رواية لاجلها الفصل السبعون70 بقلم امل نصر

رواية لاجلها بقلم امل نصر
رواية لاجلها الفصل السبعون70 بقلم امل نصر
داخل الحجز الضيق، كان عرفان جالساً على الأرض الباردة، يسند ظهره إلى الجدار المتسخ وعيناه غائبتان في فراغٍ لا يراه غيره. لم يكن يرى القضبان، بل كانت مخيلته تعيد عرض شريط الدقائق الماضية؛ لحظة انقضاضه على عطوة وضربه له بعنفٍ وحشي، وكأنه يفرغ في جسده سواد السنين كلها.
تذكر محاولات عطوة اليائسة لصد ضرباته، لكن غضب عرفان كان يحيل ذراعيه إلى مطارق من حديد، تجعل أي مقاومة أمامه هباءً منثوراً. كان متأكداً من حقيقة واحدة: لو تأخرت قوات الشرطة خمس دقائق أخرى قبل أن ينتشلوه من تحت يده، لكان مصير عطوة الآن "جثة" توارى التراب، أو في أحسن الأحوال "قعيداً" بعاهةٍ مستديمة تذكره بعرفان كلما حاول النهوض.
لم يندم.. بل كان يشعر براحةٍ غريبة تشفي غليله، خاصة وهو يتذكر صورة الملعونة "نورا" وهي تصرخ بجزع، تحاول رفعه عن الأرض وكأنه طفلها المدلل لا زوجها، واندفاعها المجنون لتتهجم عليه هو بأظافرها لولا قبضة العساكر التي حالت بينها وبينه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وسط الظلام؛ فبرغم القيد الذي يلتف حول معصميه الآن، إلا أنه ولأول مرة منذ فترة طويلة من الشك، أخذ ثاره وشفى غليله، حتى لو كان الثمن هو قضاء بقية عمره خلف هذه الجدران

ورغم نشوة الانتقام، لم يكن ينكر حسرةً تسكن سويداء قلبه وتنهش كبرياءه؛ لماذا تحمل تلك الملعونة كل هذا الحب لعطوة؟! عطوة هذا الذي لا يزن شيئاً في "سوق الرجال"، كيف تفضله عليه؟ وهو الذي يملك المال، والصحة، والوسامة رغم خشونته المفرطة؛ فهو أبيض البشرة، يملك تلك العيون "الملعونة" التي ورثها بعض أبنائه، أما عطوة.. فمن يكون عطوة لتهرب معه نورا وتعشقه بهذه الصورة الانتحارية؟
لم يتوقف نصل التفكير عند نورا فحسب، بل امتد الجرح ليطال ماضيه مع مزيونة. تذكر أنها كانت زوجته الأولى، وسنوات عمرهما معاً تمر أمام عينيه كشريطٍ باهت؛ لم يلمس فيها مرة واحدة حباً حقيقياً له، ولم يرَ في عينيها قط تلك النظرة التي تنظر بها الآن لـ "حمزة" زوجها الحالي.
زفر عرفان بضيقٍ وهو يضرب بقبضته أرض الزنزانة، وسأل نفسه بمرارة:
— "أليس رجلاً كباقي الرجال كي تعشقه النساء؟ ما العيب فيه؟ ألا يكفي أن يكون الرجل قوياً، مهاباً،
وصاحب مال لتنحني له القلوب؟"

انقطع حبل تساؤلاته وشروده فجأة على صرير باب الزنزانة وهو يُفتح بعنف. دخل العسكري المناوب، ملقياً نظرةً فاحصة على مجمل المحبوسين المكدسين في الزنزانة، حتى وقعت عيناه عليه وقد كان منزوي في ركنٍ وحده. صاح العسكري بصوته الأجش:
— "مسجون عرفان.. قوم فز، فيه ست جاية لك زيارة وبتقول إنها مراتك!"
​سهم "عرفان" لثوانٍ، وتوقف الزمن عنده وهو يحاول استيعاب الكلمات. "مراته؟".. وفي تلك اللحظة المباغتة، استدرك بمرارة أن المرأة الوحيدة التي لم تمر بخياله طوال ساعات شروده، هي زوجته الحقيقية، وأم أولاده، صفا تلك هي الوحيدة التي بقيت معه وتمسكت به رغم كل ما فعله معها.
..........................

— "عايزة إيه يا صفا؟"
كان هذا أول سؤالٍ رشقها به فور رؤيتها، بعد أن سُمح لهما بالانفراد داخل حجرة معاون المباحث. نظرت إليه بذهولٍ واستنكار، ثم ردت بنبرةٍ غلب عليها العتاب:
— "ده برضه سؤال تسأله يا عرفان؟ ولا أنت فاكرني قليلة أصل عشان أشمت وأفرح فيك في وقت زي ده؟"
بابتسامةٍ ساخرة باردة، لا تخلو من جلد الذات، رد عليها:
— "وما تفرحيش ليه؟ ده أنتِ هترتاحي مني على الأقل كام سنة قدام.. المرة دي 'لابسة' ومضمونة يا صفا، عشان ممسوك متلبس بـ 'الجزين' اللي كان هيموت في يدي. بس أنا بقولها لك أهه؛ لو عايزة تطلبي الطلاق مفيش مانع، والمحامي اللي هيترافع عشان يخفف عني الأحكام هو نفسه اللي هيعمل لك الإجراءات."
استشاطت صفا  غضباً، وشعرت بنيران القهر تحرق صدرها من جفاء كلماته، فردت عليه وصوتها يرتجف من القهر:
— "بقى هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا عرفان؟ بدل ما تسألني حتى عن العيال وكيف حالهم في غيابك، جاي تكلمني عن الطلاق؟! يا أخي ده أنا ما طلبتهاش وأنت مكسر عظامي ومحجوزة في المستشفى بسبك! تقرير واحد بس من الدكتور كان يطلقني منك وآخد حقي فلوس، أو حتى أسجنك.. بالعكس، ده أنا اتنازلت عن حقّي عشان رضاك اللي عمره ما نلته!"
قاطعها عرفان بنبرةٍ حادة:
— لا نلتيه يا صفا.. ونلتيه سنين كمان بالعملات والسحر! خلتيني كرهت مزيونة ورميتها، جاية دلوقتي تتكلمي عن الأصول يا بتاعة العملات؟"
لم تنكسر صفا، بل واجهته بحقيقته العارية:

— "وأنت كنت ملاك يعني؟ ولا كنت واقع في حبها؟ ما تفوق يا عرفان وافتكر إن قصتكم كانت منتهية من أصلها.. أنا كل اللي عملته إني بصيت لمصلحتي وعشقي ليك. أيوه غلطت وعملت كل 'العفش'، بس أنت برضه كنت أعفش مني وما زلت! الفرق إن أنا الزمن فوّقني، لكن أنت لسه عايش في الوهم. أنا جاية أزورك وأقف جنبك عشان أنت جوزي وأبو عيالي.. عايز تخلص منينا أنت حر، إنما أنا مش هطلبها، لحد ما أموت مش هطلبها!"
ساد الصمتُ أرجاء الغرفة، ورغم أن موقف صفا كان معروفاً له من البداية، إلا أن ردها القوي كان مفاجأة.. مفاجأة فتحت عينيه على حقيقةٍ غابت عنه؛ أن هناك من يحبه بصدقٍ رغم كل الخراب الذي سببه. نعم، ليست "نورا" ولا "مزيونة" اللتان كان حلم الوصول إليهما يشغله طوال الوقت، لكنها ابنة خالته وأم أولاده.
أدرك عرفان في تلك اللحظة حقيقةً غريبة؛ أنه حتى بعدما "فاق" من سحرها، لم يكن ينفر من القرب منها أبداً رغم بغضه لفعلتها. هل يعقل أن يكون لصفا مكانٌ في قلبه لم يشعر به إلا الآن، وهو خلف هذه القضبان
............................
هدأت الأجواء في المستشفى في هذا الوقت المتأخر من
الليل، بعدما اطمأن الجميع على حالة "كمال" التي يباشرها الأطباء بكل دقة، وقد استقر رأيهم الأخير على أن وضعه قد تجاوز مرحلة الخطر الحرجة وبدأ في الاستقرار.
دلفت هالة بخطواتٍ وئيدة إلى داخل الغرفة، تطالع في وجلٍ عمل الأجهزة والمؤشرات الحيوية التي تومض بجوار رأسه، لكنه لم يظهر أي علامة من علامات الاستفاقة الكاملة بعد. اقتربت تسحب مقعداً معدنياً أصدر صوتاً خافتاً على الرخام، ثم جلست عليه والتصقت بجانب السرير الطبي حيث كان زوجها الحبيب متسطحاً في سكونه الاختياري.
حاوطت بكفيها يده الملقاة على طرف "التخت"، ثم دنت برأسها حتى لثمتها بخفةٍ وحنان، وكأنها تعتذر له عن كل ما فات. فجأة، شعرت باختلاجٍ بسيط في أصابعه، حركة تكاد تكون خفية لا يلحظها إلا من كان قلبه معلقاً بالآخر. انتبهت هالة، واقتربت من أذنه تخاطبه بصوتٍ هامس يملؤه اليقين:
— "أنا عارفة إنك فقت يا كمال.. يمكن مش بكامل وعيك لسه، بس المؤكد إنك حاسس بيا وحاسس بوجودي جنبك."
ساد الصمت الغرفة، إلا من رنين الأجهزة المنتظم، بينما بقيت عيناها معلقتين بوجهه، تنتظر منه رمشة عين أو ضغطة يد تخبرها بأنه قد سامحها حقاً.

................................

طال انتظارها وهي تتمعن في مراقبته، وحين يئست من استجابته، وجدت نفسها – دون وعي – تنساق خلف شريط ذكريات الماضي، تهمس له بصوتٍ شريد
— "فاكر أول مرة عينك جات في عيني؟ لما كنت راكب على الحصان مع حمزة.. أنا كمان خدت بالي منك ومن نظراتك عليا. شكلك كان حلو، وحاجة تعجب أي بت، لكن الشهادة لله أنا مكنتش بفكر غير فيه.. هو وبس. مش لأنه أحلى منك ولا أحسن، لاه.. بس عشان مكنش ينفع أصلاً."
صمتت للحظة وكأنها تسترجع ثقل تلك الأيام، ثم تابعت بنبرة مريرة:
— "كيف أبص لواحد صاحب خطيبي؟ أو اللي في حكم خطيبي زي ما كانوا بيزرعوا في راسي من ساعة ما اتولدت.. (هالة الحلوة محدش هياخدها غير ولد عمها)، (حمزة الرجّيل ما يليقش بيه غير هالة أحلى إخواتها وأحلى بنات العيلة).. حمزة مكنش بيتكلم، لكن أبويا وأمي وعمي كانوا طول الوقت حاطينه في راسي أمر واقع."
تنهدت بعمق، وكأنها تزيح حملاً عن صدرها، ثم أردفت بأسى
— "كنت طول الوقت عايشة في حلم وردي.. اليوم اللي هتجوز فيه ولد عمي والبنات تحسدني عليه، الفستان اللي هلبسه، الوكل اللي بيحبه كنت بتعلم كيف أطبخه.. لحد ما جه اليوم اللي كل أحلامي اتهدت فيه وكانت صدمة عمري، لما فقت على زعيق أبويا معاه في المندرة وهو بيوبخه؛ كيف يجرأ وييجي يخطبني لصاحبه!"
صمتت لمدة من الوقت، وابتلعت غصةً مريرة وقفت في حلقها، ثم تابعت بنبرة متحشرجة يملؤها القهر:
— "يومها يا كمال، كرهت الدنيا وكرهت حمزة، وكرهتك أنت كمان.. كنت شايفاك الشخص اللي سرق مني حلمي، والسبب اللي خلى ولد عمي يبعني لصاحبه برخص التراب. مكنتش فاهمة وقتها إن حمزة كان بيعمل كدة عشان مبيحبنيش، كنت فاكرة إنه بيضحي بيا عشانك.

— "ليالي عدت في كلام ورط ما بيخلصش؛ أبويا اللي كان بيشتكي لعمي، وعمي مش عارف يعمل إيه؟، وولده ساكت ما بيتكلمش، ولا هان عليه يطيب خاطر عمه ويرضيه. الغل ملا قلبي من ناحيتك، لحد ما شفتك معدي من قدام بيتنا وعينك كالعادة على شباكي.. ما دريتش بنفسي ساعتها، وجريت ألحقك من الباب الوراني عشان أوقفك في نص السكة وأتعارك معاك!"
تنهدت بشهقة مكتومة وتابعت والدموع تغسل وجهها:
— "شفت اللهفة في عنيك، نظرة في حياتي ما شفتها من حمزة.. لكن الشيطان كان عامي عيني، دخلت فيك شمال وما كنتش دارية إني بغرز الخنجر في قلبك. ونفس الخنجر ده اتغرز في قلبي لما عرفت بخطوبة حمزة لواحدة غيري.. كنت زي المجنونة ومش مستوعبة، وطول الوقت كانت صورتك في عيني وأنا حطاك السبب في كل اللي حصل لي، ومع ذلك كنت بتمنى ترجع وأنا أصلح غلطتي.. لكن محصلش!"
غصّ صوتها بالبكا وهي تكمل:

— "عمي حب يرضي أبويا وطلبني لولده التاني، وأبويا صمم إني أوافق عشان يرد كرامتي ويقول إن خليفة طيب وهيعرف يحتويني.. لكن ده يحصل كيف والحسرة كانت بتحرق قلبي كل ما أشوف حمزة مع مرته اللي خدت مكاني بيتسايروا قدامي؟ واللي كان السبب في اللي حصل لي أكنه فص ملح وداب.. ليه ما رجعتش يا كمال؟ ليه؟ وأنا كنت والله ساعتها هوافق برضايا، ليه يا كمال ليه؟ اكيد ساعتها مكنتش هعمل كل النصايب اللي عملتها، ولا كان قلبي هيقسى لما اقابلك تانية بعد مرار السنين واللي غيرتوا فيا.

نكست رأسها فوق كفه الممدودة وانفجرت في بكاءٍ مرير لا يتوقف، وكأنها تغسل بدموعها خطايا السنين. وفجأة، شعرت بتحرك أنامله بصورة واضحة تحت وجهها، فرفعت رأسها بلهفة لتجد عينيه مفتوحتين، ينظر إليها بوعيٍ تام ونظرةٍ عميقة طالما هربت منها.
ـ  يعني طلع العيب مني انا في الآخر

شهقة اجفال خفيفة صدرت من حلقها وقد انتابتها حالة من اللهفة الممزوجة بالذهول وهي تراه يستعيد وعيه؛ لم تكن تدري أتبكي من فرط الفرح أم تضحك؟ أتحضنه أم تقبل يديه؟ وبحركة عفوية ملهوفة كادت أن ترتمي فوق صدره، لولا صوته الوهن الذي خرج منهكاً ينبهها:
—"حاسبي يا هالة.. إياكِ تهوّبي ناحية الجرح!"
انتبهت لنفسها بآسف شديد، وتراجعت وهي تعتذر له بكلمات متلعثمة وعينان تلمعان بدموع السعادة، بينما ظل هو يراقبها بصمت وصبر، ينتظر أن تهدأ ثورتها. وما إن استعادت أنفاسها، حتى سألها بنبرة تحمل من الجدية أكثر مما تحمل من الألم:
— "كنتِ بتقولي إيه بقى قبل ما افوقلك؟"
صبغت الحمرة وجهها، واعتراها خجلٌ لم يعهده فيها من قبل، فحاولت التهرب من نظرته، لكن "كمال" لم يكن في حالة تسمح له بالصبر أو المجاملة؛ لذا أعاد عليها السؤال بإصرارٍ أكبر وعينين لا تحيدان عن وجهها:
— قولي يا هالة.. ما تهربيش واصمدي قدامي. يعني أنتِ فعلاً كنتِ مستنياني أرجع؟ طب إزاي؟"
ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المضطربة. كان السؤال يطالبها بأن تضع قلبها بين يديه كما فعلت حين ظنت أنه لا يسمعها، فهل ستملك الشجاعة لتكرار اعترافها وهو ينظر في عينيها

— "خلاص.. أروح لك في غيبوبة خالص عشان تستريحي!"
قالها كمال بنبرة تهديدٍ مغلّفة بالدعابة وهو يغمض عينيه مرة أخرى متظاهراً بالانسحاب، فذعرت هالة وسارعت تنهره بلهفةٍ حقيقية:
— "لاه يا كمال.. بلاش الله يخليك، أنا هقول أهه!"
فتح عينيه ببطء، وببرودٍ غير متوقع ونبرةٍ تحمل استمتاعاً بموقفها، رد عليها:
— "هفتح عيني مش عشان رجاءك.. لاه، أنا هفتح عشان دي أول مرة في حياتي أشوف الخجل على ملامحك.. ده منظر غير طبيعي وأول مرة يحصل، دا حقه يتسجل في التاريخ"
أطرقت رأسها بخجلٍ حقيقي، وشعرت بحرارةٍ تغزو وجنتيها، فتمتمت بصوتٍ خفيض:
— "ما هو اللي حصل يا كمال إن الواحد مبيعرفش قيمة النعمة غير لما تروح من يده.. وأنا شفتك وأنت بتروح مني، وساعتها بس عرفت إن كل اللي فات كان عفرة وسحابة سودة وعميت عيني.. أيوه كنت مستنياك، مستنياك من غير ما احس، مستنياك وانا طرشة عن صوت قلبي اللي كان بينده بإسمك، مستنياك وانا صورتك ليل نهار في خيالي، مرة اشتمك وأصب اللعنات عليك. ومرات كتير اتمنى اشوفك، حتى وانا متغاظة منك.... وبكرهك زي ما كنت فاكرة 

كانت كلماتُها بمثابة "إنعاشٍ" حقيقي يُحيي قلبه ويُداوي جرح صدره الغائر. حاول –ببقايا كبريائه– أن يجد ثغرةً واحدة ليُكذّب اعترافها، كي لا يُخدع مرة أخرى ويملأ رأسه بالأوهام، لكن صدق نبرتها ورجفة صوتها لم يتركا له فرصةً للشك.
تضخّم قلبه داخل صدره بانفعالٍ جامح، ظهر في صعود صدره وهبوطه المتسارع، حتى ترجمت الأجهزة الطبية الموصولة به هذا الاضطراب في مؤشراتها الحيوية. انتبهت هالة للأمر، فدنت منه بلهفةٍ وقلق ينهشها:
— "مالك يا كمال؟ أوعى تكون تعبت ! يا مرك يا هالة.. ليت لساني كان انقطع قبل ما أتكلم وأتعبك!"
— "بـس.."
خرجت الكلمة منه بإنهاك، لكنها حملت تحذيراً لم تخلُ منه نبرة التملك:
— "لسانك ده.. أنا هعرف أعاقبه كويس، ومش عشان اتأخر في الكلام بس.. استني عليا لما أخف وأقوم بالسلامة، وأنا هعرف آخد حقي منك حقي تالت ومتلت.
قطبت جبينها بتوجسٍ امتزج بـ "تغابٍ" مقصود وهي تسأل:
— "قصدك إيه مش فاهمة؟ وهتعمل له إيه لساني ده؟ هتعاقبه كيف يعني؟"
لاح المكرُ على ملامحه الشاحبة، وازدادت نظراته عمقاً وهو يهمس:
— "قربي بشفايفك مني.. وأنا اعرفك هعاقبه إزاي!"
شهقةٌ عالية خرجت منها وقد فهمت مقصده تماماً، فاحتقن وجهها بالدم وابتعدت خطوة وهي تداري بسمتها خلف كفها:
— يا مري! إيه اللي أنت بتقوله ده يا كمال؟ ده أنت لسه طالع من الموت يا راجل!"
......................................
عاد خليفة إلى داره هالكاً من تعب المستشفى، ومن وقفته الطويلة بجوار رجال العائلة لمؤازرة ابنة عمه "هالة"؛ فهذه هي صفتها الوحيدة الآن في قلبه: "بنت عمه"، وطليقته، وأم بناته. دلف إلى غرفته بخطواتٍ مثقلة، ليجد ابنتيه تغطان في نومٍ عميق على تخته، داخل حضن زوجته الحنون "اعتماد". وقف يراقب المشهد بصمت؛ لم يدرِ أيغضب من "دلال" اعتماد المفرط للبنات، أم يفرح بتلك الرابطة التي جمعت بين زوجته وصغيراته؟ زفر بتعبٍ وضيقٍ مصطنع وهو يرى "الجميلات الثلاث" كأنهن قططٌ بريئة احتلت فراشه بالكامل، بل كنّ أربعاً إذا حسب الجنين "العزيز الغالي" القابع داخل أحشاء أمه، والذي يشتاق لضمه هو الآخر. اقترب من طرف السرير، ومد يده يلكز "اعتماد" بخفة ليوقظها من غفوتها:
"اعتماد.. يا اعتماد.

انتفضت هي رغم حرصه، ونظرت إليه بإجفالٍ وهي تحاول استعادة وعيها، مما جعله يسارع بطمأنتها بصوتٍ خفيض:
— "بسم الله الحفيظ.. اهدي ما تتخلعيش، مش عايزينهم يصحوا."
رمى بنظرةٍ ذات مغزى نحو صغيراته لتفهم قصده، فاستدركت الأمر وحاولت النهوض بجسدها المثقل بالحمل، فسبقتها يداه لتجذبها وتساعدها برفق حتى غادرت الغرفة دون أن تشعر بها الصغيرات. وما إن أُغلق الباب عليهما، حتى التفت إليها بشيءٍ من الضيق المصطنع:
— "تاني يا اعتماد؟ منيماهم ع السرير برضه! طب أنا أرتاح فين دلوك؟ على الكنبة؟ ولا أروح أنام على سرير واحدة منهم؟"
لحقت به بخطواتٍ وئيدة قبل أن يبتعد، ولفت ذراعيها حول ساعده قائلةً بدلالٍ يحاول امتصاص تعبه:
— "حقك على راسي يا حبيبي، وسلامتك من ألف تعب.. بس أنا عملت كيف ما منبه عليا بالظبط، نيمتهم على فرشتهم بعد ما سمعوا حدوتة قبل النوم، بس أعمل إيه بقى؟ بتك 'منة' بعد نص ساعة بس صحيت مفزوعة وجات عليا الأوضة، اضطريت آخدها في حضني لحد ما نامت، بعدها مفيش دقائق جات 'جنا' تقول لي اشمعنى هي تبات في حضنك! اضطريت أرضيها كمان والنوم غلبني غصب عني."
رد عليها خليفة بنبرةٍ متهكمة وهو يحاول كتم ابتسامته:
— "أيوة.. ارضيهم هما وأنا اتفلق!"
ضحكت رداً على كلماته وقالت بحب:
— "بعد الشر عليك من الفلقة، ده أنت الكل في الكل يا 'أبو إياد'.. هو إحنا لينا حد غيرك؟"
لانت ملامحه تماماً حين نادته بذلك الاسم المحبب، الذي اختاراه بعناية ليكون اسماً للوليد القادم. رق قلبه واقترب منها ليدنو برأسه ويقبل بطنها التي تحمل حلمهما الصغير، وهمس بامتنان:
— "عشان حلفتيني بالغالي بس.. المرة دي سماح

تبسمت اعتماد بارتياح لسماحته المتواصلة معها، حتى عاد إليها يربت على موضع معدته يشتكي بمداعبة:
— "طب 'أبو إياد' هلكان جوع.. ممكن يا 'أم إياد' حتى تدليني على مكان الوكل؟"
شهقت اعتماد وهي تتراجع خطوتين لتتجه نحو المطبخ بلهفة
— "يقطعني يا حبيبي.. دقائق والوكل يكون جاهز قدامك!"
حاول منعها رفقاً بحالها:
— "استني يا ولية أنتِ تعبانة.. روحي نامي وأنا هعرف أحضر لنفسي."
ردت بإصرار الزوجة الأصيلة:
— "والله ما يحصل واصل!"
وأثناء جدالهما، دوى فجأة صوت نداءٍ غاضب من الخارج، زلزل أركان الدار:
— "أنت يا زفت الطين يا معاذ! أنت يا رُبراب يا سخام البرك!"
اتخذ الاثنان طريقهما نحو مخرج الجناح، وقد علما يقيناً من صاحب الصوت؛ إنه حمزة، يصرخ من جناحه بالأسفل، موجهاً نداءه الغاضب إلى معاذ في الجناح الأخير، والذي خرج باستهجانٍ وصوتٍ يغلبه النعاس:
— "خبر إيه يا أبوي؟ البلد كلها سمعت تهزيقي في نص الليل! ليه ده كله يا عمي.. جرى إيه يا حمزة؟"
صرخ به الآخر بنفاذ صبرٍ كاد يذهب بعقله:
— "تعالى يا ضنايا خُد ابن الكلب ولدك من هنا.. يا إما همشيك أنت وهو من البلد
.........................   

قبل قليل..
دخل حمزة هو الآخر بتعبٍ شديد، يجر أقدامه جراً بعد انتهاء ذلك اليوم الثقيل؛ فبعدما اطمأن على استقرار حالة صديقه "كمال"، جاء الدور الآن ليتفقد زوجته وطفلتيه اللتين تركهما منذ الصباح.
دلف إلى غرفتهما، فوجد مزيونة مستيقظة تهدهد إحدى التوأمين بجزع، وقد ارتسم الخوف على ملامحها من استيقاظ الأخرى، وهي تهمس بتوسل:
— "بس.. بسم الله عليكي يا توتو.. بس يا نن عيني، يا بت الله يهديكي المصيبة التانية هتصحى!"
تبسم حمزة وهو يلج إلى الغرفة، وعلّق بسخرية محببة:
— "صاحية ليه البت دي؟ لتكون مستنياني أنا كمان؟"
طالعته مزيونة بنظرة استنجاد، فاقترب منها وتناول الصغيرة ليحملها بين ذراعيه وهو واقف، فصمتت الطفلة فوراً مستمتعةً بهدهدته. علّقت مزيونة بقهرٍ مضحك:
— "مضروبة الدم! وكأنها حسّت بيك وأنت واقف بيها!"
صار حمزة يؤرجحها رغم تعبه، وقد أعجبه إحساس الأبوة الذي يغلبه، فأراد أن يغيظ زوجته "بغبطة":
— "وليه متقوليش إنها حسّت بحنان أبوها؟"
ردت مزيونة بتهكم:
— "ويعني دلوك هي لحقت عرفت إنك أبوها يا حمزة؟"
أجابها بثقة:
— "ده أكيد من وهي في بطنك كمان!"
تبسمت له مزيونة بيأس؛ فهي تدرك أنها لن تغلبه أبداً في الكلام. ظل حمزة على وضعه لحظات حتى اطمأن لنوم الصغيرة، ثم جلس على الفراش مقابل زوجته وقال بشفقة:
— "كان حقك نمتِ وارتحتِ دلوك.. هي ليلى مش قالت إنها هتبات عشان تراعيكي؟"
أجابته بهدوء:
— "حصل يا حمزة، وهي نايمة دلوك في الأوضة التانية عند ريان."

وايه لزمتها بقى لما تنام في الأوضة التانية؟"
ردت مزيونة مبررة:
— "يا حمزة ما هي اتكسفت لترجع أنت من برا وتدخل على الأوضة 'دُغري' زي ما عملت دلوك.. المهم، عملت إيه في المستشفى؟ أنا سمعت إن صاحبك ربنا نجاه بعد العملية."
أجاب حمزة بامتنان:
— "أيوة فعلاً الحمد لله، ربنا كان كريم وخد بيده.. ههه سبحان الله

قال الأخيرة بشيء من الشرود، مما جعلها تطالعه بتساؤل أجاب عنه دون تردد:
 — "لو شوفتي هالة النهاردة تفتكريها واحدة تانية، متصدقيش أبداً إن دي اللي كانت مطلعة عينا ورافعة مناخيرها في السما.. الجزينة طلعت هوا، وفي أول اختبار انكشفت قدام الكل!" سألته بشيء من الضيق والفضول: 
— "يعني إيه مش فاهمة؟ وضح أكتر."
 رد حمزة بتعجب: 
— "هالة طلعت بتحب جوزها! كمال اللي قطعت رجله من البلد سنين طلعت حباه! طب لما هو كدة، كان لزومه إيه المرار ده كله؟ ما كان من الأول!" تنهدت مزيونة بحكمة: 
— "النصيب يا حمزة.. ليهم نصيب يتشندلوا لحد ما ربنا يأذن بالوصال.
" تبسم حمزة بملء فمه، يشاكسها بمغازلته المعهودة: — "أيوة صح.. زي نصيبي أنا وأنتِ يا عسل، دوخنا عشان نتلم في الآخر على بعض، ونجيب 'المنتوشة' اللي في يدي دي وأختها!"

ضحكت مزيونة وقد تسلل إلى قلبها ارتياحٌ نسبي بعدما فهمت وجهة نظره من ذكر ابنة عمه؛ يبدو أن الغيرة أصبحت سمةً في شخصيتها على يديه. قاطع شرودها صوته وهو يميل برأسه: 

— "سهمتي ليه؟ أنا بكلمك!" 
هزت رأسها بحركة غير مفهومة لتطرد أفكارها، ثم مدت ذراعيها تطالبه بصغيرته: 
— "هات البت عشان أنيمها."
 رد حمزة برفضٍ قاطع:
 — "لااه.. هنيمها أنا!"
 قالها حمزة وشرع في تسطيح الصغيرة على الفراش برفقٍ بجوار شقيقتها، فانشغل بمشهدهما الرائع وتناسى تعبه، ليبدأ في التخطيط بعفوية: 

— "هما بس يومين النفاس دول، وبعدها البنتين دول مكانهم يكون على سراريهم.. ولا أقولك؟ أنا من بكرة هنقلهم عليها!" 
وما إن انتهت كلماته ولامس جسد الصغيرة الفراش، حتى صدح صوتها بصرخة مستيقظة مدوية، وكأنها فهمت قرارات والدها واعترضت عليها في الحال

تعالى صراخها، وبدأ حمزة محاولاته اليائسة لتهدئتها، بينما مزيونة تراقب بجزعٍ خشية أن تستيقظ الأخرى.. وهذا ما حدث فعلاً! في ثوانٍ معدودة، تحولت الغرفة إلى "جوقة" من الصريخ المتواصل، ووقف الاثنان عاجزين تماماً أمام ثورة التوأم.
كان حمزة قد استنفد طاقته، أما مزيونة فقد أهلكها تعب الولادة حتى أصبحت على وشك البكاء، وهي تشتكي لربها من "جوز المفاغيص" اللذين لا يقدر عليهما أحد وهما في عمر الأيام.

 كان حمزة يحاول تهدئة زوجته قبل الصغيرتين، حتى انفتح الباب ودلفت ليلى التي استيقظت على الجلبة تتساءل في دهشة:
— "خَبَر إيه؟ إيه الحكاية عاد؟"
رأى حمزة في ظهورها نجدةً من السماء لتساعدهما، بينما سارعت مزيونة تطلب منها بجفاء ممتزج بالتعب:
— "اجري يا ليلى حضري الرضعة بسرعة!"
وما إن همت ليلى بتنفيذ الطلب، حتى اخترق مسامعهم صريخُ طفلٍ صغير آخر من الخارج، صرخة جعلت مزيونة تنتفض بجزع وهي تصيح بابنتها:
— "اجري يا بت هاتي 'مؤيد'.. متخليهوش يبكي واصل!"
هنا، فاض الكيل بحمزة؛ فقد تجمع عليه تعب اليوم المهلك في المشفى حتى يطمئن على صديقه، بناته يصرخن، وزوجته تنهار، ابن أخيه "معاذ" يبكي في الخارج بينما أبوه يغط في نومٍ عميق في جناحه الهاديء في الاعلى! وبدون سابق انذار خرج فجأة  إلى الشرفة كالإعصار، وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء البيت:
— "أنت يا زفت يا معاذ! تعالَ خُد ولدك يا ض.. يا إما هماشيك أنت وهو من البلد كلها!"

...........................
بعد عدة أيام 

كان موعد زيارتهم المعتاد، وقد تحسنت حالة كمال من إصابته الصعبة، وبدأ يتماثل للشفاء شيئاً فشيئاً. كانت زوجته هالة ترابط بجواره كظله، تحيطه برعايةٍ لم يعهدها منها، ومعها أبناء عمومتها الذين لم ينقطعوا عن زيارته المتعاقبة على الدوام.
كان حمزة وخليفة يتبادلان الحديث معه بمحبة ومودة، ملتزمين بأقصى درجات الحرص في تعاملهما مع هالة؛ فرغم صلة القرابة القوية، إلا أن الجميع يراعي تلك الشعرة الفاصلة، ويدركون جيداً مشاعره الجامحة في الغيرة عليها. فرغم صمته ورزانته، إلا أن نظراته وحدها كانت تفضحه وتعلن تملكه لها، لذا يلتزم الجميع الحدود الرسمية معها، رغم التغيير الواضح في شخصيتها.
تُرى.. هل كان السبب أنها أحبت "حبه" لها؟ أم أنها كانت تعشقه منذ البداية ولا تدري؟ في كل الأحوال، لقد تبدلت هالة للنسخة الأحسن بسببه. ومع ذلك، يظل للبيئة والأصول حكمها؛ فمهما طوى الزمن صفحة الخلافات القديمة، يظل الاثنان أبناء عمومتها، وأحدهما هو والد بناتها، مما يجعل للحذر مكاناً في كل كلمة.
كان حمزة يحتل مقعده بجوار التخت الطبي، بينما في الجهة المقابلة وقف خليفة بجوار منصور، الذي لم يكفّ عن مشاكسته المعهودة لكسر جمود الجو:
— "آه لو تعرف يا سيادة الضابط باللي كان حاصل فينا! يا راجل ده إحنا قاعدين مستنيينك تفوق وركبنا بتخبط في بعضيها من كتر الرعب بسبب الرتب اللي مرشقة في المستشفى! كنت خايف أتحرك ولا أعمل أي 'تكة'، لأتاخد تحري ولا اشتباه، حتى الحمام ما دخلته غير لما روحت البيت.
انطلقت ضحكات حمزة وشقيقه لترنّ في ردهات المستشفى، أما "صاحب الشأن" فكان يجاهد بالكاد للسيطرة على عضلات بطنه حتى لا يضحك ويؤذي جرحه الذي لم يندمل

فحاول كتم وجعه وهو يردد بصوتٍ منهك:
— "حرام عليك يا بني.. الجرح هيفتح!"
فيرد عليه خليفة ضاحكاً وهو يغمز له:
— "لا، أنت خلي بالك من نفسك عشان هو مش هيوقف واصل.. هو ومرته نسخة واحدة، أموت وأعرف مين فيهم اللي بهت ع التاني!"
وفجأة، خرجت شقيقته منى من مرحاض الغرفة بعدما انتهت من تغيير حفاضة ابنتها، لتهجم عليه بصوتها الرخيم الذي أجفله:
— "مالها مرته بقى يا غالي؟ ولا أنت اللي عايز تنكشها دلوك عشان تفتح في الكلام وتفرج علينا الناس ، وانت عارف لساني طويل مبسكتش.
هنا تدخل حمزة، والضحك لا يتوقف على ملامحه، ليقول بخبثه المعهود:
— "قلبك أبيض يا خيتي.. إحنا في مستشفى غريبة وبلاش ننشر غسيلنا قدام الأجانب، خليها لما نبقى في بيتنا واستفردي بيه هو ومرته براحتك."
هزت منى رقبتها بإعجابٍ شديد للفكرة، ولمعت عيناها بوعيدٍ مضحك وهي تقول:
— "جدع يا حمزة.. أهو ده الكلام الزين

— "جاه على مزاجك كلام السهن!"
هتف بها خليفة بمشاكسة، لتؤيده منى على الفور وهي تضحك:
— "قوي قوي! أخويا وفاهمني، رغم إنه برضه مش سالك زيك!"
— "برضه؟!"
هتف بها حمزة مستنكراً بضحكة، فتجاوزت هي عن مشاكسته واقتربت من هالة، لتمسك بالطفلة وتضعها بين يديها قائلة بتعبٍ مُفتعل:
— "خدي يا بت شيليها شوية.. دراعي اتختل من شيلتها!"
حملت هالة الطفلة برفق، واهتزت مشاعرها بعفوية وهي تهدهدها، في تلك اللحظة التقت عيناها بعيني زوجها العزيز، والذي ما إن رأى مشهدها وهي تحمل الصغير بين يديها، حتى اهتز قلبه داخله؛ فقد ولدت في أعماقه أمنيةٌ قديمة تجددت بقوة.. أمنية يتوق لتحقيقها في الإنجاب منها، وأن يرى طفلاً يحمل ملامحهما معاً يغفو بين ذراعيها
بارتباكٍ ملحوظ حاولت هالة أن تتصرف بطبيعية لتداري أثر نظرته التي اخترقتها؛ فرفعت الصغيرة لتقربها من زوجها المتابع لكل لفتةٍ وسكنةٍ منها، وقالت بمحاولة لفتح حوار عادٍ:
— "شوف يا كمال.. المضروبة دي فيها شبه كبير من 'جنا بنتي'.. صح؟"
— "بسم الله ما شاء الله.."
قالها في البداية وهو يرمق الصغيرة بابتسامةٍ هادئة، قبل أن يرفع عينيه نحو هالة مباشرةً ويكمل بنبرةٍ غازلة:
— "ما شاء الله فعلاً.. فيها شبه منها، وقمر زيك.
صعقت جملته هالة بخجلٍ شديد، فهربت بعينيها نحو منى التي كانت تتابع المشهد بمكرٍ واستمتاع، ولم تفوت الفرصة دون أن تتدخل بخفتها المعهودة:
— "يا حلاوة يا ولاد! بقى بنتي أنا شبه 'جنا' اللي حلوة وزي القمر زي أمها؟ ماشي يا سيدي.. شالله ربنا يراضيك يا حضرة الظابط باللي في بالك، ويقر عينك بولي عهد يشيل اسمك ويشبه أمه في حلاوتها!"

تبسم كمال بخجلٍ حقيقي، ورغم أن هذه الصفة ليست من شيمه العسكرية، إلا أن "منى" استطاعت بكلماتها المصيبة أن تلمس وتراً حساساً في قلبه. وهنا تدخل حمزة ليقطع حالة "السهو" التي أصابت الجميع
— "طب نقوم إحنا بقى، وكفاية لحد كدة.. ورانا أسبوع "البنات" والبيت واقِف على رِجل!"
قالها حمزة وهو يستعد للرحيل، فظهر الابتهاج على وجه كمال وهنأه بقلبٍ صافٍ:
— "ربنا يبارك لك فيهم يا حمزة.. يا ريتني كنت بصحتي، كنت جيت وحضرت ونقّطتهم كمان."
جاء الرد سريعاً من خليفة وهو ينهض عن مقعده بابتسامةٍ
هادئة:
— "تحضر عقيقتهم إن شاء الله، ولا أسبوع 'النونو' اللي جاي في السكة!"
كان خليفة يقصد طفله القابع في بطن "زوجته"، وقد فهم كمال المقصد ليخطف نظرةً خاطفة نحو  هالة؛ وقد انتبهت هي للنظرة، لكنها ادعت انشغالها في مناغاة الصغيرة بين يديها، ثم رفعت رأسها نحو حمزة قائلة بودّ:
— "يتربوا في عزك يا ولد عمي.. يا ريت بس تبعتوا لي صور البنات، جنل ومنة اصلهم وحشوني قوي."
أجابها حمزة وهو يتجه نحو الباب:
— "أنا هَوصّي ليلى تصورهم وتبعت لكِ الصور أول بأول."
وهنا تدخل شقيقه خليفة ليتمِّم "الواجب" قائلاً:
— "وأنا المرة الجاية هجيبهم معايا يزوروا عمهم كمال بنفسهم."
تلقى كمال قوله الأخير بامتنانٍ شديد، وشكره بجديةٍ واضحة؛ فقد أسعدته هذه المبادرة من خليفة، والتي اعتبرها بمثابة بداية حقيقية لصفحة جديدة بينهما

تحركت منى هي الأخرى، فتناولت طفلتها من يد هالة، بينما كان زوجها يستأذن كمال في الرحيل. قبلتها منى، وضمتها بمحبة صادقة، داعيةً لها بالاستقرار، ولزوجها بالشفاء العاجل والوقوف على قدميه مجدداً.
انصرف الجميع، لتخلو الغرفة أخيراً عليهما.. ساد صمتٌ لم يكن فارغاً، بل كان مشحوناً بنظراتٍ تفصح عما هو أبلغ من ألف كلمة. كسر كمال هذا الصمت بفعلٍ عملي؛ حيث مد يده ليرفع كفها اليه، ويطبع فوقه قبلةً طويلة تعبر عن فيض حبه، ثم تمتم بمكرٍ أذاب ما تبقى من صمودها:
— "إمتى بقى أخرج؟ أنا زهقت من الحيطان دي.. واشتقت اوووي!"
صُبغت وجنتيها بحمرة الخجل، وأدركت من نبرته أنه لم يشتق لبيته فحسب، بل اشتاق إليها هي.. وإلى تلك الحياة التي بدأت تولد من جديد بين جنبات قلبهما
...................................

اندفع حمزة بخطواته السريعة، يحثُّ الخطى ليلحق بما ينتظره من تجهيزات "السبوع" الصاخبة في الدار. وأثناء مروره السريع نحو المصعد، لمحت عيناه مشهداً استوقفه رغماً عنه؛ امرأة حامل تسند زوجها الذي بدت عليه آثار إصابات بليغة، فقد كانت إحدى قدميه "مجبّرة" بالكامل، وعلامات الكدمات والقطوب تملأ وجهه ويديه.
ثبت حمزة نظراته عليه لثوانٍ، وفجأة اتسعت عيناه بذهولٍ صاعق حين ميز ملامح الرجل.. إنه عطوة!
في لحظةٍ واحدة، دار شريط الذكريات في رأسه كالإعصار؛ وتذكر دموع ليلى قريبا وحزنها الشديد ذات ليلة على والدها الذي يقبع خلف القضبان بتهمة "الشروع في قتل" هذا الرجل الماثل أمامه!
— "يااااه.. ياما الدنيا صغيرة بجد!"
صدحت الكلمات في عقله قبل أن يتحرك متجهاً نحوهما دون تفكيرٍ في العواقب، تاركاً خلفه خليفة ومنى ومنصور يراقبونه بذهولٍ تام، وقد عقدت الدهشة ألسنتهم
..................................

عن إذنكِ.."
قُيلت بخشونةٍ ملحوظة اخترقت أسماع نورا وزوجها، من رجلٍ اقترب منهما بحركةٍ واثقة ومباغتة، جعلتها تتراجع للوراء بتلقائية، ليتسلم هو منها مهمة مساعدة زوجها. أما عطوة، فقد شلت المفاجأة تفكيره، واستسلم تماماً لسحب "حمزة" ومساعدته التي خففت عنه الثقل بصورة كبيرة، بعدما كان يحاول ألا يحمل على زوجته مراعاةً لضعفها بسبب الحمل.
ساد صمتٌ قصير، لم يقطعه سوى كلمتين فقط خرجتا من بين شفتي حمزة بنبرةٍ غامضة:
— "ألف سلامة عليك يا عطوة."
رد عطوة بارتباكٍ شديد، وعينيه تزيغان بعيداً عن نظرات حمزة:
— "الله.. الله يسلمك يا حمزة."
هنا تدخلت "نورا" بعفوية، وقد أشرق وجهها بابتسامةٍ ساذجة:
 "وَه! أنتم طلعتوا تعرفوا بعض؟ عشان تعرف إنك ابن حلال يا عطوة.. أهه، كنت مستثقل إن حد غريب يساعدك، وربنا بعت لك الجدع ابن الحلال اللي يعرفك 
تعليقات



<>