رواية هاربة ام خائنة الفصل السادس عشر16 بقلم داليا السيد
غضب
انتبهت إلى أنه يحرك جفونه فأمسكت يده بقوة والدموع لا تتوقف على وجنتها والخوف يكاد يوقف قلبها عليه..
دق الباب وفُتح لتسمع صوت ظافر وخطاب وهما يندفعان تجاه فراشه وظافر يقول "ياسين، أخي، ماذا حدث له يُسر، ياسين، لماذا لا يرد؟"
لم تنظر لأحد وعيونها على وجه زوجها الشاحب ولم ترد بينما قال خطاب "الشرطة بالخارج، سأرى اللازم، مدام هل أنت بخير؟"
هزت رأسها دون أن ترد حتى تحركت أصابعه بين يدها فنادت بصوت مبحوح "ياسين، ياسين هل تسمعني؟"
فتح عيونه ليرى وجهها والدموع تنساب على وجنتيها فقال بتعب واضح "يُسر"
اعتدلت واقتربت منه أكثر دون أن تترك يده وهي تهمس بصوت متعب ومليء بالخوف "أنا هنا ياسين، أنا هنا"
حاول أن يتحرك لينهض ولكن ألم بجانبه جعله يتراجع ويغمض عيونه ويتألم في صمت ثم غرق بالظلام مرة أخرى
سمعت ظافر يقول "ياسين هل أنت بخير؟"
لكن ياسين لم يجيبه..
دق الباب مرة أخرى ودخل الطبيب فابتعد ظافر ولكنها لم تنهض أو تترك يده والطبيب يقول "هل أفاق؟"
أجابت دون أن تترك عيونها وجه زوجها "فتح عيونه وأغلقها مرة أخرى"
تحرك الطبيب إليه وفحصه ثم قال "ما زال تحت تأثير المخدر، الجرح كان عميق ونزف كثيرا ولكن الحمد لله حالته ليست خطر، سيعود بمجرد زوال المخدر"
هدأت من كلمات الطبيب، نظر ظافر لها وقال "ماذا حدث يُسر؟"
قالت من بين الدموع "كنا بالمطعم ورأيت الرجل الذي كاد يقتلني من قبل بالفندق وهرب عندما عرفني، طارده ياسين فطعنه الرجل بالسكين"
تساءل ظافر "رجل حاول قتلك؟ أنا لا أفهم شيء، من هو؟ وأين ذهب؟"
نظرت له ورأى وجهها الشاحب والملطخ بالدموع "مات؛ صدمته سيارة وهو يفر من ياسين والشرطة تقول أنه من المشتبه بهم"
دق الباب ودخل خطاب واتجه لظافر وقال بصوت منخفض "الشرطة تعرفت على الرجل، هو من المسجلين خطر، وله مجموعة معروفة من الأصدقاء ولكنهم اختفوا بعد الحادث"
نفخ ظافر بقوة وهو لا يفهم ما يحدث حوله وهو ما قاله "أنا لا أفهم شيء خطاب، متى هدد ذلك الرجل حياتك يُسر؟ ولماذا؟"
عادت لزوجها وهي تستعيد الذكريات المؤلمة "لا أعرف ظافر، لا أعرف"
انزوى ظافر بخطاب ليفهم منه ما كان، بينما ظلت هي بجواره وهو ما بين النوم واليقظة..
مر الوقت دون أن تعرف مقداره وخطاب وظافر يتبادلان عليها للاطمئنان على ياسين حتى بدأ يستعيد وعيه
مال رأسها على كتفها من الصداع الذي لازمها عندما سمعت صوته ضعيفا "أنتِ بحاجة للراحة"
اعتدلت بسرعة والأمل ارتفع داخلها وما زالت تقبض على يده وقالت بعيون باكية "أنا بخير ياسين، بخير طالما أنت بخير، كيف تشعر الآن؟"
حاول أن يبتسم لكن بدا الإجهاد عليه وهو يقول "أنا أيضا بخير لا تقلقي، هل مات الرجل؟"
هزت رأسها ولا ترغب بتذكر المشهد المخيف بكل ما كان به وخرج صوتها واهنا "نعم، لم يكن عليك مطاردته ياسين، لقد كان مجرم"
أغمض عيونه لحظة ثم عاد وقال بنفاد صبر "لابد أن نعرف من وراء كل ذلك، أين خطاب؟"
أجابت باستسلام "مع ظافر، كانوا هنا منذ ساعة"
منحها نظرة حاسمة وهو يقول "اتصلي به من هاتفي، أريده"
لكنها لم تقبل بما يقوله، لن يمارس العمل وهو بتلك الحالة فقالت بضيق "ياسين أنت ما زلت متعب"
أبعد وجهه غير راغب بأي جدال وقال بإصرار "اتصلي به يُسر، لابد أن نعرف من أين تأتي المصائب"
استسلمت لرغبته وهاتفت بخطاب الذي لم يتأخر بالحضور وقد ذهب هو بالنوم لوهلة ولكنه استيقظ على صوت خطاب
قال بمجرد رؤيته "سعيد المنصوري، أريد أن أعرف عنه كل شيء خطاب"
نظر خطاب لها بلا فهم فهزت أكتافها دليل على عدم المعرفة فعاد لياسين وقال "من هو ذلك الرجل ياسين؟"
أجاب ياسين بصوت منخفض بسبب ألم جرحه "ذلك الكلب أخبرني باسمه، ابحث وراؤه وكن على حذر، ماذا عن الحراسة؟"
قال خطاب بجدية "الرجال بكل مكان لا تقلق"
دق الباب ودخل الطبيب وقام بفحصه ثم قال "الحمد لله أنت بخير، يمكنك الخروج بالصباح لكن أنت بحاجة للراحة حتى يلتئم الجرح"
هدأت نفسها وذهبت مخاوفها عليه وظنت أنه سينال تلك الراحة..
رحل خطاب لتنفيذ أوامره ودخل ظافر وهو يقول بلهفة واضحة "ياسين، كيف حالك؟"
بدأ يستعيد نفسه قليلا وهو يجيبه "الحمد لله ظافر بخير، يُسر هل تعودي للفندق؟ أنتِ بحاجة للراحة"
نظرت له بعتاب وقالت بعناد واضح "أنت تعلم أني لن أذهب لأي مكان بدونك ياسين فكف عن كلامك هذا"
نظر ظافر له وقال "ذلك الرجل كان مجرم حقا ما كان عليك بمطاردته"
أبعد وجهه وذهنه مشغول بالأمر وقال "لابد أن نعلم من وراء ما يحدث ظافر، هل أخبرت جينا؟"
أجاب "لا"
لم ينظر له وأغمض عيونه فنظر ظافر لها وهي أيضا وبدا الضيق على ملامح ياسين فتركه ظافر وخرج ولم تتحدث هي .
أخذه النوم ونامت هي الأخرى على المقعد بجواره حتى عاد خطاب ولكنها لم توقظه ورحل الرجل هو الآخر
بالصباح استعاد بعض من قوته والطبيب يفحصه ثم قال "الجرح بخير ولكنه بحاجة للاهتمام، بالطبع المدام يمكنها مراعاته والراحة هامة أيضا على الأقل يومان"
خرج الطبيب فقال بجدية واضحة وحزم "هيا يُسر أريد أن أخرج من هنا، أين ملابسي؟"
نظرت له وأدركت أنه لن يقبل أي جدال فقالت "الملابس هنا ألا ننتظر خطاب أو ظافر"
قال بعصبية واضحة "لن ننتظر أحد، هيا يُسر"
لم ترد وهي تساعده في ارتداء الملابس وما أن انتهى بصعوبة وألم لم يبديه حتى دق الباب ودخل خطاب وهو يقول
"صباح الخير"
لم ينظر له وهو يقف بصعوبة من جرحه وقال "هل وصلت لشيء؟"
نظر خطاب لها فهزت أكتافها مرة أخرى باستسلام بينما قال خطاب "وصلت لمكان سعيد لكنه بالطبع اختفى هو وكل رجاله"
تحرك للباب دون انتظار أحد وقال بعصبية أو ربما غضب "بالطبع لابد أن يختفي"
تبعته مسرعة ولا تفهم سبب تصرفاته هذه وخطاب أيضا لحق بهم للخارج وهو يقول "السيارة بالخارج"
لكنه قال "يُسر السائق سيعيدك الفندق وأنا لن أتأخر"
التفتت له بقوة وهي لا تصدق ما يقول وهتفت "ماذا!؟ ياسين أنت تمزح! أنت بحاجة للراحة"
وصلا للخارج ونظر لها وبدت نظراته قاتمة.. منغلقة.. لا تمنحها أي شيء وهو يقول "أنا بخير هيا، خطاب أريد سيارة أخرى وستأتي معي، من سيكون مع المدام؟"
كان هناك ثلاثة رجال تحيط بالسيارة فقال خطاب "الرجال هنا ياسين وسيظلون معها بالفندق"
هز رأسه ونظر لها وقال "لن تخرجي من غرفتك اليوم يُسر حتى أعود"
حاولت الاعتراض ولكنه نبرته الغاضبة أوقفتها بل وأخافتها مما جعلها لا تعرف ماذا تقول أو تفعل
توقفت السيارة أمامهم وفتح لها الرجل الباب فشعرت بيده تدفعها برفق لتركب وعيونها عالقة به والدموع تحاول منحه رجاء ألا يذهب ولكنه لم يكن يراها
دخلت وأغلق هو الباب وظل يتابعها بعيونه حتى انتهت من أمامه فارتد لخطاب وقال بغضب لم يمكنه إخفاؤه أكثر من ذلك "أريد أن أعرف كل شيء وصلت له عن هذا الكلب الذي مات وعن سعيد المنصوري هل تسمعني؟"
قال خطاب "حاضر ياسين، هل تهدأ؟ كان عليك بالراحة اليوم على الأقل"
لم يسمع ما قاله وهتف "هل ستخبرني ما أريد أم سأظل اليوم كله انتظر خطاب؟"
تراجع خطاب من الغضب الذي لف رئيسه لأول مرة وقال مرة أخرى "حسنا ولكن هل تهدأ أولا؟ الغضب لن يحل شيء"
أبعد وجهه ونفخ وهو يعلم أن الغضب لن يحل شيء لكن الانتظار لأكثر من ذلك لن يحل شيء أيضا لذا هتف "وكيف أهدأ وزوجتي بخطر والرجل مات والآخر لم نصل له؟ أي هدوء الذي تتحدث عنه؟"
توقفت سيارة أخرى أمامهم فركب وبجواره خطاب الذي قال "المدام بخير وبالتأكيد لن يتعرض لها أحد الآن والحراسة لا تتركها، الرجل الذي مات اسمه عبدو السيد مجرم مسجل خطر ومدمن"
التفت له وهو يمنحه تركيزه فأكمل خطاب "سعيد هو زعيمهم وهو الذي يوزع عليهم العمل، له علاقات كبيرة بكثير من الشخصيات الهامة هنا وبأماكن كثيرة، يتاجر بكل ما هو ممنوع، الرجال تبحث عنه وبالتأكيد سنصل له، أين تريد الذهاب الآن؟"
ظل صامتا لحظة ثم أبعد وجهه وقال "المطعم، أريد أن أعرف ماذا كانوا يفعلون هناك؟"
عادت بها السيارة للفندق فأخذت حمام وبدلت ملابسها ودخلت الفراش بتعب واضح ولكن هاتفها رن برقم غريب فأجابت لتجد صوت عهد تقول "كيف حالك يسر؟"
تراجعت بالفراش والدهشة تتملكها من اتصال عهد فهي لم تهاتفها من قبل فما الذي تريده منها؟
"ماذا تريدين عهد!؟"
ضحكت المرأة وقالت "لا شيء سوى مساعدتك، ألم تتساءلي ماذا كنتِ تفعلين بسيناء يوم رحيلك؟ ظننت أنكِ ستذكرين"
ضاقت عيون يسر هي جربت ذلك من قبل وفشلت.. الذكريات تهجرها ولكن.. ما دخل عهد بالأمر؟
بل ماذا تقصد بكلماتها هذه؟
هل تعرف شيء عن سبب وجودها هنا يوم الحادث الذي فقدت فيه ذاكرتها؟
سألتها بتأني "ماذا تعنين عهد؟"
قالت عهد بنبرة خبيثة "أعني السر، السر وراء رحيلك من هنا بذلك اليوم، فقط كان عليكِ رؤية الصورة التي يحتفظ بها ياسين على هاتفه أو بمكتبه بالعزبة ووقتها كنتِ ستذكرين أو على الأقل تسأليه عن السر الذي يخفيه خاصة بسيناء"
دق قلبها بقوة وهي لا تفهم أي شيء، ضاعت الكلمات منها ولم تعد تركز بأي كلمة..
الهاتف سقط من يدها وهي تحاول أن تعرف ماذا تريد أن تخبرها تلك المرأة؟ هل تعرف السر؟
وما هو هذا السر الذي يخفيه زوجها؟ وهل هو سبب وجودهم هنا؟
هل هو أيضا سبب رحيله الآن دون أن يعود ليرتاح؟
شعرت بصداع يدق برأسها فأمسكت رأسها بيديها الاثنان وفجأة..
ومض مكتب ياسين بالفيلا التاي بالعزبة أمام عيونها ونفس عيون المرأة التي رأتها من قبل وظنت أنها عهد ولكن الآن اختلفت..
ولكن رحل كل شيء باللحظة التالية.. وحل الفراغ محلهم وعادت للتيه من جديد
لم تنم لحظة واحدة وأخذت تتحرك بالغرفة بدون هدى وهي تفكر بم يجب أن تفعل وكيف ستعرف السر؟
لابد أن تعود العزبة لتعرف ماذا يوجد بمكتبه أو، أو ترى هاتفه ربما تجد الصورة التاي تحدثت عنها تلك المرأة..
وماذا؟
جلست على أقرب مقعد وهي تفكر..
وماذا لو عرفت السر؟
ماذا لو كان شيء مؤلم.. هل ستتركه وترحل مرة أخرى؟
إنها تحبه وتعلم أنه يحبها وهي سعيدة معه وقد وعدته ألا ترحل وتتركه
ماذا ستفعل لو عرفت السر وكان قنبلة تدمر حياتها؟
لا.. لن تبحث..
الآن لا ترغب بأن تجد ذلك السر كي لا تدمر نفسها وحياتها مرة أخرى..
لابد أن تنسى تلك الذكريات التي لم تعد تعنيها بشيء فهي معه وهو معها وهذا هو كل ما تريده الحاضر والمستقبل أما الماضي فانتهى ولا داعي للتنقيب ببواطنه لعلها لو فعلت لدفنت سعادتها به
وأخيرا.. اتخذت قرارها بألا تبحث ولو شاءت الأقدار أن تتذكر فستتذكر وحدها دون أن تسعى هي لذلك ووقتها لا تعرف ماذا ستفعل؟
لم يعد إلا بالمساء وقد تعبت من انتظاره وما أن فتح باب الغرفة حتى أسرعت له وقد بدا التعب على ملامحه
ما أن دخل حتى رآها تقف أمامه وعلامات الخوف والقلق ارتسمت على وجهها بوضوح وهي تهتف به "هل تعلم أنك مجنون!"
أبعد وجهه عنها ولا مزاج له لأن كلمات عتاب
تحرك للداخل وهو يحاول خلع قميصه ولكنه يستطع من الألم فأسرعت تساعده وهو يقول باستسلام "أعلم"
تحرك للفراش وقال بصوت حاول أن يخفي الألم منه "أحتاج للنوم يُسر"
ظلت بجواره تسانده وهي تقول بلا جدال فقد أدركت أنه لن يتحمل أي لوم أو عتاب "حسنا فقط تناول دواءك أولا"
أخذ منها الدواء بلا كلمات، ثم استلقى على الفراش فدفعت الغطاء عليه فنام دون أي كلمات
تابعته حتى انتظمت أنفاسه والتفتت لتسقط عيونها على هاتفه الذي وضعه بجوار الفراش وللحظة تذكرت كلمات عهد عن السر وشعرت برغبة جامحة بأن تعرفه ومالت وهي تمد يدها لتأخذ الهاتف ولكنها..
فجأة تذكرت كلماته "نظام أمني خاص بي"
تراجعت وأبعدت يدها وهي تعتدل..
بالتأكيد يضع كلمة سر للهاتف وربما تطبيق يكشف أي متلصص، بالتأكيد رجل حريص مثله لن يمكنها أن تخترق حساباته الخاصة
ابتعدت للنافذة وشعرت بالصداع يزداد والأفكار ترهقها أكثر وعليها أن توقفها لذا تراجعت للفراش ودست نفسها جواره واستسلمت للنوم..
استيقظت على دقات الباب فأدركت أنه الصباح، التفتت ببطء لتراه ما زال نائما فنهضت دون أن توقظه وارتدت روبها ونهضت لتفتح
رأت ظافر واقفا أمامها فأفسحت له ليدخل وهو يقول "صباح الخير، كيف حاله؟"
صمت عندما رآه نائما وهي تقول بصوت منخفض "عاد متأخرا ومتعبا وما زال نائما"
جلس على المقعد ونظراته ما زالت على أخيه وهي أمامه وقالت بهمس يكاد يُسمع "هل وصلتم لشيء؟"
عاد له وقال بصوت منخفض مثلها "لا، خطاب ورجاله تبحث والشرطة أيضا وياسين أمس لم يرحم أحد دون فائدة"
رن هاتفه فأسرعت ناهضة لتوقفه ولكنه تحرك مع وصولها للهاتف وهي تغلق الصوت ولكنه فتح عيونه وسألها "من؟"
أجابت "جينا"
اعتدل بصعوبة وقد كان ألم جرحه يزعجه وهو يقول "اجيبي يُسر"
أجابت بالفعل وعندما سألتها عليه أخبرتها أنه نائم ولم تجعلها تشعر بأي شيء ..
تحرك ظافر تجاهه وجلس على طرف الفراش وواجه نظراته الزائغة وهو يقول "تبدو متعبا"
مرر يداه الاثنان بشعره وقال بلا اهتمام بكلمات أخيه "هل وصلتم لشيء؟"
زفر ظافر بإدراك لغضب أخيه الذي لا يرحل وقال باستسلام "لا، لكن الرجال تبحث"
طلبت هي الإفطار وقالت وهي تعود له "ياسين لابد أن أرى الجرح كما طلب الطبيب"
هز رأسه واستسلم لها..
تناولوا الطعام ولم يترك الفراش وقد كان الألم يصاحبه اليوم لعدم الراحة مما جعله يظل بالفراش
انتهى ظافر من الشاي وقال "لابد أن أعود العزبة ياسين، المصنع والأرض بحاجة لي، أخبرت الحاج إبراهيم ألا يُحضر أحد فهل تحتاج مني شيء هنا؟"
هز رأسه بالنفي وقال "لا، أخبرتك أن تعود، أنت تعلم ماذا ستفعل مع عزت، يُسر خزنت المحصول وبالتالي ليس لديك مكان لتخزين البضاعة، يمكنك أن تأخذ جزء من غرف الغسيل فهي لا تستعمل"
لمعت عيون ظافر للفكرة وقال "نعم، معك حق أنا راحل، يُسر هل تحتاجين لشيء؟"
بالطبع فهمت أن ياسين يضغط عليه ليعود وهو يستسلم لرغبة أخيه الكبير فقالت وهي تتابعه "لا، شكرا ظافر انتبه لحالك"
وتبعت ظافر للباب ثم التفت وتحركت له حتى وصلت وجلست على طرف الفراش وقالت "هل ترتاح الآن؟"
كان يعبث بالهاتف فأجاب بنبرة غريبة "هل تكفي عن هذا الطلب يُسر؟ أنا بخير"
أدركت أنه ما زال غاضبا فنهضت ولكنه أدرك طريقته معها فأمسك يدها ليوقفها..
جذبها برفق فعادت تجلس وهو ينظر إليها وقال "لا أحب الشعور بالمرض يُسر، فهو يغضبني فهل تتحمليني؟"
للحظة ظلت تنظر بعينيه ولكنها لم تجد شيء، حاولت أن تبدو متفهمة وهي تقول "بالتأكيد ياسين هل أطلب لك عصير؟"
ترك يدها وعاد للهاتف وهو يقول "قهوة، وأريد اللاب من فضلك"
أدركت أنه لن يتوقف حتى يصل لم يريد فلم تحاول التدخل بما يفعل وإنما دخلت الفراش ونامت مرة أخرى..
استيقظت على دقات الباب ففتحت عيونها لتستوعب ما حولها..
لم تصدق عندما لم تجده بجوارها ولكنها أدركت أنه من الجنون بحيث لا يبقى بمكان وهو بإصابته هذه
الدقات عادت فنهضت وارتدت روبها وفتحت لترى خطاب على وشك الذهاب فقالت "آسفة كنت نائمة"
التفت لها وقال "آسف مدام لإيقاظك، هل ياسين موجود؟ هاتفه مغلق؟"
نظرت له بدهشة وهي لا تفهم معنى ما يقوله وسألت "هو ليس معك؟ أنا استيقظت لم أجده.. أين هو إذن؟"
تراجع الرجل قليلا وارتبك لحظة قبل أن يقول "لا داعي للقلق مدام، ربما لم يستطع أن يصل لي، أكيد سأصل إليه اسمحي لي"
ولم يمنحها فرصة للجدال وهو يبتعد وهي تحدق به ورغبت بأنه توقفه وتسأله لكنها تعلم أنه لا يملك أي شيء
أغلقت الباب واستندت عليه بظهرها وقد تسرب القلق إليها..
ترى أين ذهب؟
هل وصل لشيء ولم يخبر خطاب عنه؟
لماذا وهو رجله الأول؟
تحركت لهاتفها وحاولت الاتصال به ولكن هاتفه كان بالفعل مغلق، حاولت كثيرا ولكن لم تصل لأي شيء فشعرت بالضيق والغضب من تصرفاته الغير مفهومة ولم تجد ما يمنحها أي راحة..
ظلت تجلس أمام النافذة وهي تعبث بالهاتف قليلا وبين مشاهدة النزلاء هنا وهناك حتى رن الهاتف باسمه..
فزعت من الرنين ولكنها أسرعت تجيب بلهفة "ياسين أين أنت؟"
ركب السيارة ببطء من جرحه وقال بنبرة فارغة "هل حدث شيء يُسر؟"
نفخت بضيق وحاولت ألا تتعصب وهي تلف حول نفسها "لا ياسين، ولكنك رحلت دون كلمة وأنت متعب وأنا لا أعرف عنك شيء؟"
قاد السيارة وقال دون اهتمام بالقلق البذي تعاني زوجته منه ولا خوفها عليه "لدي بعض الأعمال سأنهيها وأعود"
طريقته أصابتها بالغضب فهتفت "أي أعمال ياسين؟ ليس لديك عمل هنا خاصة وأنت مصاب"
نفخ وقال "لن أقدم لكِ بيان بأعمالي يُسر، عندما أنتهي سأعود"
وأغلق الهاتف بينما نظرت هي للهاتف والغضب يجتاحها من تصرفاته..
هل يعاقبها على ما حدث؟ بالتأكيد فهي السبب..
لأول مرة تشعر أنه لا يطيق وجودها ولا أن يسمع صوتها..
غاضبا منها ومن المشاكل التي تسببها له.. وربما عادت به الذكريات لرحيلها مما جعله يعود لما كان
تسربت الدموع لعيونها وتذكرت كلمات عهد عن السر الذي يخفيه وعلاقته بسيناء، ترى هل هو السبب في غضبه منها؟
هل لهذا لا يطيق كلماتها أو حتى سماع صوتها؟
بكت كثيرا وتألمت أكثر للوحدة التي شعرت بها ولم تجد من تشاركه أحزانها
عندما هدأت بدلت ملابسها وخرجت لترى رجلين أمام الباب انتبها لها وقال أحدهم "حضرتك ذاهبة لأي مكان؟"
قالت بدون اهتمام "لحمام السباحة"
وتحركت دون انتظار كلماتهم وتحرك الرجال خلفها وهي تجلس على مائدة وحدها وابتعد الرجال للرقابة من بعيد..
طلبت عصير ربما تشعر ببعض السكينة وتوقف الأفكار التي تطاردها..
تناولت العشاء وحدها دون أن يعود ولم تهاتفه مرة أخرى وقد تملكها الغضب منه من تصرفاته معها وهاتفت جينا التي لم تعرف أي شيء عما أصابهم
بالعاشرة دخلت الغرفة وما أن دخلت حتى رأته يدخل هو الآخر خلفها
نظر لها وهي لا تنظر له "هل كنتِ بالخارج؟"
حاول خلع القميص ولكنه فشل فتجاهلت الغضب الذي داخلها منه وتحركت له وساعدته دون أن ترد وهو يقول "أحتاج للحمام"
ظلت متماسكة.. لم تنفجر بوجهه.. ولم تصرخ بكلمات غاضبة ولم تعاتبه "حسنا، ولكن لابد أن نحترس للجرح"
ساعدته في الاغتسال في صمت ثم خرج وجلس على طرف الفراش يجفف شعره وهي خرجت لتأخذ ملابس أخرى دون أن تتحدث
استدارت لتفزع وهي تراه يقف خلفها كالعادة، أبعدت عيونها عنه وهو يفهم ملامح وجهها بل ومدرك لما صدر منه معها فقال "لن أتحمل غضبك هذا يُسر"
كانت نظراتها غاضبة بالفعل ولم ترد فأبعد وجهه لحظة ثم عاد لها وهو يقول "حسنا أنا آسف، فقط اتركيني وقت الغضب فأنا لا أشعر بما أفعل أو أقول"
قالت بنفس الضيق "أنا لم أحاول أن أضايقك ياسين، أنا كنت اطمئن عليك وأنا أراك تقتل نفسك"
ظل ينظر بعيونها لحظة ثم ابتعد وتحرك للفراش وجلس على طرفه وقال "أنا بخير"
تمنت لو تثور بوجهه وتوقفه عن جنونه ولكنها عادت وأغلقت فمها فهو لن يستمع لها
تراجعت أمام مظهره المتعب وإصراره الواضح بكل تصرفاته على ما يفعله فتنهدت وقالت "هل وصلت لشيء؟"
تمدد بالفراش وقال باختصار لخص حالته "لا"
أغمض عيونه فتركته ودخلت الحمام وعندما خرجت كان قد ذهب بالنوم
بالصباح كان أفضل حالا..
فحصت جرحه كما أخبرها الطبيب ومنحته الدواء وتناولا الإفطار بين مكالماته التي لا تنتهي حتى تراجع وقال لها "ربما نعود القاهرة غدا لا داعي لبقائنا"
نظرت له بدهشة وهي لم تتوقع ما قاله فرفع يده محذرا وقال "لا تتحدثين عن التعب"
أغلقت شفتيها مرة أخرى ولم ترد بينما أكمل "التحريات ستستمر بي أو بدوني ولن أفعل أكثر مما فعلت فمن الأفضل أن نعود"
لم ترد أيضا فقط ظلت تحدق به، فاتجه إليها وجذبها أمامه وقال "الصمت ليس من صفاتك زوجتي الغاضبة"
وانحنى وقبلها فلم تمانع ولكن ما أن زاد بالأمر حتى تراجعت وقالت "ياسين أنا أجازه"
تراجع وفهم فزفر بقوة وقال "تمام، لنخرج قليلا للشاطئ"
لم تعارض وهو يتحرك للخارج وهي بجواره ثم أحاطها بذراعه ولم يفتح موضوع الحادث مرة أخرى فقط قال "لقد بدأت باستخراج تراخيص الهدم والبناء للمطعم وبمجرد انتهاء الموسم وتمام التراخيص سنبدأ العمل، متى ستمنحينني تصورك للمشروع!؟"
استجابت لرغبته بعدم ذكر ما كان وقالت "لقد رسمت شكل كروكي أمس، أنتظر حتى تتوفر لي الامكانيات فأمنحك التصميم"
كان الجو برد لكنه رائع أمام البحر فقالت وأفكارها تأخذها هنا وهناك "خطاب سأل عنك بالأمس واندهش أنك ذهبت دون أن تخبره"
لم يبعدها عن أحضانه وهو يقول "خطاب ليس وصي عليّ يُسر، هناك أمور خاصة بي لا يعرفها سواي"
توقفت وانفلتت من ذراعه وحدقت به وهي تسأله "ولا أنا؟"
وضع يده بجيوب بنطلونه وهو يتأمل عيونها وقال "ماذا بكِ يُسر؟ هل تخفين شيء عني؟"
كانت تعلم أنه يقرأ أفكارها فأبعدت عيونها وهي لا تجرؤ على التحدث بما داخلها فهي تدرك أنه ليس بحالة تسمح بالجدال
ظلت تنظر للبحر وقالت "لا، إنه مجرد سؤال، أحيانا أشعر أن وجودي بحياتك على الهامش، مجرد زوجة تنتظر زوجها أن يأتي ليأخذها بأحضانه وتنتهي وظيفتي على ذلك"
للحظة وقف يتأملها وكلماتها تخترق أفكاره حتى تحرك ووقف بجوارها وقال "هل تظنين ذلك؟"
عادت له وواجهت نظراته وقالت "وهل أنت ترى غير ذلك؟"
نظر للبحر وقال "من الواضح أن الأمر لا يتعلق بما أرى، بل بما تشعرين يُسر، هل ضايقتك إلى هذا الحد؟"
أخفضت نظراتها قالت بهدوء "لا"
عاد ونظر إليها ولم يلتقي بعيونها فأدرك أنها تخفي شيء ولكنها لن تخبره به "والآن ماذا؟ لا أفهمك"
عادت عيونها له وهي نفسها لا تعرف ماذا تفعل أو تقول لكنها جذبت بعض الكلمات "لا شيء ياسين، ربما قلقي عليك هو السبب"
رفع يده لوجهها وقال محاولا الاقتناع بكلماتها "أخبرتك ألا تفعلي أنا بخير"
ثم جذبها إليه وقبل جبينها فلم ترد وقد اختارت الصمت لأنها لا تثق بعهد وتعلم أن لو هناك سر فهو لن يخبرها شيء لذا عليها أن تحتفظ بالأمر لنفسها ربما تمنحها الأيام الإجابة..
عليها أن تكف عن التفكير فالضغوط عليها أصبحت أكثر مما تتحمل
بالطبع عادوا بالطيارة للقاهرة ولم يقود للبيت وإنما أحد الرجال كان ينتظرهم وتولى الأمر
استقبلتهم سعدية بالفيلا ولكنهم لم يتوقف وهما يصعدان إلى غرفتهم وهو يقول
"ظافر أعاد الأمور لنصابها الصحيح بالمصنع"
تحركت بجواره وقالت "ظافر تغير كثيرا"
دخلا غرفتهم وخلع قميصه وقال "بل عاد لطبيعته، فظافر ليس بسيء ولكنه تأثر بالإغراءات كسيف وعهد"
دخل الحمام فنظرت له وهي تذكر عهد مما لفها بالضيق مرة أخرى ولكنها احتفظت بالأمر لنفسها غير راغبة بعودة الحزن لحياتها
خرج وقال وهو يبدل ملابسه "تبدين متعبة"
هزت رأسها بالنفي وقالت "لا، هل أثر الاجهاض الذي حدث لي على الحمل؟"
ثبتت نظراته عليها قبل أن يتحرك لها حتى وقف أمامها وقال "لا، لماذا تسألين؟"
ابتعدت من أمامه وقالت "لا شيء مجرد سؤال، هل كان هناك سبب للإجهاض؟"
ظل لحظة يفكر قبل أن يلتفت لها ليراها تنظر له وتنتظر إجابته فقال "لا، لم يكن هناك سبب، الطبيب قال أنه إجهاد بسبب السفر، أخبرتك أننا كنا بسيناء ولم نكن نعلم بموضوع الحمل"
اقترب منها ووقف أمامها ونظراتها لم تمنحه راحة.. هو يشعر بتبدل بتصرفاتها ولكنه لا يعرف سببها
قال "ما زال أمامنا العمر يُسر، أنا لست متعجل بأمر الحمل أريدك لي وحدي"
هزت رأسها بالموافقة وحاولت ألا تبكي فجذبها إليه وقبلها ثم أبعدها وقال "أنا جائع هل لي بأي طعام؟"
واستسلمت لرغبته ولكن ظل قلبها معلق بالكثير ولكن احتفظت بكل شيء داخله
