رواية ظل بعد ظل الفصل الرابع عشر14 بقلم ياسمين النعيمي

        

رواية ظل بعد ظل الفصل الرابع عشر14 بقلم ياسمين النعيمي

طلع أندرو و قيس ما سكت،

- متطورين دكتورة ...

رفعت نظراتها عن الكمبيوتر بابتسامة خجل،

- قابل سر و اضمه ؟! 

و ردت عليها نظرات عيونه المتأملة بصمت.

نبهته عن كم شي لازم ينتبه له قبل جلسة تركيب التلبيسة، و نهض هو يقول،

- يلا يابا دزي الحساب.

و هي ابتسمت خجلانة،

- عود بعيادتي ماكو حساب.

و رد بثقة،

- اسويلج احلى من هاي ان شاء الله.

طلع هو ،

كملت يومها و اليوم خلصت الساعة خمسة العصر. إجى ياخذنها و اول ما صعدت سألته،

- شلونك ؟! بعدك تحس بشي ؟!

- شي بسيط ما يتقارن بألم البارحة. عاشت ايدج دكتورة. 

- أخذت مسكن ؟!

- اي حبة وحدة كَبل لا يروح مفعول البنج. 

بدأ يسوق بطريقه و سأل،

- رياوي دوم ايدج خفيفة هالشكل ؟!

التفتت فرحانة،

- والله خفيفة ؟!

التفت بنظرة سريعة و رجع ركز بطريقه يقول،

- انتي ما شايفة الأطباء الرايح لهم كَبل، جَن يحفر راسي حفر بحيث طول اليوم اظل راسي يوجعني ورا الجلسة مو سني.

ضحكت تقولّه،

- مو التقنيات تختلف و احنا هسة كل شي نشتغله بالطريقة العلمية. بغض النظر عن كوننا ببرنامج الاختصاص، هنا أي خطأ يسويه الطبيب وراه حساب و عقاب، و رغم كل هذا مهارة الايد و شخصية الطبيب تفرق. انتو هم اتوقع مهنتكم تطلب هيجي و أكثر.

ضحك يقول،

- احنا النفس التاخذينو بالغلط أثناء العملية ياخذ مريضج ورا الشمس هههه..

وصلوا للبيت و رغودة كانت مبلشة بالعشا، كالعلدة وجبة الغدا و العشا صارت وحدة العصر و بالنص ياكلون سناكات. 

غسلت من روائح المستشفى و البكتيريا الي توسوسها، و بدلت و نزلت لها. جانت متبلة الستيكات و سالقة البتيتة حتى تسويها mashed potatoe ... و ريّا صفنت على قيس. 

- احنا متعودين ناكل هيجي بس انت يعجبك هذا الأكل ؟ 

و هو ببساطة رد، 

- عاد تسونه مثل المطاعم لو مخربط ؟!

- يعني تحبه ؟!

ضحك يقول،

- اي يولي قابل اول نوبة اكله ؟! بس صلصة الفطر سويها زين لا تخرب.

ابتسمت بارتياح، هم زين أريحي بالأكل و ما يتشرط، و اذا على صلصة الفطر هذه سهلة.

سوت صلصة الفطر و الكريمة و رغودة تشوي الستيك و رهف تلح تريد تسوي شي، آخر شي ما حست غير قيس يشيلها من ورا و يقول،

- تعالي هيين لا تظلين جوا الرجلين.

و هي معترضة،

- اريد اسوي.

- شتسوين بنيتي ؟!

- اسوي الأكل وياهم.


و هو اندار يطلع بيها من المطبخ يقول لها،

- تتعورين بنيتي، بعدج زغيرونة. 

- من أكبر اسويلك. 

و هو يبوّس بيها و يردد،

- عمري البنات، تكبرين و تسوين احلى اكل هم.

شغلها عنهم و هم خلال نص ساعة خلصوا الأكل و تجمعوا على سفرة وحدة.

ورا العشا رغودة صعدت تدرس و قيس تبرع يسوي الجاي و رهف تلعب جوا رجليه و هو متونس و ريّا الي راسها انفجر من سوالفها ... مو بعادتها تنطلق و حلكَها ما يوكَف عن الحجي هلكَد، بس هذا الرجال عنده سحر ع الناس الي حواليه.


بالليل ...

البنات صعدن لغرفهن. 

و الصالة رجع بيها ذاك الهدوء اللي يجي بعد يوم طويل.

ريّا كانت لافة رجلها تحتها على طرف القنفة ... كوب الشاي بإيدها ... و عيونها على التلفزيون بدون ما تركز فعلاً.

أما قيس ... فكان ساكت أكثر من العادة.

ذاك السكوت اللي يبين وراه أفكار تحوم براسه.

صافن بالفراغ هو ... و بعدين اندار إلها كأنه بلسانه حچاية و متردد يكَولها.


بالآخر ... خلى كوبه على الطبلة بهدوء. و اندار بكامل جسمه ناحيتها.

رجله اليمين مطويّة على القنفة ... و الثانية نازلة للأرض ... و إيده مفتوحة على ظهر القنفة بالمسافة الي بينهم.

ثبت عيونه عليها ثواني قبل لا يقول بهدوء:

- ريّاوي ... 

التفتت منتبهة،

- هممم ...

نظر لعيونها،

- اريد أسألج سؤال، و أتمنى ما يضيج خلكَج.

استغربت من مقدمته. نزلت كوبها ببطء و سألت:

- شنو هو ؟

صفن بالفراغ لحظات ... كأنه يرتب الجملة براسه.

بعدين فجأة رفع عيونه بعيونها مباشرة:

- أندرو زميلج ... عينه علِيج ؟


صفنت بوجهه مبهوتة.

- شنو قصدك ؟

رد بنفس هدوءه ... بس هالمرة نبرته أدق:

- قصدي ... مصارحج بنية تقرب ؟ لو عنده محاولات ؟

لثواني ... ارتبكت.

ما عرفت شتجاوبه. ولا ليش قلبها دگ فجأة هيچ.

بس بالنهاية ... اختارت الشي اللي متعودة تسويه وياه دائماً.

سحبت نفس خفيف و همست:

- إي ... حاول بالبداية بطريقة غير مباشرة، و لما شافني مو مهتمة صارحني ...

سكتت بسرعة ... و كملت:

- و أني ما شجعته، ولا مرة.

ركز عيونه بعيونها بنظرة جدية أكثر من أي نظرة شافتها بعيونه من قبل، و سأل،

- شسويتي لمن صارحج ؟!

للحظة حست برجفة سرت بجسمها من هذه النظرة،

هي ما مسوية غلط أبداً ...

و تعرف نفسها،

بس هذه النظرة كانت كأنها سهم،

و ردت بهدوء واثق،

- صديته طبعاً ... بيومها كلش عصبني، لأنه لمح و لزك هواية قبلها و جنت اعامله برسمية و احترام بدون مجال، معناها ما فاتحة له باب، بوقتها عصبت و حجيت عليه، 

ووو فهمته انه اني هنا جاية ادرس و اشتغل مو لهالأمور.

بقى ساكت عيونه بعيونها ما ترمش، و نطق بثبات،

- و ما هدّج ...

رمشت بعيونها،

- بس صار يحترم المسافة بعد ما سمع ردي.

ثواني مرت و هز راسه بتفهّم هادئ.

حتى ما تغيّرت ملامحه،

بس عيونه ... هدأت أكثر من الطبيعي ... و هذا الشي وحده خوفها أكثر من أي ردة فعل ثانية.

هي ظلت صافنة بيه منحرجة ... تحاول تقرأه.

و فجأة ... مال عليها بخفة، باس راسها.

و همس قريب:

- هاذ هو ... اني كلي ثقة بيج، لا تزعلين مني.


رفعت عيونها إله بسرعة.

- شلون عرفت ؟! ما سوى شي كَدامك.

ابتسم ابتسامة جانبية، ابتسامة ثقة،

- مبين ... الزلمة يفهم الزلمة.

سكت لحظة ... و عيونه ما فارقت عيونها.

- و هو وجهو اصفرّ و احمرّ لمن عرفتيه عليّ.

تأمل ملامحها ثواني ... و سألها بهدوء أهدأ:

- متعمدة مو ؟

دنكَت راسها بخجل، و همست:

- فرصة إجتني ... و حبيت أستغلها حتى أوصل له الرد بطريقة غير مباشرة بلكي توصله الرسالة و يبطل محاولات.

ظل يباوعلها لحظة ... و بعدين تنهد بهدوء.

- يعني محد بشغلج يعَرف عن حياتج الخاصة شي ؟

هزت راسها ب"لا"،

- ما أحب احچي بهالسوالف هناك.


سكت، و مال شوي للأمام ...

صوته صار أهدأ ... بس أثقل.

- ريّا ... اني احترم هالشي، و أفهم ليش تحبين تفصلين شغلج عن حياتج ... عشت هين فترة و اعَرف مجتمعهم شنو ...

عيونه ثبتت بعيونها مباشرة،

- بس أكو فرق بين الخصوصية ... و بين إنه محد يدري أكو زلمة بحياتج.

نزلت عيونها بهدوء،

هو كمل ، و نبرته رجولية ثابتة. مو عصبي ... بس يتكلم بجدّية،

- دحجي اني مو من الزلم التغار بخبال ... لا راح اجي أتحكم بشغلج ولا أحاسب شلون تتصرفين وية كل بني ادم يصير جدامج، 

سكت لحظة ... و كمل بنبرة أهدأ:

- بس انتي على ذمتي ... و لمن تصيرين على ذمتي ... هذا الشي لازم لو إشهار.

قرب أكثر شوية،

- مو لأن ما أثق بيج ... بالعكس ثقتي بيج مطلقة ... بس لأن من حكَج و حكَي الناس تعَرف أكو زلمة بحياتج.

بلعت ريقها بصعوبة خفيفة،

و هو مستمر بهدوئه:

- حلقة الخطوبة ما تلبسيها، و محد يدري انتي مرتبطة. و لا حتى تذكرين هالشي.

رفع حاجبه بخفة.

- طبيعي تتعرضين لهالمواقف يابا.

سكتت.

- و بدون ما تحس ... نظرتها نزلت على إيده.

كفه اليمين مفتوح على ظهر القنفة ... أصابعه طويلة ... هادية ... و خالية.

رفعت عيونها إله ببطء.

- زين ... و انت ؟

رفع حاجبه.

- شنو ؟

أشرت بعيونها لإيده.

- حلقتك وينها ؟

ثانية مرت،

و لأول مرة من بداية الحچي ... هو سكت بشكل مختلف.

مو لأن ما عنده جواب ... بس لأن السؤال اجاه بوقت ما توقعه،

نزل عيونه لإيده هو هم، و ابتسم بخفة ... ابتسامة بيها شيء من الاعتراف.

- بالمستشفى اشيلها.

رفعت حاجبها و كأنها تنتظر الباقي.

تنهد بخفة.

- و مرات انساها.

سكت لحظة ... و رجع رفع عيونه عليها:

- يمكن لانّو تعودت اعيش لوحّدي من سنين طويلة.

شي تغير بملامحها،

هو انتبه لنظرتها ... فابتسم بهدوء و مد لها إيده.

- بس فرق بيني و بينج.

حط إيده على كفها بخفة،

- اني حت لو ما لابسها ... كل من حواليّا يعَرف اكو مرة بحياتي.

سكت ... و عيونه ثبتت بعيونها أكثر:

- إنتي لا.

قلبها دگ ببطء.

كمل بنفس هدوءه:

- و هاي ما تقلل من كَدرج ... بالعكس، لانج بنية محترمة و راقية ... و الناس تفسر سكوتج بطريقة غلط.

سكت ... و نبرته صارت أهدأ:

- و لانّو مو كل الزلم يحترمون الحدود إذا ما اعرفوا أكو زلمة واكَف وراج.

ظلت ساكتة.

تحس بكلامه يدخل لمكان عميق براسها،

و هو لاحظ هالشي.

فمال شوية ، و باس راسها بخفة.

- و كَبل لا تفكرين غلط ... لا، ما اريد اسيطر عليج.

همس قريب:

- بس اريد الناس تعَرف بيج مو لوحّدج.

سكتت ... تحس بشي غريب يهتز بداخلها.

مو خوف، ولا انزعاج.

شي أقرب للأمان.

لأن طريقته ... ما جانت تملك. ولا فرض.

بس ذاك الإحساس اللي يخليها تحس: وراها رجال واكَف بمكانه الصحيح.

همست بخفة:

- ما حبيت أحد يتدخل بحياتي الخاصة.

هز راسه بتفهّم.

- و هذا حكَج. بس هم لازم الناس تعرف بيج مو لوحّدج.

سكون خفيف مر بينهم.

بعدين ابتسم ابتسامة صغيرة و قال:

- زين من ورا سوالف اندرو عرفنا اني زوجج دكتورة !!

ضحكت بخجل:

- قيس !

ضحك بخفة، بس بسرعة رجع هادئ.

مد إيده أخذ ايدها بين إيديه ... و مرر إبهامه على اصابعها ببطء.

- اسمعيني زين ... مو اني الزلمة اليخنكَ لو يفرض قوانينو و يغير الاولي و التالي،

رفع عيونه عليها:

- بس حرمتي ما تمشي بالدنيا جن هي لوحّدها بليّا ظهر.


هنا ... قلبها دگ بقوة.

و بدون ما تحس ... أصابعها تمسكت بإيده أكثر.

سكتت ثواني،

و سألته،

- هاي بس هنا ؟ لو هناك هم ؟!

تعلقت عيونها بعيونه و ببساطة سأل،

- انتي شتكَولين ؟!

و عينها نزلت لكفه تهمس،

- هالشي هناك ما يمشي.

سألها،

- تعرفين ليش ما يمشي ؟!

- اي المجتمع غير، و ...

و رفع وجهها بأصابعه على فكها يقول،

- لانّو محد يرفع عينو لمرة على ذمتي، و حتى ما تجي عين عليها اي اكو قوانين.

ركزت بعيونه تسأل،

- صعبة القوانين ؟!

هز راسه،

- لا مو صعبة، بس مو مثل هين،

و نزل مستوى نظراته يقول،

- بس القانون الي ما يتغيّر ...

لمس اصابع ايدها اليمين،

- ايدج ما تظل فارغة.

رفعت عيونها إله ببطء.

- لعد إنت ليش ما لابس حلقتك ؟

صفن بيها لحظة ... و كأنه يحلل النبرة اكثر من السؤال نفسه،

بعدين رد بهدوء:

- بغرفتي هناك.

رفعت حاجبها بخفة.

- هناك تلبسها و هنا نسيتها ؟!

هالمرة ابتسم.

ابتسامة صغيرة ... رجولية ... واثقة.

و اندار عليها أكثر بكَعدته.

- لا ما ألبسها ... لانّو كل اللي حوليّا يعَرفون اكو مرة بحياتي.

سكت لحظة ... و عينه بعينها مباشرة.

- و يعَرفون زلمة مثلي إذا اكو مرة بحياته ... لا يدحج بغيرها، ولا يخلي احد يطمع بيه.

قلبها دگ بخفة.

و همست بعناد ناعم:

- اي هم البسها.

هنا ... ضحك بصوت ناصي.

ضحكة طالعة من رجال عاجبه الطلب ... و عاجبه أكثر أسلوبها.

مال شوية عليها ،

- تامرين أمر ...

سكت ... و كمل بنفس هدوءه الثقيل:

- حلقتي بغرفتي يم اهلنا، أول ما ارد لهناك ... ألبسها.

نزلت عيونها بخجل ... بس كتمت ابتسامتها بصعوبة.

و هو ظل يراقب ملامحها كأنه مستمتع بيها أكثر من الحچي نفسه.

- بس ها ...

رفعت عيونها إله.

رفع حاجبه بخفة:

- دام وصلنا لهين ... معناها ريّاوي بعد لا تغشّم روحها و تسوي ما فاهمة شي.

احمر وجهها فوراً.

- قيس !!

قهقه بخفة ... و مد إيده ياخذ كفها و يقول،

- لا تسوين روحج بريئة جثير، تره عيونج فاضحتج أكثر من حچاياتچ.

شهقت بخجل و حاولت تسحب إيدها، بس هو ظل متمسك بهدوء،

- قيس ...

- هممم ؟

نزلت عيونها و همست:

- مرات أخاف منك.

هنا ... ابتسامته اختفت و ملامحه تغيرت للجديّة.

قرب عليها أكثر شوية ... و صوته خفت:

- تخافين مني لو عليّ ؟

سكتت.

لأنها فجأة ما عرفت الجواب.

هو تأملها ثواني ... و مرر إبهامه على أصابعها ببطء.

- ريّاوي ...

- ها ...

- مو اني الزلمة اليوجع مرته. 

سكت لحظة ... و عيونه ثبتت بعينها بثبات يخوف من كَد الصدق اللي بيه.

- بس هم مو اني اليرضى غيره يدحج لمكانه بحياة المرة هاي.

هنا ... أنفاسها توترت.

مو من الكلام نفسه ... من الطريقة الي يقوله بيها. و كأنها حقيقة مستقرة داخله من زمان.

و هو لاحظ ارتباكها. فابتسم أخيراً ابتسامة خفيفة ... و ما تعرف شلون رافع إيدها بإيده، باس طرف أصابعها بسرعة خاطفة.

- يلا ...

عيونها ثبتت بعيونه تحاول تقرأه، و كمل،

- روحي نامي لا تظلين صافنة بية هيچ للصبح.

و لأول مرة ... هي ما عرفت شلون تتهرب من نظراته و نبرته هذه.


هالمرة ... ما تحركت.

ظلّت واقفة أمامه، ساكتة. 

هو انتبه، رفع حاجبه بخفة.

- ها ؟ شبيج ؟!

ترددت. بعدين همست:

- قيس ...

- همم ؟

عضّت شفتها بخجل. و لأول مرة ... طلب بسيط يصير ثقيل عليها هيچ.

- تطلع وياية للحديقة ؟

سكت لحظة لأن نبرتها جان بيها،

احتياج ...

مو خوف، مو ضعف، بس تعلق هادئ بدأ يبين.

ثبت عيونه عليها كم ثانية ... و بعدها ابتسم ابتسامة خفيفة جداً و هو يباوع للساعة،

- بهالوكت ؟! ابردت فرد نوب.

هزت كتفها بخفة.

- أريد اشم هوا بارد.

ظل يباوعلها. و كأنه فهم أكثر من الجملة نفسها.

سألها،

- البنات نامن ؟!

- هسة اصعد اشوفهم.

أشر براسه للدرج،

- يلا امشي البسي، 

توجهت للدرج و هو يوصيها،

- غطي ركَبتج و اذانج باردة.

التفتت معترضة،

- ترى اني مو رهف !!

رفع حواجبه يقول،

- اي مو رهف، انتي مرضتج شقيقة و مستشفيات،

و أشر للدرج بعينه،

- امشي البسي زين لا تبلينا.

ابتسمت بدون ما تحس، ابتسامة صغيرة ... مرتاحة.

و ركضت تصعد تلبس.

هو ظل صافن بمكانها بعد ما راحت. و لأول مرة من زمان ... حس إن قلبه هادئ بشكل يخوفه.

بعد خمس دقايق ...

طلعوا يمشون بالشارع الهادئ ... الهواء بارد، و المنطقة شبه فارغة مثل كل ليلة.

ريّا ماشية يمه بهدوء، إيدها داخل جيب الكوت ... بس كل شوية عيونها تروحله بدون ما تنتبه.

أما هو ... فكان ماشي بثباته المعتاد. إيديه بجيوب الجاكيت، و عينه تراقب المكان تلقائياً أكثر مما تراقب الطريق.

وصلوا للحديقة، المكان فارغ ... و الأشجار تتحرك بخفة ويّة الهوا.

جلست على المصطبة أول، و هو جلس يمها بعد ثواني.

سكتوا.

بس مو ذاك السكوت الثقيل، سكوت مرتاح.

هي رفعت عيونها للسماء.

- تدري ... صار يمكن سنة ما جاية لهنا بهيج وكت ...

التفتلها.

- تحبين تجين هين ؟!

- اي الصبح مرات اجيب رهف تلعب،

و أشرت على جهته اليمين للبعيد،

- بهذيج الالعاب.

ابتسم لها،

- و انتي ما تلعبين ؟!

عقدت حواجبها 

- لاا وين العب، الحديقة مليانة اطفال تكون.

أشر لها بحاجبه،

- هسة فارغة محد هين، كَومي ...

ترددت هي،

- لا لا، من زمان عفت الالعاب.

نهض و مد لها إيده،

- تعالي ...

مسكت بإيده تسأل،

- وين ؟! قيس ناسية حتى شلون العب !

مشت وياه يقول،

- ما تنّسي هي مرجوحة، ما تحبين المراجيح ؟!

و ردت بصدق،

- آخر مرة لعبت جان عمري 14 سنة.

وصلوا للمراجيح و هو يقول،

- يلا تا مرة الاخرى تكَولين اخر مرة لعبت عمري 26.

- قيس ناسية والله ...

تقرب للمرجوحة مسك بالحبل المعدني يقول،

- ما تنّسي بس تركبين تذكريها.

ما تعرف شلون طاوعته و كَعدت، أول ما استقرب جلستها و تمسكت بالحبل، ما حست غير بإيده على الحبل و همسته،

- شيلي رجليج شو، لا تخافين.

و بس رفعت رجليها دفعها ع الخفيف يهزها،

التفتت عليه مبتسم يقول،

- لا تصدّين عليّ يلا ركزي ...


رجعت وجهها للأمام، تتأمل المكان ... المرجوحة تتحرك و الهوا البارد يضرب بوجهها مثل تيار ...

المرجوحة ارتفعت بيها لفوق، و غمضت عيونها تشم النسمة الباردة. 

و راسها فرغ من كل الأفكار ...

وقت ما تعرف شكَد مر، خففت من سرعة المرجوحة، و التفتت وراها،

قيس كَاعد على المصطبة القريبة منها يلعب بموبايله ...

أول ما نزلت نزل الموبايل مبتسم يقول،

- تونستي ؟!

هزت راسها تضحك،

- كللش ... جنت عبالي ناسيتها.

جلست لجانبه تقول،

- هاي السوالف ما تنّسي ريّاوي ...

ابتسمت تقولّه،

- يلا كَوم انت هم ...

ضحك يتأملها،

- صدكَ تحجين ؟!

- اي والله ...

- ما تاخذني هاي، مسوينها على كَدّج ...

و اعترضت،

- شنو قصدك ؟! شووف مو تاخذني محتوى ...

ركزت عيونه بعيونها يسأل،

- هيج تظنين ؟! 

و سألته،

- يعني ما تكَول لأحد ؟!

رفع حواجبه،

- أكَول لمن ؟!

رفعت كتفها،

- ما أدري، هيج اجى ببالي ...

و هو يتأمل المكان حواليه و بنظرة جانبية الها قال،

- لا يجي ببالج ...

نزلت عيونها بخفة. و قلبها دگ ببطء.

سكتت شوية ... بعدين همست:

- قيس؟

- ها يابا.

دارت وجهها ناحيته، و ظلت تتأمله كأنها تشوفه بطريقة جديدة الليلة.

- شلون تكَدر تبقى ثابت هيچ ؟

رفع حاجبه،

- شلون يعني ؟

- يعني ... هالهدوء، هالثقة، الطريقة اللي تحچي بيها ... تحسسني مهما يصير ماكو شي يهزك.

ابتسم بخفة، و رجع ظهره للمصطبة.

- لانّو إذا أنهزّ ... كل شي بمسؤوليتي ينهد ...

تأملته بصمت، و لأول مرة ... انتبهت شكَد تعبان من هذا الثبات.

مو سهل عليه، مو فطرة، شي بانيه فوق تعب سنين.

همست بدون ما تحس:

- بس مرات أحسك متعوب أكثر من الكل.

التفتلها هالمرة. و نظرته ثبتت بعينها أطول من الطبيعي.

واضح السؤال لمسه.

بس رغم هذا ... ابتسم ابتسامة هادئة.

- و انتي منين تلاحظين هالأشياء كلها ؟

دنكَت بخجل خفيف.

- ما أدري ... بس أحسك، يعني أحاول اقراك ...

هنا ... سكت.

و لأول مرة من بداية الليلة ... ملامحه هدت بطريقة أعمق.

مد إيده ببطء، و حاوط كتفها يسحبها بخفة أقرب إله.

- هاي السوالف تتعبج، عوفيهن.

رفعت عيونها إله باستفهام.

ابتسم ابتسامة صغيرة ... بس عيونه ما كانت تضحك بالكامل.

- انتي بديتي تحسين أكثر من اللازم.

قلبها دگ بقوة.

و لأول مرة ... ما عرفت شلون تهرب من الحقيقة.

نزلت عيونها على إيده الحاضنة كتفها. و همست بصوت مرتبك:

- يمكن ...

- يمكن شنو ؟

سحبت نفس ببطء، تحاول ترتب الإحساس اللي دا يضيعها من أيام.

- يمكن ... صرت أضيع وياك.

هنا ... سكت تماماً.

حتى الهوا بينهم حسّته وقف للحظة.

هو ما رد ولا سأل شي بس ظل يباوعلها بهدوء ... ذاك الهدوء اللي يخلي الإنسان يسترسل غصب.

و هي كملت بصوت أخف:

- كل مرة أحاول أبقى طبيعية ... ألكَاني أفكر شراح تكَول، شلون راح تشوف هالشي، وين راح تكون ؟! و وياك دا اسوي اشياء ما جنت اتخيل نفسي اسويها ...


رفعت عيونها إله بخجل مرتبك.

- و هذا الشي مخوفني.

هنا ... تنهد بهدوء.

و قربها أكثر لحضنه بهداوة،

- ليش مخوفج ؟

همست:

- لأن ما متعودة أحد يدخل داخلي هيچ.

سكت لحظة، بعدين صوته طلع أهدأ ... أثقل.

- ريّاوي ... اسمعيني زين.

رفعت عيونها إله.

- لا تخلين مشاعرج تاخذج لمكان يأذيج.

انقبض قلبها فوراً.

هو انتبه، و فوراً مسّد على كتفها يهدّي خوفها.

- ما جاي اخوفج مني ...

سكت لحظة ... كأنه يختار كل كلمة بحذر.

- بس اني مو إنسان سهل، و حياتي مو سهلة، و مرات ... الي يحبني يتحمل وياي أشياء ما المفروض يتحملها.

ظلت تتأمله بصمت. لأول مرة ... تشوف باب صغير انفتح من غموضه.

همست بهدوء:

- و إذا أريد اتحمل ؟

ابتسم، ابتسامة متعبة هالمرة.

و نزل إيده أخذ كفها بين إيديه.

- هين المشكلة.

- شنو ؟

رفع عيونه بعينها مباشرة.

- انتي من النوع اللي يحب و يتعلق من كل كَلبو ما يحب بهداي. و اني ... أخاف على كَلبج من هذا.

ارتجف نفسها بخفة.

و هو كمل بهدوء ثابت:

- لهذا من البداية جنت أحاول اظل محكم عقلي وياج. انطيج أمان ... مو هوسة مشاعر.

سكتت. بس عيونها ظلت معلقة بيه.

و بدون ما تحس ... تقربت أكثر.

هو لاحظ هالشي، و ابتسم ابتسامة خفيفة رجعت دفئ وجوده.

مال على راسها ... و باس شعرها ببطء.

بس واضح تأخرنا جثير بهالسالفة.

ظلت ساكتة شوية مايلة على كتفه و بقلبها خفقان لأول مرة تحسه، خربطة مشاعر وية توتر انكشاف هذه المشاعر، و قاطع سلسلة أفكارها التفاتته عليها،

- هدّي هدّي ...

رفعت له عيونها بنظرة استفهام، و أشر بعينه على صدرها،

- كَلبج لا يكَف ...

انسحب الدم من وجهها، و رجفت إيدها، بخفة غطى كفها بكفه و هي همست بلعثمة،

- انت ... شلون، تعرف ؟!

ضغط على إيدها الي ترجف يقول،

- كَلتلج اني مو غشيم.

سكتوا دقايق و رجفتها زادت ما خفت، لزم ايديها اثنينهم بإيده يسأل،

- بردتي ؟!

هزت راسها،

- لا دفيانة ... 

رفع وجهها و عيونها قابلته و سأل،

- عجل منّيش ترجفين ؟!

صفنت بوجهه، تتأمل عيونه الخضرا الي منعكس عليها ضوا الحديقة الأصفر ضايف لهن دفئ وية دفئ نظراته و أمانه، و بعفوية همست،

- جنت اظن تعلقي بيك لانك ظل ابوية، بس ...

مسد بإبهامه على إيدها يكمل،

- بس اني مو أبوج ...

هزت راسها ب"إي"، و رجفت شفايفها الي تنطق،

- اني احبك انت ...

هو ما رد مباشرة.

بس عيونه ثبتت بعيونها لثواني طويلة ... ثواني خلتها تحس إنها كشفت كلشي بداخلها .

و لأول مرة ... هي خافت من كلامها.

مو لأن ندمت. بس لأن الحقيقة لمن تنقال بصوت عالي ... تصير أقوى مما هي بداخلنا.

نزلت عيونها بسرعة، و حاولت تسحب إيدها بخجل مرتبك.

بس هو ضغط عليها بهدوء يمنعها،

- ريّاوي ...

صوته كان هادئ بشكل هدأ رجفتها شوية.

رفع إيده الحرة ... و بإبهامه رفع وجهها ببطء.

- شو دحكَيلي ...

رفعت عيونها بصعوبة. و قلبها بعده يدكَ بطريقة موجعة.

تأملها ثواني ... و واضح جداً إن اعترافها وصل لمكان عميق داخله.

بس رغم هذا ... بقى ثابت.

هادئ.

ذاك الهدوء اللي يشبه حضن أكثر من كونه رد فعل.

- أدري.


همست بارتباك:

- شلون تدري ؟...

ابتسم ابتسامة خفيفة جداً. مبين بيها التعب،

- لانّو انتي من النوع اللي مشاعرج شفافة، الي بكَلبج على لسانج.

سكت لحظة، و مرر إبهامه تحت عينها بخفة.

- و لانج من فترة بديتي تدحكَيلي بطريقة مو نفس اول.

نزلت عيونها فوراً. و احمرّ وجهها أكثر.

هو ابتسم بخفة على ارتباكها ... بس بسرعة رجع جدي.

- اسمعيني زين هسة.

رفعت عيونها إله.

- الحب مو الشي اللي يخوفني.

سكت، و نبرته رجعت أهدأ،

- اللي يخوفني ... انه تنسين نفسج من وراه.

انقبض قلبها.

و هو كمل بهدوء ثقيل:

- أريدج تحبيني ... بس تظلّين ريّا، تظلّين قوية، تعرفين وين تكَفين تا لا تذوبين بهاي المشاعر و تأذين نفسج.

ظل ماسك إيدها بين إيديه ... كأنه يطمنها و يثبتها بنفس الوقت.

همست بخفوت:

- و انت ؟...

رفع حاجبه بهدوء.

- شنو اني ؟

- انت تحبني، لو ؟؟

هنا ... ابتسم، ابتسامة رجولية هادئة بيها تعب سنين طويلة ...

و لأول مرة ... بين عليه الضعف بطريقة بسيطة جداً.

- متأخر هالسؤال ريّاوي.

سكتت.

و هو مال بجبينه على جبينها لحظة قصيرة ... و غمض عيونه.

- اني من زمان متورط بيج.

ضغطت على إيده تسأل،

- من شوكت ؟!

- من زماان، بس مريت و مريتي بجثير ظروف جان لازم اسندج و احتويج اكثر من ما احبج ... لانّو هاي المشاعر تتعب و شي فوكَ شي جثير على كَلبج يتحملو ...

ظلت صافنة بيه. و هي تستوعب إن الرجل اللي طول الفترة يحاول يسيطر على كل كلمة، كل نظرة، كل تقرّب... طلع هو هم مو سالم منها.

هنا... نفسها صار أهدأ بطريقة غريبة.

لأن جزء كبير من خوفها جان من فكرة إنها وحدها اللي قاعدة تغرق ...

نهض بهدوء و سحب إيدها يقول،

- يلا ... كَومي نمشي للبيت لا تتمرضين.

مشت لجانبه بهدوء، و رغم لابسة كل شي، خلال دقايق حست بالبرد يرجف عظامها.

التفت لها لما بطأت خطواتها،

- بردتي ؟!

هزت راسها ب"إي" و دخل إيده لإيدها بجيب الكوت الكبير اللابسته، يقول و عينه للساعة،

- هاي سوالفج مال طلعة تالي الليل، بس صوج الي يطيعج ...

سكتت و كفه حضن كفها يدفيه و يقول،

- بس تصلين اخذي دوش حار، مو دافي، بليّا ما تبللين شعرج، و تغطي زين، بلكي ما تهيج الشقيقة.

أول ما دخلوا للبيت، سد الباب و هي بعدها ساكتة. نزعت الكبوس و الكوت بارتباك، و همّت تصعد و الرجفة بعدها بكل جسمها. و اجاها صوته من ورا،

- ريّاوي.

وقفت، بس ما التفتت.

تقرب منها بهدوء، و بدون أي مقدمات ... سحبها لحضنه.

بلهفة مسيطرة، و حضن ثابت ... دافي ... كأنه يريد يجمع كل خربطة الليلة و يهدّيها بمكان واحد. بصدره.

غمضت عيونها فوراً، و لأول مرة من بداية الليلة ... حست جسمها بدأ يهدأ.

إيده على ظهرها تتحرك ببطء، و صوته هادئ قريب من شعرها:

- هدّي نفسج ... لا تفكرين جثير الليلة.

تنفست بعمق، و هي تحس دقات قلبه أهدأ من صخب قلبها.


ابتسم بخفة حس بيها أكثر مما شافها:

- شهالورطة الحلوة التورطت بيها !!

ضحكت بخفة داخل حضنه ... ضحكة صغيرة مرتبكة.

و هو باس راسها ببطء. بعدين ابتعد عنها شوية حتى يباوع بعيونها.

- يلا روحي تدفي و نامي زين ... و لا تظلين تفكرين بكل كلمة انحچت ... تره باچر هم اني موجود.

تأملت عيونه بصمت عم بينهم هم الاثنين، و قالت،

- تصبح على خير ...

و ابتسم بحب،

- على مثله و اخير حبيبتي ...

و صعدت أخذت دوش حار كلش يرخي أعصابها و يدفيها قبل النوم.

الصبح ...

صحَت قبل المنبه بدقايق ... 

ما صحّت على خوف، ولا غصة، ولا ثقل بصدرها.

صحّت على ارتباك.

غمضت عيونها مرة ثانية بسرعة أول ما تذكرت الليلة الماضية. 

الحديقة ... 

إيده داخل جيب كوتها ...

حضنه ... 

و صوته القريب من شعرها:

"اني من زمان متورط بيج."

فتحت عيونها بسرعة و قلبها دگ بعنف. دفنت وجهها بالمخدة بخجل كأن أحد سامع أفكارها.

يا الله ...

همستها طلعت وية ضحكة صغيرة مرتبكة.

ظلت دقائق تتأمل السقف. تحاول تستوعب شلون كلشي تغيّر بليلة وحدة ... و بنفس الوقت تحس كلشي صار بمكانه الصح.

رفعت إيدها على شفايفها بدون وعي. و فوراً سحبتها بخجل من نفسها.

ريّا استحي عيب ...

بس الابتسامة ما رضت تختفي.

نزلت متأخرة عن العادة.

لابسة ملابس الدوام، و شعرها مرتب بطريقة رسمية، و ملامحها كلها هدوء مرتبك. 

أول ما وصلت للصالة ... سمعت صوته قبل لا تشوفه.

- لا يابا مو هالوكت، خليها لمن ارد احسن.

كان يحچي بالتلفون، كَاعد على القنفة و فاتح اللابتوب أمامه. لابس تراكسود البيت العادي، و شعره بعده مو مرتب بالكامل، أو هو مرتب بعشوائية.

رفع عيونه عليها بالغلط ... و سكت نص ثانية.

هي فوراً نزلت عيونها.

و هو ... ابتسم.

ابتسامة صغيرة جداً. بس كافية تخلي قلبها ضايع بيه أكثر.

رجع للتلفون بهدوء كمل اتصاله يقول لعمها،

- جنتك تسلم عليك ...

و ضحك و غلق الاتصال.

هي كانت واصلة للمطبخ، لقت الفطور جاهز و مقابلها يباوعلها ثواني بدون كلام.

هي توترت أكثر.

- شبيك ؟!

رفع حاجبه بخفة.

- اني ؟ ما بية شي ... انتي ليش وجهج هيچ ؟

شهقت بخجل.

- شلون يعني هيچ ؟!

قهقه بخفة و نهض من مكانه، تقرب عليها بهدوء، و واضح مستمتع بارتباكها أكثر من أي شي ثاني.

وقف أمامها مباشرة. و مال شوية حتى يشوف عيونها المنعسة اليوم،

- صباح الخير أول شي.

همست بسرعة:

- صباح النور ...

- لا ... مو هيچ.

رفعت عيونها إله باستفهام مرتبك.

ابتسم بعتب هادئ:

- صباح النور حبيبي يكَولون

احمر وجهها فوراً لدرجة خلتها تدور وجهها عنه. و هو ضحك بصوت أوضح هالمرة.

- قيس !

- ها يابا !

- لا تعيد الحچي هذا !

- ليش ؟ ما عاجبج ؟

هزت راسها بسرعة و ارتباكها زاد أكثر.

هنا هدت ضحكته شوية. و مد إيده يرتب خصلة من شعرها نازلة على خدها.

- ريّاوي ...


رفعت عيونها إله ببطء.

و فوراً هدت شوية من شافت نظرته هادئة، دافية، و بيها ذاك الاحتواء اللي يخليها تحس إنها مو مضطرة تتهرب.

- لا تتوترين مني هيچ، تره بعدني قيس الاولي ...

ردت مباشرة،

- لا مو قيس الاولي، لا تضحك علية بعد.

سكت يتأملها،

و هي استوعبت شحچت، فنزلت عيونها بسرعة بخجل.

بس هو ... ابتسم ابتسامة أهدأ من قبل، و همس قريب منها:

- شبيه ؟!

بلعت ريقها. و قلبها رجع يدگ بسرعة.

- صار ... 

سكتت، بعدين همست بخفوت:

- يحرجني ...

و رد فوراً،

- أفاا، لا حشى، بس اشاقيج تا لا تظلين مرتبكة و متوترة مني.

سكتت و ارتباكها مبين بوجهها، و أشر بعينه لطاولة الطعام،

- يلا تريكَي كَبل لا نطلع.

ردت و هي تباوع للساعة،

- لا ما ظل وكت، تأخرت.

و اتجه هو للطاولة أخذ الجبن الي تحبه و الخضروات مالتها، أخذ خبز و سوا لفة و هو يدردم عليها،

- بس يجي قيس، يظل يسوي ريوكَو كل يوم، آمنا بالله ... تالي يلف لفات حتى تاكل المدام ...

و رفع لها اللفة،

- تفضلي مدام ...

رفعت حواجبها،

- آنسة ...

ابتسم رافع حواجبه، أخذتها منه و هو يقول،

- آنسة يابا آنسة ...

- عاشت ايدك داتعبك كل يوم ...

- تعبج راحة حبيبتي ... يلا نمشي.

طلعوا يوصلها للمستشفى، و سألها،

- خومو تضوجين و تحتاجين السيارة !!

ابتسمت تقول،

- لا بالعكس، مخلصني من دوارة الباركنج للسيارة هههه ...

- اذا ردتيها اخذيها ...

- اني ما احب السياقة، بس تعلمت لانه لازم اسوق و اروح و اجي ...

- بس الي يشوفج تسوقين ما يصدكَ ...

- اي اكيد، الشغلة اذا ما تمكنت منها اتعب، مو كل شي نحبه نسويه، اغلب مسؤولياتي شايلتها لانه لازم اشيلها،

و التفتت له تكمل،

- بس وياك عندي فرص اتدلل ...

التفت لها مبتسم،

- اني عد عيناج ...

نزلت بهدوء بباب المستشفى، و كملت يومها مثل أي يوم ...


الكافتيريا القريبة من الجامعة كانت مزدحمة كالعادة. صوت ماكينة القهوة، و ضحك الطلاب، و المطر الخفيف برا على الزجاج.

رغد كانت كَاعدة على الطاولة و لابسة الهودي مالها، و اللابتوب مفتوح أمامها بس تركيزها مو عالمحاضرة.

لأن رائد ... من عشر دقايق ديحاول يفهمها شلون الدكتور غلط بالسلايدات و ديقلد لهجته الإنجليزية بطريقة تضحك.

شهقت ضاحكة و دفعت كتفه بخفة:

- لا يسمعك فد يوم.

ضحك و رجع سند ظهره للكرسي. لابس جاكيت أسود و شعره مرتب بعفوية. ريحة عطره خفيفة ... و حضوره كله هادئ بطريقة مريحة.

- أصلاً الدكتور يحبني، مستحيل يرسبني.

رفعت حاجبها:

- واثق هواية بنفسك.

أشر على نفسه بفخر مصطنع:

- طبعاً، أعرف شلون اكون محبوب بينهم.

ضحكت غصب عنها.

و هنا تحديداً ... كانت تحس الفرق.

وياه تضحك أكثر. مو لأن هو يحاول يرضيها، لأن وجوده خفيف.

ما يراقبها، ما يقرأ كل تنهيدة، ما يحاول يشيل عنها الدنيا.

بس بنفس الوقت ... منتبه.

هاي الكلمة الأدق.

منتبه إلها.


مو مثل قيس ... قيس يلاحظ التعب قبل حتى ما هي تنتبه له، يحاصرها باهتمامه و خوفه و حنانه الثقيل مثل أب ...

أما رائد ... فكان يخليها تتنفس.

إذا سكتت، ما يسألها عشر مرات شبيج، إذا تعبت، يكتفي بجلوس لجنبها و يسولف سوالف عادية

و إذا عصبت ... يضحك.

كأنه يعرف إنها مو محتاجة أحد ينقذها، بس محتاجة أحد يشوفها "بنية بعمرها".

- رغودة.

رفعت عيونها إله.

بلهجته العربية المكسرة قالها، كان يباوعلها من فوق كوب القهوة، هادئ، و ابتسامته صغيرة.

- وين رحتي ؟

تنهدت بخفة:

- صافنة.

- واضح. من خمس دقايق دأشرح و انتي بس تهزين راسج.

ابتسمت بخجل خفيف.

- عبالك أركز بكلشي يعني؟

ضحك:

- لا، بس عادةً لمن تسرحين ... تعقدين حواجبج. هالمرة لا. هالمرة مبتسمة.

سكتت ثواني.

و ما تعرف ليش ... بس وياه ما كانت تحتاج تدافع عن نفسها كل الوقت.

سألها بهدوء:

- تحبين هالمكان؟

لفت عيونها على الكافتيريا، على المطر، على الناس،

- إي ... يحسسني محد يعرفني.

ابتسم بخفة:

- و هذا الشي يعجبج ؟

هزت راسها، و لأول مرة ... جاوبت بصدق كامل:

- كل عمري لازم أكون البنية العاقلة. الأخت الكبيرة بعد أختي ... البنية اللي ظروفها صعبة. البنية اللي لازم تنتبه على نفسها، حتى بعد وفاة بابا ... حسيت لازم أكبر غصب عني.

سكتت، و كملت بصوت أهدأ:

- وياك ... أحس عادي أكون سخيفة شوية.

ابتسم، مو ابتسامة رجل سمع اعتراف حب. لا. ابتسامة شخص فهم شي مهم.

- لأنج بعمر السخافة أصلاً رغد.

ضحكت بقوة هالمرة.

- شكراً يعني.

قهقه:

- لا صدك. ليش ديحسسوج لازم تكونين رزينة أربع و عشرين ساعة؟

تأملته بهدوء.

هو ما يشبه قيس، ولا حتى قريب.

قيس ... يشعرك بالأمان لدرجة تخاف تمشي خطوة بدونه.

أما رائد ... فيشعرك بالحياة.

بالخفة. بالعمر اللي ضاع منها بين الموت و المسؤولية و الخوف.

قطع أفكارها وهو يدفع علبها قطعة كيك:

- أكلي.

- ما أريد.

- رغد، أكلج من الصبح عبارة عن آيس كوفي و سخافة.

ضحكت:

- شمدريك؟

رفع حاجبه:

- لأن كل يوم أشوفج تشربين نفس الشي و بدون غدا.

سكتت لحظة.

و بداخلها ... شي صغير دفا، و همست،

- لأنه نتغدا سوا بالبيت.

و هو يقول،

- بعدكم تاكلون سوا ؟! هو منو ظل ياكل سوا !!

ردت ببساطة،

- لأنه كعائلة نحتاج نتجمع بوقت، هذا الوقت النا مو بس للأكل.

صفن يقول،

- هذه عادة عربية كلش. احنا ما متعودين.

صفنت تتأمل الفرق هذا ... هو بس وجهة نظى مختلفة برأيها ...

بعد ساعة ... طلعوا من الكافتيريا ضمن قروب الجامعة.

الهوا بارد، و المطر خفيف.

البنات أمامهم يضحكون. و الشباب وراهم يسولفون.

رائد مشى يمها بهدوء. مو قريب هواية و مو بعيد.

المسافة المريحة اللي تحبها.

- عندج محاضرة باچر لو أوف ؟

- محاضرة وحدة.

- زين. تعالي ندرس بالمكتبة قبلها.

اندارت تتأمله:

- دعوة دراسة هاي لو شنو ؟

رد ببرود متعمد:

- لا طبعاً ... أريد أحد يفهمني المحاضرة لأن مستقبلي ضايع.


ضحكت و هزت راسها.

و هي تمشي يمه ... استوعبت أخيراً شنو اللي جذبها إله.

مو الحب الكبير، مو الاحتواء، مو الحنان الثقيل.

بل الإحساس البسيط ... إنها أخيراً صارت "رغد" فقط.

مو البنية المكسورة، مو اليتيمة، مو الأخت اللي لازم تكبر غصب.

بس رغد. بنية تضحك ... و تتدلل ... و أحد ينتظرها بالكافتيريا حتى لو تأخرت عشر دقايق ...

رجعت من الجامعة، بس مو للبيت ...

كانت كَاعدة وحدها على الحافة الحجرية القريبة من البحيرة ... رجل على رجل ... و الهودي الرمادي الكبير مغطي نص إيدها. 

الهواء بارد. مو ذاك البرد القاسي ... لا. برد هادئ، يشبه المدينة نفسها. 

البحيرة ساكنة، و انعكاس الأعمدة الضوئية يتحرك على المي بخفة. وراها الحديقة الكبيرة بعدها بيها ناس رغم الوقت عصر، بالعادة تخلى هيجي وقت، بس رغم مليانة اليوم، محد منتبه لأحد. كل واحد عايش بعالمه.

و رغد ... أكثر وحدة ضايعة بعالمها.

نزعت السماعة من أذنها. 

الأغنية خلصت من زمان، بس هي ما انتبهت.

ظلت صافنة بالمي و تفكر:

شلون الحياة تكَدر تتغير بهالسرعة ؟

قبل ست أشهر بس ... كانت أكبر همومها شنو تلبس للجامعة. و شلون تقنع أبوها يخليها تروح لحفلة وية البنات. و ليش ريّا كلش جديّة و معقدة و تحب السيطرة ؟!

و فجأة ... بيوم واحد ... صار عدهم مأتم بالبيت.

تنهدت بخفة ... 

و غرزت إيدها بجيب الهودي أكثر.

أول فترة بعد وفاة أبوها ... كانت تكره نفسها. تكره ضعفها. و تكره أكثر شي نظرة الشفقة بعيون الناس.

بس أكثر شخص كانت موجهة غضبها إله ... ريّا.

لأن ريّا بسرعة لبست دور الأم. 

و بسرعة صارت تخاف عليهم، و بسرعة صارت تنطي أوامر.

و رغد ... ما كانت تريد أم جديدة.

كانت تريد أبوها.

عضت شفتها بخفة، و نزلت عيونها على المي.

يمكن لهذا السبب تمردت، كل ما ريّا تضغط ... هي تعاند أكثر. 

كل ما تخاف عليهم ... رغد تطلع من البيت أكثر. 

كل ما تحاول تحتوي الوضع ... رغد تخربه.

مو لأن تكرهها.

بس لأن قلبها كله كان يصرخ: "مو من حقج تكبرين بهالسرعة و تخليني أتقبل إن بابا راح."

رفعت عيونها للسما، و ابتسمت بسخرية خفيفة.

و فوق كل هذا ... إجا قيس.

بوقتها كانت تشوفه مجرد رجل ثقيل. هادئ زيادة عن اللزوم. يتصرف كأنه مسؤول عن الكل، و هي أكثر شي يكرهها بحياتها أحد يحاول يحتويها.

بس المشكلة ... إنه ما حاول يسيطر عليها بالطريقة اللي توقعتها.

و هذا اللي شوشها ...

لأنها كانت تنتظر منه عصبية، صوت عالي، أوامر، منع، أي شي يخليها تكرهه بسهولة.

بس هو ... كل مرة يفاجئها.

حتى آخر مواجهة بينهم ... لمن شافت ريّا بالمستشفى.

غمضت عيونها لحظة. و صورة أختها رجعت براسها مثل صفعة.

وجهها الشاحب، الإبر بإيدها، و قيس جاي بعد دول و سفر اكثر من عشر ساعات ... واقف يم السرير و شكله منهار أكثر منها.

بوقتها استوعبت شي خنقها من الداخل:

هو ما جاي يحاربهم.

هو خايف عليهم.

و يمكن ... يحب ريّا صدگ.

فتحت عيونها ببطء. و همست لنفسها:

- و ريّا هم بدت تحبه ...

مو لأنها اعترفت، لا ... ريّا أصلاً مستحيل تعترف بسهولة.

بس رغد تعرفها.

تعرف شلون تصير عيونها هادئة لمن يجي ... شلون صوتها يخفت وياه ... شلون صارت تعتمد عليه بدون ما تنتبه، بس هي انتبهت عليها ...

تنهدت، و مالت براسها للخلف.

الغريب ... إن هذا الشي بدل ما يضوجها ... طمنها.

لأن لأول مرة من مات أبوهم ... حست أكو أحد شايل الحمل وياهم.

سكتت شوي. بعدين ضحكت بخفة و هي تهز راسها.

و أني ؟ شنو أسوي أني ؟

هي مو مثل ريّا.

ريّا تكدر ترجع للعراق و تتأقلم. حتى لو تتعب بالبداية ... بالنهاية تلكَى نفسها هناك بينهم، أما هي ؟

هي بنت هالمكان أكثر مما هي بنت قرية بسيطة هناك.

تحب الحرية، تحب إنه محد يسألها وين رايحة، تحب فكرة العلاقات السهلة ... 

تحب الناس اللي تشبهها.

و يمكن لهذا السبب ... رائد دخل بالها بسهولة.

ابتسمت بدون وعي أول ما تذكرته.

عراقي ... بس مو نفس الشباب اللي تعرفهم بالعراق.

مولود هنا. ستايله بريطاني بالكامل. حتى عربيته مكسرة أحياناً. 

بس بيه شي ... شي دافي.

يحچي وياها كأنها إنسانة طبيعية، مو "بنية لازم تنتبه لتصرفاتها". و لا "بنت فلان".

و الأغرب... إنه يسمع.

فعلاً يسمع.

مو بس ينتظر دوره بالحچي.

حركت رجلها بخفة. و ظلت تباوع لانعكاس الضوء على البحيرة.

يمكن لهذا السبب ارتاحتله.

و يمكن لأول مرة ... ما حست بالذنب لأنها تفكر بنفسها.

لأنها شافت ريّا أخيراً بدت تعيش لنفسها شوية،

و إذا ريّا لكت شخص يحتويها ... ليش هي تبقى معلقة بخوف مو إلها ؟

عضت شفتها بخفة، و همست بصوت شبه ضايع:

- يمكن ... مو غلط إذا شفت حياتي أني هم.

رن موبايلها فجأة. ارتجفت بخفة و سحبته من جيبها.

ريّا ❤️

باوعت للوقت .. و اتسعت عيونها.

- أوف ... شلون تأخر هيچ الوقت ؟!

ردت بسرعة:

- ألو ؟

إجاها صوت ريّا فوراً، هادئ ... بس واضح بيه قلق:

- وينج رغودة ؟

ابتسمت بدون شعور.

هاي النبرة ... كانت تضوجها قبل.

هسة ؟ تحسسها بالأمان.

وقفت من مكانها و سحبت نفس بارد.

- بالطريق ... لا تبلشين محاضرة، جاية.

سمعت تنهيدة ريّا بالطرف الثاني:

- ديري بالج على نفسج بس.

سكتت رغد ثواني بعد ما غلقت الخط.

و ظلت صافنة بالموبايل بإيدها.

بعدين رفعت عيونها للبحيرة مرة أخيرة. و همست لنفسها بهدوء:

- بعد ماكو تمرد ... بس هم ... من حقي أعيش.

يتبع 

                الفصل الخامس عشر اضغط هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا


تعليقات



<>