رواية لأنك أنت الفصل الثامن8 بقلم ندي محمود توفيق

رواية لأنك أنت الفصل الثامن8 بقلم ندي محمود توفيق
التفتت برأسها تلقائيًا تجاه سليم الذي كان يقف على بُعد خطوات خلفها وعادت برأسها تنظر إلى حازم بارتيعاد وتقهقهرت للخلف لا إداريًا فوجدته يتقدم نحوها هائجًا ويجذبها من ذراعها ثم وجه لها صفعة عنيفة على وجنتها.
اخفت وجنتها بكفها بعد صفعته لها وحدقته شزرًا ثم وجدته يقبض على ذراعها ويجذبها عنوة معه، فصرخت وهي تدفعه بعيدًا وتفلت ذراعها من قبضته:
_أبعد عني ومتلمسنيش
صاح حازم بصوت جهوري وكان في حالة هياج مرعبة جعلته فاقد السيطرة على نفسه حيث رفع يده مجددًا ينوي صفعها مرة أخرى وهو يقول:
_كمان بيطلعلك حس.. شكله الكلام اللي داير عليكي في المنطقة صح
قبل أن تهوى يده فوق وجنتها مجددًا تعلقت بالهواء بسبب كف سليم الذي أوقفها ووقف أمامه حائل بينه وبين فيروز وقال بلهجة تحمل تحذير مميت:
_أطلع برا بيتي بالذوق 
اختبئت فيروز تلقائيًا خلف ظهر سليم تلوذ إليه من بطش حازم الذي أجاب على سليم بعينان ملتهبة من فرط الغضب:
_أنا افتكرتك.. مش أنت برضوا صاحب العربية اللي خبطتها، متقلقش هطلع بس هاخدك معايا وهطلعك على نقالة
انهي عباراته والحقها بلكمة عنيفة وجهها إلى سليم جعلت توازنه يختل، أطلقت فيروز شهقة فزعة وهي ترى سليم يتلقي تلك اللكمة العنيفة من حازم وأدمت شفتيه على أثرها، لكن بعدها رأت نظرة في عينيه متوجهة إلى حازم جعلتها تتقهقهر للخلف خوفًا من القادم.
انتصب سليم في وقفته وثار على حازم يوجه له عدد من اللكمات المتتالية دون أن يمنحه الفرصة للرد أو تدارك نفسه ثم قبض على رقبته ودفعه باتجاه الحائط وهو يخنقه بنظرات قاتلة ويهتف بصوت رجولي خشن:
_أنت وشك أصلًا مش عاجبني من أول ما شوفتك ودلوقتي كمان جاي تعمل عليا راجل في بيتي، أنا قادر دلوقتي بكلمة واحدة مني اخليك تعفن في السجون بس هديك فرصة تاني ويارب تستغلها لأن المرة الجاية مش هسمي عليك
فرت الدماء من وجه حازم واحتقنت أنفاسه وكان يحاول دفع كف سليم عن رقبته ليلتقط أنفاسه قبل أن يلفظها للأبد، لكن على الجهة الأخرى كانت فيروز تراقب المشهد بذهول وارتيعاد فاستعادت وعيها وهرولت تجاه سليم تحاول نزع يده عن حازم قبل أن يقتله وهي تتوسله:
_سيبه أبوس إيدك هتقتله في إيدك وتجيب مصيبة لنفسك
تركه سليم وتراجع خطوة للخلف يراقبه بانتشاء وهو يراه يسعل بقوة ويتلوي محاولًا التقاط أنفاسه، وبعد لحظات هدأ سعاله وانفاسه المتلاحقة فانتصب في وقفته ورمق سليم بوعيد متمتمًا:
_وأنا همشي بس هدفعك تمن اللي حصل ده وخليك فاكر كلامي
ثم التفت برأسه نحو فيروز الواقفة بجوار سليم ومد يده ينوي جذبها ليأخذها معه لكن سليم بسط ذراعه أمام فيروز يحول بين يدي حازم وبينها هاتفًا بابتسامة شر مشيرًا بعيناه على اتجاه الباب الذي على شماله:
_الباب من الناحية دي ولا الضرب أثر على نظرك.. يلا وريني عرض كتافك يادكر 
تطلع حازم بفيروز في نظرة تحذيرية ومرعبة يأمرها بأن ترافقه لكنها رفضت واحتمت بسليم أكثر هاتفة بشجاعة ربما استمدتها من الحصن المنيع المحتمية خلفه:
_امشي يا حازم وملكش دعوة بيا وإلا والله العظيم أبلغ عنك وأقول كل حاجة واحبسك  
اشتعلت نظراته حازم بلهيب الهياج والقي عليها نظرة أخيرة كلها وعيد ثم رمق سليم بمثلها.. ذلك الرجل الذي لا يعرف من أين ظهر له وما طبيعة العلاقة التي تربطه بفيروز.
ثم اندفع من أمامهم وغادر وهو ثائر ويتوعد لكلاهما، بينما فيروز فنظرت لسليم وحدقته بنظرة امتنان حقيقي وهمست تشكره بصوت خافت:
_متشكرة ياسليم
خرج صوت سليم غليظ ورجولي:
_طبعًا كدبتي يوم الحادث وقولتي أنه جوزك لأنك خوفتي منه
أطرقت فيروز رأسها أرضًا وتلألأت العبرات في عينيها بقهر ثم هزت رأسها بالإيجاب تأكيدًا على عبارة سليم متمتمة:
_ده ابن عمتي وأنا رفضاه ومش عايزاه وهو بيهددني بـ ياسين وأنهم هياخدوه مني
أماء برأسه بتفهم بعد أن اتضحت الصورة أمامه كاملة وهتف بلهجة حازمة ونظرة قوية:
_محدش يقدر يأخد منك أخوكي غصب، وأنتي لازم تكوني أقوي من كدا عشان تقدري تقف في وش أمثال ابن عمتك ده، الخوف هيخليهم ينالوا رغبتهم منك بسهولة 
زمت فيروز شفتيها بأسى رغم تقبلها لنصيحته إلا أن وضعها أصعب من مجرد شجاعة بالأخص عندما تكون لقيط، رفعت كفها ومسحت دموعها ثم قالت بقلق:
_شكرًا.. أنا همشي وأشوف ياسين راح فين قلقانة عليه جدًا
أوقفها سليم وقال بهدوء لكن يحمل لهجته الصارمة:
_متطلعيش دلوقتي هنا آمان ليكي أكتر ممكن يكون ابن عمتك مترصدلك في مكان ولسا ممشيش
رفضت فيروز بحدة وقالت باضطراب شديد:
_مش مهم أنا أهم حاجة عندي دلوقتي أعرف ياسين راح فين واطمن عليه
سليم بكل رزانة وهو يمتص طاقتها المندفعة:
_طيب ممكن تهدي.. وأخوكي أنا هنزل دلوقتي هدور عليه واجبهولك وأنتي استني هنا متطلعيش، مفيش حد هيقدر يدخل لا العمارة ولا شقتي وأنتي اقفلي الباب عليكي من جوا لغاية ما اجيبلك أخوكي وارجع
أطال النظر في وجهها مترقبًا منها الأجابة حتى وجدها تومئ له بالموافقة مستسلمة، فارتدي حذائه فور حصوله على الرد منها وانصرف تاركًا إياها وحيدة بمنزله...
                                     ***
فور خروج سليم من بناية منزل العم صبحي قابل نظرات مريبة من أهل الحي وخاصة النساء الذين بدأوا بالتهامس فيما بينهم وكذلك رجال القهوة التي كانت بجوار المنزل، وبالصدفة وقعت عيناه على ذلك الشاب الوضيع الذي سمعه ذات مرة وهو يخطط مع صديقه على فتاة وعلى ما يتذكره أن اسم الفتاة كان فيروز.. أطال النظر في وجهه بعينان ثاقبة ومرعبة ليقابل سمير نظرات سليم بأخرى مستفزة وابتسامة شماتة وانتشاء.
النظرات الموجهة إليه غريبة وجعلته يتيقن إن هناك شيء خفي لا يعلمه، لكن ليس الوقت الآن للاكتراث لهم فلديه مهمة أهم وهي إيجاد ياسين، فاندفع يبحث عنه بالشوارع المجاورة والمحيطة بهم حتى التقطته عيناه وهو جالسًا بإحدى الحدائق الصغيرة على أريكة خشبية وحيدًا واضعًا كفيه على وجنتيها ويحدق بالأرض شاردًا بحزن، فأطلق سليم تنهيدة حارة بارتياح وتقدم نحوه بخطوات هادئة حتى وصل وجلس بجواره متمتمًا في نبرة رجولية ورزينة وهو يحدق في اللاشيء أمامه:
_ينفع تقعد في مكان بعيد كدا ومتقولش لحد وتقلقنا عليك 
التفت ياسين برأسه تجاه سليم مفزوعًا وانتصب في جلسته وهو يسأله بصدمة:
_أنت عرفت إني قاعد هنا إزاي ياعمو سليم ؟
رمقه سليم بطرف عينه ورفع حاجبه باستنكار وأجاب:
_ليه هو أنت كمان مكنتش عايز حد يعرف مكانك.. أنت عارف أختك قلقانة عليك إزاي دلوقتي؟!!
اطرق ياسين رأسه أرضًا وقال بحنق:
_عارف.. بس أنا مكنتش عارف اقولها إيه لما تشوفني كدا 
ثم رفع رأسه مجددًا وأشار بيده على جرح بسيط في جبهته فاتسعت عيني سليم بقلق وسأله:
_مين اللي عمل فيك كدا ؟ 
هتف ياسين بغيظ شديد:
_اتخانقت مع واحد كان صاحبي لانه خلاص بعد اللي عمله وقاله مبقاش صحبي.. ضربته وضربني
اعتدل سليم في جلسته وأصبح مواجهًا له مباشرة وسأله باهتمام وجدية:
_ واتخانقتوا ليه؟
اشاح بوجهه للجهة الأخرى مغتاظًا وتمتم مجيبًا بصوت محتقن من فرط الضيق والحزن:
_عشان قال كلام وحش على فيروز.. وبقى يقول أنها مش كويسة وبتعمل حجات غلط وبتعرف رجالة
اتضحت الرؤية أمامه الآن وأدرك سبب النظرات الغريبة التي كانت موجهة له من الأهالي، والسبب تلك الإشاعات أو ربما الحقائق لا يدري.
تنهد الصعداء ومسح على شعر ياسين مبتسمًا بفخر متمتمًا:
_جدع أنت كدا تعجبني متسمحيش لحد يقول كلمة وحشة عن أختك واللي أنت عملته صح.. راجل 
قال كلمته الأخيرة وهو يغمز له بتباه مبتسمًا ليبتسم ياسين بثقة وراحة وقال في عبوس:
_طيب أقول إيه لفيروز لما تسألني اتعورت ازاي.. مش هينفع اقولها الحقيقة هتزعل أوي 
ابتسم سليم له بحب صادق وإعجب بشخصية ذلك الطفل التي لا تتماشي مع سنه أبدًا وقرر أن سيناقشه بطريقة الرجال التي تتناسب مع شخصيته المميزة، وراح يقترح عليه الحل بحكمة:
_قولها اتخانقت مع صاحبي على أي حاجة مثلًا أخد الكورة بتاعتي ومرضيش يرجعهالي
لمعت عيني ياسين بمكر وقال مبتسمًا بغمزة مؤيدًا فكرة سليم:
_فكرة حلوة كفك ياعمو سليم
ورفع كفه في الهواء أمام سليم يحثه على مصافحته بالكف فضحك سليم بقوة وراح يرفع هو أيضًا كفه ويصافحه مصدرًا طرقعة خفيفة، ثم استقام واقفًا وقال وهو يربت على كتفه:
_طيب يلا قوم يابطل عشان نرجع البيت لأن فيروز مستنيك عندي وقلقانة
ضيق عينيه باستغراب وسأل:
_فيروز راحت عندك ليه ؟!
رمقه بطرف عينه وابتسم ثم أجاب في ثبات:
_جات تسألني عنك افتكرت أنك موجود عندي فأنا قولتلها تستناني في البيت وأنا هنزل ادور عليك
أماء رأسه متفهمًا وسار معه عائدين إلى المنزل وهم يتبادلون الحديث الذي كان متولي مهمته ياسين ومستمر في سرد القصص والحكايات على سليم...
                                      ***
 داخل منزل عوني الطوخي....
كانت كاميليا جالسة بالصالون بجوار النافذة تحدق في الخارج بشرود تفكر في ابنها والداخل كانت داليا تقف بالمطبخ تقوم بتحضير شيء لأمها لتأكله بعد انقطاعها عن الأكل منذ ذهاب سليم، بالكاد تأكل مرة واحدة باليوم كله بعد إجبارهم لها على الأكل.
لكن ارتفع صوت رنين الباب فجأة وصاحت كاميليا على أمينة هاتفة:
_تعالي يا أمينة افتحي الباب وشوفي مين 
اتجهت أمينة إلى الباب مسرعة وفتحت فإذا بها تقابل يارا أمامها تحدثها بابتسامة صفراء متصنعة الود هاتفة:
_أزيك يا دادة أمينة عاملة ايه؟
لوت أمينة فمها بقرف ورمقت يارا بنظرة نفور مجيبة:
_أهلًا يا آنسة يارا اتفضلي كاميليا هانم قاعدة جوا في الصالة 
دخلت يارا وعيناها تجوب حولها باهتمام متسائلة:
-وسليم فين ؟ 
همست أمينة بصوت خافت ونظرة اشمئزاز:
_طفش من خلقتك وسبهالكم
ضيقت عيناها بتعجب والتفتت برأسها نحو أمينة متسائلة بجهل:
_قولتي إيه ؟
رسمت أمينة ابتسامة تهكمية وردت:
_بقول تشربي إيه يا حلوة يابيضة
رفعت يارا حاجبيها متعجبة من طريقتها لكنها ضحكت وقالت محاولة تلطيف الأجواء:
_دمك سكرة يا دادة.. لو أمكن ممكن اشرب ميلك تشيك بالستروبيري 
رفعت أمينة طرف شفاها باستهزاء من طلبها الذي لم تفهمه وردت عليها بكل برود واستفزاز:
_وهي الشكشوكة بقت عصير امتى عمومًا لو عايزة أكل عندنا سد الحنك.. بتحبيه؟
كرمشت يارا وجهها بقرف وقالت بضجر وهي تهم بالرحيل من أمامها:
_خلاص يا دادة أمينة شكرًا من عايزة اشرب حاجة 
ردت أمينة بصوت منخفض وهي تراها تتجه نحو كاميليا:
_وفرتي والله
 وصلت يارا لكاميليا وجلست على المقعد المقابل لها وهي تبتسم باتساع متمتمة:
_أزيك ياماما كاميليا وحشتيني أوي 
رمقتها كاميليا بطرف عينها في ضحر وأجابت في إيجاز:
_ خير يا يارا في حاجة حصلت ولا إيه؟
تبدلت معالمها بلحظة وتحولت للحزن الشديد والقلق ثم ردت:
_سليم ليا فترة برن عليه مش بيرد عليا وقلقت عليه أوي هو كويس ولا لا.. وليه مش بيرد عليا معقول يكون عرف الحقيقة 
أصدرت كاميليا تأففًا بنفاذ صبر وردت بغضب بسيط:
_سليم مش موجود في البيت الفترة دي، ووطي صوتك أنتي عايزة تفضحينا 
ابتسمت يارا بخبث وقالت مستغلة الوضع:
_لا يا كاميليا هانم مقدرش طبعًا افضحك وعشان ده ميحصلش يعني زيادة تأكيد لازم تكملي جميلك معايا وتساعدني اقرب من سليم اكتر وعلاقتي بيه ترجع كويسة زي زمان 
ضحكت كاميليا باندهاش واستقامت واقفة مجيبة عليها بنظرة مرعبة:
_الله ده انتي طلعتي بتعرفي تهددي كمان يابنت علاء النجار !!
استقامت يارا بدورها وقالت في غيظ :
_أه بعرف مهو أنا مش هغرق وحدي ولو طلع سليم عرف الحقيقة هقوله أن انتي اللي كنتي بتساعديني في كدبتي وأني استغله 
بتلك اللحظة كانت داليا بطريقها لأمها بالخارج لكنها تسمرت مكانها عندما سمعت آخر الحوار الدائر بينهم، بينما كاميليا فاقتربت من يارا وقبضت على ذراعها بعنف جعلتها تتأوه بألم والقت عليها تحذيراتها الحقيقية:
_طب فكري كدا واعمليها وشوفي هعمل فيكي إيه.. ده أنا ارميكي لكلاب الشوارع واندمك أنتي واللي جابوكي على اليوم اللي فكرتوا فيه تقفوا بيني وبين ابني 
تدخلت داليا بتلك اللحظة وفصلت بين أمها ويارا وقالت موجهة كلامها ليارا بحدة:
_اتفضلي يا يارا امشي ماما قالتلك سليم مش موجود في البيت
صاحت يارا بانهيار هستيري وعصبية:
_لا مش همشي أنا متأكدة أن في حاجة حصلت وأنتوا مخبينها عني أكيد قولتوا لسليم كل حاجة وهو بيعاقبني
ثم التفتت برأسها تجاه كاميليا وهمت بالانقضاض عليها صارخة:
_قوليلي سليم فين ياكاميليا هانم لمصلحتك 
أفصحت داليا عن أنياب عائلة الطوخي المرعبة وجذبت يارا من شعرها بقسوة صائحة بها في صوت جهوري:
_أنا معرفش إيه اللي انتي مخبياه ومرعوبة أن سليم يعرفه بس اتأكدي أن مش هو اللي المفروض تخافي منه لو عرف لأني لو عرفت سعتها أنا اللي هوريكي النجوم في عز الضهر، يارب متكونيش عاملة مصيبة واذيتي بيها سليم 
دفعت يارا يد داليا عنها وحدتها شزرًا ثم قالت متوعدة لهم:
_اوكي أنا هعرف مكانه فين وهقوله على كل اللي انتوا عملتوه فيا ده
ضحكت داليا بسخرية وهي تراها تندفع ثائرة باتجاه بابا المنزل مغادرًا فصاحت تجيب عليها ساخرة بصوت مرتفع:
_لا حوشي الحب اللي مولع في الدرة بينكم عشان يدافع عنك ويقف قصادنا
ضحكت كاميليا على رد ابنتها ثم لكزتها في كتفها هاتفية من بين ضحكتها:
_ضحكتيني يا داليا يخيبك يابت ده أنتي طلعتي  مش ساهلة؟
ابتسمت داليا بثقة وقالت في مكر:
_تربيتك يا كاميليا هانم.. قوليلي بقى إيه اللي مخبياه على سليم وساعدتيها في إيه ؟!
جلست كاميليا على مقعدها مجددًا وهي تتنهد بندم وشجن ثم ردت:
_هقولك بس توعديني متجبيش سيرة لأخوكي أبدًا ويبقى سر بينا
_حاضر متقلقيش مش هقوله 
                                     ***
داخل منزل العم صبحي....
كانت فيروز تنتظر بالصالون جالسة على أريكة كلاسيكية قديمة وأمامها شاشة تلفاز صغيرة، عيناها تتجو بالرجاء المنزل من حولها بفضول محاولة إلهاء نفسها عن التفكير بأخيها الذي ذهب سليم للبحث عنه، لكن لسبب مجهول انتابها شعور بالتجول في أرجاء المنزل فاستقامت واقفة وتحركت وكانت أول غرفة تدخلها هي غرفة نومه فرأت على المنضدة بجوار الفراش اشيائه الخاصة من عطره وساعاته وكذلك بعض الأوراق الخاصة به وعلى الفراش بعضًا من ملابسه موضوعين بنظام، فاقتربت لا إراديًا نحوهم ومالت على الفراش وهي تمد يدها نحوهم لكن تسمرت مكانها وانتصبت فورًا في وقفته بخلع عندما سمعت صوت الباب ينفتح فهرولت راكضة للخارج متلهفة وإذا بها تراه يدخل وبصحبته أخيها الصغير فأسرعت نحوها وضمته لصدرها وهي تقبله من رأسه بلهفة هاتفية:
_حبيبي يا ياسين كنت فين.. بقى تعمل فيا أنا كدا حرام عليك !!
ابتعد ياسين عنها ورد بلطف متأسفًا:
_أنا آسف يافيروز مش هعمل كدا تاني 
انتبهت الجرح الذي في جبهته فشهقت بهلع وصاحت متسائلة:
_إيه اللي عمل فيك كدا.. مين عورك! 
رد بكل ثقة وهو يحبّك القصة التي ألفها بمساعدة سليم:
_اتخانقت مع صاحبي في الشارع عشان أخد مني الكورة بتاعتي وبعدين روحت قعدت في الجنينة عشان كنت متضايق وخايف تزعقيلي لما تشوفيني متعور
هدأت أعصابها وابتسمت بحنو له ثم قالت معاتبة إياه:
_اخص عليك وأنا امتى زعقتلك يا ياسين على حاجة زي كدا 
اتسعت ابتسامته وقال وهو يوعدها:
_خلاص متزعليش اوعدك آخر مرة 
انتصب واقفة واطلعت في سليم مبتسمة بود وشكرته بامتنان حقيقي:
_أنا مش عارفة أقولك إيه يا سليم بجد متشكرة جدًا على اللي عملته معايا النهاردة وأنك رجعتلي ياسين 
أجاب عليها سليم بوجه جامد ولم تظهر ابتسامته سوى وهو يتطلع لوجه ياسين ويمسح على شعره بلطف:
_العفو أنا معملتش حاجة.. خدي بالك منه بس أهم حاجة
رفع ياسين نظره إلى سليم وغمز له بخبث كدليل على نجاح خطتهم فاتسعت ابتسامة سليم بود، ووجد ياسين يتعلق به ويعانقه هاتفًا:
_شكرًا ياعمو سليم أنت طيب زي جدو صبحي وأنا بحبك
خرج صوت سليم هادئ ورزين وهو يضمه بحضنه أكثر يملي عليه تعليماته هامسًا:
_اسمع الكلام بقى ومتتعبش أختك
_حاضر 
أمسكت فيروز بذراع ياسين وسارت معه لخارج المنزل بعد أن ودعت سليم بنظرة شكر للمرة الثانية، بينما هو هبقى ساكنًا مكانه بعد رحيلهم يفكر بذلك الكلام الذي قاله أخيها الصغير عن الشائعات المتنقلة بين ألسنة الأهالي بالحي.
                                       ***
بمساء ذلك اليوم في تمام الساعة التاسعة.. كانت فيروز بمنزل " جمالات" وفي حالة انهيار هستيري لا تتوقف عن البكاء رغم محاولات "جمالات" المستميتة في تهدأتها وهي تقول :
_اهدي يافيروز بقى اهدى يابنتي الله يخليكي عشان خاطري 
ردت فيروز من بكائها بصوت مبحوح:
_اهدى إيه ياماما جمالات اهدى إيه.. انتي مسمعتيش الكلام اللي بيتقال عليا في المنطقة كلها، أنا اتفضحت واتجرست وبقت سيرتي على كل لسان 
ردت جمالات بأسى وعينان دامعة مشفقة على حالها:
_منه لله اللي كان السبب ياحبيبتي حسبي الله ونعم الوكيل فيهم
رفعت فيروز رأسها ونظرت في وجه جمالات وراحت تسألها بحيرة:
_اعمل إيه أنا دلوقتي قوليلي اتصرف إزاي.. وهوري وشي في الشارع للناس ازاي
تبدلت تعابير وجه جمالات بلحظة وقالت في حدة وغضب:
_وأنتي هتخافي من الناس ولا إيه يابت ده أنتي اشرف من اتخن تخين فيهم.. اللي يتكلم ويقول حاجة في وشك انكتي صباعك في عينه.. واطلعي وادخلي براحتك ولا يهمك حد.. ده تلاقي حد ابن حرام مغلول منك وعايز يأذيكي
ردت فيروز بهم وقهر :
_وبعد اللي حصل النهاردة مع سليم ولما روحتله الشقة الكلام كله أكيد اتثبت عليا
رفعت جمالات يدها للسماء تدعي وتقول:
_سليم ده راجل ابن حلال ربنا يباركله دنيا وآخره.. طيب وابن حلال زي أبوه اللي يرحمه
سكتت فيروز وسرحت تفكر في تلك المصائب المتوالية وهي لا تعرف كيف تتصرف وماذا تفعل بينما جمالات فراحت تربت على ظهرها بحنو ونظرات شفقة وحزن......
                                     ***
عودة لمنزل صبحي حيث كان يجلس مروان بصحبة سليم بالصالة....
فهتف مروان بنظرة جادة متسائلًا:
_هتعمل إيه مع علاء النجار ويارا.. أنا شايف أنه فارد جنحاته أوي في الشركة والمشروع في غيابك وعوني بيه مشجعه
ابتسم سليم ساخرًا وقال بذكاء:
_دي أحد أساليب الضغط بتاعت بابا لأنه عارف أني بكره علاء النجار.. عمومًا خليه يعيشله يومين قريب أوي هخليه على الحديدة بس افوق من المشاكل اللي أنا فيها دي 
طرح سؤال آخر بحيرة :
_ويارا ؟
ارتاح سليم بظهره على الأريكة وفرد ذراعيه على جانبي أعلى الأريكة وقال بابتسامة شيطانية:
_لا دي حسابها تقيل معايا.. أنا عايزك أنت وأمير تسهلو ليها الطريق وتفرشهولها بالورد الأحمر كمان مع الواد اللي ماشية معاه 
اتسعت عيني مروان باندهاش من طلبه وقال مبتسمًا:
_ودي نعملها إزاي بقى ؟!
غمز سليم بخبث رجولي وعينان تنضج بالشر:
_الفلوس ياصحبي.. احنا في زمن القرش يخلي الراجل يعمل دور العروسة في الفرح
افتر ثغر مروان عن ابتسامة عريضة ونظرة ماكرة متبادلة بينه هو وصديقه ثم قال بعدم ثقة:
_مش مطمنلك ولا مطمن لدماغك دي يابن الطوخي 
سليم ضاحكًا:
_خطوة خطوة وهفهمك كل حاجة خلينا نبدأ بده بس دلوقتي لغاية ما ارجعلهم وافوقلهم 
هز مروان رأسه بالموافقة وتمتم بضيق:
_أمير قلقان عليك وحاول كذا مرة يعرف مكانك بس أنا رفضت اقوله 
زم شفتيه بأسى وأجاب:
_الأفضل مبيعرفش أنا هبقى أكلمه في التلفون وافهمه كويس تاني، أمير لو عرف.. بابا في يوم وليلة هيعرف مكاني أقل حاجة هيراقب خطواته خطوة بخطوة
استقام مروان واقفًا وقال بجدية وهو يربت على كتف صديقه:
_طيب أنا همشي عشان اروح اطمن على نور الأيام الأخيرة في الحمل دي صعبة أوي وهي تعبانة 
رد سليم عليه مبتسمًا بود صادق:
_ربنا يقومها بالسلامة ياصحبي وتفرح بابنك في حضنك قريب 
_أمين يارب 
                                  ***
بمكان مختلف تمامًا داخل منزل حازم....
كان جالسًا بالصالون أمام التلفاز وشاردًا أو بالمعنى الأدق عيناه حمراء كالدم من فرط الغيظ فاقتربت منه أمه وكذلك أخته وراحت تهتف كوثر باشمئزاز:
_أنا والله ما فاهمة أنت إيه اللي عاجبك في البت اللي ما عارفين أصلها من فصلها دي.. أنت شاور بس يابني وأنا أجبلك ست ستها تحت رجلك 
ردت أخته أحلام ساخرة:
_عملالاه عمل يا ماما.. هي شكلها بتعمل أعمال للرجالة كلهم عشان كدا ملمومين حواليها 
القى حازم نظرة قاتلة على أخته التي لم تخف بل العكس ازدادت غيظًا وصاحت به منفعلة هاتفة:
_بتبصلي كدا ليه هو أنا قولت حاجة غلط.. واحدة ولا بتحبك ولا عايزك وأنت برضوا ماشي وراها زي المخبول، وياريت واحدة عدلة دي بنت حرام وخالك خدها رباها وأخد فيها ثواب وحسبها علينا واحدة مننا قال 
نظرت كوثر لابنتها وابتسمت له بإعجاب وقالت مشجعة إياها:
_يسلم فُمك يابت.. بت أمك صحيح، ياكش البعيد بس يفهم
ثار حازم واقفًا وصاح بهم منفعلًا:
_ملكمش دعوة ومحدش يتدخل فيروز ليا ومش هتكون لحد غيري وهتجوزها برضاكم أو غصب عنكم والافضل تجهزوا نفسكم عشان قريب هتيجي هناك البيت وهي مراتي
ردت أحلام بشر ضاحكة باستهزاء من أخيها موجهة كلامها لأمها:
_الحقي ياماما ده بيقولك اجهزوا.. وماله جيبها ياخويا اهو اتسلى عليها شوية بدل الملل ده
استقامت كوثر واقفة وتحولت من حالة لضحك والتهكم التي كانت مستحوذة عليها وأصبحت صارمة ونظراتها شيطانية:
_تبقى ابني صح لو جبتلي ابن أخويا يبقى في حضني وميبفضلش مع بنت الحرام دي تربيه وسط الرجالة اللي هي حواليهم 
حدق بأمه في غيظ وقال محذرًا إياها بلهجة صارمة:
_متنسيش أنها هتبقى مراتي يا أمي وبلاش تقولي عنها الكلام ده أنتي وبنتك قدامي عشان لصبري حدود
راقبته كوثر وهو يندفع من أمامها ويتجه لغرفته بنظرة مذهولة من كلماته.. بينما أحلام فانفجرت في الضحك وقالت مستهزئة:
_ابنك خلاص محتاج علاج نفسي.. أو شيخ يفك العمل اللي عليه 
جلست كوثر على الأريكة وهي تضرب فوق فخذها مغتاظة وتقول بنظرة شر:
_لا احنا لازم نشوف حل معاها البت دي قبل ما ابني يروح مني بسببها
تساءلت أحلام بفضول وجدية بعدما اختفت ابتسامتها:
_هنعمل إيه يعني ؟ 
لمعت عيني كوثر بنظرة مرعبة كلها وعيد وتمتمت:
_هخططلها واحبكها كويس وأقولك هنعمل معاها إيه
مال ثغر  أحلام مفترة عن ابتسامة خبيثة تدعم بها تفكير أمها الشيطاني ....
                                        ***
بمنزل مروة استقامت من فراشها على أثر صوت رنين هاتفها واتجهت إليه لتلتقطه وتنظر إلى اسم المتصل فتجده شاهين، لتلوي فمه بحنق وتجيب عليه على مضض هاتفة:
_يانعم!! 
وصلها صوت شاهين المميز وهو يقول بابتسامة لمستها في صوته:
_جهزي نفسك عشان جايلك وجايبلك معايا هدية
ردت عليه بكل جفاء ورفض تام:
_أنا مش عايزة منك حاجة متجيش 
وصلها صوته الخبيث يجيب:
_ومش عايزة المأذون برضوا ؟!!
                                  ***
عودة لسليم الذي خرج لشرفة غرفته يتطلع إلى الشارع وهو شاردًا الذهن لكن لفت انتباهه رؤيته لفيروز وهي تدخل بناية منزلها وبيدها حاملة أكياس تبدو أنها خضروات وأطعمة، وباللحظة التي دخلت فيها لحق بها سمير للداخل مسرعًا.
ظل سليم يراقب الأجواء بعد اختفائهم معًا داخل البناية لمدة تقارب خمسة عشر دقيقة حتى وجد سمير يخرج مجددًا لكنه لم يكن كما دخل.. فقد بدا عليه علامات الزعر وهو يتلفت حوله برعب ثم ركض باتجاه الشمال فارًا، لكن اتسعت عيني سليم بفزع عندما لمح يده الغارقة بالدماء وهو ممسكًا بسكينًا ويفر بها هاربًا........

تعليقات



<>