رواية ظل بعد ظل الفصل الرابع 4 بقلم ياسمين النعيمي
الليل كان أهدأ من اللازم …
الصالة مضاءة بنور خافت، و صوت المكيّف ثابت كأنه يغطي على أي شيء ممكن أن يُقال.
أركان جالس مكانه المعتاد، استكان الشاي بإيده، بس واضح إنه ما يشرب … يفكر.
قيس دخل بهدوء، خطواته خفيفة، كأنه متعوّد ما يزعج أحد.
رفع له أركان عينه:
- ما نمت ؟
- ما بعيني نوم.
تقدّم قيس، و قبل لا يجلس، أركان أشار بعينه للاستكان الثاني و القوري الزجاجي أمامه،
- ابن حلال حاسب حسابك.
جلس لجانبه،
الصمت بينهم كان مريح بالبداية … صمت شخصين تعوّدوا على بعض من سنين طويلة، ما يملون كل كَعدة بالكلام.
أركان حرّك الاستكان بإيده شوي، ثم قال بنبرة مزاح أخوي،
- خومو تصير لي دكتور حت تالي الليل و ما تشرب ؟!
قيس ابتسم و مد إيده للقوري بخفة،
- دكتور الصبح، و شاعر اتسامر وياك على استكيّن جاي تالي الليل.
قال أركان و عينه بعينه بتأكيد مو تساؤول،
- تعبان.
هز قيس راسه بالتأكيد،
سكتوا لحظة …
ثم أركان قال و كأنه يمرر الموضوع مرور:
- ريّا عندي تتعب جثير، و دوام الليل هذا تروح و ترد و اني عيني ما تغمض.
قيس رفع عينه له، نظرة الي التقط راس الخيط، و رد بهدوء،
- اي صعب، بس مو دايم ؟
- لا هي بس هالمدّة بهذا روتيشن الوجه و الفكين يداومون بالطوارئ.
و أردف بابتسامة خفيفة،
- بس هي ما تعرف تريح نفسها هالبنية.
قيس رد بهدوء،
- انت معلمها هيج.
رجع الصمت … لكن هالمرة، أبطأ.
أركان شرب رشفة، ثم قال بدون ما ينظر له:
- عيني عليكم من جيت لليوم.
قيس ما سأل "ليش"…
واضح إنه فهم.
أركان كمل:
- إسلوبك وياها …
سكت لحظة، ثم رفع عينه له:
- لا طبيب، ولا بس ابن عم.
الصمت نزل بينهم …
بس هالمرة مباشر.
قيس تنفّس ببطء، ما استعجل الرد.
أركان ما ضغط …
بس قال بهدوء:
- اني اعَرفك … من زغرك.
رفع عينه له بنظرة صريحة:
- و اعَرف شلون تكَف لاحد لمن الموضوع ما يهمك.
قيس ابتسم ابتسامة خفيفة:
- و إذا يهمني ؟
أركان ما ابتسم:
- يهمك.
سكت قيس …
ثم قال بهدوء:
- لا تظن اتجاوزك بشي.
أركان هز رأسه:
- أعَرف.
سكت … ثم أضاف:
- و لهذا جاي أحچي وياك.
رفع عينه له:
- ما أسأل كـ عم … أسأل كـ أبو.
الجملة كانت واضحة.
قيس عدّل جلسته شوية … كأنه دخل بالموضوع فعلاً.
أركان كمل:
- نيتك شنو ؟
صمت قصير …
ثم قيس قال بصراحة هادئة و عينه بعينه:
- اني اريدها.
الكلمة طلعت بدون تردد …
بس بدون اندفاع.
أركان ثبت نظره عليه …
و قيس كمل:
- بس مو وكتها.
أركان سأله:
- ليش ؟
قيس أخذ نفس بطيء:
- الوكت مو مناسب … وضعك، وضعها، كلشي جاي يصير …
رفع حاجبه مميّل راسه بثقة،
- مو وكت بداية علاقة مصيرية.
سكتوا لحظة.
أركان كان ممكن يوقف هنا …
بس ما وقف.
حرك الاستكان بإيده، و صوته صار أهدأ … أعمق:
- قيس …
رفع عينه إله:
- كَبل لا أفكر انطيك بنتي و ادانش السالفة وياها … لازم اعَرف شغلة.
قيس انتبه.
أركان ما نظر مباشرة، كأنه يختار كلماته بعناية:
- انت … مستعد؟
سكت لحظة …
ثم أضاف:
- مو من ناحية القرار .. من ناحية حياتك و نفسيتك.
الصمت صار أثقل.
قيس فهم.
بس ما رد فوراً.
أركان كمل … بدون ما يفتح الجرح كامل:
- الي مرّيت بيه اعَرفه مو سهل.
رفع عينه إله هالمرة:
- و اني شايفك مو من برا،
و طبطب على صدره يقول،
- شايفك من هين.
سكت … ثم أردف بهدوء واضح:
- ما اريد بنتي تفوت بحياة بيها أساس غلط ما متعالج.
قيس نزل عينه لحظة، لأول مرة من بداية الحوار.
أركان ما استعجل.
بس أضاف بهدوء:
- ما جاي أسألك شجان و شصار.
هز رأسه:
- جاي اسألك … انتهيت منها لو بعدك عايش بيها؟
الصمت عم بينهم لثواني طويلة.
قيس تنفّس بعمق …
كأن السؤال هذا مو جديد عليه … بس ثكَيل.
رفع عينه أخيراً:
- مو نفس اول.
أركان ما قاطعه.
قيس كمل:
- الي صار … غيّر جثير اشياء.
سكت … ثم قال بصراحة:
- مو بسهولة الواحد يرد طبيعي.
أركان هز راسه … كأنه متوقع.
قيس رفع نظره إله مباشرة:
- بس هذا ما يعني إني أأذي أحد.
نبرة صوته صارت أهدأ … بس أوضح:
- ولا أرضى ادخل حياة وحدة … و اني ما ضابط نفسي. و لهالسبب الي ثلاث سنين على هالوضع.
سكت لحظة …
ثم أضاف:
- اني اعَرف نفسي و اعَرف من شنو اخاف و على منو اخاف، هذا أهم شي.
الصمت عم بينهم مرة ثانية …
- بس مو نفس اول.
أركان سأله بهدوء:
- و تكَدر تتخطاه؟
قيس فكر لحظة، مو جواب سريع.
ثم قال:
- مو كله.
سكت … ثم أضاف:
- بس تخطيت بالكَدر الكافي … حتى ابدي صح.
أركان ظل ينظر له.
قيس كمل بصراحة أكثر:
- و ما راح ابدي … إلا إذا جنت متأكد اني ما أظلمها.
هنا … أركان تنفّس ببطء .. الجواب وصله.
سكت لحظة …
ثم قال:
- قيس .. ريّا مو مثل ما تشوفها من برا ...
هز راسه يكَول،
- اعرفتها ..
هز أركان راسه بالنفي يقول،
- لابسة ثوب القوة و السيطرة،
و رفع حاجبه
- و هي كَدها،
و نزل إيده لقلبه يأشر،
- بس من هين أضعف خلكَ الله، ما تتحمل نص علاقة ولا نص اهتمام.
قيس هز رأسه بالتأكيد،
أركان كمل:
- و ما تبيّن، لو نار واجّة بصدرها و اني ابوها، اذا ما هجستها من نفسي و فكّيت لها الدرب تا تفض الي بكَلبها تظل النار تاكل بيها لمن ما تغدي رماد.
علّق قيس عيونه بعيون عمه للحقيقة الي يسمعها لأول مرة، و أردف له،
- إذا يوم هجست روحك ما تكَدر لها، ابعد لا تقاوم بأنصاف حلول، لانّو هذا يدمرها.
قيس رد بهدوء:
- عمي ..
و رجع ثبت نظره بعينه،
- لا تظن اخذها و اعوفها بنص الدرب، لو مستعجل جان من زمان اجيتك و اني من زمان رايدها.
وسّع أركان عيونه بصدمة، و أردف قيس،
- اني انتظرت الوكت المناسب و بيوم الي تصير بذمتي هاي بعد أمانتي و انتو الخير و البركة، لو طلعتوا انتو منها،
و خلى إيده على راسه،
- و انتو كَدركم على راسي، يصير جبيلي رب العالمين و اني اخافه و انت تعَرفني.
الصمت هدأ بينهم.
ثم أركان رجع يسند ظهره، وقال بنبرة أخف:
- تدري شنو الفرق بينك و بين غيرك؟
قيس رفع حاجبه:
- شنو؟
ابتسم أركان ابتسامة خفيفة:
- إنك ما تحَچي جثير … بس من تحَچي، أعَرفك صادكَ.
سكتوا لحظة. و سأله أركان،
- من يمتى تعَرفها ؟!
و رد قيس بصراحة،
- شايف صورها عند ابوي، و انت تحَجيلي بيها جثير.
صفن عليه أركان يتأمل صراحته و رد له قيس يقطع تأمله،
- أركان لا تسويلي بيها سوالف، اني اكَدر اجذب عليك و اكَول يابا اعرفتها من جيت هين، بس الجذب مو دربي. ردتها من زمان بس ادري وضعي و وضعك ما يخليك تنطيني، و هالأجلتها لمن ما انت تكرّمت علينا و فكّيت بيتك النا.
سكت أركان كأنه يستوعب الموضوع لدقايق، و مد إيده حطها على كتف قيس.
ضغط خفيف … بيه معنى أكبر من الكلام.
و قال بصوت هادئ:
- الفات مات، و احنا ولد اليوم. و اني ما اخاف عليها … إن جانت وياك.
سكت … ثم أضاف:
- بس خليها تاخذك كلك، مو تاخذ شي ناقص منك.
قيس ابتسم ابتسامة خفيفة، هادئة.
و قال:
- ما تاخذني الا كامل، و ما اخليها تشوف وياي أمان اقل من أمانك.
رجع الصمت …
بس هالمرة،
كان صمت رجال … فهموا بعض بدون ما يحتاجون يقولون أكثر.
الأسبوع هذا…
مرّ كأنه شهر كامل.
من يوم الي إجى عمي و اقتنع أبوية بزراعة الكبد، و كل شي تغيّر.
مو بس موعد العملية … لا، البيت كله تغيّر.
وجود عمي وأولاده …
كان المفروض يخفف، و فعلاً خفف بشكل غريب.
البيت صار بيه صوت.
مو ذاك الصمت الثقيل الي متعودين عليه …
صار بيه حركة، ناس، سوالف، ضحك يطلع فجأة بدون ترتيب.
حسّيت لأول مرة من فترة …
إنه عدنا حياة طبيعية.
بس بنفس الوقت؟
كأن الحياة رجعت … و وياها كل مسؤولياتها مرة وحدة.
اني صرت ما أوقف.
الليل دوام …
العيادة، المرضى، التركيز الي ما يصير يقل حتى لو راسي ينقسم نصين.
أرجع للبيت …
مو حتى أرتاح.
لا، أكمّل.
أبوية …
مواعيده، تحاليله، نفسيته الي أحاول أرفعها حتى لو هو ما يحچي.
عمي موجود، بس …
ما أكدر أكون بس لأبوية.
أحس لازم أكون كَدامهم كلهم … ثابتة.
ورغد …
تنهدت بدون ما أحس.
رغد ما متعودة على هالجو.
واضح عليها.
كل شي بالنسبة إلها “زيادة”:
الالتزام ..
الكَعدة ويا العائلة ..
حتى مواعيد الأكل صارت تزعجها ..
كل يوم تقريبًا نفس الجملة:
- ريّا تعبت … خلص نريد نرتاح شوي.
و اني،
ما أكَدر أقول “اي خلص كل شي”.
ولا أكَدر أضغط عليها زيادة.
فألكَي نفسي بالنص …
“تحمّلي شوية رغد … هالفترة بس.”
“كلنا تعبانين، مو بس إنتِ.”
أحاول أهدّيها …
أحتويها عليها بكفّة، و البيت كله بالكفّة الثانية.
بس مرات …
أحس إني انا الي أحتاج أحد يحتويني.
الصداع …
يمكن هو الشي الوحيد الثابت بهالأسبوع.
ما يفارقني.
أحيانًا خفيف …
و أحيانًا كأنه شي ينبض من داخل راسي.
آخذ مسكن … يروح شوية …
يرجع ...
و أكمل.
لأنه ماكو وقت أوقف و آخذ استراحة.
الغريب …
إني حتى بالعيادة، مدا يقل أدائي.
بالعكس.
أركز أكثر …
أدقق أكثر …
أشتغل كأنه ماكو شي.
يمكن لأنه هناك عندي سيطرة.
بس أول ما أطلع …
كل شي يرجع دفعة وحدة.
عمي سلمان ...
إنسان بسيط و حنون و مو متطلّب، خلال هذا الاسبوع حسسني بشعور إني ممكن يكون لي أبّين اعيش بظلهم، يمكن لأني مو متعودة على شعور أقارب الأهل و كل الأقارب و السند عندي هو الأب، فأي تصرف أبَوي يبدر منه احسه يتصرف كأب مو عم، يمكن لأنه ما أعرف شنو يعني عم !!
قيس …
صفنت لحظة و اني أفكر باسمه.
هو موجود …
كل يوم أشوفه.
نفس البيت، نفس الروتين.
بس مو نفس الشي.
ما أعرف شلون أوصفها …
بس كأنه صار خط خفي بينّا أخفى كل الميانة الي كانت، خلى حاجز،
ما عبره …
ولا خلاني أعبره.
يحچي … بس بحدود.
يسأل … بس عن الشي الي لازم.
كنت أتمنى منه أن يبقى حليف إلي مثل البداية لما اتفقنا لإقناع ابوية، حسيت بحلفه ممكن تهون الأمور علية.
يمكن هذا أكثر شي مضايقني …
مو الضغط، ولا التعب …
هذا الإحساس الغريب.
إنه كل شي حواليّا قريب …
بس اني لازم أكون أقوى من إني أرتاح له.
رجعت أحط إيدي على جبيني …
الصداع رجع.
غمضت عيني لحظة …
بس حتى الراحة صارت قصيرة.
فتحتها بسرعة، و نهضت.
ورايا شغل …
و وقت العملية قرب.
و ماكو مجال أضعف هسة
مو وقتها ..
كملت طريقي للمطبخ بخطوات سريعة،
كأني إذا وقفت لحظة، كل التعب راح يلحقني مرة وحدة.
فتحت خانة الأدوية مباشرة، بدون تفكير …
علبة المسكنات بمكانها.
طلعتها، و قبل لا آخذ الحبة، وقفني صوت جاي من الباب،
- جم حبة أخذتي اليوم؟
صفنت عليه و نسيت العد، ابتسمت ابتسامة باهتة، و رديت بصوت ناصي سرحان بالتفكير،
- ما أدري.
مديت إيدي آخذ وحدة، و وقفني صوته،
- ريّا ...
تجمّدت إيدي بمكانها.
لفّيت له …
قيس واقف عند باب المطبخ، مو داخل بالكامل
، كأنه متعمد يبقى على الحد،
عيونه كانت على العلبة بيدي …
مو عليّ.
سكتت لحظة …
بعدين قلت بنبرة طبيعية:
- صداع مو طبيعي.
هز راسه بخفة …
كأنه هذا الجواب كان متوقعه.
ما اقترب.
بس سأل بهدوء:
- عرفتي السبب كَبل لا تاخذين كل هالمسكنات ؟!
السؤال مباشر …
بس نبرته ما بيها تحقيق، ولا ضغط.
ترددت لحظة …
هزيت راسي ب"لا"
ظل ساكت.
نفس سكوته ذاك …
الي يخلي الجواب الناقص يبين.
تنفست خفيف و قلتله،
- ما عندي وقت.
ما علق فوراً،
بس عيونه انرفعت شوي من العلبة إلي …
و ثبتت.
- كل يوم صداعج ؟
ما قدرت أكذب.
هزّيت راسي:
- إي.
نزل نظره للحظة …
بعدين رجعه، صوته بقى هادي:
- مو زين هالشكل.
رديت بنفس الكلمة …
بس هالمرة أثقل.
حاولت أخففها:
- عادي، صداع بسيط.
هز راسه بالنفي، بهدوء:
- لو بسيط … ما تحتاجين هذا كله، تاخذين حبتين لو ثلاث باليوم انتي.
سكت.
و أنا هم سكت.
ما كان موقف مريح …
بس مو لأنه ضاغط.
لأنه صادق زيادة، و ركّز على شي ما توقعت احد مركز عليها بالبيت.
قيس شبك إيديه قدامه، و بقى واقف مكانه … محافظ على نفس المسافة.
- من يمتى؟
سؤال بسيط …
بس كأنه يفتح باب أكبر.
تنهدت بدون ما أحس:
- من عشر ايام … يمكن قبل، بس من عشر ايام زاد.
هز راسه شوي، كأنه يربط الأمور ببعض.
- ضغط نفسي عليج ؟!
قلت بسرعة:
- كلش.
سكت لحظة …
بعدين قال:
- حكَج، بس لا تسوين بروحج هيج.
نظرت له …
ما كان يحچي كدكتور بس.
ولا كقريب.
كان يحچي … بحذر.
كأنه دا يمشي على خيط، لا يقرب زيادة … ولا يبتعد.
- إذا كل مرة تسكّنيه بالدوا … ما راح تعرفين شنو السبب.
نفس كلامه قبل …
بس هالمرة أهدأ … أقرب.
نزلت عيني لشريط البراستامول بإيدي …
صرت أفكر …
مو إذا آخذها …
بل إذا فعلاً محتاجتها.
سألته بدون ما أرفع عيني:
- و إذا ما أخذت … و ما تحملت؟
سكت لحظة…
بعدين قال:
- تحمّلي مرة و اخذيها مرة تا لا تتعودين عليها.
رفعت عيني إله.
كان ثابت …
بس مو قاسي.
- خلي مرة تعرفين شبيچ … منيش و يمتى يجي مو بس تسكّنيه.
الصمت نزل بينا …
بس هالمرة، ما كان ثقيل.
كان … واضح.
نظرت للعلبة بإيدي و بدون ما أحس رجعتها لمكانها،
قيس لاحظ …
بس ما علّق.
بس قال بهدوء:
- تجين وياي نسوي فحص ؟!
هزّيت راسي:
- لا مو هسة.
سكتنا لحظة …
بعدين لفّ وجهه شوي، كأنه ينسحب بهدوء من الموضوع:
- تحتاجين شي؟
هزّيت راسي بالنفي:
- لا.
تحرك حتى يطلع …
وبعد خطوة، وقف.
بدون ما يلتفت، قال:
- ريّا …
سكت لحظة …
- داري روحج.
بس.
ما زاد كلمة.
و مشى.
وقفت مكاني …
العلبة كَدامي.
الصداع … بعده موجود.
بس لأول مرة من أيام …
مو هو الشي الوحيد الي أحس بيه.
أخذت نفس بطيء …
و طلعت من المطبخ.
ورايا شغل …
بس يمكن …
مو لازم أركض بنفس الطريقة.
أخذت إجازة من دوامي اليوم، لأنه باجر عملية بابا ...
الليل كان أطول من المعتاد …
مو لأنه ما يمر،
بل لأنه يمر ببطء … كأنه يجرّ نفسه جر.
البيت هادئ،
بس مو ذاك الهدوء المريح …
هدوء بيه شي معلق بالهوا،
كل أحد حاس بيه … و محد يحچي.
كنت أمشي بين الغرف بدون هدف واضح،
أرتب شي مرتب أصلاً،
أشيك على أغراض رتبتها أكثر من مرة.
ملف أبوية …
ملف قيس ...
تقاريرهم …
مواعيدهم …
كلشي جاهز.
و مع ذلك …
أحس أكو شي ناقص،
شي مو ملموس …
بس يضغط على قلبي.
مرّيت من الصالة،
عمي سلمان جالس، التلفزيون مشتغل بصوت ناصي …
بس واضح إنه مو متابع أصلاً.
عدّيت من يمه،
بس قبل لا أطلع، صاح لي بهدوء:
- ريّا …
وقفت و التفتت له.
مد إيده بإشارة بسيطة:
- تعالي يمّي شوي.
قربت،
جلست يمه بدون ما أحچي.
ظل ساكت لحظة …
بعدين حط إيده على راسي،
يمسح بخفة … كأنه يهدّي طفل مو بنت كبيرة شايلة بيت كامل.
- لا تشيلين كلشي لوحّدج.
- صوته كان ناصي … بس واضح و مطمئن.
ما رديت …
بس نزلت عيوني.
كمل بهدوء:
- احنا موجودين … و أبوچ مو لوحّده … و لا انتي لوحّدج يابا.
تنفست ببطء …
أول مرة بهالليلة أحس كذا أحد شايفني مو بس شايف شغلي.
ربّت على كتفي:
- نامي شواي … باچر تحتاجين تكونين بحيلج.
هزيت راسي،
و ابتسمت له ابتسامة خفيفة … حقيقية هالمرة.
- إن شاء الله.
قمت بهدوء،
و كملت طريقي.
وقفت لحظة عند باب غرفة أبوية …
كان نايم.
دخلت بهدوء،
وقفت يم سريره،
تابعت نفسه المنتظم …
كأنه متطمّن أكثر مننا كلنا.
مديت إيدي رتبت الغطا على صدره …
و طلعت بدون صوت.
غلقت الباب بهدوء …
و أخذت نفس عميق.
لمن التفتت …
كان قيس واقف بنهاية الممر.
ما أعرف من يمتى.
ولا إذا كان شايفني.
بس واضح …
إنه كان هنا من قبل ما أنتبه.
عيونه مرت عليّ مرور هادئ …
مو طويل …
مو قصير.
- ما نمتي؟
هزيت راسي:
- بعدني.
هز راسه بخفة:
- روحي نامي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة،
مو اقتناع …
بس مجاملة.
- و إنت؟
قال بابتسامة،
- وراي نوم جثير.
بس صوته ما كان يوحي بهالشي.
صار صمت …
مو ثقيل …
بس مو مريح بالكامل.
وقف بمكانه …
و انا بمكاني.
ولا واحد بينا قرر يقرب خطوة.
كسر الصمت بهدوء:
- كلشي جاهز؟
هزيت راسي:
- إي.
سكت لحظة …
و بعدين تمتم ب:
- زين.
بس، ما زاد.
ولا أنا.
مرت ثواني …
بعدين قال:
- إذا تحتاجين شي …
سكت نص ثانية،
كأنه يختار كلمته:
- كَولي.
هزيت راسي:
- ماكو.
و كان هذا الكذب الوحيد اللي الكل متفق عليه تحت سقف هذا البيت.
التفت شوية حتى يمشي …
و قبل لا يروح،
وقف لحظة … بدون ما يلتفت:
- روحي نامي ريّا.
و التفت ينقر بسبابته على راسه،
- و هذا طفّيه.
و مشى.
بقيت واقفة مكاني ثواني …
بس هالمرة …
مو نفس قبل.
كلام عمي بعده بصدري …
"انتي مو وحدج."
و لأول مرة بهالليلة،
حسّيت التعب يوصل فعلاً …
مو بس صداع …
تعب أهدأ.
رجعت لغرفتي … و غصبت نفسي أنام لأنه لازم اكون بقوتي باجر.
صباح العملية ...
الصبح ما إجا فجأة …
كأنه كان موجود من قبل،
بس احنا انتبهنا له.
صحيت قبل المنبه.
راسي …
أثقل من أمس.
بس ما فكرت بالمسكن.
نهضت بسرعة،
غسلت وجهي،
لبست،
و طلعت.
البيت كله كَاعد …
بس بصمت.
رغد بالمطبخ،
تحاول تسوي ريوكَ بسيط،
حركتها أبطأ من العادة.
عمي سلمان جالس …
إيده على سبحته،
بس عيونه بعيدة.
لمن شافني، ابتسم ابتسامة خفيفة:
- صباح الخير يابا.
- صباح النور.
أشر بإيده:
- تعالي فكّي ريجج.
هزيت راسي:
- مالي نفس.
هز راسه بهدوء:
- حتى لو لكَمتين … تسندين حيلج بيهن.
صوته ما بيه أمر …
بس بيه اهتمام.
كَعدت يمه،
و أخذت لكَمة صغيرة … بس حتى أطيعه.
قيس كان واقف يم باب الصالة،
لابس، جاهز …
و كأنه من زمان كَاعد.
نظرت له لحظة …
بس هو كان منشغل بشي بيده،
أو يمكن … متعمد.
ما طولت النظر.
دخلت على أبوية …
كان كَاعد،
جاهز أكثر مننا كلنا.
ابتسم لي:
- تأخرنا؟
هزيت راسي بسرعة:
- لا … بعد وكت.
كَعدت يمه،
عدلت ياخة قميصه بدون سبب.
- كلشي تمام؟
قالها بهدوء.
هزيت راسي:
- تمام.
سكتنا لحظة …
بعدين قال:
- ريّا …
رفعت عيني اله.
طبطب بإيده لجانبه،
- تعالي اكَعدي.
كَعدت، و لزم إيدي …
ببساطة.
- لا تشيلين حمل فوكَ طاقتج. عمج و ابن عمج هين بمقامي، لا تشيلين هم شي ولا تكبرين الأمور.
ابتسمت بتصنّع:
- لا ماكو هيجي شي.
ابتسم هو …
واضح إنه ما اقتنع.
بس ما علّق.
دخل قيس للغرفة بهدوء:
- نتوكل؟
صوته طبيعي …
زيادة عن اللازم.
وقفت بسرعة:
- إي.
الكل تحرك …
جنط، مفاتيح، خطوات منتظمة.
بس الكلام … قليل.
طلعنا من البيت …
و قبل لا أطلع،
سمعت صوت رغد ورايا،
- طمنيني.
هزيت راسي و اني اعدل شعرها و اوصيها،
- عينج على رهف و ديري بالج على نفسج، اني اطمنج اول بأول، اذا تحتاجين شي كَوليلي.
هزت راسها
و التفتت لهم طالعين.
طلعت من الباب …
و يوم جديد بدأ.
بس مو مثل أي يوم.
هذا اليوم …
أنا مو وحدي بيه.
ممر المستشفى كان بارد زيادة عن اللازم، بروده خلت رجفة بعظامي.
أو يمكن اني الي أحس بكلشي أكثر من اللازم.
ريحة المعقمات …
الهدوء …
و صوت الأجهزة البعيد …
كلها تخلي المكان غريب، مو مثل أي مستشفى دخلته قبل.
أبوية كان على السرير، جاهز …
لابس ثوب العمليات، و ملامحه هادئة بشكل غريب.
وقفت يمه، لازمة إيده.
- جاهزة دكتورة؟
ابتسم … كأنه دا يواسيني مو العكس.
هزيت راسي:
- إي.
كذبت.
دخلوا الممرضين …
بدأوا يحركون السرير.
إيدي انزلقت من إيده بدون إرادة.
مشوا بيه …
و أخذوا وياه قطعة مني.
استسلمت لإيد عمي سلمان الي حاوطت جتفي، تقربت تحت ذراعه و بيمينه داعب خصلات شعري يكَول،
- يرد اقوى حبيبتي.
ما لحكَت أستوعب …
لأنهم رجعوا فوراً …
قيس بالغرفة الثانية.
نفس المشهد تكرر …
نفس السرير المتحرك …
بس إحساسي مو نفسه.
ما قربت هواي …
وقفت بمكاني.
عمي يقرأ عليه آيات من القرآن و يمسد على راسه و يتمتم له بكلام ما أسمعه، بس عيوني تتنقل بينهم،
هو لمحني …
رفع عينه لحظة.
- نعدّيها بحيل الله.
قالها بهدوء …
كأنه يطمّنّي و يطمّن روحه.
هزيت راسي …
و هذه المرة ما كذبت …
بس ما حچيت الحقيقة كاملة.
تحركوا بيه …
و الممر رجع فارغ.
أثناء العملية،
الوقت …
اختفى.
ما أعرف شكَد مرّ.
كَعدت يم عمي سلمان …
و زياد يمنا.
مرات نحچي …
مرات نسكت …
و أغلب الوقت ننتظر.
كل ما ينفتح باب …
قلبي يوقف لحظة.
مو كل باب ينفتح إلنا …
بس كل مرة أحس يمكن هالمرة.
عدّيت الساعات بدون ما أحس:
ساعة …
ساعتين …
أربعة …
لحد ما طلع الطبيب.
وقفنا كلنا بنفس اللحظة.
- المتبرع حالته مستقرة … العملية انتهت بنجاح ... راح يتم نقلة للعناية المركزة.
ما استوعبت الكلمة أول شي.
قيس خلص.
تنفست …
بس مو راحة كاملة.
لأن الدكتور كمل:
- باقي العملية الثانية … تحتاج وقت أطول.
رجعنا كَعدنا.
و الانتظار …
رجع أثقل من قبل.
الساعات بعدها كانت أبطأ …
رأسي يوجعني …
بس ما فكرت بالمسكن.
يمكن لأن الوجع الحقيقي مو هنا.
عمي سلمان كان ساكت …
بس كل شوي يسبّح بإيده. و يلتفت لي، و عينه ما فارقت الباب.
زياد كَام أكثر من مرة …
يرجع … يكَعد … يكَوم.
جاب أكل سريع .. قنع عمي ياكل علمود أدويته ...
و اني … ما تجاوبت ..
كنت ثابتة بمكاني.
لو تحركت …
يمكن ينهد حيلي كله ...
ما أعرف شكَد مرّ وقت …
بس لما طلع الطبيب مرة ثانية …
عرفت اجت اللحظة الحاسمة.
وكَفنا.
- العملية تمت … الحمد لله.
هالكلمة …
نزلت عليّة ببطء.
مو مثل الأفلام …
ما بجيت فوراً.
بس حسّيت إنه شي ثقيل …
انشال من صدري.
- الحالة حرجة بالبداية … بس مستقرة.
هزيت راسي …
و يمكن أول مرة صدگ فهمت معنى “مستقرة”.
بعدها …
سمحوا نشوف قيس.
دخلت الغرفة قبل العناية، و بس عمي دخل له …
الأجهزة …
الصوت المنتظم …
و هو …
مستلقي بهدوء.
وجهه شاحب …
بس ملامحه هادئة.
وقفت بعيد …
ما تقربت أكثر من الشباك.
بس عيوني عليه.
بعد دقائق …
حرك إيده شوية.
ثم فتح عينه ببطء …
نظراته كانت ثقيلة …
ضايعة للحظة …
بعدين ثبتت …
على عمّي ...
عمي يحاجيه و مدنكَ يمسد على راسه، دار وجهه علية و رجع يحاجيه، الصوت ما يوصلني لأنه بينّا باب.
ما حچى هواية …
دنكَ عليه باس راسه و هو يمسد عليه ...
أول مرة من أيام …
ابتسمت بصدق.
واحد صحى، و بانتظار استفاقة أبوية.
ما سمحوا نظل أكثر …
طلعنا.
و رجعنا ننتظر …
بس هالمرة …
الانتظار مو نفس قبل.
لأن أكو أمل …
مو بس خوف ...
بعد ثلاث ساعات من الانتظار أمام العناية المركزة و إلحاحي، الممرضة حنّ قلبها عليّة، و سمحت لي أدخل اشوفه ...
دخلت الغرفة بخطوات ثقيلة، كل خطوة تثقل قلبي أكثر من السابقة. الضوء الباهت للأجهزة يلقي ظلاله على وجه أبوية، مستلقي بين الغيبوبة و الوعي، جسمه هادئ لكنه ضعيف، و كل جهاز يصدر صوت خافت يذكرني بثقل اللحظة.
تقربت منه، إيدي ترجف، مديتها نحو إيده بخفة. شعرت بالبرودة المعدنية للأجهزة، لكن حرارة نبضه تحت أصابعي أعادت ليّ شعور الوجود، شعور أنه مازال هنا، رغم عينيه المغلقتين.
حاولت أن أتكلم، لكن صوتي بالكاد طلع، همست له كلمات حنونة، أعرفه يسمعني حتى لو ما واعي،
“بابا … اني يمك … دكتورتك يمك … انطيك روحي بس ارجع لي ... اني محتاجتك والله ... صار لك يوم كامل عايفني ...
كنت لازمة بإيده بين ايديّ، اريد التمس ولو تغير بنبضه يقولي إنه متجاوب وياية، و حسيته.
حركة كأنها نبضة عضلة صارت بباطن كفه، و كأن العضلة انكمشت لا إرادياً تعطيني إشارة إنه جسمه متفاعل وية. النبضة هذه خلت قلبي يخفق أسرع. حاولت أن أبقى ثابتة، أن أظهر القوة، لكن كل ثانية تمر كان يثقل قلبي أكثر، كل كلمة أقولها كانت حمل على أكتافي.
ما قدرت أخفي شعوري الداخلي أكثر. الدموع بدأت تنزل متتالية من عيوني، كنت أحاول أكبحها، أكتم انهيار داخلي طويل الأمد، لكنه بدأ يتسلل إلى السطح. شعرت بالمسؤولية تتراكم، بالرهبة من اللحظة الحقيقية، من مواجهتي للضعف المطلق لأبوية أمامي.
الممرضة كانت واقفة بجانبي، رقيقة و هادئة، لكنها لاحظت كل شيء:
صمتي الطويل ...
نظرتي المعلقة بإيده ...
تنفسي المتسارع ... كل محاولة مني للبقاء متماسكة ... شعرت أن انهياري أصبح وشيك، فمدت إيديها تحاوطني برفق، دون أن تقطع صلتي بأبوية،
همست لي بهدوء،
- هذا كافي عليه، ما يصير نتعبه.
و من بين دموعي همست لها،
- إيده تحركت بإيدي، يعني سمعني و حس بية.
ابتسمت لي و هي تمسح على ظهري،
- هذا رد فعل إيجابي، بس لازم يرتاح عمليته كانت كبرى.
و بدأت بهدوء بإرشادي نحو الباب.
حاولت أن أقاوم، لكن جسمي ما عاد قادر على الصمود. كل خطوة خارج الغرفة كانت ثقيلة، كل جزء مني ينهار، ودموعي تتدفق بلا توقف.
حسيت بالخجل من ضعفي، لكن الصمود الي حاولت التمسك بيه طوال الساعات الماضية صار عبئ أكبر من قدرتي.
و فجأة ...
شفت عمّي سلمان يم الباب، عيونه مليانة حب و قلق ... مجرد شوفته خلت كل شيء يصير أخف.
فاتح إيده كان، و تهاوى جسمي بحضنه ...
كل ضعفي اختلط بالارتياح، دموعي تتدفق بحرية لأول مرة من بداية هذه المعركة. حسيت إنه أكو من يحمل وياية جزء من هذا الحمل الثقيل ... و إنه أقدر ارتاح هسة ...
بعد انهيار ريّا بحضن عمها، ظلّت تمسح دموعها و تهدأ ببطء ...
زياد وقف يم الباب للحظة، راقب الحالة، حس بثقل الساعات الـ16 التي قضتها واقفة و مكافحة نفسها، و كتمها لمشاعرها.
همس للممرضة بهدوء، لكن صوته صار حاد قليلًا من القلق:
- انطيها مهدئ … لازم تنام ... إذا ظلت هيج راح تنهار .
الممرضة فهمت، أومأت، وجهته يفتح لها ملف بالمستشفى و جهزت الأدوية.
بعد لحظات، بدأت ريّا تهدأ تدريجياً، و عيونها تنغلق ببطء، نامت مجبرة على الاسترخاء لأول مرة منذ بدء هذه الساعات الطويلة.
زياد التفت لأبوه،
- يابا اودّيك للبيت ترتاح شوي و توايكَ على البنات ؟!
أومأ أبوه بتعب، لكنه اقتنع، طلع وية زياد حتى يرتاح شوية ...
وصّله للبيت و قبل لا ينزل بقى يوصيه عليهم ... و نزل تركه يرجع للمستشفى ...
زياد ظل بين الغرف الثلاث، يراقب الجميع بعناية ... دخل غرفة ريّا، نايمة بسلام نسبي، هدأ باله عليها بعد الي كان يشوفه طوال ساعات مراقبته إلها. من أول دخوله لبيتهم لاحظها و يوم عن يوم يدرس تصرفاتها و شخصيتها ...
تضغط على نفسها ...
و تدير كل شي بنفسها ...
و هذه نتيجة تحمّل كل شيء و المكابرة على الألم النفسي و الجسدي ...
ما تجرأ يطلع نفس بغرفتها، تركها تنام، و تأكد إنها بأمان على الأقل لساعات رغم إنها نايمة بتأثير الأدوية.
انتقل إلى غرفة أركان من خلف الشباك الزجاجي يتأمله ثم إلى غرفة قيس.
قيس استفاق أكثر، عيونه تتنقل ببطء بين الأجهزة المحيطة بيه. زياد جلس بجانبه، يراقب كل حركة، و كل نفس ...
- شلونهم ؟!
سأل قيس بصوت متقطع، لا يزال مرتبط بالأجهزة.
- عمي بعده ما صحى، وضعو بالعناية مستقر ... و ريّا … نامت و أخيراً على المهدئات ...
فزّ القلق بعيون قيس ...
حاول أن يرفع راسه شوية بس جسمه مرهق جداً ...
- شبيها ؟! عليش المهدئات ؟!
صفن زياد يتأمله بنظراته، و رد بشفافية،
- إلها 16 ساعة على رجليها، هالبنية تكاون روحها و احساسها و واكَفة ولا جن بيها شي إلا اخر شي شافت عمي و انهارت بحضن ابوي ... خليتهم ينطوها مهدئ تا تنام و ترحم روحها ...
مربوط بالأجهزة من كل مكان و رفع عيونه بصمت يتأمل سقف الغرفة الباهتة الإضاءة و سأله و كأنه سرحان بغير عالم،
- خومو تأذت جثير ؟!
سكت زياد لحظة ... حس بشعور غريب. ثم، و لأول مرة، سأل قيس بطريقة خفيفة لكنها جادّة بما يكفي ليقرأ منها ما وراء الكلمات:
- هذا … بس اهتمام ببنت عمي؟ لو شي ثاني؟!
قفزت لحظة توتر في غرفة قيس، عيونه تلتقط السؤال، لكن لم يرد مباشرة. بدلاً من ذلك، ركّز على الأجهزة، على تنفسه، على ضغطه، متباعد عن عيون زياد و صوته منخفض:
- مجرد حرص … مو أكثر ...
زياد لاحظ النبرة، لاحظ المشاعر المخفية خلف الكلمات، شيئاً لم يقال صراحة، لكنه شعور قوي، يختبره بين السطور ...
ابتلع زياد ريقه، ما ضغط، لكنه شعر أن هناك رابطاً عميقاً … رابط ما زال غامض ...
سكتوا للحظة، كل واحد منهم في صمت مليء بالمعاني، و لكن الغموض بقى حاضر ... زياد استمر يراقب قيس، ثم ألقى نظره على أجهزة الغرفة، متأكد إنه كل شيء مستقر ...
لكنه يعرف إنه قيس ما يكشف أوراقه، على الأقل لما ما يكون كل شي مثل ما مخطط له ...
و من بين توتر الجو هذا انفتح باب الغرفة ... و دخلت الممرضة بسرعة ...
ما أعرف شكد نمت …
بس أول شي حسّيته لما فتحت عيوني
كان … فراغ.
شهقت فجأة، و تعدلت بسرعة،
- بابا !!
الممرضة كانت قريبة، لحكَتني بإيدها:
- إهدي … إهدي شوية … هو بخير ...
- وينه؟ شصار؟!
- بالعناية … وضعه مستقر.
الكلمة … ما طمنتني بالكامل.
تنفسي سريع ... قلبي دا يدكَ بقوة.
الممرضة التفتت للباب:
- لو سمحتي … ناديلي استاذ زياد ...
…
زياد كان واقف يم قيس،
يتابع الأجهزة.
انفتح الباب شوية،
- ريّا صحت ...
زياد التفت فوراً ...
بس قبل لا يتحرك،
قيس سبقه يسألها،
- شلونها؟
- خايفة شوية …
غمض عيونه يسحب نفس عميق يهدي توتره،
- روح لها ...
تحرك زياد،
و قبل لا يطلع سمعه:
- زياد …
وقف.
- جيبها لهينا ...
رفع زياد عينه عليه …
نظرة وحدة من قيس
كانت كافية.
هز راسه بهدوء و طلع.
…
دخل عليّة زياد،
وقف بمسافة قريبة … مبتسم و صوته ثابت:
- صح النوم ...
رفعت عيوني بنظرات قلقة،
- شصار ؟
رد لملامح الجدية يقول،
- عمي بالعناية … وضعه مستقر.
ثبتت عيوني عليه ... و كمل،
- و قيس … صحى.
هنا …
شي داخلي ارتاح شوية … بدون ما أفهم ليش.
سكت لحظة،
- تحبين تشوفيه …
نزلت عيوني …
أخذت نفس بطيء.
هزيت راسي.
الممرضة قربت:
- أساعدچ ؟
- إي …
زياد التفت،
- اني انتظرج يم الباب.
طلع سد الباب و بقى برا ينطيني مساحتي ... رتبت نفسي بسرعة، غسلت وجهي، بس عيوني ما تغيرت ... الكانيولا بعدها بإيدي و طلعت ... لما فتحت الممرضة الباب كان زياد ظهره للغرفة …
كان موقف خلاه يكبر بعيني كلش ...
مشى كَدامي،
وكَف يم باب الغرفة،
فتحه شوية و رفع لي نظرته:
- تفضلي ...
و ابتعد خطوة …
بس ما مشى.
وقف يم الباب.
…
دخلت.
أول ما رفعت عيوني …
هو كان ينظر لي.
نظرة ثابتة …
عميقة …
و من برّا …
زياد لمحها.
و بدون كلمة …
رجع خطوة لورا،
و غلق باب الغرفة ...
…
وقفت بمكاني لحظة.
هو كسر الصمت:
- ريّا …
صوته هادئ … متعب.
مشيت له بهدوء …
وقفت قريبة … بس بحدود.
ثبتت عيوني عليه، و لأول مرة … الكلام طلع مني بدون ترتيب:
- شلونك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة:
- زين.
سكت لحظة …
و اني كملت بسرعة، كأنه خايفة أتراجع:
- الحمدلله على سلامتك …
نزلت عيوني شوية عن مرمى نظراته،
- و… شكراً ...
رفع حاجبه بخفة،
- على شنو؟
تنفست ببطء،
- على وكَفتك … ويايا … ويا بابا.
سكت.
نظرته تغيّرت شوية …
أهدأ … أعمق.
بس بدل ما ياخذ الكلام بجدية …
قال بهدوء مسيطر:
- و انتي؟
رفعت عيوني إله،
- شنو؟
- شلونچ؟
سكتت …
و هزيت راسي:
- زينة.
نظراته ثبتت عليّة، بهدوء … بس واضحة:
- لا.
انكتم صدري …
ما رفع صوته …
بس كلمته كانت كافية.
- ريّا … مو هيچ.
سكتت …
ما عندي رد.
نزلت عيوني.
هو أخذ نفس بطيء، و كمل بنفس الهدوء:
- جسمج الو طاقة،
رفعت عيوني إله يكمل،
- مو كلشي يتحمّل.
صوته هادي …
بس بيه سيطرة غريبة …
مو أمر …
بس ما ينرد.
جسمچ مو حديد … و لا أعصابچ.
انكسرت نظرتي شوية …
ما أعرف شلون …
بس كلامه وصل لمكان اني متجاهلته.
- 16 ساعة على رجليچ … بليّا أكل … بليّا راحة …
سكت لحظة،
- ليش؟
ما جاوبت.
بس دمعة نزلت غصب عنّي،
سكت …
و صوته نصى أكثر:
- هيچ تساندينهم و تساندين روحج ؟!
رفعت عيوني بسرعة …
كأنه دا يرجعني لنفسي … مو يأنبني.
إذا انتي تنهارين … منو يبقى إلهم؟
هنا …
الكلمة دخلت.
مو كعتب …
كـ “إعادة ترتيب”.
سكتنا.
بس هالمرة …
نفسي بدأ يهدأ.
الأعصاب … رخت شوية شوية.
هو لاحظ.
و بدون ما يغيّر نبرته:
- نمتي زين ؟!
هزيت راسي:
- إي … زياد جبرني ...
ابتسم ابتسامة خفيفة:
- زين يسوي ...
سكت …
بعدين أضاف:
- كمّلي.
رفعت عيوني إله،
- شنو؟
- نومچ.
ابتسمت بخفة … أول ابتسامة حقيقية:
- مو هسة.
هز راسه بهدوء،
- لا تعاندين.
نفس أسلوبه …
هادئ …
بس حازم.
سكتت.
و ما حسيت نفسي لازم أقاوم.
وقفت لحظة،
- تحتاج شي؟
هز راسه،
- إي ..
- شنو ؟!
- احتاج من اسأل عليج يكَولون ردّت نامت.
سكتت …
بعدين صاح لي:
- ريّا …
نظرت له.
- ديري بالج على نفسچ.
نفس الجملة …
بس هالمرة …
مو بس نصيحة.
وعد غير منطوق.
هزيت راسي،
- و انت هم.
عيونه بقت عليّة …
و اني ...
ما هربت منها.
…
طلعت.
زياد كان واقف يم الباب …
نظرة وحدة عليّة
حسيته فهم كلشي.
ما سأل.
بس فتح الطريق كَدامي …
و مشى ورايا بهدوء. من الشباك ألقيت نظرة على أبوية و بعده على الوضع الي تركته بيه، سألت الممرضة و أكدت لي انه وضعه مستقر بس جسمه دا يرتاح بعد عملية طولت أكثر من 12 ساعة ...
حسيت نفسي دايخة و ساعدتني أرجع لغرفتي، لحق بينا زياد يسأل الممرضة عني و هي ساعدتني أصعد على السرير و أكدت له إنه هذا تأثير الدوا المهدئ على جسمي لأنه أول مرة يدخله.
غطتني هي و اني مو بكامل وعيي،
- لازم ترجع تنام، بعدها بتأثير المهدئ بس رغم قوته عقلها الباطن خلاها تصحى ...
صحيت…
بس هالمرة مو مفزوعة.
الهدوء كان أول شي حسّيته …
مو ذاك الفراغ البارد …
هدوء أثقل … أعمق.
كأن جسمي أخذ كفايته من التعب …
بس عقلي؟
بعده ما وقف.
فتحت عيوني ببطء …
نفس الغرفة … نفس الضوء …
بس إحساسي مو نفسه.
عيوني تنظر بهدوء. السقف …
نفس المكان.
نفس الغرفة.
نفس الهدوء.
ثواني … و بعدين كلشي رجع.
المستشفى ...
العملية ...
بابا …
عدلت نفسي بسرعة، بس هالمرة بدون هلع. بس قلبي … رجع يدك أسرع.
و فجأة …
رجع.
مو المشهد …
كأني شفته بمنامي طيف ...
الكلام.
“مو هيچ…”
غمضت عيوني لحظة …
كأن صوته بعده قريب.
“جسمچ الو طاقة … مو كلشي يتحمّل”
تنفست ببطء …
و بدون ما أحس، إيدي انرفعت لجبيني …
مو لأن الصداع موجود …
لأن ذاكرتي رجعت لهناك.
“إذا انتي تنهارين … منو يبقى إلهم؟”
فتحت عيوني بسرعة …
هالمرة …
الكلمة ما مرت مرور.
وقفت.
بقيت وياي.
سكتت…
و نزلت عيوني للسقف.
من يمتى …
آخر مرة أحد حچالي هيچ؟
مو بس يهتم …
لا …
يفرض عليّة أوقف.
عدلت جلستي شوية …
ببطء … لأن جسمي بعده ثقيل.
درت وجهي للجهة الثانية …
الكانيولا بعدها بإيدي …
و أثر الإبرة خفيف على جلدي.
تفاصيل بسيطة …
بس لأول مرة من فترة …
انتبهت لها.
“احتاج من اسأل عليج يكَولون ردّت نامت.”
ابتسمت … غصب عني.
ابتسامة خفيفة …
مو واضحة حتى إلي.
ليش هالجملة بالذات؟
مو لأنه طلب …
لأنه …
كان واثق إني راح أسويها.
و يمكن …
لأني لأول مرة …
ما حسيت نفسي لازم أقاوم.
سكتت …
و سرحت شوية.
مو بيه …
بـ “أسلوبه”.
شلون يگدر يحچي بهدوء …
بس يخلي كلامه يأثر بهالشكل؟
مو ضغط …
بس ما ينرد.
مو أمر …
بس كأنه قرار جاهز.
تنهدت ببطء …
و نزلت عيوني.
يمكن …
مو كل مرة أكون اني
اللي تشيل كلشي.
الفكرة غريبة …
بس مو مزعجة.
على العكس …
مريحة شوية.
حركت رجليّا، نزلتهم من السرير…
وقفت بهدوء.
هالمرة …
ما استعجلت.
مشيت خطوتين …
وقفت.
نظرت لباب الغرفة …
و بدون ما أفكر،
إجت الفكرة.
هو صاحي …
و اني …
صحيت.
رجعت افكر ...
نفس الإحساس.
راحة.
خفيفة … بس واضحة.
و بنفس اللحظة …
شي داخلي لفتني.
فكرة هادئة .. بس عميقة:
- هو مو إلي ... متزوج ... خط أحمر ...
سكتت بداخلي.
مو صدمة …
ولا وجع مباشر …
بس تذكير.
خلاني أوقف ويا نفسي لحظة …
أعيد ترتيب كلشي بدون ما أحد يشوف.
نزلت عيوني.
يمكن كل الي حسّيته طبيعي …
ردة فعل … مو أكثر.
بس لازم اصير أعرف حدودي.
لا أخلط التعب …
ويا الأمان.
ولا أخلط الحاجة …
ويا الشعور.
تنفست بعمق … أطول من قبل.
رفعت راسي شوية، سألت بهدوء:
- أگدر اشوف بابا؟
الممرضة هزّت راسها:
- مو هسة … خلي جسمچ يرتاح شوية، بعدين.
هزّيت راسي، ما جادلت.
هالمرة …
ما عندي طاقة أركض.
ولا أقاوم.
مدّدت رجليّة بهدوء، رجعت أغمض عيوني شوية … مو نوم.
بس محاولة أرتّب نفسي من جديد.
بابا … يحتاجني ثابتة ...
أخواتي يحتاجوني ...
غمضت عيوني بلحظة إدراك ...
ما أعرف شكَد مر وقت و ما سألت عليهم ... حتى لو عمو موجود ... هم يشوفوني أمهم ...
و اني …
لازم أبقى ثابتة.
مو بس كَدامهم …
حتى كَدام نفسي ...
غمضت عيوني لحظة أطول …
بس هالمرة مو هروب.
كأنّي دا أرتّب نفسي من جديد.
فتحتها …
و بدون تردد دورت على الموبايل ما لقيته،
ضغطت على الجرس الي بجنبي، اجت الممرضة و طلبت منها موبايلي.
قالتلي انه وية زياد، و راحت تصيح له.
زياد أكيد يعرف هنا ما نقدر نترك هيجي ممتلكات بدون رقابة.
إجى دخل من الباب يقول،
- شلون صرتي ؟!
ابتسمت له،
- الحمد لله بخير ... شلونكم انتو ؟!
هز راسه بإيماءة،
- الحمد لله قيس بخير، و عمي بعده، بس كل شي مستقر.
- عمو ما ارتاح ؟! خطية تعب هواية.
حط إيديه بجيوبه يقول،
- وديته للبيت و لسّا ما جبته.
غمضت عيوني من الأفكار الي تراودني كلها سوا و قلتله،
- نسيت احجي وية البنات.
مد لي موبايلي يقول،
- اني حجيت وي رغد، حاجيهن انتي.
أخذت الموبايل من ايده و نبهني،
- ما تعَرف بيج وكَعتي، الموبايل خليته وياي لانو ما عرفت شكثر اكَدر أمن بيهم.
رفعت له عيوني بنظرة امتنان،
- ماعرف شلون اشكرك زياد.
و ابتسم هو يقول،
- اجيت تاسوي هذا يولي هذا يولي، تخيلي جيت كل هالوكت و الدرب و ماسوي شي.
ضحكت من عز تعبي و تأمات الفراغ أقولّه،
- الله يسامح ابوية الي ما خلاني اعرفكم من قبل.
و هو ناظر نفس الفراغ يقول،
- يمكن على وكته سوا الصح، محد يكَطع باهلو كل هاي السنين بليّا سبب.
و أردف يقول،
- ريّا انتي ما تعَرفين جدي الله يرحمو، جانت امة لا اله الا الله كلها صايحة الغوث منو. جنا احنا شوي زغار بس ابوي و قيس الله نطاهم حكمة و سياسة و اعرفوا يطلعون منه حكَ و باطل. يمكن لو جنت اني بشبابي على وكتو جان سويت مثل عمي و ازود.
سكتت لحظة بعد كلامه …
مو لأن ما عندي رد،
بس لأن أول مرة أحس أكو جانب كامل من القصة ما أعرفه.
درت وجهي إله شوية:
- شصار بالضبط؟
تنفّس بهدوء …
مو واضح إذا يحب يحچي أو لا …
بس قرر يكمل.
مشاكل كبار … مو بس بين شخصين … بين عائلتين … بسبب جدي ... و بيها كرامات و ناس تدخلت و ناس كبرت المواضيع.
سكت لحظة …
و أردف،
- جدي خطب وحدة لابوج، بليّا علمه، من جيه يحطه بالأمر الواقع لكَاه حاجز تذاكر و يريد يسافر و كبرت ...
و نزل عيونه للأرض:
- بس بالنهاية … هو غلط و الخاسر الأكبر أقرب الناس اله، إبنه ...
فهمت اللغز هسة ...
نزلت عيوني للموبايل بإيدي …
أفكر …
- بابا … ما عمره حچالي.
رفع عينه عليّ:
- لأنو ما يريدج تشوفين شي يكسر صورة عن اهله هي مكسورة أصلاً.
سكت …
و كمل بهدوء:
- هو اختار البعد و تحمّل غلطة ابوه لوحّده.
هنا …
حسّيت بشي كتم علر صدري.
همست بدون ما أحس:
- شكَد ظالم ؟!
هز راسه يأكد،
- اي والله، بعد ما تجوز لو غير الرحمة.
سكتت و سألته بعدها،
- كل الآباء عندكم هيج ؟!
ابتسم يقول،
- لاا جدج سبيشل اديشين (special editiin )،
و أردف،
- ابوي و ابوج ولده و جنهم مو خلفته أصلاً ... مو كل اصابعج سوا.
صفنت ما اعرف ليش تطمنت لكلامه ...
و يمكن … هذا الي أحتاجه ...
نزلت عيوني …
و فتحت الموبايل أخيرًا.
خل أتصل برغد.
هز راسه:
- إي … خلي يتطمنون.
سكت لحظة …
و قبل لا أطلب الرقم، سألته:
- زياد …
- همم؟
- خوما زعجتكم ؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة … بيها شي من التعب،
- تنكَنكَ و تتأفأف … بس خايفة عليج أكثر من روحها.
تنفست ببطء …
و ضغطت على اسمها.
دقّ … مرة … مرتين …
رفعت.
- ألو؟
صوتها أول ما وصلني …
شي داخلي ارتاح.
- رغودة …
سكتت لحظة …
و بعدها صوتها ارتفع:
- ريّا؟! وينچ؟! شلونچ؟!
ابتسمت … رغم التعب:
- زينة … لا تعيطين.
- زينة؟! انتي اختفيتي يوم كامل !! وين جنتي ؟!
غمضت عيوني لحظة:
- آسفة والله بس انشغلت ... و موبايلي طفى و نسيت اشحنه.
- شلون بابا؟!
تنفست بعمق:
- بالعناية بعده … بس مستقر.
سكتت …
واضح إنها تحاول تستوعب.
- و انتي؟
نظرت لزياد لحظة …
بعدين رجعت صوتي إلها:
- هسة أحسن.
سكتت …
و لأول مرة، صوتها هدى:
- خفت عليچ.
سكتت ثواني و كملت،
- و على بابا.
ابتسمت بخفة:
- أدري.
سكتنا ثواني …
بس هالمرة صمتنا مو ثقيل.
قلتلها بهدوء:
- ديري بالج على رهف.
- دا أدير بالي … بس تعالي بسرعة.
غمضت عيوني …
و همست:
- راح أرجع … بس خلي يهدأ الوضع.
- لا تتأخرين.
سكتت لحظة و قلت،
- رغد.
- هممم ...
- عمو سلمان شلونه ؟!
ردت بهدوء،
- جان نايم قبل شوية كَعد.
و وصيتها،
- عمو تعب حيل بالمستشفى، و عنده أدوية الضغط ماله. سويله ريوكَ و انطيه الدوا.
- اي اي، لحظة اكو صوت بالمطبخ خل اروح.
- تمام ...
و غلقت الخط ...
نزلت الموبايل ببطء …
و بقيت ساكتة.
زياد كان بعدها واقف …
ما استعجل يعلق.
بس قال بهدوء:
- ارتاحيتي شوي ؟!
هزيت راسي:
- إي …
رغم كل شي يصير هالفترة، أحس نفسي محاوطة بالحب و الاهتمام من كل جانب.
و يمكن لأول مرة
خليت نفسي تصدّق هالإحساس.
بس …
ما كنت أدري
إنه مو كل شعور دافي
يعني أمان.
و لا كل قرب
نهايته طمأنينة.
