رواية حب غير حياتي الفصل السادس6والسابع7بقلم نور محمد

رواية حب غير حياتي بقلم نور محمد
رواية حب غير حياتي الفصل السادس6والسابع7 بقلم نور محمد

صوت الرصاصتين اللي انضربوا في الهوا شقوا سكون الفجر، وخلوا الطيور اللي نايمة في شجر السرايا تطير برعب. 

زعيم العصابة كان واقف ساند على عربيته، ماسك سلا*حه بتبجح، ومبتسم ابتسامة صفرا وهو فاكر إنه بكام عربية وشوية أجانب هيقدر يقتحم سرايا الكيلاني.

الحاج كامل خطى خطوتين لقدام، وبكل ثبات وبرود صعيدي أصيل، خبط عكازه في الأرض وقال بصوت جهوري مرعب:"تنزل سلاحك يا حشرة أنت وهو، وتقروا الفاتحة على أرو*احكم.. لأنكم وقفتم على أرض مش أرضكم، ونويتم الشر للي في حمانا!"

زعيم العصابة ضحك باستهزاء ورد بلكنة مكسرة: "أنت فاكر نفسك فين يا عجوز؟ إحنا مش بنهزر، لو مسلمتوش عصام دلوقتي، هنمسح القصر ده باللي فيه. دي فلوس مافيا، مش لعب عيال!"

في اللحظة دي، الحاج كامل رفع إيده اليمين في الهوا بحركة بسيطة جداً.

وفي ثانية واحدة.. كشافات السرايا كلها نورت زي شمس الظهر. صوت سحب أجزاء السلا*ح رن في المكان كله من كل اتجاه.

زعيم العصابة رفع عينه للأسطح، لقى أكتر من خمسين قنا*ص من رجالة الكيلاني، كل واحد فيهم مصوب سلا*حه على راس واحد من العصابة. ومن ورا الشجر، ومن يمين وشمال البوابة، خرج رجالة زي الجبال، محاوطين العربيات التلاتة بالكامل.

الابتسامة اختفت من على وش الزعيم، ووشه جاب ألوان. الكفة اتقلبت في ثانية، وعرف إنه دخل عرين الأسد برجله.

الحاج كامل بابتسامة نصر:"الظاهر إنك متعرفش الصعيد يا خواجة. أنت هنا في مقبر*تك. ارموا سلا*حكم أحسن ما أخلي رجالتي تخليكم مصفى!"

الرجالة اللي مع الزعيم بدأوا يترددوا، وبدأوا ينزلوا أسلحتهم واحد ورا التاني لما لقوا المو*ت محاوطهم من كل حتة. بس الزعيم، في لحظة غدر ويأس، لمح عصام واقف جنب جده، فرفع مسد*سه بسرعة البرق ووجهه ناحية عصام!

عصام لمح الحركة دي، بس عينه جات على جده اللي كان في مرمى الرصاصة العشوائية. وبدون تفكير، وبغريزة حماية اتولدت جواه في اللحظة دي، عصام رمى نفسه على الحاج كامل عشان يفديه ويزقه بعيد.

صوت رصاصة طلعت من مسد*س الزعيم قبل ما رجالة الكيلاني ينقضوا عليه زي الصقور، يضربوه ويوقعوه على الأرض ويكتفوه هو ورجالته كلهم في أقل من دقيقة.

الصوت كان مرعب، بس المرعب أكتر كان صرخة "شغف" اللي طلعت من قلبها وهي واقفة ورا شباك أوضتها، صرخة مكتومة حطت إيدها على بقها عشان تكتمها، ودموعها نزلت شلال لما شافت عصام بيقع على الأرض ماسك كتفه والدم بيبدأ يبقع قميصه الأبيض.

 "عصااام!" الحاج كامل نزل على ركبه جنب حفيده، صوته كان بيترعش لأول مرة.

عصام كان بيتنفس بسرعة، ماسك كتفه، بس رفع وشه لجده وابتسم ابتسامة باهتة وقال:"أنا كويس يا جدي.. مجرد خدش. المهم إنك بخير."

الحاج كامل عينه دمعت، مسك إيد عصام وباسها قدام كل الرجالة وقال:"فديتني بروحك يا ولد عامر؟ د*مك اللي سال ده غسل كل ذنب لأبوك في حقي. شيلوه دخلوه السرايا بسرعة، واطلبوا الحكيم فوراً! والكلاب دول يتسلموا لمديرية الأمن، أنا مكلم اللواء صاحبنا وهو مستنيهم بتهمة الشروع في قتل واقتحام أملاك."

داخل السرايا.. بعد مرور ساعه
الدكتور خلص تضميد جرح عصام. الرصاصة كانت سطحية في الكتف، مجرد جرح طولي احتاج كام غرزة، بس النز*يف كان مخليه دايخ شوية.

 الحاج كامل اطمن عليه، وراح يتابع تسليم العصابة للشرطة ويقفل الصفحة السودا دي للأبد.

عصام كان قاعد على السرير في جناحه، ساند ضهره، وعينه متعلقة بالباب. كان مستنيها. كان متأكد إنها هتيجي.

الباب خبط بخفة، ودخلت "شغف".
كانت لابسة خمارها، بس عينيها كانت حمرا جداً من العياط، ووشها مخطوف فيه لون الخوف.

وقفت على مسافة بعيدة، ماسكة صينية صغيرة عليها كوباية عصير فريش، وإيديها بتترعش خفيف.

عصام بمجرد ما شافها، حس إن الوجع كله اختفى. اتعدل في قعدته بصعوبة وابتسم: "كنت عارف إنك هتيجي."

شغف حطت الصينية على الترابيزة من غير ما تبصله، وقالت بصوت متهدج، بتحاول تسيطر على دموعها: "ألف سلامة عليك يا ابن عمي.. ربنا نجاك بلطفه. الجرح واجعك؟"

عصام فضل باصصلها، مش قادر ينزل عينه من عليها. الضعف اللي هو فيه خلاه أجرأ في التعبير عن مشاعره:"الوجع الحقيقي مكنش في الرصا*صة يا شغف. الوجع الحقيقي كان لما تخيلت إني ممكن أمشي وأسيب السرايا.. وأسيبك. أنا رميت نفسي قدام جدي وأنا عارف إني ممكن أمو*ت، بس في اللحظة دي حسيت بسلام غريب. حسيت إن لو دي نهايتي، فهي أحسن نهاية لراجل عاش عمره كله ميت."

شغف مقدرتش تمسك نفسها أكتر من كده، دمعة هربت من عينيها ونزلت على خدها، وقالت بعتاب رقيق هز أوتار قلبه:"ليه عملت كده؟ ليه كنت عاوز تمشي؟ أنت مفكرتش فينا؟ مفكرتش إن روحك دي غالية علينا كلنا؟"

عصام اتنهد وقال بصدق: "عشان غاليين عليا كنت عاوز أمشي. أنتي متعرفيش أنا كنت مر*عوب إزاي لما تخيلت إن حد منهم ممكن يلمس شعرة منك أو يخو*فك. أنا حياتي كلها متسواش ضحكة رضا من جدي، ولا تسوى نظرة أمان من عينيكي."

شغف وشها احمر جداً من صراحة كلماته. دي أول مرة يصرح بمشاعره بالشكل المباشر ده. قلبها كان بيرفرف زي الطير، بس حياؤها ودينها كانوا دايماً بوصلتها. غضت بصرها وأخدت خطوة لورا وقالت بصوت واطي:"أنت عملت عمل بطولي يا عصام.. وربنا جبر بخاطرك ونصرك لأن نيتك كانت سليمة وطاهرة. اشرب العصير عشان ترتاح، أنا لازم أنزل."

كانت لسه هتلف عشان تخرج، بس عصام نادى عليها بصوت فيه رجاء:"شغف.. استني."
وقفت مكانها.

عصام كمل كلامه وعينه بتلمع بالأمل: "أنا قررت أستقر هنا نهائي. مفيش رجوع لأمريكا، ومفيش ماضي أسود تاني. أنا هبدأ أتعلم كل حاجة عن الأراضي، والأهم.. أنا هبدأ أتعلم عن ديني صح. مش مجرد وضوء وصلاة، أنا عاوز أفهم القرآن اللي بتقرأيه، عاوز أعرف ربنا زي ما أنتي عارفاه. تفتكري أنا ممكن في يوم من الأيام أكون راجل يستاهل.. يستاهل يطلب إيد واحدة زيك؟"

السؤال نزل على شغف زي السحر. دموع الفرحة اتجمعت في عينيها. ده اللي كانت بتدعي بيه في قيام الليل؛ إن ربنا يهديه ويثبته ويكون من نصيبها في الحلال.

مبصتلوش، بس ابتسمت ابتسامة منورة ظهرت من تحت الخمار، وقالت بصوت رقيق جداً بس واثق: "الراجل اللي يفدي أهله بروحه، ويختار طريق ربنا وهو في عز شبابه وقوته.. يستاهل يتشال على الراس يا عصام. ربنا يكمل شفاك على خير، ويثبت خطاك."

وسابته وخرجت بسرعة قبل ما قلبها يفضحها أكتر من كده.

في صباح اليوم التالي.. 
عصام نزل من جناحه ودرعه متعلق في حمالة طبية. السرايا كلها كانت بتبصله بنظرة فخر واحترام. الخدم، الفلاحين اللي سمعوا باللي حصل، وحتى الحراس، الكل كان بيتعامل معاه على إنه "بطل السرايا" الجديد.

راح على مكتب جده. الحاج كامل كان قاعد بيقرأ في المصحف، ولما شافه صدق وقفل المصحف وابتسم:"بطل الكيلاني.. إيه اللي نزلك من فرشتك يا ولدي؟ الدكتور قال ترتاح."

عصام قعد قدامه، ملامحه كانت جدية جداً وفيها حسم: "أنا مرتاح يا جدي، بس في موضوع مهم مقدرتش أستنى عليه أكتر من كده."

الحاج كامل عقد حواجبه باهتمام: "خير يا عصام؟"

عصام أخد نفس عميق، ورفع عينه في عين جده وقال بكل ثقة:"يا جدي، أنا عرفت طريقي، وعرفت مكاني. أنا طالب القرب منك.. أنا بطلب إيد بنت عمي شغف على سنة الله ورسوله."

الحاج كامل سكت لثواني، عينه كانت بتفحص عصام. هو كان متوقع ده، وكان بيتمناه من جواه، بس شغف دي غالية، غالية أوي، ومينفعش تطلع بسهولة.

الحاج كامل رجع ضهره لورا، وحط إيده على عكازه وقال بصوت هادي ووقور:"شغف مش أي بنت يا عصام. شغف دي جوهرة السرايا، نور البيت ده. اللي ياخدها لازم يكون حافظ لكتاب ربنا، وصاين لفرضه، وقادر يكون لها سند في الدين قبل الدنيا."

عصام رد بسرعة ولهفة: "وأنا مستعد يا جدي! أنا هتعلم وهحفظ وهكون الراجل اللي يستاهل ثقتها وثقتك."

الحاج كامل ابتسم بخبث صعيدي محبب وقال: "وأنا موافق مبدئياً.. بس الجوازة دي مش هتتم بالسهولة دي. عندي شرطين؛ الأول إني أسألها وأسمع موافقتها بنفسي. والتاني.. مهر شغف مش فلوس ولا أراضي."

عصام باستغراب: "أومال إيه يا جدي؟ أطلب أي حاجة."

الحاج كامل بصله بحدة وقال: "مهر شغف، إنك تقعد في المسجد مع إمام الجامع تلات شهور، متفوتش فرض في جماعة، وتحفظ جزء عمّ كامل وتسمعهولي أنا وشغف في نفس المكتب ده. لو عملت كده.. يومها بس هقولك مبروك يا عريس. ها.. قولت إيه؟"

عصام ابتسم ابتسامة واسعة، ووشه نور بالفرحة، وقال بثقة وثبات:"موافق يا جدي.. وربنا يقدرني وأكون قد التحدي."

كان عصام بيعتبر التحدي ده أجمل حاجةحصلتله

#الحلقه_السابعه
مرور شهرين.. 
الأيام كانت بتجري في سرايا الكيلاني، بس بالنسبة لعصام، كل يوم كان بيمر كأنه عمر جديد بيتكتبله. التحدي اللي جده حطهوله مكنش مجرد حفظ كام سورة من القرآن، ده كان إعادة صياغة لروحه من أول وجديد.

كل يوم قبل الفجر بساعة، عصام كان بيصحى. مابقاش محتاج منبه، قلبه هو اللي كان بيصحيه.

ينزل يتوضى في هدوء، ويمشي للمسجد الصغير اللي في العزبة. هناك، كان بيقعد مع الشيخ "محمود"، إمام المسجد، راجل بشوش ووشه سمح.

عصام كان بيعاني في البداية. لسانه اللي اتعود على الإنجليزي سنين طويلة كان تقيل جداً في نطق مخارج الحروف العربية، وخصوصاً أحكام التجويد. 

كان بيتلعثم، وبيعيد الآية عشر مرات عشان ينطقها صح، وساعات كان بيحس بالإحباط، بس كل ما يفتكر نظرة الفخر في عين جده، وكل ما يفتكر ملامح "شغف" الهادية ونورها اللي خطف قلبه، كان بيعافر من تاني.

في يوم، كان قاعد في مكتبة السرايا بيراجع سورة "النبأ"، وكان بيتلخبط في النطق ومش عارف يظبط الغُنة. فجأة، لقى على طرف الترابيزة كشكول صغير متغلف بقطيفة لونها كشمير.. نفس لون خمارها المفضل.

فتح الكشكول بفضول، لقى مكتوب بخط رقعة جميل جداً ومنسق:"إلى من يبحث عن النور.. قراءة القرآن مش مجرد نطق، دي إحساس. متستعجلش على نفسك، (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). دي شوية ملاحظات بسيطة ومبسطة لأحكام التجويد، يمكن تساعدك في طريقك."

عصام ابتسم ابتسامة واسعة نورت وشه. مسك الكشكول وقربه من صدره كأنه حتة منها.

 قعد يقرأ الملاحظات اللي كانت مكتوبة بطريقة سلسة جداً، كأنها بتكلمه، وبدأ يطبقها، وحس إن لسانه اتفك كأن سحر وتلاشى. 

كانت بتراقبه من بعيد، بتسنده في رحلته من غير ما تكسر حواجز الحياء اللي بينهم، وده كان بيزود غلاوتها في قلبه أضعاف.

في الأراضي الزراعية.. "
في الوقت اللي عصام كان بيبني فيه نفسه، كان في حد تاني بيبني له فخ. "رضوان"، وكيل الأعمال الجشع اللي عصام وقفه عند حده ومنعه من ظلم الفلاحين، كان قلبه مليان غل وحقد.

 عصام سحب البساط من تحت رجله، وبدأ يراجع الدفاتر ويكتشف السرقات القديمة اللي رضوان كان بيعملها من ورا الحاج كامل.

رضوان كان قاعد في بيته بليل، بيشرب الشيشة وعينه بتطق شرار. مكنش هيسيب الشاب اللي جي من أمريكا ده يهد مملكته.

بدأ يدور ورا عصام، شغل ناس تبحث في ماضيه على الإنترنت، لحد ما وقع على كنز.. أو بالأصح، شيطانة من ماضي عصام.

"سالي".. بنت مصرية أمريكية، كانت صاحبة عصام في فترة طيشه في أمريكا. بنت مادية، متحررة بزيادة، ومرتبطة بعصام عشان فلوس والده. لما عصام ساب أمريكا فجأة وحصلت أزمة ابوه، سالي سابته فورا بدون تردد. 

رضوان قدر يوصلها، وحكالها إن عصام بقى كبير عيلة غنية جداً في الصعيد، وداخل على جوازة هتخليه يملك كل حاجة. الطمع عمى سالي، واتفقت مع رضوان إنها تنزل مصر وتدمر له الليلة دي، مقابل مبلغ محترم من رضوان، غير اللي هتبتز بيه عصام.

عدت التلات شهور. السرايا كلها كانت حاسة بإن في حدث مهم النهارده. عصام نزل من جناحه، لابس جلباب أبيض صعيدي فخم جداً، ومسرح شعره وراسم دقنه الخفيفة اللي زادته وسامة ووقار. ملامح وشه اختلفت تماماً، النور والسكينة بقوا ماليين وشه، البرود اللي كان في عينه اتبدل بدفا وتواضع.

دخل المكتب، لقى الحاج كامل قاعد على كرسيه، وعلى يمينه قاعدة "شغف"، لابسة فستان أبيض رقيق جداً وعليه خمار بدرجة الأوف وايت، باصة للأرض كالعادة، بس قلبها كان بيدق بسرعة لدرجة إنها حاسة إن صوته مسموع. وجنبهم كان قاعد الشيخ محمود.

الحاج كامل بابتسامة فخر: "جاهز يا ولدي؟"

عصام حط إيده على صدره بثقة وابتسم: "بأمر الله يا جدي.. توكلنا على الله."

بدأ الشيخ محمود يسأله في أجزاء عشوائية من "جزء عمّ". عصام أخد نفس عميق، وبدأ يقرأ.

صوته مكانش مجرد تلاوة عادية، صوته كان طالع من قلبه، مليان شجن وخشوع. كان بيقرأ بأحكام تجويد سليمة، كأنه متربي في الأزهر مش في أمريكا.

لما وصل لسورة "الضحى" وقرأ قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، صوته اتهز، ودمعة لمعت في عينه، لأنه حس إن الآية دي نزلت بتوصفه هو.. هو اللي كان ضال وتايه في دنيا الغفلة، وربنا هداه ورده إليه رداً جميلاً.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد

شغف مقدرتش تمسك دموعها، دمعة نزلت من عينيها استخبت في خمارها. قلبها كان طاير من الفرحة، الراجل اللي اختارته بقلبها، أثبت إنه يستاهل يكون نصها التاني في الدنيا والآخرة.

الشيخ محمود صدّق وابتسم: "فتح الله عليك يا بني.. قراءة متقنة وروح خاشعة، ربنا يثبتك."

الحاج كامل قام وقف، وعكازه خبط في الأرض بفرحة، وفتح دراعاته لعصام. عصام جرى على جده وباس إيده وراسه، والجد خده في حضنه جامد وقال بصوت عالي: "مبروك يا عريس.. مبروك يا كبير عيلة الكيلاني. شرفتني ونورت قلبي يا عصام."

وبعدين بص لشغف اللي كانت وشها في الأرض ومكسوفة جداً، وقال بحنية: "وأنتي يا بنتي.. إيه رأيك في العريس؟ موافقة على ابن عمك يكون سكنك وسندك؟"

شغف وشها جاب ألوان، وبصوت واطي جداً، يكاد يكون همس، بس سمعه عصام بوضوح: "اللي تشوفه يا جدي.. أنا ماليش بركة غيرك."

عصام حس إن الدنيا كلها مش سايعاه من الفرحة. أخيراً، الحلم بقى حقيقة. النور اللي شافه أول ما خبط فيها في الممر، بقى من نصيبه.

الحاج كامل بضحكة عالية: "على خيرة الله.. نقرأ الفاتحة، وبكرة نعلق الزينة، خطوبة وكتب كتاب في يوم واحد، وهعزم كبارات الصعيد كلهم يشوفوا فرحة الكيلاني!"

في اليوم التالي.. 
السرايا كانت متزينة بالأنوار المبهجة. الطباخين بيجهزوا الذبائح، والرجالة بيرصوا الكراسي والأنوار في الجنينة الكبيرة. 

الفرحة كانت مالية قلوب الكل، وعصام كان طاير من السعادة، واقف بيشرف على التجهيزات وهو لابس بدلة كلاسيكية راقية جداً زادته هيبة. 

شغف كانت فوق في أوضتها، بتجهز، لابسة فستان كتب الكتاب الرقيق، وبتبص لنفسها في المراية وهي بتدعي ربنا يتمملها على خير ويبعد عنهم أي شر.

وفي عز الضحك والفرحة دي..
عربية سودا فخمة جداً وقفت قدام بوابة السرايا.
نزل منها "رضوان" وعلى وشه ابتسامة خبيثة، وفتح الباب الخلفي للعربية.

نزلت من العربية بنت، لبسها ملفت جداً، حاطة ميك أب صارخ، ولابسة نضارة شمس كبيرة رفعتها فوق شعرها المصبوغ. مسكت شنطتها بثقة، وفي إيدها التانية ظرف بني كبير مقفول.

الحراس وقفوا رضوان والبنت دي على الباب.
"رايح فين يا رضوان؟ ومين دي؟" سأل كبير الحرس.

رضوان ببرود: "دي ضيفة جاية مخصوص من أمريكا عشان تبارك لعصام بيه.. دي من ريحة الماضي بتاعه، ومينفعش نردها في يوم زي ده."

عصام كان واقف بعيد، لمح الحركة على الباب، فقرب عشان يشوف في إيه. بمجرد ما عينه وقعت على البنت دي، الابتسامة اختفت من على وشه تماماً، ووشه بهت كأنه شاف عفريت. قلبه وقع في رجليه، والدم هرب من عروقه.

 "سالي؟!!" همس عصام بصدمة.

سالي قربت منه، وبابتسامة ماكرة، مستفزة قالت بصوت عالي عشان اللي واقفين يسمعوا:"إيه يا عصام؟ مبروك يا عريس! معقولة تتجوز وتستقر من غير ما تعزم أقرب حد ليك؟ ولا فاكر إنك لما تلبسلي الجلابية وتعملي فيها شيخ، هنسى ليالينا في مريكا، وهنسى وعودك ليا؟"

الصمت ساد المكان، كلامها كان زي السم اللي بيترمي في مية صافية.

عصام زعق بعصبية ورعب من إن حد يسمعها: "أنتي إيه اللي جابك هنا؟! وإيه التخاريف اللي بتقوليها دي، أنا ماليش علاقة بيكي من زمان!"

سالي رفعت الظرف البني اللي في إيدها، وهزته قدام وشه بانتصار وقالت بخبث:"تخاريف؟ الظاهر إن الصعيد نساك الذاكرة. بس متقلقش، أنا جايبة معايا اللي يفكرك.. ويفكر عروستك وجدك المحترم، حقيقة الشاب التقي اللي هما مخدوعين فيه. صور، وفيديوهات، وبلاوي لو شافوها.. مش بعيد يرموك للكلاب اللي بره دي."

في اللحظة دي.. صوت خبطة عكاز قوية رنت من ورا عصام.

الحاج كامل كان واقف على السلم، ملامح وشه مرعبة، وعينه بتطلع نار، ووراه بشوية كانت "شغف" واقفة على السلم، سمعت كل كلمة، ووشها كان شاحب زي الموتى، وعينيها مليانة بصدمة وكسرة كسرت قلب عصام ميت حتة قبل ما ينطق بكلمة.

الحاج كامل بصوت هز السرايا:"إيه اللي بيحصل هنا ده؟ ومين الجربوعة دي يا عصام؟ وإيه الظرف اللي في إيدها ده؟!!"

عصام بلع ريقه، وحس إن الأرض بتتشق وتبلعه.

 الماضي البشع رجع مش عشان يهدده في حياته، رجع عشان يهدد أغلى حاجة كسبها.. دينه، وثقة أهله، وحب شغف اللي لسه بيبدأ يفتح.

تعليقات



<>