رواية براعم الحب الفصل الثالث عشر13 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الثالث عشر13 بقلم رشا عبد العزيز
أظلمت الدنيا من حوله ولم يعد يرى سوى صورتها أمامه، صوت نحيبها يصم أذنيه، وفكرة واحدة تصرخ في عقله: هو السبب في ما حدث لها. قبض على عجلة القيادة بقوة ولم يشعر بـ «شريف» الذي جلس بجانبه توًا، حتى سمع صوت إغلاقه للباب. التفت نحوه وعاد يدير سيارته متجاهلاً وجوده، فهو لا يملك وقتًا للنقاش أو الاعتراض، كل ما يريده الآن هو الوصول إليه وتكسير عظامه، هذا ما سيشفي غليله منه.

كان «شريف» يراقبه بقلق، رغم أنه غاضب مثله لكنه خائف من تهور شقيقه، حافظ على صمته طيلة الطريق، ربما ذلك الصمت يساعد في امتصاص غضبه ولو قليلاً.

​وبعد مدة من الزمن وصلا إلى شقة «حسام» ليطرق الباب بعنف، واستمر في طرقه عندما لم يجد إجابة ليقول «شريف»:

_​اهدأ يا «سيف» الظاهر مش موجود.

لم ينصت لحديثه واستمر يطرق الباب كأنه يفرغ غضبه فيه، حتى انفتح الباب فجأة وصرخ «حسام»:

_​أي حد يخبط كدة؟

ليتمسمر بدهشة ويبهت وجهه وهو يجد «سيف» يقف أمامه بوجه غاضب ليقول متعجبًا:

_​«سيف»!

قتمت عيناه وتفاقم غضبه عندما وجد شعره يقطر ماءً، يبدو أن ذلك الغبي كان ينعش نفسه بحمام وكأنه لم يفعل شيئًا، ليباغته يمسك مقدمة ملابسه ويدفعه نحو الداخل، يهزه بعنف ويصرخ بوجهه:

_​عملت فيها كدة ليه؟ هي دي الأمانة اللي أمنتك عليها؟ قلت لك دي أختي وحافظ عليها وأنت وعدتني إنك هتصونها!

أنهى كلماته ولكمه بقوة حتى شج شفته وأسقطه أرضًا:

_​اتكلم يا حيوان!

مسح «حسام» الدماء بظهر يده ينظر بانفعال لنزفها ويصرخ هو الآخر:

_​أنا حر أنت مالكش دعوة بيا، مراتي وطلقتها محدش له حاجة عندي.

حديثه أثار ثورته من جديد ليجذبه مرة أخرى يلكمه من جديد ليردها «حسام»، لكن «سيف» أعاد لكمه عدة مرات حتى دخل «شريف» حائلاً بينه يبعد شقيقه بالقوة يصرخ به:

_​اهدأ يا «سيف» مش كدة خلينا نسمع منه.

أبعده «شريف» عنوة بعد عدة محاولات ليقف يلهث أنفاسه ينظر لـ «حسام» الذي جلس على الأريكة يلتقط أنفاسه ويتحسس الكدمات التي سببها له.

_​قصرنا معاك في إيه؟ كنت جيت واشتكيت لي، كنت فهمتني، اتكلمت معايا راجل لراجل، مش رايح تتشطر عليها وتضربها!

لم يجب «حسام» عليه واكتفى بنظرته الغاضبة التي يحدجه بها، وأصابعه تزيل الدماء عن أنفه، ليسأله «شريف» الذي وقف أمام شقيقه يمنعه من التقدم نحو «حسام»:

_​اتكلم يا «حسام» أنت عملت كدة ليه؟ خلينا نسمع جايز تكون هي غلطانة.

ليقاطعه «سيف» بانفعال وهو يصرخ به لائمًا يشير نحو «حسام»:

_

​غلطانة إيه؟ دي بتقول لك ضبطته بيخونها وبيكلم ستات عليها، دا إذا كانت الحكاية كلام وبس، جايز الأمور أكبر من كدة بس هي غلبانة مش فاهمة حاجة!

استشاط «حسام» غضبًا وصرخ بغيظ متبجحًا:

_​أيوه بخونها وبعرف ستات وزهقت منها، دي أصلاً كانت غلطة، استريحت كدة؟!

ثارت جنونه واهتاج غاضبًا ليحاول الاندفاع نحوه وهو يشتمه، لكن «شريف» وقف في طريقه يدفعه بعيدًا رغم استمراره بالصراخ:

_​آه يا حيوان يا ندل كنت فاكرك راجل!

_​راجل غصبًا عنك!

قالها «حسام» وهو يهب واقفًا يستعد لعراكه ليتقدم «سيف» أيضًا، لكن «شريف» دفعه نحو باب الشقة:

_​بس يا «سيف» خلاص كفاية كدة.

ثم التفت نحو «حسام» وقال بحزم:

_​خلاص أنت كمان يا «حسام».

ليهتف «حسام» بتوعد:

_​ما تشوف أخوك اللي عامل فيها البطل الحامي، بس والله لأندمه!

ليرد «سيف» بغضب قبل أن يخرج يتبعه «شريف»:

_​أعلى ما بخيلك اركبه يا كلب!

​جلس «حسام» على الأريكة يلهث أنفاسه ويتحسس وجهه متألمًا يردد:

_​الحيوان خرشم لي وشي.

​وصل إلى سيارته يتمتم بشتائم، ليشير له «شريف» أن يستلم هو القيادة، جلس في السيارة يمسح أنفه النازف:

_​مكانش لازم تعمل كدة، خايف يعمل لك حاجة ولا ما يطلقش أو يديها مستحقاتها.

زفر أنفاسه بغضب يسحب منديلاً ورقيًا ويمسح أنفه يجيبه بعدم اكتراث:

_​ولا يهمني ولا يقدر يعمل حاجة، دا طلع أتفه مما كنت أتخيل.

أراح ظهره على الكرسي يلفظ أنفاسه المتسارعة كبحر هائج هدأت أمواجه، وينظر إلى يده المرتعشة من شدة الغضب كيف بدأت تستقر شيئًا فشئ

*****************"" "**

​جلس «زياد» على مائدة الطعام يراقب حركتها الهادئة وهي تضع الأطباق على المائدة، ثم جلست في صمت اعتاد عليه منها، لكنه كان سعيدًا أنها بدأت تتقبل وجودها معه رغم أن حديثهم قليل، لكن كان راضيًا بتلك الابتسامة الباهتة وبعض كلمات تخفف عنه شعور الندم بعد قراره المتهور.

كان يأكل الطعام بتلذذ، لا ينكر أنها طاهية ماهرة لها لمسة إبداع في كل ما تصنعه، حدس تلك اللقمة في فمه يمضغها قبل أن ينظر لها مبتسمًا يخبرها مادحًا ما صنعته:

​تسلم إيدك يا «رحمة» المكرونة تحفة.

لاحت على وجهها شبح ابتماس بالكاد فرج معها شفتاها، ليحاول جرها للحديث معه:

_​بس أنا حسيت دي أحلى من بتاعة الوايت

 صوص، والبشاميل أحلى منهم هما الاتنين.

لتجيبه باقتضاب دون النظر إليه:

-​عشان أنت بتحب الطماطم في الأكل.

اتسعت ابتسامته يحدق بها بدهشة، لقد عرفت ما يحب من أسبوعين فقط، ليسألها بدهشة:

-​وعرفتي إزاي إني بحب الطماطم؟

لتلتقط بعض الحبات بشوكتها وتتناولها تجيبه بلا مبالاة متجاهلة تحديقه بها:

-​عادي، لما الأكل بيكون فيه طماطم بتاكل كمية أكبر.

انفجر ضاحكًا لتتفاجأ وتلتفت نحوه تنظر له باستغراب، واغتاظت وهي تجده يستمر بالضحك ويخبرها من بين ضحكاته:

-​أنت باصالي في اللقمة بقى!

أشاحت وجهها عنه بضيق وعادت تتناول طعامها غير مكترثة بما قاله، ليكمل هو مشاكستها:

-​مكنتش عارف إنك مركزة كدة معايا.

حولت نظرها نحوه تخبره باستهزاء:

-​مش مركزة، بس مفيش غيرنا، باقي الأكل هو اللي بيعرفني.

ختمت حديثها ونهضت تحمل طبقها الفارغ نحو الحوض، ليشعر أن طريقته فشلت في جعلها تندمج معه ليتحمحم قائلاً:

-​احم... أنت هترجعي الشغل امتى؟

لتجيبه ببرود:

-​بكرة.

شعر بضيق من تجاهلها له لهذا الحد ليقول بحنق:

-​وما قولتيليش ليه إنك راجعة بكرة؟

استمرت إجاباتها الباردة لتقول له:

—​محصلش مناسبة.

أثار برودها غضبه لينهض ويهتف بانفعال:

-​«رحمة» أنا جوزك يعني من حقي أعرف، يا ريت تحترمي دا وإحنا عايشين هنا سوا، أنا مش غريب عشان أكون آخر من يعلم!

ثم تركها مغادرًا، لتلتفت تنظر لأثره وتتنهد بضيق، كانت ستخبره قبل أن تنام بعودتها إلى العمل لكنه سبقها بالسؤال.

​دخل إلى غرفة النوم يزفر أنفاسه بانزعاج، جلس على السرير ويلتقط هاتفه عله يفرغ انفعاله بانشغاله بتصفحه، فتحه ليجد مكالمة فائتة من «حسين» ليتأفف بانفعال ويتمتم سرًا:

_​كل ما أحاول أنسى ترجع تفكرني.

​مسح على وجهه بضيق قبل أن يحرك يده بين خصلات شعره يجذبها، توقف للحظات وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يخرجه دفعة واحدة ويتصل به، ليجيبه بصوت متعب:

_​ألو.

لملم مشاعره التي بعثرها سماع صوته وتلك النغزات التي باتت تعصف بقلبه كلما تذكرهم معًا، يدعي المفاجأة:

_​«حسين» حبيبي إزيك؟ وحشتني.

ورغم تعبه الظاهر على صوته لكنه أجابه مبتهجًا:

_​أهلاً يا عريس، إزيك أنت كمان؟ وحشني يا صاحبي.

واستطرد بفكاهة يمازحه:

_​اتصلت بيك من شوية أكيد مش فاضي لي طبعًا، عريس وبتعيش أيام العسل، آسفين يا سيدي كنت بس عاوز أطمن عليك.

​اعتصره قلبه ولاحت ابتسامة ساخرة على ثغره، وبصوت زيف فيه سعادته:

_​حبيبي أنا آسف مسمعتش التليفون، عريس زي ما بتقول، أنت أخبارك إيه؟ صوتك باين عليه تعبان.

_​آه والله يا «زياد» ادعي لي، الفترة اللي جاية محتاجة جهد مضاعف.

_​ربنا يقويك يا صاحبي أنت قدها.

ليمازحه «حسين» قائلاً:

_​وإيه أخبار الجواز؟ حلو؟

وقبل أن يجيب «زياد» عليه وجدها تدخل إلى الغرفة بوجه متجهم وتتجه نحو دولاب ملابسها متجاهلة وجوده، ليتعمد رفع صوته:

_​الجواز حلو أوي يا «حسين» دا زي العسل، راحة ودلع ومكرونة.

قال كلماته الأخيرة بلهجة استهزاء صدقها

 «حسين» وفهمتها هي، لانت ملامحها لتبتسم خلسة وتدعي انشغالها في التقاط ملابسها.

تنهد «حسين» بأمل وقال متمنيًا:

_​عقبالي يا رب.

لتزول ابتسامته وتحتل ملامحه الحسرة تخنقه وهو يدعو له بتلعثم:

_​آمين إن شاء الله.

أغلق الهاتف ونظر إلى شاشته يسأل نفسه كيف سيتحمل هو ذلك اليوم؟ أغمض عينيه بقهر وفتحها عندما سمع صوت الحمام يفتح وتخرج منه، لينظر إليها ويقول بحزم:

_​هأخدك معايا بكرة قبل ما أروح العيادة عشان تروحي شغلك.

لوح لها بسبابتها متوعدًا:

_​ومش عاوز اعتراض.

​ابتسمت على عرضه الذي بمثابة طوق نجاة لها، فهي لم تعتد بعد على الطريق من هنا حتى الملجأ.

*********************"*" 

​كان يشعر بالأسى وهو يراها تبكي بانهيار بين أحضان والدتها التي تشاركها البكاء بحرقة، تستمع لحديث «فارس» الذي يخبرها أنه استطاع التوصل لاتفاق مع «حسام» ليصبح الطلاق رسميًا ويدفع لها مستحقاتها.

نظر إلى والدته الجالسة بجانب «فرحة» تواسيها بعين باكية هي الأخرى، لكن انفطر قلبه عندما حادت عينه نحو الجهة الأخرى ليجد «جابر» يطأطئ رأسه بحزن، أكتافه متهدلة كأن جبالاً من الهم ألقيت عليه، شعور العجز كان يتملكه وعيناه لا تستطيع مواجهة عيونهم حرجًا مما حدث.

لا زال شعور الذنب يسيطر عليه يزداد مع بحة صوتها الذي أنهكته كثرة البكاء، لتضربه سهام من القهر عندما رفعت «فرحة» عينها تطالعه بنظرات حملت العتاب والخذلان معًا وهي تسأله بألم:

_​مش أنت يا ابني جلت إنه كويس؟

شل لسانه ولم تستطع الكلمات إسعافه، كيف يبرر لها أنه قد غشه كما غشهم ولم يكن يتوقع أنه بتلك الخسة والنذالة؟

لكن «جابر» قاطعها وقال يلومها بعد أن أحس بتوتره وارتباكه:

_​هو كان هيعرف منين إنه ندل كدة يا «فرحة»؟

قالها لسان «جابر» لكن عينيه كانت تعاتبه ذات العتاب، تجرع مرارة نظراتهم التي حملت خيبة الأمل وقال ولملم شتاته يجيبهم بكلمات مبعثرة:

_​والله يا خالة في الكلية كان إنسان كويس، أنا اتصدمت بيه زيكم.

نظر «فارس» و«شمس» لولدهما بإشفاق، فتأثره بما حدث كان واضحًا، وما زاد حمله هو علاقته القوية بـ «جابر» و«فرحة».

-----------------------------

​وبعد أيام معدودة

​جلس منكس الرأس يسند رأسه على راحتي يده، يشعر أن يداه ارتختا لم تعد تستطيع مجاراة مشاعر الوهن التي أصابته، حتى تلك الطرقات على الباب لم تستطع إخراجه من تلك الدوامة التي سجن داخلها، اكتفى بإعطاء الإذن للطارق فقط:

-​ادخل.

دخل الطارق بخطوات مترددة حتى وقف أمامه:

-​خالتي «فرحة» سافرت خلاص.

رفع رأسه ببطء يطالع «أصيل» الواقف أمامه يومئ له ويجيبه بصوت حملت نبرته إنهاك صاحبها:

-​إيوه خلصوا كل حاجة وسافروا الصبح.

جلس «أصيل» بثقل وقال بأسف:

-​ربنا يعينهم على ما بلاهم، البت مبجالهاش سنة متجوزة مش هيخلصوا من كلام الناس.

دعك جبهته بقوة يحاول إزالة ذلك الألم الذي عصف برأسه يطحن أفكاره ما بين سندان شعوره بالعجز ومطرقة الندم:

-​والله يا «أصيل» ما كانش كدة أيام الكلية، كان أه شاب زي أي شاب عنده علاقات زمالة بس مش علاقات بالحقارة دي.

-​يا «سيف» مجتمع الكلية شيء والحياة العادية حاجة تانية.

طالعه يزفر أنفاسه بحرقة:

-​هي ممكن الناس تلبس قناع وتوهمك للدرجة دي؟ أنا مش مصدق فيه ناس عندها القدرة دي!

أشفق عليه «أصيل» ليواسيه قائلاً:

-​يا «سيف» متحملش نفسك أكتر من طاقتها خلاص اللي حصل حصل، واللي عملته كان بحسن نية مكنتش تعرف.

نكس رأسه يعتلي صدره تأنيب الضمير:

-​إزاي يا «أصيل» والبنت اتدمرت بسببي؟ عمي «جابر» أكيد مكانش هيوافق على حد غريب لولا إني شكرت فيه.

تنهد «أصيل» باستياء واستطرد بما ضاعف جرحه:

-​المشكلة نظرة أهل البلد ليها وهي لسه صغيره يعني فرصتها في الجواز بعد كدة، أكيد هتكون يا راجل متجوز يا أرمل يا زوجة تانية.

لحظات صمت جمعت نظراتهم ما بين الحيرة والألم.

-----------------------------

​شهر مر عليه وهو هنا وسط أقلام التحبير وأوراق الرسم، أقلام الرصاص التي أصبحت رفيقته ترسم له حلمًا يدفعه للصمود، حرك القلم يرسم ذلك الخط المستقيم حتى وصل إلى النهاية، ليرفع رأسه بتعب ويزفر أنفاسه المرهقة، يحرك رأسه يمينًا ويسارًا عله يخفف من تشنج رقبته، أربع ساعات متواصلة يعمل على ذلك النموذج حتى أعياه التعب، دلك رقبته ليتثاءب معلنًا استسلامه، نهض من على الكرسي عندما ارتفع صوت هاتفه ليتجه نحو سريره ويجلس يمدد جسده ويلتقط الهاتف يجيب عليه:

-​أهلاً «سالي».

-​أهلاً يا بطل، عامل إيه طمني؟

-​أديني مستمر وبحاول، المنافسة شديدة لكن إن شاء الله خير.

-​أنت قدها وقدود يا كبير... بكرة النموذج الابتدائي صح؟

-​إيوه يا «سالي»، لو عديت المرحلة دي أبقى عديت أول سلمة.

-​ربنا معاك أنا واثقة فيك إن شاء الله خير.

-​أخبار المكتب إيه؟ عملتي إيه احكي لي؟

بدأت «سالي» تسرد له كل ما حدث في المكتب وطريقة سير العمل حتى تطلعه على آخر تطوراته.

أغلق الهاتف ليغمض عينيه يدعك ما بينهما ويسترخي على وسادته، ليتذكر أنه لم يرسل لها رسالة اليوم، فتح الهاتف وتمنى أن تكون قد أرسلت هي شيء أو حتى تذكرته، كان يقلب شاشة هاتفه بأمل ذهب سدى عندما لم يجد شيئًا، لم يتحدث معها منذ البارحة ولم تكلف نفسها حتى بالاطمئنان عليه.

تسلل الخوف إلى قلبه المتيم بها وخشي أن يكون قد أصابها مكروه، لينهض معتدلاً يسند ظهره على ظهر السرير ويده تبحث بلهفة على زر الاتصال.

​كانت تطالع أحد الأفلام عندما رن الهاتف بجانبها لتتذمر بانزعاج وتمسك جهاز التحكم توقف الفيلم بشكل مؤقت، كادت أن تصل يدها إلى الهاتف قبل انقطاع رنينه لكنه توقف، التقطته لتجد إشعارًا بمكالمة فائتة منه، تنهدت بضيق ولا تدري ماذا تقول له، لحظات وتعالى رنين الهاتف من جديد لتجلس تنحنح حنجرتها وتضغط زر الإجابة تمثل النعاس في صوتها:

-​ألو.

جاءها صوته بشوق يسألها بشغف:

-​ألو إيوه يا حبيبتي، إزيك؟

كلمة حبيبتي التي أصبحت تجري على لسانه كلما حادثها أصبحت تنطقها تطبق على أنفاسها وتشعرها بفداحة فعلتها:

-​الحمد لله، إزيك يا «حسين»؟

زاد قلقه عليها ليسألها بريبة:

-​مال صوتك يا «قمر»؟ أنت تعبانة؟

تثاءبت بتصنع وقالت بصوت ناعس:

-​لا بس كنت نايمة.

شعر بالأسف ليخبرها معتذرًا:

-​حبيبتي أنا أسف صحيتك من النوم.

​لا عادي.

إجابتها ببرود ضايقته ليبرر لها بأسف:

-​أنا كنت عاوز بس أطمن عليك، أصلي ما كلمتكيش من امبارح وأنت مسألتيش، قلت أحسن تكوني تعبانة ولا حاجة.

ارتبكت بعد أن أدركت خطأها وحاولت أن تخرج من ذلك المأزق بادعائها المرض لتقول بتوتر:

-​معلش أصل كان عندي صداع.

انتفض بفزع يسألها بصوت قلق وأسئلة متلاحقة بخوف:

-​صداع؟ وما أخدتيش دواء؟ وإزيك دلوقت أحسن؟ تحبي أخلي بابا يبعت لك دواء؟ طب جائز منمتيش كويس أو بداية برد؟

أسئلته المتلهفة آلمتها وطعنت جمودها وجفاءها، تهدم حصون مكابرتها، تقتحم قلاع عنادها بجملة «ورد» التي دائمًا ترددها عليها: «حسين ميستاهلش الي بيحصله»، نظرت إلى علبة المشروب الغازي وكيس المقرمشات والتسالي الموضوعة بجانبها تستشعر مدى دنائتها معه، هو متلهف للاطمئنان عليها وهي تقضي حياتها دون الاكتراث له بل وتكذب عليه، نداؤه المتكرر أعادها من شرودها:

-​«قمر»... «قمر»... حبيبتي روحتي فين؟

أجابته بصوت متحشرج خرج من خضم ذلك الصراع الناشب داخلها:

-​معاك يا «حسين».

-​حبيبتي هو الصداع لسه مخفش ولا إيه؟

-​لا أحسن الحمد لله، خدت بندول وبقيت أحسن.

ليكرر كلماتها يحاول التأكد منها:

-​أكيد يا حبيبتي ولا أنت بتطمنيني وخلاص؟

تنهدت بأسى وكلماته تشعل نيران الندم داخلها، تحرق غرورها بلهيب اهتمامه، اختنق صوتها تجيبه:

-​صدقني يا «حسين» أنا كويسة.

لكنه ظن أنها تداري عنه مرضها ولا تريد إخافته:

-​طب افتحي كاميرا وخليني أشوفك عشان أطمن.

طلبه فاجأها لتتوتر وتقول بارتباك:

-​إيه؟ أفتح كاميرا ليه؟

​عشان أطمن قلبي يا «قمر» كدة مش هقدر أنام.

وضعت يدها على صدرها تشعر أنها تختنق والهواء ينفد من حولها، كلماته تخنقها تطبق على صدرها شعور بالذنب تمنت أن يتوقف، تمنت أن تخبره الحقيقة كي تسكت صراخ ضميرها الذي أتعبها لكنها جبانة، هكذا نعتت نفسها تجلدها، زفرت أنفاسها بقوة وقالت تحاول ردعه عن طلبه:

-​أنا كويسة يا «حسين» صدقني.

لكنه أصر بعناد وقال يأمرها:

-​افتحي كاميرا يا «قمر» عاوز أشوفك وحشتيني.

خر قلبها صريع ذلك الوجع الذي يتفاقم كلما نطق باشتياقه وأحاطها باهتمامه لتقول بحرج بعد أن شعرت بإصراره:

-​طب ثواني ألبس حجاب بس..

لبست إسدال الصلاة وأزاحت تلك التسالي عن سريرها قبل أن تمسك الهاتف بيد مرتعشة تفتح الكاميرا الأمامية، ليطل عليها بوجهه المبتسم يخبرها بشوق جارف:

-​إزيك يا «قمر» وحشتيني.

توترت وعينها لا تقوى على مواجهة عينيه وقالت بحرج:

-​الحمد لله.

​طب بصي لي أنت مكسوفة كدة ليه؟

أجبرت عينيها على النظر باتجاهه ليصدمها شحوب وجهه وذبول عينيه، لتشعر بالخجل عندما سمعته يقول:

-​وحشوني عيونك الحلوين.

بلعت ريقها بتوتر وقالت باستحياء تنظره:

-​«حسين» أرجوك إحنا......

ضحك بشدة حتى عاد رأسه إلى الوراء لتتعجب من ضحكته التي أثارت حنقها لتسأله بضيق:

-​أنت بتضحك ليه هو أنا قلت نكتة؟

مسح دموعه التي سالت من شدة الضحك وسعل عدة مرات يضع يده على صدره قبل أن يجيبها:

-​أصل حفظت الجملة «حسين أرجوك إحنا مخطوبين»، بس يا ستي قولي أنا بتكسف وخلاص.

ثم صمت هنيهة يراقب امتعاض وجهها وسألها برجاء:

-​«قمر» بكرة مرحلة مهمة في المسابقة ادعي لي ربنا يكرمني..

لا زال يدهشها باهتمامه وكيف يشاركها حلمه الذي لم يخطر على بالها أصلاً السؤال عنه متغافلة عن سبب سفره، عينيه كانت تحدق بها كأنه ينتظر منها أن تبادله الاهتمام، تشاركه أحلامه أو حتى تشعره أنه جزء من حياته المستقبلية، شعرت هي بنظراته المتوسلة لتخبره:

-​ربنا يوفقك وتحقق أحلامك.

لتتسع عينيها بذهول وهو يخبرها بصدق وصوت عاشق متيم:

-​أنت أكبر أحلامي يا «قمر»... الباقي أحلام بحققها عشان ولادنا، عشان أكون أب يفتخروا بيا وعشان أنت تفتخري بجوزك..

ثم صمت ينظر بعينين تنبض بالحب، ثم رفع

 يده التي تحمل خاتمها ويقبله يخبرها بسعادة:

-​أحلامي تحققت من ساعة ما بقيتي من نصيبي.

كفى... كفى... أصمت لا أريد سماع المزيد، هكذا كانت تتمنى أن تصرخ تسأله أن يرحمها فلم تعد تقوى على الصمود أمام هذا الحب الذي يؤلمني أكثر مما يفرحني، شعرت أن جسدها يشتعل من فرط ذلك الصراع المحتدم داخلها، فأحست بجبهتها تتصبب عرقًا حتى تحول وجهها إلى اللون الأحمر ليظن هو أن ذلك من شدة خجلها ليحاول التخفيف عنها:

-​طيب يا «قمر» أسيبك عشان تنامي، خلي بالك من نفسك.

أومأت له برأسها فلسانها عقد ولم تسعفها الكلمات التي تبخرت من ذهنها، انتظر قليلاً يمني نفسه أن تمنحه قليلاً من الاهتمام وتسأله أن يهتم بنفسه، لكنها صمتت، صمتت فقط ليشعر بالاستياء ويقول منهيًا هذا الاتصال:

-​مع السلامة.

انطفأت الشاشة لتحرر أنفاسها المكتومة وتفلت الهاتف، تسمح لتلك الدموع التي كانت تأسرها بحضرته أن تنفلت لتنكمش على حالها وتنهار باكية يسيطر عليها شعور العجز ويخنقها عتاب ضميرها، استلقت متخذة وضع الجنين تحيط جسدها بذراعيها وتنتحب مرددة:

-​أنا تعبت... سامحني يا «حسين».

​أما هو فاستلقى من جديد على وسادته ينظر إلى شاشة هاتفه التي أظلمت، يعاتبها على صمتها الدائم وقلبه يضع لها الحجج ويبرر لها، ربما كانت خجلة، ربما أنها لم تعتد عليه بعد، ربما لا تزال مريضة وتوهمه بتحسنها كي لا يقلق، ليمسك الهاتف يضيء شاشته من جديد يرسل رسالة لوالده يطلب منه إرسال الدواء لها.

----------------------------

​كانوا يجلسون حول المائدة بجو يملؤه الألفة والمحبة، دارت عينها تلتقط أبسط التفاصيل التي حرمت هي منها، الحب الذي يكنه «طارق» لـ «ورد» وطريقة تعامله معها، ومزاح «أحلام» الذي يبهج الأجواء، ودلال «ندى» لـ «زياد» الذي نهل من هذا الدلال ويطالبها بالمزيد وأكثر، ما كان يشد انتباهها هو ذلك الحب المعتق الذي يجمع «ندى» و«طارق» فعيونهم تظهر صدقه حتى وإن لم يلفظ «طارق» أي كلمة غزل، لكن عينيه التي كانت تشكلها بحب، طريقة تعامله معها، اهتمامها هي به وبأدق تفاصيله، كل شيء بينهم كان يؤكد لها ذلك، فحبهم كان كعطر فرنسي تشم رائحته قبل أن ترى صاحبه، حب هادئ يشبه أصحابه.

تنهدت بحسرة تتذكر حياتها التي خلت من هذه الأجواء على الرغم من أن والدتها كانت تحاول بشتى الطرق أن تعوضها، لكن رغماً عنها كانت تشعر بالنقص، اختطفت نظرة نحو «زياد» الجالس بجانبها يتناول طعامه بنهم وتحسده، لقد تذوق نعمة العائلة وتلذذ بوجود والديه معًا.

صوت «ندى» التي بدأت تضع أصناف الطعام أمامها أعادها إلى الواقع لتندهش من كمية الطعام الموجودة أمامها فتقول رافضة المزيد:

​كفاية كدة يا ماما دا كتير أوي.

لكن «ندى» التي وضعت المزيد من الطعام لها استهجنت حديثها وقالت بحنان:

-​كلي يا بنتي متتكسفيش، دوقي طبخ حماتك دا أنا طابخة أصناف جديدة عن المرة اللي فاتت مخصوص عشانك عشان تجربيهم.

ثم ختمت حديثها تنظر بضيق نحو «زياد» وتؤنبه بلطف:

-​ما تخلي بالك من مراتك يا «زياد»، شوف يا ابني لحسن محتاجة حاجة ومكسوفة مني.

لتسرع «رحمة» تجيبها باستنكار:

-​والله مش مكسوفة وهاكل أهو.

لتمسك الملعقة وتشرع في تناول طعامها بخجل زاد عندما وجدته يميل عليها ويهمس لها مشاكساً:

-​إيوه يا عم واخدة الدلع أنت النهاردة من أم «زياد».

همس وصل لـ «ندى» التي عاتبته بغضب مصطنع:

-​وأنت غيران ليه يا سي «زياد»؟ «رحمة» بنتي تدلع زي ما هي عاوزه.

لتضحك «أحلام» وتلتفت نحو «ورد» تشير لها نحو «زياد» قائلة:

-​«زياد» غيران بقى عنده منافس في قلب ماما.

لتؤكد «ورد» كلامها تشاركه الضحك وتنظران نحوه تحاولان إغاظته:

-​ومش أي منافس دي «رحمة» يعني السكر بتاع العيلة.

استطاعتا إغاظته لينظر نحوهم يخبرهم بحنق مزيف يغمز لـ «رحمة» التي تكتم ضحكاتها:

​محدش يقدر ينافسني في قلب ماما إلا شخص واحد.

فطن «طارق» لمقصده ليحدجه بنظرة جانبية ويقول موبخًا إياه بانزعاج:

-​ولد أنت تقصدني؟

ثم أشار نحوه بسبابته مستهزئاً:

-​أنا أنافسك أنت؟

​بابا محدش ينافس بابا، صاحب القلب ومالك مفتاحه.

قالتها «ندى» بغزل معلن تضع يدها على يده الموضوعة على المائدة، لتتسع ابتسامته بانتشاء ويحيطها بنظرات محب وبامتنان قال:

​تسلمي يا حبيبتي.

-​لا دا ظلم وأنا!

هتف بها «زياد» بحنق مفتعل ليلتفت نحو «طارق» بسرعة:

-​اخرس عندك مراتك سيب مراتي ليا.

تبدلت ملامحه باضطراب وأطرق رأسه بحرج نحو طبقه يهرب من نظراتها التي تخترقه ويدعي اندماجه بالأكل وعقله يلومه، اختلس النظر نحوها ليجدها تقلب الطعام بعقل ضائع، فقرر أن يجد طريقة يخفف عنها، لينظر نحو طبق المعكرونة الموجود على الطاولة فرفع رأسه نحو والدته وأخذ لقمة من الطبق يخبرها بصوت مسموع:

-​عارفة يا ماما «رحمة» بتعمل مكرونة تحفة، أصلاً هي كل أكلها بيرفكت.

التفتت نحوه عندما سمعت مدحه لكنها حولت نظرها بسرعة نحو «ندى» تخشى أن يضايقها حديثه، لكنها وجدتها تبتسم وتقول مشجعة لها:

-​«رحمة» طول عمرها شاطرة ربنا يحفظها.

شكرتها بحرج على إطرائها:

-​متشكرة يا ماما.

-​خلاص كدة العزومة الجاية هتكون من إيديها، عاوز أنا كمان أذوق طبخ بنتي حبيبتي وأنبهر مش بس «زياد» الغلس ينبهر.

هتف بها «طارق» لتبتسم على حديثه كما ابتسم «زياد» الذي وصل لمبتغاه وجعلها تبتسم:

-​أنت تأمر يا بابا من عنيا الاتنين.

-​تسلم عيونك يا حبيبة بابا.

يا إلهي كم هي سعيدة بتلك المشاعر التي تجربها معهم، وكم راق لها مديحهم ووجودها بينهم!

------------------------------

​كانت تجلس في حديقة منزلهم تطالع شاشة اللاب توب وتتأفف بتذمر بعد أن رفضت شركة التصميم التي تقدمت للعمل فيها قبولها، قلبت شفتها بضجر وأغلقت الجهاز بحنق تتمتم ساخطة:

-​وبعدين؟ دي تالت شركة أبعت لها السي في ومفيش فايدة.

تنهدت باستياء تفكر هل تطلب من والدها مساعدتها أم تنتظر إجابة باقي الشركات التي تواصلت معهم؟ طرقت بسبابتها على سطح جهازها المغلق تفكر في حيرة عما عليها فعله، حتى سمعت صوتًا تحفظه يناديها:

-​«قمر»... كويس إني لقيتك هنا.

ضربت عاصفة من التوتر والارتباك ثباتها وهي تستدير تتأكد من حدسها لتجده يقف أمامها بوقاره المعتاد لتقول مندهشة:

-​«حسن»!

-​إزيك يا «قمر» عاملة إيه؟ وإزاي خالتو؟

عينها المصوبة نحوه بإعجاب بعثرت الكلمات على لسانها لتكتفي بإيماءة بسيطة تبعتها بكلمة بسيطة:

-​الحمد لله.

لتزيد دهشتها وهي تجده يمد لها يده بكيس صغير يخبرها:

-​دا الدواء بابا بعته ليك عشان الصداع، «حسين» اتصل وطلب منه الدواء عشانك.

ذكره لاسم شقيقه كانت بمثابة صفعة أفاقتها، تذكرها بالحقيقة، لترمش عينيها باضطراب وتمد يدها المرتعشة تلتقط منه الدواء وتشكره وتهرب بعينيها بعيدًا عنه، ليشير لها نحو الدواء قائلاً:

-​أه بابا كتب لك الجرعة والوقت، ولو احتاجتي حاجة اتصلي بـ «حسين»، بابا فهمه على الجرعة والأوقات.

اكتفت بإيماءة بسيطة تخفي خلف ستار جمودها توترها أمامه واضطراب مشاعرها في وجوده:

-​طب عن إذنك أنا اتأخرت... مع السلامة.

قالها مغادرًا بخطوات سريعة، لتظل تنظر لأثره حتى تحرك يدها بعفوية مصدرة صوتًا جعلها تنتبه إلى وجوده بين يديها، لتجلس بوهن تطالعه وصورة ذلك الغائب تعاتبها، هي تخونه نعم تخونه، رنت تلك الكلمة في عقلها وكأنها تستشعرها توًا.

فتحت الدواء وجدت التعليمات عليه ليصرخ ضميرها من جديد، يا إلهي لم ينساها! كذبة ألقتها دون اهتمام أظهرت لها جل اهتمامه بها، انسابت دمعة حارقة لسعت وجنتها تحمل ندم صاحبتها، التقطت الهاتف ترسل له رسالة شكر، وإن كان قلبها أصم ولم يسمع نداء حبه لها بل وأوصد أبوابه أمامه، لكنه الآن يستحق الشكر رغماً عن قلبها المتجبر:

-​متشكرة أوي يا «حسين» على اهتمامك، أونكل «علي» بعت الدواء.

وضعت الهاتف جانبًا وجففت دمعتها لتأخذ شهيقًا طويلاً تعبئ رئتها بنسمات الهواء البارد قبل أن تزفره بقوة علها تخرج معه ذلك الوجع الجاثم على صدرها، ربما يهدأ ضجيج تلك المشاعر المتضاربة.

​وصلت رسالتها إليه في وسط مشاعر زهو كان يعيشها بعد أن فاز في المرحلة الأولى من المسابقة، كان يسمع ثناء القائمين على المسابقة يمتدحون تصميمه المبتكر ويشيدون بدقته وعفويته عندما ارتجف هاتفه معلنًا وصول رسالة.

لم يستطع التحقق منها إلا بعد مرور ساعة من الوقت عندما انتهى الحدث وقيمت الأعمال، ليخرج بعد ذلك تملؤه السعادة يشحذ همته للمواصلة، أخرج الهاتف من جيب سترته لتتضاعف فرحته وهو يقرأ الرسالة ليرتجف قلبه العاشق، فربما كانت رسالتها أسعدته أكثر من النتيجة.

----------------------------

​جافاه النوم رغم أنه لم ينم منذ البارحة، أطبق أجفانه عل النعاس يتسلل إليه لكن دون جدوى، تنهد بسأم يتمتم بضجر:

-​وبعدين في النوم اللي مش راضي يصالحني؟

عاود الكرة مرة أخرى يغلق عينيه يجبرها على الاسترخاء، لكن وفي خضم انتظاره لغفوة تريح جسده، فاجأه عقله بمشهد من الماضي ليعود إلى ذاكرته رغم مضي ثلاث سنوات، عندما كان يجلس بين نبات الريحان والنعناع ليستلقي يعقد يديه تحت رأسه يتأمل النجوم في تلك السماء الصافية ينتظر عودة «محمد» الذي أخبره أنه سيذهب ويعود بعد قليل، أغلق عينيه يستمتع بهذا الهواء المنعش ورائحة النعناع تملأ المكان، لكنه سمع صوتًا لينهض معتدلاً وأثناء نهوضه ضرب يده شيء، التفت يبحث عن ذلك الشيء ليجده دفتر ملاحظات أنيق، فتحه وبدأ يقرأ محتواه فيبتسم كلما تنقل بين صفحاته حتى انتبه لحمحمة ناعمة:

-​أبيه الكراسة دي ليا.

رفع نظره عنها ليجدها تقف على استحياء تفرك يديها ببعضهما بتوتر، ليرتسم لها ابتسامة مطمئنة يسألها بفضول:

-​يعني الأحلام اللي مكتوبة بتاعتك؟

هزت رأسها باضطراب لتجد ابتسامته تتسع وصوتها يخرج بنبرة امتزج فيها الفخر والتشجيع:

-​برافو يا «نور» أنت عاوزه تكوني مدرسة؟

وكطفلة صغيرة باحت له بكل أحلامها دون عناء منه:

-​إيوه يا أبيه عاوزه أكون مدرسة وأدرّس في المدرسة الجريبه مننا والتلاميذ يجولولي يا أبلة.

-​ونفسك تكوني مدرسة إيه؟

​لغة عربية، أصلي بحب الأدب العربي جوي.

مد يده لها بدفتر الملاحظات يحثها على تحقيق أحلامها:

_​برافو يا «نور» خليك شاطرة وحققي حلمك.

​عاد من ذكرياته يتنهد بضيق ويضغط على أسنانه بغضب، يخرج كلماته من بينها بانفعال:

-​الحيوان حتى الحلم حرمها منه!

لكن فجأة قفزت لذهنه فكرة ليزيح الغطاء وينهض مسرعًا نحو غرفة والدته، طرق الباب ليسمع صوتها تأذن له بالدخول:
-​ادخل.
ليدخل فتستقبله بابتسامتها المعهودة:
-​مساء الخير يا ماما.
-​مساء الخير يا حبيبي.
صمت لحظات أثار ريبتها قبل أن تسمعه يقول:
​فيه موضوع عاوز أكلم حضرتك فيه.
لتشير له نحو الأريكة:
-​اتفضل يا حبيبي.
وما إن جلس وجدها تتأمله بترقب، ليمسح
 على وجهه بتوتر ويقول بارتباك:
«نور»

تعليقات



<>