
خرج سليم من منزله راكضًا بعد رؤيته لسمير يفر هاربًا ويده ملطخة بالدماء.. خرج من بناية منزله واسرع ركضًا متطهًا لبناية فيروز وفور وصوله وقف عند بوابة البناية وسمع صوت صراخ أنثوي مرتفع كان لفيروز غالبًا، فدخل مهرولًا وصعد الدرج بتلهف ظنًا منه أن الدماء الملطخة بها يدي سمير هي دماء فيروز، لكنه تسمر بأرضه مندهشًا عندما رأى فيروز متكومة على الأرض بجوار سيدة عجوز وتصرخ بأعلى نبرة لديها حتى كادت احبالها الصوتية تتمزق، تبكي وتصرخ بحالة انهيار هستيرية مرعبة، كانت تلك السيدة تنزف الدماء بغزارة بعد أن تلقت طعنات متتالية بآلة حادة.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله فورًا واجري اتصال بكل من الإسعاف والشرطة، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وتقدم إلى فيروز لينحني بجزعه عليها ويحاوطها بذراعيه ممسكًا بكتفيها يحاول إبعادها عن السيدة هاتفًا بنبرة رجولية متأثرة:
_قومي يافيروز.. قومي
لم تحرك ساكنًا معه وبقت مكانها وهي تصرخ وتنوح بجنون هاتفة:
_اصحي يا ماما جمالات اصحي وردي عليا ابوس إيدك
بدأت فيروز في هزها بعنف دون وعي منها راغبة في إيقاظها عنوة، فتدخل سليم للمرة الثانية وحاوطها بإحكام ثم جذبها بقوة وأبعدها عن جمالات وهو يحكم قبضتيه حولها هاتفًا بلهجة حادة لتفوق من حالة الانهيار العصبي المستحوذة عليها:
_اهدى يافيروز.. الإسعاف جاية دلوقتي وإن شاء الله هتكون كويسة
تجمعت الأهالي وسكان البناية على أثر الصراخ والضجيج وفور رؤيتهم لتلك السيدة الطيبة وهي ملاقاة على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة بدأت النساء في الصراخ حزنًا وخوفًا عليها والرجال استمرت في الاتصال على الإسعاف تستعجلها، أما ياسين فاستيقظ من نومه وخرج من المنزل ليرى من أين مصدر ذلك الصراخ بعدما لم يجد شقيقته بالمنزل وبينما كان يسير وهو يدعك عيناه بحمولة ونعاس يفتح نصفها فقط ليتمكن من رؤية الطريق، فتصلب بأرض وكأن عقرب لدغته عندما لمح لون الدماء على الأرض وفتح عيناه على أخرهم مذهولًا فرأى الخالة جمالات على الأرض ميتة وتلك الدماء كانت دمائها.. للحظة ظن نفسه مازال فراشه ويحلم بكابوس شنيع فراح يدعك في عيناه بعنف متأملًا أنه سيجد كل ذلك اختفي فور فتحه وعيناه مجددًا وسيستيقظ من كابوسه.. لكنه وجد نفسه مازال بنفس موقعه وأمامه نفس المشهد المرعب.. فتقهقهر للخلف بارتيعاد وبدأت عيناه في ذرف دموع الخوف وجلس متكورًا كالجنين في أحد الأركان وهو يبكي وعيناه عالقة على أخته التي لا تشعر بالدنيا من حولها وسليم ممسكًا بها.
وصلت الإسعاف أخيرًا وأجرت فحصها على جمالات لتتأكد من نبض الحياة لديها.. ليتلفت أحد رجال الإسعاف برأسه تجاه سليم ويوم شفتيه بأسف وحزن، رأت فيروز تلك النظرة فهاجت وثار جنونها مجددًا واندفعت نحو جمالات تمسك بها تمنع رجال الإسعاف من حملها صارخة بهستيريا:
_ابعدوا عنها محدش يقرب منها هي لسا عايشة وهتفوق وترد عليا دلوقتي
ثم نظرت لجمالات بنظرة نكران وهتفت تتوسلها:
_ردي عليا ياماما جمالات وريهم أنك عايشة.. أنت مش هتسبيني زي ماما وبابا أنا مفضليش غيرك.. مش هسمحلك تسبيني
بدأت ألسنة الجيران تتهامس منهم من يتساءل عن القاتل ومنهم من يلقي باللوم على فيروز متهمًا إياها أنها المتسببة في موت تلك السيدة المسكينة خصوصًا بعد معرفة الجميع حقيقة أخلاقها الفاسدة، ومجموعة أخرى كانت حزينة بشدة وتبكي فقط حزنًا.
أما فيروز فسقطت فجأة مغشية عليها فمال عليها سليم وأمسك بها قبل أن تصتدم رأسها بالأرض وحملها فوق ذراعيه وصعد بها باتجاه باب منزلها الذي أشار له عليه أحد سكان البناية وسط نظرات الاستنكار والنفور من بعض الجيران.. مفسرين علاقته بها أنه بالتأكيد واحد من الرجال التي تربطهم بها علاقة رذيلة.
دخل سليم المنزل واتجه إلى أقرب غرفة وجدها أمامه وانزلها على الفراش بلطف والغريب أنه لم يجد أي امرأة من جيرانها دخلت معه لتطمئن عليها أو تحاول مواساتها.. الجميع اعتبرها عاهرة تستحق ما تعانيه.
قبل أن يبدأ في محاولات إفاقتها سمع من خلفها صوت بكاء مكتوم فالتفت ليجد ياسين واقفًا عند الباب وجسده يرتجف من الرعب، فاتجه نحوه فورًا وأحاط وجهه بكفيه متمتمًا بنظرة قوية وثقة:
_متخافش يابابا هتبقى كويسة وهتفوق
هز ياسين رأسه بالإيجاب متفهمًا ومازالت دموعه تنهمر على وجنتيها لا إراديًا، عاد سليم إلى فيروز مجددًا وبدأ يحاول إيقاظها حتى فتحت عيناها فرأت كل من سليم أمامها وكذلك أخيها الصغير يتطلع إليها بوجه غارق في الدموع، وثواني واستعادت ذاكرتها وجرى أمام عيناها فيلمًا سينمائيًا من المشاهد التي حدثت كلها بداية من دخولها البناية نهاية بموت أمها الثانية، فانفجرت في البكاء مجددًا وراحت تدفن رأسها في الوسادة وهي تصرخ وتقول بقهر وبيدها تضرب الوسادة بكل عنف كنوع من جلد الذات:
_أنا السبب.. أنا السبب.. ماتت بسببي.. أمي التانية ماتت بسببي.. سامحيني ياماما سامحيني
التفت سليم إلى ياسين ومال عليه ثم قبل رأسه بحنو وهمس بصوت دافيء:
_ياسين ممكن تستناني برا جمب الباب ياحبيبي للحظة بس لغاية ما فيروز تهدي أنا عايزة اتكلم معاها وبعدين هخليك تدخل وتقعد معاها.. اتفقنا
لم يبدي ياسين أي اعتراض وأماء رأسه بالموافقة فلثم سليم رأسه مجددًا وتابعه وهو يرحل لينتظره بالخارج كما طلب وراح سليم يسأل فيروز مباشرة:
_فيروز ممكن تردي عليا وتقوليلي حصل ازاي كل ده
ردت عليه وسط انهيارها وصوتها المبحوح يكاد لا يخرج من شدة بكائها وهي لا تنظر لها ومازالت دافنة رأسها بالوسادة تبكي:
_دخل ورايا وحاول يتعدي عليا ولما ماما جمالات سمعتني طلعت وحاولت تبعده عني فطلع سكينة وقتلها
تنهد سليم مطولًا بغيظ وأجاب عليها بصوت رجولي غليظ:
_طيب الشرطة جاية دلوقتي وأكيد هيسألوكي ويحققوا معاكي لازم تقوليلهم كل تفصيلة ومتخبيش حاجة عنهم
لم تجيب عليه واستمرت في البكاء لوقت طويل بينما سليم استقام واقفًا وتركها وغادر وسمح لياسين أن يدخل لها ويجلس معها عله ينجح في تهدئتها، وظل سليم في الصالون منتظر وصول الشرطة، رغم عدم ثقته بفيروز وأخلاقها واعتقاده بأنها قد تكون فتاة متعددة العلاقات إلا أنه أشفق عليها بشدة ولا يستطيع تركها بذلك الوضع هي وذلك الطفل الصغير الذي تعلق به.
وصلت الشرطة أخيرًا وبدأت بالتحقيق مع فيروز أولًا ثم انتقلت إلى سليم وأحبروهم بكل ما شاهده.. وبعد مرور ساعتين تقريبًا من التحقيق مع الجيران وكل من شاهد الجريمة أو له علاقة بالقاتل، وصل مدحت والد سمير إلى منزل فيروز وصاح مناديًا على فيروز وهو يهم بالدخول دون استاذآن مندفعًا إلى غرفتها فاصطدم بسليم الذي وقف أمامه وقال بوجه صارم يسأله:
_مين أنت وداخل على فين كدا ؟!!
صاح مدحت بسليم وهو ثائر وبلهجة فظة هتف:
_طبعًا أكيد أنت واحد من الرجالة اللي ماشية معاهم الـ**** .. بت الـ**** اللي جوا دي تطلع من بيتي وتغور هي وأخوها في ستين داهية تاخدهم كفاية ولدي ضيع روحه بسببها
حط سليم نظره أرضًا ومال ثغره بنصف ابتسامة مرعبة وبعقله يستمع الحكاية التي سردها له ياسين منذ قليل وهو يخبره عن استغلال صاحب العمارة لهم هو وسمير ابنه وتهديدهم لهم بالطرد أن لم يدفعوا الإيجار.
أعاد سليم نظره إلى مدحت مجددًا وجذبه من ياقة جلبابه يرمقه بنظرة نارية وصوت مهيب يحمل الإنذار:
_واضح أنك نفس الصنف بتاع ابنك.. أصل هيجيبه منين هذا الكلب من ذاك الـ**** .. يستحسن لمصلحتك تخفى من قدام وشي دلوقتي احسن اخليك تلحق ابنك في ضياعه.. وبخصوص شقتك فهتاخدها وهيطلعوا منها
كان ياسين يقف بجوار سليم يتابع ما يحدث وهو يشعر بانتشاء ونظراته ممتلئة بالحقد تجاه مدحت، بينما فيروز فقد خرجت متأهبة من داخل غرفتها واندفعت إلى المطبخ تلتقط سكين وتعود بها إلى حيث يقف مدحت وانقضت عليه تنوي طعنه لولا سليم الذي لحق بها ومنعها وجذب السكين من يدها باللحظة الأخيرة ويمسك بذراعها هاتفًا:
_أنتي اتجننتي يافيروز بتعملي إيه!!
لم تكترث لأي صوت حولها وعلقت نظرها على مدحت بثبات ثم صرخت به متوعدة وهي تظهر عن أنياب شرسة ومرعبة لأول مرة:
_لو مطلعتش برا بيتي هقتلك وابنك الـ**** لو شفته هقتله وهاخد حق أمي بإيدي
ارتعد مدحت منها وأخذ ينقل نظره بينهم كلهم باضطراب ثم استدار وغادر مسرعًا يفر قبل أن يناله من الأذى نصيب على يدها.
التفتت فيروز برأسها وحدقت بسليم مطولًا في قوة ثم عادت إلى غرفتها مجددًا وأغلقت الباب لتنعزل وحيدة أحزانها في حداد، بينما ياسين فراح يتوسل سليم بعينان دامعة ونبرة طفولية:
_خدنا معاك ياعمو سليم عشان خاطري أنا خايف اقعد أنا وفيروز وحدنا هنا
جثى سليم على ركبتيه أمامه وأجابه بنبرة رجولية:
_متخافش ياحبيبي مفيش حد يقدر يعملك حاجة
انهمرت دموع ياسين على وجنتيها بغزارة خوفًا وهتف بارتيعاد:
_ممكن يعملوا في فيروز زي ما عملوا في خالتو جمالات، عشان خاطري خدنا نقعد معاك أنا خايف
تنهد سليم بحيرة من أمرة والتزم الصمت مغلوبًا وراح يضم الصغير إلى حضنه يمسح على شعره وظهره بحنو ليطمئنه وعقله يفكر مليًا في رغبة ذلك الطفل وتوسلاته في أن يكونوا في كنفه...
***
داخل منزل مروة بعد انصراف المأذون والشهود وانعقاد قرآنها هي وشاهين، كانت هي مرتدية ثوب أبيض طويل بحمالات رفيعة وبفتحة دائرية عند الصدر وتاركة العنان لشعرها مع حذاء عالي من نفس لون الفستان، فقد تعمدت ارتداء اللون الأبيض زمرًا للفرحة دليلًا على أنها عروس الليلة وأنها ليلة زفافها، لم تكن سعادتها بزواجها من شاهين سعادة امرأة ظفرت بعشيقها بقدر ما كانت سعادة نصر بنيل مرادها وخطو أولى خطواتها نحو أهدافها.
عاد شاهين وجلس بجوارها بعد توديعه لأصدقائه الذين شاركوه في زواجه وكانوا الشهود على عقدهم، وراح يميل عليها يخطف قبلة حميمية من وجنتها متمتمًا:
_مبرووك ياعروسة
ابتسمت مروة بدلع وردت على استحياء:
_الله يبارك فيك يا شاهو
ضحك شاهين وغمز لها بوقاحة مجيبًا:
_شاهو كمان ده بينلها ليلة عنب بصحيح
سألته مروة بفضول :
_هتقول امتى لداليا أنك اتجوزتني ؟
تقوست تعابير وجهه وتحولت للحنق الشديد فور ذكرها لداليا وهتف بجدية وحزم:
_وبعدين بقى يامروة هو ده وقته الكلام ده يعني ومالك ومال داليا دلوقتي.. احنا الليلة دي عرسان واتجوزنا يبقى نخلينا في نفسنا مش هو ده اللي أنتي كنتي عايزاه.. مش فرحانة ليه بقى
قررت التريث وعدم تعكير مزاجه أو ليلتهم والاستمتاع بليلتها المميزة مع زوجها فردت عليه متأسفة بغنج:
_عندك حق معلش حقك عليا ياحبيبي مش هجيب سيرة أي حد ولا أي حاجة.. بس أنت طبعًا هتبات معايا الليلة دي مش هتسيبني في ليلة جوازنا
ابتسم شاهين بنظرة جريئة وهمس في صوت يحمل مشاعر الرغبة الفياضة:
_اطمني الليلة دي أنا ليكي وحدك يامروتي
افتر ثغرها عن ابتسامة رضا عريضة بينما شاهين فهب واقفًا وحمل مروة بين ذراعيه وسار بها باتجاه غرفة نومهم ليبدأوا ليلتهم الاولى كزوجين ليس كعشاق سريين...
***
على الجانب الآخر بمكان مختلف بمنزل شاهين وداليا الطوخي.. كانت داليا جالسة بحديقة منزلها على المقعد الخشبي الهزاز وبين اللحظة والأخرى عيناها تسقط على بوابة المنزل منتظرة وصول زوجها، وبيدها الهاتف تراقب الساعة التي شارفت على الواحدة بعد منتصف الليلة، ومحاولاتها المستميتة بالاتصال به كانت كلها تنتهي بالفشل حتى بدأ الشك والقلق يتسلل لقلبها خوفًا من أن يكون صاحبه مكروه.
بينما بالأعلى كان طارق يقف في شرفة غرفته فرأى أمه جالسة وحيدة بالحديقة فاستنتج أن والده تأخر ولم يعد حتى الآن فدخل لغرفته وغادرها يقود وجهته إلى حديقة المنزل حيث توجد أمه، ليسمع داليا تهتف بتعجب فور رؤيتها لها:
_طارق إيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي ؟!
تقدم نحوها وجلس بجوارها مجيبًا بهدوء تام:
_مش جايني نوم مش عارف أنام.. أنتي مستنية بابا ؟
ردت بالإيجاب وصوت مضطرب:
_أيوة برن عليه مش بيرد واتأخر أوي.. أنا قلقت عليه
مال ثغر طارق بشبه ابتسامة تهكم خفية وخرج صوته غليظ جاد:
_لا متقلقيش على بابا هو كويس قلقك ملوش لزمة
تجمهت ملامح داليا وهتفت بحزم تنهر ابنها:
_إيه الأسلوب اللي بتتكلم بيه عن باباك ده ياطارق وأنت إيه عرفك أنه كويس ؟!!
مال طارق برأسه للجهة الأخرى وهو يطلق زفيرًا حارًا بحنق لعدم قدرته على مصارحة أمه بكل شيء، ثم عاد ينظر في وجهها وهو يعتذر على مضض مصححًا كلماته:
_أنا آسف ياماما مقصدش اتكلم بالطريقة اللي فهمتيها دي طبعًا بس قصدي أن بابا أكيد كويس وهو مشغول في حاجة وهيرجع لما يخلص فروحي نامي وارتاحي ومتقلقيش نفسك
أطالت داليا النظر في وجه ابنها بحيرة من أمره ثم سألته باهتمام:
_صحيح أنك غيرت رأيك في السفر زي ما قالي بابا ؟
أماء لأمه بالإيجاب ورد في نظرة ثاقبة مع نبرة حازمة كلها مسئولية واهتمام:
_أيوة ياماما مش هقدر اسيبك أنتي ولارا وامشي
ابتسمت داليا بعدم فهم وهتفت براحة:
_رغم أني مش فاهمة إيه سبب رغبتك الشديدة في أنك متسبنيش أنا وأختك بس مش مهم طالما أنت شلت الفكرة دي من دماغك أنا كدا مبسوطة ومرتاحة.. ربنا يهديك ياحبيبي
التقط طارق كف أمه ورفعه إلى فمه يقبل ظاهره بحب ويهمس في نظرة ذات معنى وهو يحتضن كفها بقوة:
_مش عايزك تخافي أبدًا ياماما من أي حاجة ولا تزعلي نفسك أنا دائمًا جمبك ومش هبعد عنك ومش هسمح لأي حد أنه يأذيكي
لمعت عيناها بوميض يملأه مشاعر الأمومة الصادقة ورفعت يدها تمسح على شعره ووجهها بحب لابنها الوحيد متمتمة:
_وأنا إيه اللي يخوفني ياحبيبي طول ما أنت وبابا جمبي مفيش حاجة هخاف منها ولا حد يقدر يأذيني
تمنى لو ينطق ويفضح حقيقة خيانة والده لها وأن الأذي قد ينالها منه هو، لكنه لم يستطع وفضل الصمت فلم يكن يتحلى بالشجاعة الكافية لإخبارها بحقيقة شنيعة كهذه...
***
بصباح اليوم التالي.....
بعد ليلة طويلة ودسمة مكتظة بالأحداث المرعبة والمريبة ودون أن يشعر أو يكون لديه أي رغبة أصبح جزء أساسي من تلك الليلة، وقضى الليل كله بعد عودته للمنزل يفكر في استغاثة ياسين به وطلبه منه أن يضمهم لحمايته، وبالنهاية وصل لقرار وحل حتى لو لن يرضيه لكنه سيرضى ضميره.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا غادر منزله واتجه إلى البناية التي تقطن بها فيروز ووقف أمام باب الشقة وطرق الباب وانتظر الرد، ففتحت هي له بعينان منتفخة من فرط البكاء ووجه ذابل وحزين مرتدية ثوب أسود طويل وبأكمام طويلة، التقت عيناهم لنصف دقيقة في صمت حتى خرج صوت سليم الرجولي وهو يسأل:
_عاملة إيه يافيروز دلوقتي؟
هزت رأسها بأسى وخرج صوتها مبحوح وخافت:
_الحمدلله.. بحاول أكون كويسة
أخذ سليم نفسًا عميقًا وقال بجدية ولهجة مهذبة:
_طيب ممكن اتكلم معاكي شوية
ضيقت عيناها بحيرة من رغبته في الحديث معها لكنها افسحت له الطريق وتنحت جانبًا دون تردد وقالت:
_طبعًا اتفضل
دخل سليم واتجه إلى الأريكة وجلس عليها وقبل أن تقترب منه فيروز خرج ياسين من غرفته وركض باتجاه سليم فرحًا فور رؤيته له وارتمى بين ذراعيه فضمه سليم بدفء مبتسمًا ثم ابتعد ياسين عنه وهمس يسأله بحماس طفولي وفرحة:
_أنت جاي عشان تاخدنا معاك ياعمو سليم صح ؟
تنهد سليم وابتسم له ابتسامة خافتة وتمتم وهو يمسح على شعره:
_أن شاء الله يابطل.. ادخل بس أنت الأوضة دلوقتي عشان نتكلم أنا وفيروز
التفت ياسين برأسه وتطلع في أخته مبتسمًا بسعادة غامرة بينما فيروز فكانت نظراتها كلها فضول عن الهمسات التي دارت بينهم ولم تسمعها، وبعد عودة أخيها إلى غرفته جلست بالقرب من سليم وسألته باهتمام:
_اتفضل موضوع إيه اللي حابب تكلمني فيه
اعتدل سليم في جلسته وأصبح في مواجهتها مباشرة ثم قال في لهجة رجولية رغم قوتها إلا أنها تبعث الآمان والسكينة:
_بصي أنا حابب اساعدك وعارف أنك حاليًا صعب تقدري تلاقي مسكن تاني غير الشقة دي والمصاريف كتيرة كمان عليكي، فأنا عندي اقتراح ممكن تيجي تقعدي في الشقة عندي مؤقتًا لغاية ما توفري مسكن مناسب ليكي أنتي وأخوكي وأنا في العمارة عندي في الدور الأخير في السطح في أوضة فيها كل حاجة أنا هقعد فيها
اتسعت عيني فيروز بصدمة من عرضه وانقعد لسانها حتى أنها بقت تحدق به بعدم استيعاب ولا تعرف بماذا تجيب، لكن بعد فترة من التحديق به فاقت وازدردت ريقها باضطراب حاولت إخفاءه وتحدثت بثبات وقوة:
_أنا مقدرة رغبتك في مساعدتي ياسليم وبجد ممتنة جدًا ليك لأن أنت الوحيد اللي اختار أن يقف في صفي ويساندني في محنتي، بس أنا مش هقدر أوافق على عرضك خصوصًا بعد الكلام اللي بيتقال عني أنا كدا هثبت للناس أن كل حاجة حقيقية وكمان أنا مش هسيب بيتنا غير لما يتمسك الحيوان سمير وياخد جزائه
بقى سليم صامتًا يفكر في رد مناسب على كلامها ورفضها لعرضه فوجدها تستطرد بتهكم بائس وصوت مقهور:
_بعدين أنت إيه اللي يخليك تعرض عرض زي ده وتدخل واحدة بيتك وهي طالعه عليها سمعة وحشة في المنطقة كلها
رفع أنامله وحك في ذقنه لثواني قبل أن يعيد نظره لها ويقول بنظرة ثاقبة وصوت أجشَّ:
_بما إنك سألتي فأنا هجاوبك.. أنا يدوب عرفتك من كام يوم بس ومعرفش عنك أي حاجة ولو قولتلك أني واثق أنك مش زي ما بيتقال عنك أبقى كداب لأني مش واثق للأسف، بس أنا قررت اتغاضى عن كل ده واقدم ليكي المساعدة لأن ضميري مسمحليش اشوف في خطر بيهدد الطفل الصغير اللي جوا ده واسكت، فعشان نبقى صرحاء مع بعض اعتبري العرض ده لحماية ياسين وأنتي أكيد يهمك أخوكي قبل أي حاجة ودي أنا واثق منها أنك لا يمكن تقبلي تقعدي في وضع ممكن يأذيه
اطرقت فيروز رأسها أرضًا بقهر وتلألأت العبرات في عيناها ألمًا وحسرة على حالها بعد كلماته القاسية لكنها ابتسمت من بين أحزانها وعادت تنظر له وتقول بقوة مزيفة:
_عجبتني صراحتك.. وأنا فعلًا مفيش حاجة تهمني في الدنيا دي دلوقتي غير ياسين
رد سليم مبتسمًا بارتياح وقال:
_دي حاجة كويسة أن هدفنا واحد، خلاص نقدر نعمل الاتفاق إنك تقعدي عندي أنتي وياسين مؤقتًا لغاية ما اساعدك توفري بيت تاني في مكان آمن ليكم وخلال الفترة دي متقلقيش أنتوا في حمايتي ومحدش يقدر يقربلكم.. أما بخصوص سمير فاطمني خلال أيام قليلة هيوصلوا ليه أنا متابع مع ظابط معرفة وهيمسكوه وحق والدتك هيرجع
هزت فيروز رأسها بتفهم وعلى ثغرها ابتسامة مستهزئة وبعيناها نظرة ذكاء وشراسة فسألته بقوة:
_وياترى إيه المقابل قصاد الحماية اللي هتقدمها لينا.. أنا واحدة لا معايا مال ولا ملك ولا حاجة اقدر ادهالك.. مفيش غير حاجة واحدة ياترى هي دي المقابل ولا إيه ؟
فهم سليم ما ترمي إليه بكلماتها التهجمية ونظراتها الشرسة فأجابها بخشونة وانزعاج:
_اللي في بالك ده لا يمكن يحصل واقدر اضمنلك الحماية مني أول واحد وقبل أي حاجة في الشيء ده، وأنا مش عايز أي مقابل منك يافيروز أنا بقدملك مساعدة وهدفي أنك تعيشي في آمان أنتي وأخوكي ومحدش يأذيكم
أطالت النظر في وجهه وكأنها تحاول اختراق عقله ومعرفة ما إذا كان صادقًا ولا يريد الأذى لهم حقًا أم أنه يكذب ويكن لهم الشر والصغينة في نفسه، فتنهدت الصعداء بحيرة وأجابت عليه في صوت خافت ومتردد:
_طيب أنا هفكر وارد عليك مقدرش أخد قرار متسرع في لحظتها كدا
هب سليم واقفًا وتمتم في تفهم وهدوء تام:
_مفيش مشكلة خدي راحتك وفكري كويس وردي عليا
أماءت له رأسهًا بالموافقة واستقامت أيضًا لترافقه حتى الباب وتودعه ثم تعود وتجلس مجددًا على الأريكة تفكر في عرضه بحيرة...
***
عودة لمنزل شاهين وداليا....
قضت داليا الليل كله تقريبًا مستيقظة لم تنم سوى ساعتين من فرط القلق على زوجها.. وإذا بها تجده أخيرًا يدخل من باب الغرفة وكان بتمام الساعة الحادية عشر صباحًا، فرمقته شزرًا عندما رأته يدخل وهو مبتسم ويبدو عليه السعادة والراحة،لكن سرعان ما اختفت ابتسامته عندما رأى وجه داليا وهي جالسة على الفراش وترمقه بنارية فقال في لطف:
_أنتي مستنياني ياحبيبتي ؟
هبت داليا واقفة وسألته بهدوء ما قبل العاصفة:
_كنت فين يا شاهين طول الليل ومش بترد على مكالماتي ليه
ضيق عيناه بتعجب وقال مندهشًا:
_انا مش بعتلك رسالة ياحبيبتي وقولتلك واحد صحبي عامل حادث وروحت معاه المستشفى وأني هبات معاه في المستشفى
فقدت داليا أعصابها وصاحت به منفعلة:
_لا والله واحد صاحبك.. أنا مشفتش رسائل ولا حاجة ولو فعلًا صاحبك مش بترد عليا ليه سايبني الليلة كله دماغي تروح وتيجي في مليون حاجة وقلقانة عليك
اقترب شاهين منها وحاول ضمها ليهدأ من روعها متمتمًا بحنو:
_أنا آسف يا داليا بس مكنتش سامع التلفون اصلا من الدربكة اللي كنت فيها ولما شفت رناتك كان الوقت اتأخر فخفت ارن تكوني نمتي واصحيكي فبعتلك رسالة عشان لما تصحي تشوفيها
دفعته داليا بعيدًا عنها بنفور وقالت محذرة إياه بشر حقيقي:
_ أنت تصرفاتك بقت مريبة أوي يا شاهين وأنا مبقتش مرتاحة.. صدقني لو اكتشفت أنك مخبي عني حاجة النتيجة مش هتعجبك أبدًا.. متنساش أنا بنت مين واقدر اعمل إيه
همت بأن تندفع من أمامه وتنصرف لكنه قبض على ذراعها وحدقها بنظرة مشتعلة وقال بسخط شديد:
_أنتي بتهدديني يا داليا وإيه يعني أنا بنت مين ؟!!.. وإيه بقى اللي هتعمليه أن شاء الله.. هتحرميني من العز ده اللي أنتي السبب فيه مش كدا.. كل مرة بدن أنك اتغيرتي وهتبطلي اسلوبك ده بتخيبي ظني فيكي رغم أني عارفة أني اكتر بتجنني أنك تحاولي تحسسيني اني قليل وأنك انتي اللي ليكي فضل عليا في الفلوس والشغل اللي في أيدي، بس أنا مش بتهدد يا داليا واعتبري اللي بينا انتهي طالما أنتي وصلتي للمرحلة دي ومش عارفة ترجعي منها يبقى كفاية كدا
ثم ترك ذراعها وألقى عليها نظرة أخيرة كلها عتاب وغضب قبل أن يستدير ويرحل ويتركها وحيدة تشعر بمشاعر متضاربة ما بين الضيق والندم.....
***
داخل شركة الطوخي تحديدًا بمكتب عوني كان يتحدث مع أحد رجاله الذين يعملون لديه وينفذون له كل رغباته وأوامره، وكان عوني يتحدث مع الرجل ويقول بحدة:
_عايزك يا صلاح تقلب الدنيا ولو اضطريت تنزل لسابع ارض يبقى تنزل المهم تعرفلي مكان سليم فين
أجاب صلاح بالانصياع التام:
_تحت أمرك يا عوني بيه بس أنت متعرفش أي حاجة عنه أو حتى مكان أنت شاكك أنه ممكن يكون موجود فيه عشان يبقى الموضوع اسهل
_للأسف ياصلاح دورت في كل مكان خطر على بالي وملقتهوش فيه فعايزك أنت تتولي المهمة دي وتعرف مكانه فين
رد صلاح بتفهم وابتسم بثقة وخبث مجيبًا:
_ على بركة الله يا عوني بيه متقلقش في اقرب وقت هعرف مكانه فين وهبلغك
قطع حديثهم صوت طرق الباب فهتف عوني يسمح للطارق بالدخول.. ليجد مروان يدخل وهو يحمل بيده أوراق تخص العمل واقترب من مكتب عوني وجلس على المقعد المقابل لصلاح ووضع الأوراق أمام عوني متمتمًا:
_دي أوراق مهمة تخص المشروع ياعوني بيه لازم تبص عليها الأول قبل ما نبعتها للمهندسين
التقط عوني الأوراق وبدأ في تفقدها بينما مروان فالتقت نظراته بنظرات صلاح والقوا التحية على بعضهم لكن مروان أطال النظر في صلاح بنظرة تحمل الشك، فهو يعلم أن عوني لا يستعين بصلاح سوى في الأمور الجدية، ويبدو أن ذلك الأمر هو محاولة العثور على مكان سليم...
***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا.......
اتجهت فيروز إلى الباب لتفتح بعد أن سمعت صوت رنين الجرس، بلحظة ظنت أن الطارق هو سليم وربما عاد ليسألها عن قرارها ففتحت الباب بكل ثقة ودون تردد لكن تجمدت بأرضها عندما رأت أمامها عمتها وبجوارها أحلام وخلفها رجل طويل وعريض هيئته مرعبة.
ولم تلبث لتفتح فمها فإذا بصفعة عنيفة هوت على وجنتها من عمتها كادت أن تطيح بها أرضًا لكنها تحكمت بتوازنها على آخر لحظة وتقهقهرت للخلف بخوف بسيط عندما راحتهم يتقدمون نحوها وصاحت بهم:
_أنتوا جايين ليه وعايزين مني إيه ؟
صرخت بها كوثر بكل قسوة ونبرة فظة:
_على آخر الزمن بقى أنتي يا **** تخلي سمعة أخويا اللي يرحمه في الأرض بسبب مشيك البطال يا ****
انقضت أحلام على فيروز وجذبتها من شعرها تعنفها وهي تهتف بشماتة:
_الصراحة مش خسارة اللي هنعمله فيكي دلوقتي أنتي بنت حرام وتستاهلي
انتقلت عيني فيروز إلى الباب ووقعت على ذلك الرجل الذي يحدثها بنظرات جريئة وراغبة كلها شهوة وإعجاب، فتسارعت نبضات قلبها رعبًا لكنها تحولت بالشجاعة وراحت تدفع أحلام عنها بكل قوة وتصرخ بهم صائحة:
_لو حد قربلي هصرخ وألم عليكم الناس والله العظيم
ضحكت كوثر ساخرة وقالت:
_ ومين بقى اللي هيجي بن واحدة **** زيك اللي هيسمع صراخك هيفتكر معاكي راجل في البيت من الرجالة بتوعك.. بس متقلقيش قبل ما ده يحصل هاخد ابن أخويا أكيد مش هخليه يعيش مع واحدة **** زيك ولا يشوف اللي هيحصل فيكي
ثم اندفعت كوثر إلى الداخل متجهة إلى غرفة ياسين لتأخذه فهرولت فيروز خلفها بعد أن أفلتت نفسها من قبضة أحلام وامسكت بعمتها تتوسلها في بكاء شديد هاتفة:
_طيب ابوس إيدك ياعمتو مش دلوقتي هو نايم ولو صحي دلوقتي وشافكم كدا هيتخض ومش خيرضى ياروح معاكي اوعدك بكرا الصبح أنا هجبهولك لغاية البيت ولو مجبتهوش تعالي أنتي خديه.. ابوس ايدك متاخدهوش دلوقتي اصبري لغاية الصبح
رمقتها كوثر بقرف ثم دفعتها بعيدًا عنها بعد تفكير للحظات وقالت موافقة على طلبها:
_ماشي هصبر لبكرا عشان خاطر ابن أخويا بس.. ولو بكرا مجبتهوش متلوميش غير نفسك على اللي هعمله فيكي
ابتسمت فيروز بفرحة وراحت تهز رأسها بالخضوع التام في راحة:
_حاضر متقلقيش صدقيني بكرا هجبهولك أنا عارفة أصلًا أنه عندك هيكون في آمان احسن وراحة ليه
ضحكت كوثر بشر وأجابتها برضا:
_جدعة.. كدا أنتي تعجبيني وأنتي متجاوبة معايا عشان منتعبش بعض
ثم نظرت إلى أحلام وأشارت لها بأن تتحرك أمامها ليرحلوا، وكانت أحلام تحدق بفيروز شزرًا معترضة عن تراجع أمها عن خطتهم وتأجليها لكنها انتقلت لأوامره وغادرت معها.. بينما كوثر فمرت من جانب الرجل وهمست له بنظرة شيطانية :
_معلش هنأجل اللي متفقين عليه بكرا
همس لها الرجل مجيبًا بحنق:
_كدا الحساب اللي اتفقنا عليه هيزيد
_ متقلقش اللي أنت عايزه هتاخده .. إجابته كوثر بكل صلابة
ثم رحلوا ثلاثتهم وتركوا فيروز وحيدة دموعها تنهمر بغزارة على وجهها وجسدها يرتجف خوفًا فركضت باتجاه الشرفة لتراقبهم وفور تأكدها أنهم رحلوا .. دخلت واسرعت إلى غرفة أخيها تطمئن عليه ثم اتجهت إلى غرفتها وبدأت في حزم ملابسها واشيائها الخاصة هي وأخيها في الحقائب.
استغرق الأمر حاولي ساعتين وهي تقوم بجمع كل شيء يخصها داخل الحقائق والأكياس ثم ارتدت ملابسها وهرولت مسرعة مغادرة المنزل ونزلت الدرج حتى غادرت البناية بأكملها وراحت تتلفت حولها لتتطمئن أن لا يوجد من يلاحقها واتجهت إلى منزل سليم لتجده يغلق باب المكتبة فأسرعت في خطواتها لتلحق به قبل أن يدخل البناية وصاحت منادية عليه:
_سليم
التفت سليم بجسده للخلف على أثر صوتها ووقف مكانه ينتظرها حتى وصلت إليه ووقفت أمامه وهي تلهث أنفاسها فسألها هو بقلق:
_مالك يافيروز في حاجة حصلت معاكي ولا إيه ؟!
تجاهلت سؤاله وردت عليه دون مقدمات تخبره عن قرارها النهائي:
_أنا موافقة
غضن حاجبيه باستغراب وللحظة لم يفهم مقصدها فسأل بحيرة:
_موافقة ؟!!!
هتفت موضحة له كلماتها أكثر بنبرة أكثر قوة وحدة:
_موافقة على عرضك ياسليم.. موافقة أننا نقعد عندك في البيت وتحمينا