصلًا هي تكلم مين ولا تضحك لمين...
لكن صورته وهو يراها تبتسم للهاتف عادت تضرب أعصابه من جديد.
أدار السيارة بعنف وتحرك نحو المدابغ، يحاول إقناع نفسه أن ما يشعر به مجرد ضيق... مجرد استفزاز من طريقتها... لا أكثر.
لكن حين رن هاتفه مرة أخرى، ونظر إلى الشاشة فوجد اسمها ، خفق قلبه لحظة... 
ظل يحدق في الاسم عدة ثوانٍي بدهشة، قبل أن يرد بسرعة حاول أن يخفيها: 
أيوا بتتصلي ليع. 

جاءه صوتها مترددًا على غير عادتها:
 أنا... نسيت الملف بتاع البحث فى عربيتك.

أغمض عينيه للحظة وأسند رأسه للخلف، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة رغمًا عنه: أكيد نسيتيه من الضحك والرد عالرسايل.

سكتت للحظة، ثم قالت بعصبية وكأنها تكره نفسها لأنها اتصلت:
 لو سمحت ابقي سيبه مع رابيا وأنا هبقي أخده منها. 

زفر نفسه قائلًا: 
تمام. 

لم تنتظر وأغلقت الهاتف.. بسمة خاطفة زينت وجهه للحظات. نظر لحواره رأي ذلك الملف، بفضول جذبه وقام بفتحه، كما قالت بحث لأحد المواد،لكم فجأة وقعت ورقة  من الملف غير مُثبتة... جذبها، من على المقعد  
تجمدت يده للحظة وهو ينظر  للورقة... تبدوا رسالة،لكن لمن كتبت  تلك الرسالة. 
❈-❈-❈
بالغردقة
نظر فاروق لذلك المُتطفل بعينين ضاقتا بضيق حاد، يشعر بغِيرة شرسة وهو يلتقط الطريقة التي كان ينظر بها الرجل إلى عهد... نظرة طويلة أكثر مما ينبغي، وإبتسامة واثقة أثارت الدماء بعروقه... 
إشتد فكه حتى برزت عضلاته، وأغلق الهاتف بحدة دون أن يُكمل المكالمة، ثم تقدم بخطوات سريعة نحوها... 
بينما عهد شعرتبتوترة، وهي تنظر لزميلها  الذي  يتحدث بإبتسامة واسعة
وقبل أن ترد، توقف فاروق بجوارها مباشرة، قريبًا منها بشكل واضح، حتى كاد كتفه يلامس كتفها، ثم قال بصوت هادئ ظاهريًا، لكن تخفيه نبرة حادة: 
خير.. حضرتك تعرفها منين. 

إلتفت الرجل إليه، ثم نظر لـ عهد من جديد وقبل أن بتحدث تحدثت عهد لتسرُع:
ده طيار في شركة الطيران، وسافرت معاه كتير قبل كده... زميل يعني. 

عند تلك الجملة، شعر فاروق وكأن شيئًا ساخنًا ضُغط داخل صدره، كذالك لمح الإرتباك الذي مر بعيني عهد. فمال قليلًا نحوها، ثم وضع يده حول خصرها بحركة تلقائية تحمل تملكًا أكثر مما تحمل حنانًا، وقال وهو لا يرفع عينيه عن الشخص: 
فاروق الدباغ، زوج مدام عهد. 

رفعت عهد عينيها إليه بدهشة من طريقته، بينما أكمل الطيار بنبرة ذهول: 
إنتِ متحوزة، أول مرة اعرف. 

هنا تحولت نظرات فاروق إلى شيء أخطر، شيء جعل الرجل يتراجع خطوة دون أن يشعر، بينما قال فاروق ببرود: 
أيوة مدام عهد يبقي أكيد متجوزة.. 

تنحنح الطيار لكن زادت دهشته حين عاد ياسين وضع يده الصغيرة بقبضة عهد ولأول مرة ينطق كلمة: 
ماما!. 

لم تنتبه عهد لأي شيء فقط نظرت لـ ياسين بذهول وهو يبتسم لها، وهي بتلقائية تجمعت الدنوع بعينيها.. خفق قلبها بشعور موجع، لم تتوقع تلك الكلمة من ياسين وحتى لم تكُن تنتظرها... أغمضت عينبها تحاول كبت دموعها، لكن ليتها لم تفعل ذلك، مر طيف "فرح" أمامها ووصيتها الأخيرة لها... 
شعور غير مفهوم يغزو كيانها...لم تكُن تود فتح عينيها... كي تظل فرح حاضرة... لكن فتحت عينيها غصبً حين ضغط ياسين عليها
لم لم تنتبه  لصدمة الطيار  ولا للنظرة التي تجمدت فوق وجه فاروق... كل ما رأته كان تلك اليد الصغيرة الملتفة حول أصابعها، وتلك الكلمة التي خرجت من فم ياسين للمرة الأولى.
"ماما".

ارتجفت شفتاها، وكأن الكلمة اخترقت مكانًا داخلها كانت تحاول دفنه منذ زمن. نظرت إليه بذهول، بينما كان ياسين يبتسم لها بعفوية، كأنه لم يفعل شيئًا استثنائيًا، فقط قال ما شعر به.
مدت يدها الأخرى تربت على شعره.. ببسمة حنون.. ممزوجة بوجع جسيم. 
عكس ضحك ياسين ، الذي اقترب أكثر كأنه يختبئ بها.. يتمسك بها وكأنه يخشى أن تبتعد... 
تبسمت بخفوت، ثم انحنت بسرعة تحتضنه بقوة، وكأنها تخشى أن تكون تحلم... أغمضت عينيها والدموع انزلقت على خديها رغمًا عنها، بينما دفن الصغير وجهه بعنقها وهو يضحك.
أما الطيار فظل واقفًا ينظر بصدمة، قبل أن يبتسم بإحراج ... ينسحب بصمت... حتي أن
 فاروق لم يسمعه أصلًا... فهو الآخر إنصدم
ظل واقفًا مكانه، ينظر إليهما بصمت، بينما شيء غريب وعنيف يتحرك داخله... منذ شهور وياسين من قبل وفاة" فرح" لم ينطق تلك الكلمة  أما الآن، قالها لها لـ عهد... قالها دون تردد، وكأن قلبه الصغير اختارها وحدها... 
رفع فاروق عينيه إليها، فرأى الدموع فوق وجهها، والطريقة التي كانت تضم بها ياسين إليها، كأنها تحتضن عمرًا كاملًا حُرمت منه... 
شعر بانقباض غريب في صدره... ثم غيرة أشد وأعنف من كل ما شعر به منذ قليل... 
ليست مثل غيرته من ذلك الطيار، تلك كانت غيرة رجل يرى آخر يقترب مما يعتبره له... أما هذه فكانت شيئًا أعمق، وأوجع.
غار من ياسين نفسه...
من قربه منها، من الطريقة التي دفن بها وجهه في عنقها دون تردد، من دموعها التي نزلت لأجله، ومن تلك النظرة التي لم يرها بعينيها من قبل... نظرة إحتواء كاملة، دافئة، كأنها خُلقت لتكون له ملاذًا.
وتلك الكلمة... "ماما"...
لأول مرة شعر أنها لا تخص امرأة أخرى سواها...
فهي تستحقها بكل معناها... 
حتى قبل زواجهما، كان تعاملها مع ياسين مختلفًا... لم تحاول يومًا أن تفرض نفسها عليه، لم تطلب منه أن يناديها بلقب، لم تتصنع دورًا ليس لها... كانت تترك له مساحته، تتحدث معه ببساطة، تضحك له، تصبر على عناده، وتكتفي أن يناديها "عهد"... دون أن يبدو عليها أي ضيق 
وربما لهذا قالها الآن... 
لأن الأطفال لا يمنحون قلوبهم بسهولة، لكنهم يشعرون بمن يحبهم بصدق...
راقبها فاروق وهي تمسح دموعها بسرعة، ثم تقبل رأس ياسين كأنها تخشى أن تضغط عليه أكثر، وتقول له بصوت مبحوح من التأثر:  خلاص يا حبيبي... خلاص.

بينما ياسين  ظل متعلقًا بها، وكأنه أخيرًا وجد المكان الذي يريد البقاء بداخله... 
بينما ظل فاروق ينظر إليها طويلًا... ثم شعر بشيء داخله يلين رغمًا عنه، شيء كان يقاومه منذ عرفها... 
لأول مرة لم يرها فقط زوجته...
بل رآها امرأة حياته الذي عشقها، وتمني أن تكون رفيقته، وأم أبناؤه، وهذا هو الأبن الأول.
....***
بعد وقت قليل 
تبسم فاروق لـ ياسين الذي لاحظ إبتعاد فاروق عنه هو وعهد، فذهب إليه وقف أمامه بطفولة قائلًا بلوم: 
قولت مفيش شغل النهاردة وهنتفسح مع بعض، وكل شوية يرن الموبايل وتقوم ترد عليه. 

ضحك فاروق قائلًا! 
ده كان جدك محي مقدرش ما ردش عليه وبعدين خلاص يا بطل اهو هقفل الموبايل خالص، ونقضي اليوم كله مع بعض إحنا التلاتة. 

إبتسمت عهد حين عاد فاروق يمسك بيد ياسين قائلًا: 
ياسين الدباغ واضح هيكون له هيبة وسيطرة.. يلا تعالى نتغدا وبعدها اليوم كله تحت أمرك إنت وعهد.

لمعت عين عهد ببسمة قائلة بمرح: 
دي مش بس هيبة وسيطرة دي أوامر واجبة التنفيذ. 
❈-❈-❈
ليلًا بشقة محسن 
بغرفة النوم
نظرت الى تلك الصور الشُعاعية الموضوعة على الفراش، بداخلها أمنية واحدة أن تكون تلك الصور لطفل ذكر.. تنهدت وهي تضم الصور، تقربها من صدرها كأنها تخشى أن تُنتزع منها تلك اللحظة قبل أن تعيشها كاملة... أغمضت عينيها لثواني، وفي داخلها رجاء أو بالأصح دعاء صغير، خافت، لا تجرؤ حتى على قوله بصوت مرتفع...
ولد...
كانت تتخيله منذ عرفت بخبر حملها... طفل صغير بعينين تشبهان محسن وعناده أيضًا، يركض خلفه في أرجاء البيت، ويتعلق بساقه كلما حاول الخروج... طفل يحمل اسمه، وملامحه، وربما قسوته الظاهرة التي لا يراها سواها، على يقين أنها قشرة تخفي قلبًا أحن مما يبدو..... 
فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى الصور مرة أخرى، تحاول عبثًا أن تفهم شيئًا من تلك الخطوط والظلال الرمادية... ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تمرر أطراف أصابعها فوقها بحنان.
ثم رفعت رأسها على صوت الباب يُفتح.... 
دخل محسن بخطوات هادئة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف... كانت تجلس على حافة الفراش، والصور بين يديها، ونظرة غريبة تملأ وجهها... مزيج من لهفة وترقُب وأمل.. 
اقترب منها ببطء، ثم جلس جوارها دون أن يتحدث... فقط مد يده، أخذ إحدى الصور، نظر إليها طويلًا وكأنه يفهم منها أكثر مما تفهم هي.. 
همست بتردد، دون أن تنظر إليه:
تفتكر... هيبقى ولد... قلبي حاسس يكده. 

التفت إليها، فرأى ذلك البريق المرتجف في عينيها، وكأن الإجابة تعني لها العالم كله... 
صمت لحظة، ثم رفع يده يزيح خصلة شعر هربت إلى جانب وجهها، وتحدث بصوت منخفض:
بنت أو ولد... كله رزق من ربنا. 

ارتجفت شفتاها، وشعرت بخيبة صغيرة، سخيفة، لأنها لم تسمع الإجابة التي أرادتها... لكنها في الوقت نفسه شعرت بشيء دافئ يغمر قلبها... 
إلا أنه عاد يبتسم بخفة، ونظر إلى الصور بين يديها قائلًا بمكر:
بس لو طلع ولد... هينضم لـ رجال الدباغ وياخد طباعهم القاسية. 

نظرت نحوه، حقًا أحيانًا تشعر أنه أقسي رجل بالعالم... 

وذكرى قدبمة تسللت الى رأسها... حين سمعت رفضه لها بأذنيها. 

بالعودة قبل بضع سنوات
بعدما تخرج محسن من الجامعة بفترة قليلة.. 
أثناء زيارتها لـعمتها، لا ليست زيارة فهي كانت شبة مُقيمة بمنزل الدباغ... او بالأصح كانت تتواجد دائمًا تفعل مثلما تدفعها والدتها إليه، أن تظل قريبة من إجلال كي تحصل على مؤازرتها أمام محسن، كي تفوز وتصير زوجته المستقبلية هي أولى بذاك الثراء، لكن على العكس لم يكُن غايتها الثراء بل غايتها قلب محسن، لكن محسن كان عكس ذلك معها كأنه كان على عِلم بما يستعر بقلبها البرئ... حديثه معها كان قليل، يتعمد ذلك، لكن كانت إجلال ترا عين رابيا وملامحها التي تتبدل حين تلمح محسن،
شعرت إجلال بغصة فى قلبها كلما رأت رابيا تلتفت إليه بعينيها قبل أن تلتفت بوجهها... كلما سمعت نبرة صوتها تختلف حين يخاطبها، حتى لو كانت كلمة عابرة، أو سؤالًا بسيطًا لا يستحق كل ذلك الارتباك... 
ورغم أن.. رابيا كانت تحاول دائمًا أن تبدو طبيعية، إلا أن قلب الفتاة كان أصدق من أن يخفيه وجهها... 
كانت تجلس معهم في الصالون، تضحك مع الجميع، وما إن يدخل محسن حتى يختفي كل شيء حولها... تتوقف لحظة، ثم تنخفض عيناها سريعًا، أو تنشغل بأي شيء أمامها، لكنها لا تنجح أبدًا في إخفاء تلك اللمعة الصغيرة التي تظهر بعينيها... 
أما محسن...
فكان يراها جيدًا...
يرى كل شيء، ولهذا كان يهرب.
حديثه معها كان مقتضبًا، رسميًا أكثر مما ينبغي. إن سألها، سألها أمام الجميع. وإن ردت عليه، اكتفى بهزة رأس أو كلمة قصيرة، ثم انشغل بغيرها وكأنه يخشى أن يطيل النظر إليها أكثر من اللازم.... حتى حين كانت إجلال تتعمد أن تتركهما وحدهما أحيانًا، كان محسن يجد أي حجة ليغادر... 
مرة يخرج ليرد على هاتف لم يرن أصلًا... ومرة أخري يتذكر فجأة أن لديه موعدًا بالخارج... ومرة ينهض فقط لأنه لم يحتمل بقاءها جالسة أمامه بذلك الصمت المرتبك الذي يهز شيئًا داخله لا يريد الاعتراف به... 
وفي إحدى الليالي، كانت رابيا تساعد إجلال في تركيب الستائر  داخل الغرفة، حين تنهدت إجلال فجأة، ثم نظرت إليها بحنان ممزوج بأسف:
إنتِ بتحبيه يا رابيا.

تجمدت يد رابيا فوق القماش، واتسعت عيناها، ثم أسرعت تهز رأسها نفيًا وهي تهمس بتوتر:
مش فاهمة قصدك بحب مين يا عمتي. 

تبسمت إجلال قائلة! 
محسن. 
سرعان ما تعلثمت رابيا تهز رأسها بنفي
لكن صوتها خانها... ووجهها اصتطبغ باحمرار  في لحظة.
تنهدت إجلال مرة أخرى، ثم أمسكت يدها برفق.
متكدبيش عليا... أنا ست وشايفة.

انخفضت عينا رابيا، بينما شعرت بحرارة الدموع تلسعها دون أن تنزل... همست بعد لحظة بصوت مكسور، وكأنها تعترف بشيء ظلت تخفيه طويلًا:
هو... هو مش بيحبني.

شعرت إجلال بانقباض قلبها. لم يكن يؤلمها حب رابيا لابنها بقدر ما كان يؤلمها أنها ترى ابنة أخيها تذبل بصمت أمام رجل يتعمد الابتعاد... 
لكنها كانت تعرف محسن أكثر من أي أحد... 
تعرف أن بروده ليس عدم اكتراث... بل خوف.
خوف من أن يمنح قلبه لأحد، أو ربما خوف من أن يراه أحد ضعيفًا أمام فتاة تنظر إليه بتلك الطريقة.
لهذا،
بعد وقت  حين دخل محسن إلى الغرفة بعد دقائق، وجد إجلال تنظر إليه نظرة جعلته يتوقف مكانه.
قال بعبوس خفيف: 
في إيه يا ماما، قولتي عاوزني فى كلمتين. 

أجابته بحدة مكتومة، وهي تنظر إليه وكأنها تعاتبه على شيء أكبر من مجرد تصرف:
حرام عليك البنت... مش معقول مش شايفها. 

انعقد حاجباه،  وشعر بأنفاسه تضيق... 
نظر إليها للحظة واحدة فقط... 
لحظة قصيرة،ثم تفوه: 
قصدك رابيا، يا ماما هي اللى معيشه نفسها فى وهم،مرات خالي بتلعب فى دماغها، لعبة بتاعت العيال الصغيرين إن فلان محجوز لفلانه، ليه محسبتش إن ده مجرد كلام فاضي، والمشاعر ببتغير، أنا مش بفكر فى رابيا، ولا في غيرها، دلوقتي، انا هدفي الشغل مع بابا وفاروق، مش فاضي لمشاعر عبيطة... اوهام.. كمان أنا لو رابيا آخر بنت فى الكون مش هتجوزها، فبلاش تكلميني فى الموضوع ده تاني يا ماما لانه ملغي بل مستحيل. 

تنهدت إجلال بأسي وهي ترا خروج محسن، 
الذي لم يرا تلك التي إختبئت خلف أحد الحدران تضع يديها تكتم شهقات دموعها... بعدما تسمعت صدفة على ذلك الحديث... لكن رغم ذلك قلبها لم يستطيع تحمل ذلك الرفض... فقط ارادت فرصة واحدة وداخلها يقبن أنها ستجعله يغرم بها، لكن حتي الفرصة كانت بمذاق مُر تجرعته ومازالت.. تتجرع تقلبات محسن

عودة 
حين شعرت بيد محسن يسحب منها إحد الصور،لوهلة ظلت تنظر له داخلها سؤالًا منذ سنوات تود أن تسأله له
"لما رغم بُغضك تممت زواحنا، أكم من مرات كان من السهل إنهاء الزواج بينهم دون ضرر عليه.

لكن كالعادة اختارت الصمت... ذلك الصمت المقيت الذي كان يقف دائمًا بينهما كجدار بارد، يجعل زواجهما مُذبذبًا، غير مستقر، وكأنهما يسيران فوق أرض رخوة قد تنهار بأي لحظة... 
 تسير وحدها فوق أشلاء زجاج لا يراها أحد غيرها... كل خطوة تجرح قلبها أكثر، لكنها تواصل السير، تواصل الرضا بفتافيت صغيرة، بنظرة، بكلمة، بلمسة عابرة... تقنع نفسها أن القليل أفضل من لا شيء، وأن الصمت أهون من أن تخسره لو قالت ما يدور برأسها... 
الصمت أفضل من الخسارة...
لكن الصمت أيضًا  يُنهك روحها ببطء، ويُضعف ذلك الجزء منها.. الذي لم يمتلك الشجاعة ليطلب الحب كاملًا.
❈-❈-❈
بالغردقة 
بأمر صارم من ياسين، أُعلنت سهرة خاصة الليلة... أمام التلفاز، وبدون أي اعتراض من أحد... 
هو من اختار ماذا سيشاهدون... أحد أفلام الكارتون التي يحفظ نصف حواراتها، ومع ذلك يشاهدها كل مرة بنفس الحماس، ثم أعلن بجدية طفولية وهو يشير بإصبعه إليهما:
وممنوع النوم... اللي هينام هيبقى خسران.

وافقته عهد وهي تبتسم، بينما اكتفى فاروق بهزة رأس خفيفة، كأنه يبرم صفقة لا يمكن التراجع عنها... 
وبعد دقائق، كان الثلاثة فوق الفراش الكبير.
وضع فاروق عدة وسائد خلف ظهره، واستند إليها جالسًا، ساق ممدودة والأخرى مثنية قليلًا،كذالك عهد،التى إستندت،على بعض الوسائد، تضم ساقيها قليلًا، وعلى شفتيها ابتسامة هادئة لم ، بينما ياسين جعلهم قربين للغاية كي يستطيع الجلوس كما يشاء نصف جسده العلوي فوق صدر عهد وساقيه ممدودة فوق ساق فاروق...  في البداية، كان متحمسًا أكثر للفيلم من أي شيء آخر.
أنطفئت الأنوار، ولم يبقي سوى ضوء التلفاز ينعكس على وجوههم.
كان ياسين يضحك بصوت مرتفع كلما حدث مشهد يراه مضحكًا، ويشرح لهما بحماس ما سيحدث بعد قليل رغم أنهما يشاهدان معه.
وبعد أقل من نصف ساعة...
بدأت رأس عهد تثقل بالنوم
قاومت النوم ، تفتح عينيها أكثر من مرة، ثم التفت نحو فاروق بنظرة ناعسة دقائق  وغلبها النعاس مالت  برأسها دون أن تشعر، لتستند على كتف فاروق،الذي رفع عينيه متفاجئًا للحظة وهو يشعر بثقل رأسها الخفيف على كتفه، ومع ذلك لم يحرك ساكنًا.
ظل ساكنًا، كأنه يحاول ألا يفسد تلك اللحظة، حتى أن صوت التلفاز بدا وكأنه بعيد الآن... 
همس بخفة، دون أن يبتعد عنها:
عهد إنتِ نمتي. 

لم تجب، فقط أغمضت عينيها أكثر، وارتاح جسدها عليه. شعور غريب انتاب فاروق، مزيج من الدفء والطمأنينة، شيء لم يشعر به منذ فترة طويلة، قلبه يخفق بوتيرة أبطأ لكنه أقوى  من أي وقت مضى... 
حرّك ذراعه قليلًا ليحتضنها برفق دون أن يوقظها، كأنه يحرس لحظة ناعمة يشتاق لها منذ زمن، وعندها أدرك أن الصمت أحيانًا أفضل من أي كلمة، وأن هذه اللحظة برغم بساطتها تحمل الكثير .. 
ظل الاثنان هكذا، رأسها مستندة على كتفه، وجلسا هادئين، في حرارة الصمت الدافئ لاحظ تأوه عهد، فطن أن ذلك ربما لا تشعر براحة وهي جالسة هكذا...  تبسم، وجذب ياسين بهدوء عن صدرها قائلًا: 
عهد نامت.. 

كاد ياسين أن يوقظها لكن منعه فاروق  قائلًا بتحميس: 
سيبها تنام... ونسهر إحنا نكمل الفيلم.. رجالة مع بعض. 

أومأ له بحماس وتجنب عن عهد ترك فاروق يسحب الوسائد من خلف ظهرها، ثم أراح جسدها فوق الفراش... 
لوهلة فتحت عهد عينيها، تبسم فاروق لكن سأم وجهه حين تفوهت بمرارة وسؤال صعب: 
إنت ليه نسيت فرح بالسرعة دي، كانت بتحبك أكتر من نفسها. 

تعليقات



<>