رواية فتاة الاشارة الفصل الثالث عشر13 بقلم اسماعيل موسي


رواية فتاة الاشارة الفصل الثالث عشر13 بقلم اسماعيل موسي


سمعت تالا صفعت الباب مثل قلم تلقته على خدها ،بصت على السلم ،كان بإمكانها ان تركض ،ان تهرب، ثم نظرت تجاه باب مكتب يامان المغلق.
مش انا الى اعمل كده، مش تالا إلى تهرب من المواجهه، ولما أقرر امشى امشى بشروطى وقت ما احب وراسى مرفوعه
ضربت الأرض بغضب كعادتها ورجعت مكتبها ،بعد ما هديت شويه وعقلها صفى قدرت تفكر بوضوح ،انتى مجرد موظفه يا تالا، موظفه فى شركه كبيره فيه مديرين وشيفت ليدر وسوبر فايزر مش معقول تكونى مميزه عنهم وانتى حتتة موظفه صغيرة ،من ساعه ومن اول يوم
، أغمضت تالا عنيه ،انا هخلى شغلى إلى يتكلم، شغلى هو الى هيدخلنى جوه ويخلينى اقعد جوة المكتب مع يامان.
مر اليوم وكأن شيء لم يتغير، يامان مطلبهاش فى مكتبه يشكرها على ملاحظاتها إلى معتقده انها عظيمه ،ملاحظاتها إلى ممكن تنقذ الشركه من خساير كبيره ،مع نهاية اليوم فكرت تالا انه ربما كانت مغاليه فى ثقتها فى نفسها وان فيه موظفين كتير ممكن يكونو عملو نفس شغلها وبطريقه أوضح
لازم ترجعى لأرض الواقع  يا تالا.
قبل ما تروح قررت تالا انها تعمل شغلها بكل تفانى وانها ليست مميزه لهذا الحد، لكن هتعمل شغلها بطريقتها ،تالا قررت أن تبتكر طريقه جديده تقدم بيها شغلها ومن اول ليله
بدأت تدرس سوق العمل والاعمال كل ما يتعلق بشغلها الجديد، انها تقوى مواضع الضعف عندها والى اكتشفت انها كتيره ومحتاجه ايام طويله عشان تعالجها ،ولأنها مش عايزه تكون موظفه عاديه بدأت بحفظ كل المصطلحات الخاصه بشغلها وشغل الشركه بطريقه علميه تساعدها تقدم ملاحظاتها بصوره مرتبه ،وأن كان على يامان هى مش عايزه تشوف وشه اصلا، ليه تزعل انها مش هتدخل مكتبه ؟
بعد مراجعتها الاخيره وملاحظاتها ،المكتب عندها بداء يمتلاء بالملفات ،تكدست الملفات فوق بعضها حتى تكاد ان لاتراها من خلف مكتبها، صفقات صغيره وكبيره، ميزانيات تطلب المراجعه وبعد تدقيق وسؤال عرفت ان دى أوامر يامان
ان كل الصفقات قبل ما تتمضى من مكتبه تمر عليها، رغم كل شيء شعرت بالفخر ،ستمنحه ما يريده لكن بطريقتها
المستقبل كفيل ان يكشف ان كانت مميزه ام مجرد موظف اخر من الاف الموظفين الذين يؤدون عملهم.

جلست تالا أمام مكتبها والملفات تتكدس أمامها كأنها تتحداها منذ اللحظة الأولى لكنها لم تفتحها بعشوائية كما يفعل أي موظف جديد بل سحبت نفسا هادئا وكأنها تستعد لمعركة من نوع مختلف
لم تبدأ بالقراءة مباشرة بل أمسكت قلما وحدقت في الورق الأبيض أمامها للحظات ثم بدأت ترسم مربعات صغيرة متداخلة بشكل غريب لا يشبه أي جدول تقليدي وكانت عيناها تتحرك بسرعة وكأنها ترى نظاما لا يراه غيرها
فتحت أول ملف وبدأت تقرأ لكن بدلا من أن تكتب ملاحظات واضحة وضعت نقطة لون صغيرة على حرف واحد فقط من اسم الشركة فكان لون أزرق في عقد ولون أصفر في آخر وأحيانا لمسة حمراء بالكاد تلاحظ وفي بعض الصفحات نقطة سوداء صغيرة تكاد تختفي وسط الحروف
لم يكن هناك شرح ولا تعليق لكن ملامحها كانت تقول إنها تفهم كل شيء
انتقلت إلى الصفحة التالية وكتبت على الهامش معادلة قصيرة R يساوي ثلاثة فاصلة اثنين على سبعة وفي صفحة أخرى كتبت رمز دلتا وأسفله رقم سالب
بدت الأرقام عشوائية لكن عينيها كانت تقرأها وكأنها جمل كاملة وكل رقم يحمل حكما وكل رمز يختصر تحليلا كاملا
ثم فعلت شيئا أغرب فلم تضع الملفات في ترتيب منطقي بل دفعت العقود الأخطر إلى المنتصف وكأنها تخبئها داخل الكتلة بينما وضعت العقود العادية في البداية والنهاية لتصنع وهما زائفا بالترتيب
رفعت ملفا آخر وكتبت كلمة واحدة على الغلاف صيف ثم على آخر كتبت شتا وفي عقد ثالث توقفت لحظة قبل أن تكتب كلمة ليل بخط أبطأ
لم تكن كلمات عشوائية بل إشارات لا يعرفها سواها وكل كلمة تحمل معنى كاملا لا يحتاج شرح
حتى خطها لم يكن ثابتا ففي بعض الأماكن كان حادا وكأن القلم يجرح الورق وفي أماكن أخرى كان منحنيا هادئا وأحيانا كانت تضغط بقوة حتى يترك القلم أثرا عميقا
كانت تكتب لكنها في الحقيقة كانت تشفر
مر الوقت دون أن تشعر وتحولت الملفات أمامها من مجرد أوراق إلى شبكة معقدة لا يمكن فكها بسهولة
رفعت رأسها أخيرا وكانت عيناها تلمعان بثقة هادئة
أي شخص آخر سينظر إلى ما كتبته ويراه فوضى لكنها كانت ترى خريطة كاملة
همست بصوت منخفض اللي هيحاول يفهم ده هيضيع
ثم جمعت الملفات ورتبتها بعناية ومرت ابتسامة خفيفة على شفتيها
هذه المرة لم تكن فقط تثبت نفسها بل كانت تصنع لغة خاصة بها
لغة تجبر من أمامها أن يحاول فهمها وليس العكس

لما يامان طلبها مكتبه وقفت تالا لحظه قدام المكتب تسمع صراخه الغاضب ،ايه الفوضى دى ؟ هاتولى الموظف المسؤل عن كل الأهمال ده.
خبطت تالا على الباب ،قابلتها بسنت بأبتسامه صفره
ادخلى
فى المكتب كان كل رؤساء الأقسام قاعدين عند يامان فى صمت، يامان اول ما شافها صرخ وهو بيرمى الورق فى وشها
تقدرى تفهمينى ايه كل الفوضى دى ؟
هسمت تالا فيه ايه حضرتك؟ انا عملت المطلوب منى وقدمت الملاحظات!
ملاحظات ايه صرخ يامان ،عايزه تفهمينى انى انا وكل المدراء هنا اغبيه ؟
العفو حضرتك همست تالا بصوت هادى ،انا مقولتش كده
صرخ يامان طيب اتفضلى اشرحيلى ايه كمية الهراء والعفن الموجود هنا.
لمت تالا ورق الملاحظات المرمى على الأرض بايد مرتعشة
للحظه نسيت كل ما خططت له ،كل الرموز والمعادلات
نسيت كل شيء.
تعليقات



<>