رواية الاخطبوط الفصل الثامن عشر18والتاسع عشر19 بقلم اماني سيد

رواية الاخطبوط الفصل الثامن عشر18والتاسع عشر19 بقلم اماني سيد
دخلت زينب بيت عايده وكان جواها امل انها خلاص بدأت حياه جديده لكن اللى حصل كان اكبر وجع ممكن تشوفه 
اول ما دخلت كانت بتبص للبيت بفرحه لكن الفرحه راحت لما لقت البيت مكركب كانت واقفه مش عارفه تعمل ايه بصت لحماتها لقت حماتها واقفه بتبص للبيت بضحكه وقربت منها 
ـ البيت مكركب يا عروسه عشان اهل جوزك كانوا هنا واحنا كنا مضيفينهم واخدوا راحتهم شويه 
حبست زينب دموعها بالعافية، وحست بغصة مرار في حلقها، وقبل ما تنطق، كملت حماتها بكلام زي السكاكين:
ـ يالا يا حبيبتي، ادخلي غيري هدومك دي بسرعة، وقبل ما تخشي تنامي، تروقي الشقة وتلمي الكركبة دي عشان تصبح نظيفة.. مش هينفع نقعد في المنظر ده.
سحبت زينب رجليها بالعافية وهي حاسة إن جبل تقيل فوق كتافها، واتجهت للأوضة اللي المفروض إنها أوضة عرسان. فتحت الباب وهي بتمني نفسها تلاقي حتة نظيفة تقعد فيها، بس هنا كانت الطعنة اللي بجد!
الأوضة ما كانتش الأوضة اللي فرشتها بـ إيدها وتعبت في كل تفصيلة فيها؛ الأوضة كانت مبهدلة ومتبهدلة ع الآخر. السرير غطاه مرمي في الأرض، وهدوم محمد القديمة متنطورة في كل حتة، والتراب مغطي الخشب. كان واضح جداً إن محمد كان بينام فيها الفترة اللي فاتت وبإهمال شديد، ومحدش فكر حتى يحترم إن دي أوضة عروسة داخلة بالليل!
خرجت زينب من الأوضة وهي مش شايفة قدامها، الدموع خلاص هربت من عينيها. وافتكرت فجأة العشا اللي كانت ماما حنان مجهزاه ومنظفاه وباعتاه معاها بحب عشان ليلتها الأولى. جريت على المطبخ بخطوات مهزوزة، بس لقت المطبخ فاضي تماماً، ومفيش غير المواعين والحلل المتوسخة.
وقفت عند باب المطبخ، وبصوت مخنوق وبيرتعش من القهر سألت حماتها:
ـ هو.. هو الأكل فين يا طنط؟ الأكل اللي ماما حنان كانت مجهزاه لينا؟
لفت حماتها وبصتلها ببرود تام ولا مبالاة تقهر، وقالتلها:
ـ أكل؟ واكلينه طبعاً! وأنا كنت آكلهم إيه يعني؟ ناس جايين يباركوا لولادهم نجوّعهم؟ ابقي اصحي بكرة بدري واعملي غيره، الشغل مش هيطير يا عروسة
كلام حماتها كان القشة اللي قطمت ضهر زينب. حست بقهر وجع قلبها لدرجة إنها مابقتش قادرة تتنفس. لفت وشها وبصت لعايدة وجمعت كل شجاعتها، وبصوت رغم كسوره كان فيه نبرة رفض واضحة، قالت:
ـ أنا مش هقدر أعمل حاجة يا طنط.. أنا تعبانة ومقتولة من التعب طول اليوم، ومش قادرة أصلب طولي عشان أروق كل ده.
وقبل ما تلتفت وتدخل أوضتها، لقت إيد حماتها بتتشد على دراعها بقوة وقفتها مكانها. لفت عايدة ووشها اتقلب تماماً، والضحكة الباردة اتحولت لنظرة غل وعيون ضيقة مليانة شر. قربت وشها من وش زينب وقالت بنبرة فحيح زي الأفاعي:
ـ نعم يا ختي؟ مش هتقدري؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت أنتِ؟! شكل القعدة في وسطنا والدلع اللي شفتيه كام يوم دول لحسوا مخك وخلوكي تنسي أنتِ جاية منين!
شالت إيدها بقرف وزقتها لورا وهي بتكمل بمعايرة تقطع القلب:
ـ فوقي لنفسك يا حبيبتي واعرفي مقامك كويس.. أنتِ حتة بنت ملجأ، مالكيش أصل ولا فصل، واحمدي ربنا إن ابني بصلك ولمك من الشارع وكتب اسمه على اسمك! جاية تدلعي وتتهننى  من أول ليلة؟ الشقة دي تتغربل وتتروق دلوقتي، وإلا وعزة جلال الله هتشوفي مني وش عمرك ما تتمنيه!
دموع زينب اللي كانت حابساها نزلت غصب عنها، بس ما نزلتش من كلام عايدة.. نزلت لما لفت عينيها بتلقائية وبصت لمحمد اللي كان واقف جنب أمه طول الوقت. كان واقف مربع إيده، وعينه ماليها البرود، مفيش في وشه أي ملامح صدمة أو اعتراض على الكلام اللي أمه قالته.
كانت فاكرة إنه هيتحرك، إنه هينطق ويقول لأمه "عيب يا أمي دي مراتي"، أو على الأقل يطلب منها تراعي تعبها.. بس محمد خيب ظنها وخزلها خذلان عمرها ما هتنساه.
قرب محمد منها خطوتين، وبص لها بنظرة استحقار وسخرية، وقال بنبرة صوت عالية هزت الحيطة:
ـ أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه يا بت أنتِ؟ فوقي واصحي لنفسك وبطلي دور السنيورة ده!
صوته بقى أقوى وأقسى وهو بيكمل وبيغرس السكاكين في قلبها:
ـ أنا جايبك هنا عشان تبقي تحت رجل أمي! أمي اختارتك بنفسها من وسط الكل عشان مفيش حد هيرضى باللي أنتِ هترضي بيه.. أنا جبتك هنا خدامة ليها، تخدميها برموش عينيكي وتسمعي كلامها وهي مغمضة. أنتِ هنا عشان تريحيها، مش جاية تتأمري وتعيشي دور العروسة! يالا اخلصي شوفي وراكي إيه ورجلك فوق رقبتك!
الكلام نزل على زينب زي المية المغلية، حست إن الدنيا بتلف بيها، ومبقتش سامعة غير صدى الكلمتين دول: "جبتك خدامة.. بنت ملجأ". حست إن السقف بيقع فوق دماغها، والأمل اللي دخلت بيه البيت اتهد وبقى تراب تحت رجليها.
سكتت زينب.. الصدمة لجمت لسانها، ومابقتش قادرة حتى تصرخ. الكلمات كانت بتدور في دماغها زي الإعصار، بتموت كل حتة كانت صاحية وجواها أمل. بصت لمحمد والدموع مغرقة وشها، لكن فجأة، وسط السواد ده كله، لمعت في دماغها ملامح "ماما حنان".
افتكرت حضنها الدافي الصبح وهي بتودعها، وافتكرت الكلمة اللي حنان دايماً كانت تقولها ليها: "يا زينب، قيمتك في عين نفسك هي اللي بتجبر الكل يحترمك، أوعي في يوم تسيبي حد يكسر نفسك عشان أنتِ غالية".. وافتكرت حكاية "عزة"؛  واللى  حصلها لما حاولت ترضى الكل على حساب نفسها وكرامتها ، اللي وافقت من أول ليلة تتداس وتبقى خدامة عشان خايفة من لقب "بنت ملجأ"، وفي الآخر رموها في الشارع بعد ما أخدوا منها كل حاجة وصحتها راحت.
الحكايتين لفو في دماغها في ثواني، وحست بنبضة كرامة فجأة صحت جواها، نفضت عنها الخوف. مسحت دموعها بعنف، وبصت لعايدة ومحمد بثبات غريب
شالت إيد عايدة من على دراعها بقوة، وقالت بصوت قوي ومسموع:
ـ أنا مش هعمل حاجة.. الشقة دي أنا مش هلم فيها قشة واحدة دلوقتي. أنا مش خدامة يا محمد، وأنا ماليش ذنب في أهلك ولا في كركبتهم.
كلمتها نزلت على عايدة ومحمد زي الصاعقة. عايدة عينيها اتسعت من الصدمة والغل، ولفت لمحمد وصوتها علي بالردح:
ـ شفت؟ شفت السنيورة اللي لمتها من الشوارع؟ واقفه في وشي وبترد الكلمة بـ عشرة من أول ليلة! وريني هتعمل إيه مع حتة البنت دي يا محمد!
عروق محمد اتنفخت، والدم طار في عينه من الغضب. حس إن رجولته اتهزت قدام أمه. قرب من زينب بخطوات سريعة وزي الثور الهائج، ومن غير ما يدير أي حوار، رفع إيده ونزل بـ قلم قوي على وش زينب ردّ الشقة كلها صدى.
قوة الضربة رمت زينب على الأرض، حست بـ طعم الدم في بقها، وودنها بقت بتصفر. لكن محمد ما اكتفاش بكده، وطى عليها ومسكها من شعرها بكل غل، ورفع راسها لفوق وهو بيجز على سنانه:
ـ أنتِ بتعلي صوتك في بيت أمي؟ وبتقولي لاء؟! دانا هربيكي من أول وجديد يا بنت الملجأ!
زقها ناحية المطبخ وهو بيجرها من دراعها بعنف وهي بتقاوم وتصرخ، وحدفها قدام الحوض وقال بنبرة كله شر وجبروت:
ـ المواعين دي تخلص، والشقة دي تتروق، ورجلك فوق رقبتك! وإلا وعزة جلال الله ما هتشوفي ضوء الشمس تاني، وهعرفك مقامك اللي نسيتيه في المطبخ ده! يالا اخلصي
بصت له زينب وهي ع الأرض، إيدها على خدها اللي علم عليه الكرباج بتاع قلمه، والدموع نازلة بـ حرقان مع طعم الدم اللي في بقها. ورغم الوجع والجرجرة، عينيها مكنش فيها استسلام؛ كان فيها نظرة تحدي خلت محمد يتجنن أكتر.
محمد وقف فوق راسها وهو بينهج، وعينه بتلف في المطبخ يمين وشمال، وفجأة ملامحهد اتغيرت.. الغضب الأعمى اللي في وشه اتحول لـ حتة برود غريب، مخلط بـ لؤم وخوف هربان جوة عينيه. لفت دراعه وربع إيده، وبص لها بـ قرف مصطنع وقال بصوت عالي عشان أمه اللي واقفة برا تسمعه:
ـ وعشان تفوقي لنفسك وتعرفي إن الله حق.. وعقاباً ليكي على طول لسانك وقلة أدبك من أول ليلة، مش هيبقى في دخلة ولا جواز!
سكت ثانية، وبص لها بـ نظرة استحقار وهو بيكمل بـ نبرة كان بيمثل فيها الجبروت، بس كان باين فيها إنه ما صدق لقى القشة اللي هتعميه:
ـ أنا مش هقرب منك، ولا هلمسك، ولا هتبقي مراتي بجد غير لما تتربي وتعرفي يعني إيه تسمعي الكلام وتوطي راسك قدام أسيادك.. اقعي بقى في الشقة دي زي الوقف، لا أنتِ طايلة سما ولا أرض، لحد ما أشوف هتعملي إيه!
عايدة برا في الصالة سمعت الكلمتين، وزغرطت بـ غل وقالت:
ـ عفارم عليك يا واد يا محمد! تربية إيدي صحيح.. سيبها كدة زي البيت الوقف عشان تعرف إنها من غيرك ولا تسوى مليم في سوق الحريم!
وقفت الكلمات في حلق زينب، وحست إن الدنيا بتدور بيها وهي بتبص لمحمد ومش مصدقة إن في بني آدم بالقساوة دي.. كان كلامه بيقطّع في قلبها، وفي نفس الوقت صحّى جواها غضب ورفض مكنتش تعرف إنهم عندها. قامت وقفت على رجليها ببطء، مسكت حيطة المطبخ وسندت طولها، ومسحت وشها وبصت لعايدة ومحمد بـ نظرة مفيهاش نقطة استسلام واحدة.
بصت لعايدة وقالت بصوت مهزوز من الوجع بس مليان تحدي:
ـ مش هعمل حاجة يا طنط.. ومجبتش أنا اللي هتروق ولا هتحرك من مكاني. لو عايز تقعدني في البيت ده كدة اقعدني، لكن مش هكون ليكم خدامة من أول ليلة!
عايدة لما سمعت الجملة دي، وشها اتقلب ألوان، والغل عماها تماماً.. إزاي حتة بنت ملجأ ملهاش ضهر تقف في وشها وترد الكلمة بـ الكلمة في بيتها ومن أول ليلة؟ برقت عينيها بـ جنون وقربت من زينب وزعقت بـ فحيح يرعب:
ـ بقى بتتحدينا يا بت الملجأ؟ وكمان بتقلّي أدبك في بيتي؟! دانا هوريكي النجوم في عز الظهر عشان تعرفي مقامك كويس!
وفي ثانية، مدت عايدة إيدها بـ غل وعنف، وقبضت على طرحة زينب وشدتها منها بـ قوة لدرجة إن رقبة زينب اتلوت معاها لورا. زينب صرخت وبدأت تقاوم وتزق إيد عايدة عنها وهي بتحاول تخلص نفسها:
ـ سيبيني.. سيبيني بقولك! مش هتعملوا فيا كدة.. حرام عليكم!
لكن عايدة كانت زي السعرانة، بدأت تجر زينب من طرحتها وشعرها بـ كل عافيتها وتجرجرها في الصالة لـ حد باب الشقة، ومحمد واقف يتفرج ولا اتهزت فيه شعرة. زينب كانت بتقاوم بـ كل ما أوتيت من قوة، بتتشبث بـ الكراسي، بـ الحيطة، ودموعها نازلة من القهر والتعب اللي هد حيلها.
فتحت عايدة باب الشقة بـ إيدها التانية، وبـ دفعة قوية مليانة حقد، حدفت زينب برا على السلم، وزقتها لورا لدرجة إن زينب وقعت على ركبها وإيدها على البلاط الساقع، والتراب ملى فستانها، وطرحتها اتملخت في إيد عايدة وشعرها بقى متبهدل.
وقفت عايدة على عتبة الباب، وبصت لزينب اللي مرمية على الأرض بـ استعلاء ولؤم شديد.. عايدة كانت مقتنعة في دماغها المريضة إن الحركة دي هي اللي تكسر عين البنت، وتخليها تخاف من الليل وضلمة السلم وترجع زاحفة على ركبها، تبوس رجليها ورجل ابنها عشان يدخلوها الشقة وتنفذ كل اللي عايزينه.
سندت عايدة على الباب وقالت بـ صوت مليان تهديد وثقة عمياء:
ـ باتى  بقى على السلم زي الكلبة كدة! وريني هتروحي فين في نصاص الليالي يا مقطوعة من شجرة! م لكيش غيرنا يلمك من الشوارع.. قدامك خمس دقائق، يا إما تدخلي وتبوسي جزمة ابني وتغسلي الشقة دي بـ دموع عينيكي، يا إما قسماً بالله هسيبك لـ برد الليل وكلاب السكك تتفرج عليكي، والصبح الفضيحة هتبقى بـ جلاجل وسط الجيران!
رزعت عايدة الباب بـ كل قوتها في وش زينب، وسابتها في ضلمة السلم وبرد الليل، وهي مأمنة تماماً إن البنت هتترعب وتخاف هتيجي تخبط على الباب وتترجاها تفتح بعد دقيقة واحدة.
تفتكروا زينب هتعمل ايه ؟؟؟

الفصل التاسع عشر 
وقفت زينب على السلم، جسمها بيترعش من البرد والوجع، وفستان الفرح الأبيض اللي كان المفروض يبقى رمز لبداية حياتها، بقى متبهدل ومطين من تراب السلم. كانت واقفة مكسورة، بس جواها نار قايدة.. نار كرامة مفيش قوة في الدنيا تقدر تطفّيها.
بصت لباب الشقة المقفول في وشها، وسمعت صوت ضحك عايدة المكتوم وصوت محمد وهو بيزعق وبيتحكم، فضلوا مستنيين دقيقة.. اتنين.. تلاتة.. كانوا متخيلين إنها هترجع تزحف وتخبط عليهم.
لكن زينب، اللي حست إنها ماتت جوه وهي لسه عايشة، أخدت قرارها. مسحت دموعها اللي نشفت على خدها بظهر إيدها، ورفعت راسها لفوق بـ إصرار. هي عارفة إنها لو رجعت، هتعيش "خدامة" وهتموت بالبطيء، يبقى ليه الخوف؟ والشارع أحسن ألف مرة من ذل ناس باعت ضميرها.
بدأت تنزل درجات السلم ببطء، وجع جسمها بيزيد مع كل خطوة، وفستانها بيمسح السلم


خرجت لباب العمارة، وبصت للشارع الضلمة اللي كانت بتخاف منه، حست إنها تايهة.. لا فلوس، لا موبايل، لا مكان تروح له.. بس فجأة، لمعت في دماغها فكرة
افتكرت "مدام منى"، جارتهم اللي في الدور التاني، الست الطيبة اللي كانت دايماً بتبتسم في وشها لما كانت بتيجي تفرش الشقة، والست اللي كانت دايمًا بتقول لزينب: "يا بنتي لو احتاجتي أي حاجة، أنا جنبك".
طلعت تاني بخطوات تقيلة، ووقفت قدام شقة مدام منى. إيدها كانت بتترعش وهي بتخبط.. خبطات خفيفة ومترددة.
فتحت مدام منى الباب وهي لابسة روب النوم، وشها اتغير تماماً أول ما شافت "العروسة" بالمنظر ده.. فستان مقطع، وش محتقن بالضرب، وعين مليانة دموع وقهر.
اتخضت الست وشهقت:
ـ يا ساتر يا رب! زينب؟ يا بنتي في إيه؟ إيه اللي حصل؟ وليه لابسة كدة؟
زينب مقدرتش تتكلم من شهقاتها، بس قدرت تطلع صوتها بالعافية وهي بتقول:
ـ طنط منى.. بالله عليكي.. محتاجة موبايلك.. أرجوكِ، مكالمة واحدة بس.
دخلتها مدام منى بسرعة وقفلت الباب وراها وهي بتسألها بلهفة وقلق:
ـ ادخلي يا بنتي، ادخلي يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكي كدة؟ ده إحنا لسه سامعين صوت زعيق.. ده محمد؟
زينب مكنتش سامعة كلمة، كل اللي كان شاغل بالها هو الموبايل. مدت إيدها التانية بلهفة، وأخدت التليفون. كتبت الرقم اللي محفور في ذاكرتها.. رقم "ماما حنان". إيدها كانت بترتعش لدرجة إنها كانت هتوقع التليفون من اديها
رنت الرنة الأولى.. التانية.. التالتة.. وكل رنة كانت بتعدي عليها بـ سنة. وفجأة، رد صوت ماما حنان بصوت فيه قلق وخضة:
ـ ألو؟ مين معايا
زينب أول ما سمعت صوت حنان، مقدرتش تسيطر على نفسها، انفجرت في العياط، وقالت بـ صوت مبحوح ومكسور:
ـ ماما حنان.. أنا زينب.. تعالي خدي بنتك من هنا قبل ما أموت!


صوت حنان في التليفون كان فيه رعب وصدمة وخوف . اول ما سمعت صوت زينب المنهار
ـ "زينب؟ بنتي؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ ردي عليا يا زينب، إيه اللي حصل في ليلة فرحك؟"
زينب كانت بتشهق بصوت مسموع، ومش قادرة توصف لها حجم الذل اللي شافته، غير إنها كررت جملة واحدة بوجع:
ـ "تعالي يا ماما.. أنا في الشارع.. محمد وأمه طردوني.. مش عايزة أرجع.. أرجوكي تعالي."
الضغط النفسي في العربية بقى لا يُطاق، وحنان أعصابها بدأت تنهار مع كل متر بتبعده عن زينب. بصت للسواق بلهفة ورجاء، وصوتها بيترعش من القهر:
ـ "يا ابني بالله عليك، مفيش يوتيرن؟ أي فتحة نلف منها؟ البنت بتموت مني هناك، أرجوك شوف أي طريق!"
السواق بص للمراية بأسف، ووشه كان باين عليه الحيرة والتركيز، رد بصوت هادي ومحبط:
ـ "يا ست حنان والله مافيش! الطريق ده مقفول بحواجز خرسانية لمسافة طويلة عشان التصليحات، مفيش أي يوتيرن قدامنا غير بعد محطة التحصيل اللي جاية، وده لسه قدامنا وقت طويل."
حنان خبطت على إيدها بقهوة، وحست إن الدنيا بتضيق أكتر. السواد اللي في عينيها زاد، وهي لسه محبوسة في الطريق، كأن الزمن بيعاندها. بصت للساعة، الوقت بيجري
العربية ماشية في طريق السفر الضلمة، ومن جوه العربية الهدوء كان مريب. البنات، اللي كانوا لسه مأثر فيهم تعب اليوم والارتباك، بدأوا يفوقوا تدريجياً. حنان كانت قاعدة جمب السواق ، عينيها مثبتة على الطريق المظلم، وبتفرك فى اديها عشان تداري الرجفة اللي في جسمها.
واحدة من البنات اللي معاها بدأت تفرك في عينيها وبصت لحنان بقلق:
ـ "يا طنط حنان، إحنا لسه بعيد؟ أنا حاسة إني قلقانة ومش عارفة ليه، قلبي مقبوض من ساعة ما ركبنا."
التانية بصت لحنان ولاحظت شحوب وشها، وسألت بخوف:
ـ "طنط.. مالك؟ وشك مخطوف خالص، في حاجة حصلت؟ حد اتصل بيكي؟"
حنان اتجمدت مكانها، حاولت ترسم ابتسامة باهتة وهي بتداري وجع قلبها، وبصت لهم بصوت حاول يكون طبيعي:
ـ "لا يا حبايبي.. مفيش حاجة، ده بس تعب السفر وقلة النوم. ناموا أنتم وارتاحوا، الطريق لسه طويل."
بس ملامح حنان كانت بتفضحها؛ عينيها كانت بتلمع بدموع محبوسة، وإيدها اللي كانت ماسكة الموبايل بتترعش بشكل لا إرادي. السواق بص في المراية وقال بجدية:
ـ "يا ست حنان، أنا بجد محتار، الطريق كله حواجز ومافيش يوتيرن يرجعنا، لو لفيت عكس الطريق هتبقى مخاطرة كبيرة."
حنان خلاص، الصبر خلص ومعدش فيه مكان للهدوء. قلبها كان بيتقطع على زينب اللي سابتها لوحدها في مواجهة الوحوش. طلعت الموبايل بسرعة، واتصلت بزينب مرة أخيرة عشان تتطمن، ولما سمعت صوتها المكسور وعرفت إنها لسه عند الجارة، قفلت وهي بتمسح دموعها اللي غلبتها.
بسرعة البرق، وبإيد بترتعش، دورت في الأسماء وطلبت رقم "رحيم".
الرقم رن مره واتنين وتلاته لحد ما رحيم رد بصوت نعسان
ـ "ألو.. يا ست حنان؟ خير، في حاجة حصلت؟
حنان مقدرتش تسيطر على أعصابها، وانفجرت في البكاء وهي بتقول بنبرة مكسورة:
ـ "رحيم.. الحقني.. الحق زينب! محمد وأمه طردوها في الشارع، والبت لوحدها ومبهدلة عند جارتها، وأنا في طريق السفر والسواق بيقول مفيش يوتيرن وأنا مكتوفة الإيدين.. يا رحيم البنت ضاعت مني، أمانة عليك تروح لها، متخليش حد يقرب منها لحد ما أوصل!"
ـ "بتقولي إيه؟ طردوها؟ ليلة فرحها؟! اسمعيني يا ست حنان، انسي كل حاجة، اقفلي دلوقتي، وزينب في رقبتي لحد ما أوصل."
قفل رحيم المكالمة، وحنان حست إن فيه جبل انزاح عن صدرها، بس الخوف على اللي ممكن يعمله رحيم كان لسه موجود. البنات في العربية بقوا باصين لها بصمت مريب، مستنيين يفهموا إيه اللي حصل، وحنان مش قادرة تنطق بكلمة، بس نظرتها كانت بتقول إن اللي جاي مش عادي.
قفل رحيم مع حنان واتصل على السواق والرجل اللى بعته قبل كده عشان يسال عن محمد فى المنطقة اللى ساكن فيها وطلب منهم يقابلهم عشان يوصلوه وفعلا خلال ربع ساعه قابلهم واخدوه عند البيت وبعدها اتصل رحيم بحنان عشان يطمنها وياخد منها رقم جارتهم اللى زينب قاعده عندهم
ردت حنان بسرعة وهي بتلهث من القلق:
ـ "ألو.. يا رحيم؟ عملت إيه؟ طمني يا ابني!"
رحيم رد بنبرة تقيلة ومطمنة:
ـ "اطمني يا ست حنان، أنا وصلت العمارة ومعايا الرجالة.. اديني رقم الجارة اللي زينب قاعدة عندها دلوقتي، عشان أطلع أجيبها
حنان، وهي بتتنفس الصعداء وبتحاول تسيطر على رجفة إيدها، أدته الرقم. رحيم سجل الرقم ، وقفل معاها، ووقف قدام العمارة بيبص للدور اللي فيه الأنوار منورة، وعيونه كانت بتبرق بوعيد شديد للبيت اللي فوق.


طلع رحيم على السلم هو ورجالته، خطواتهم كانت تقيلة ومسموعة في العمارة كلها، زي دقات طبول الحرب. وصل قدام شقة الجارة، وضرب خبطتين تقال على الباب. مدام منى فتحت وبصت وراها لزينب اللي كانت قاعدة بتترعش، وبمجرد ما شافت رحيم وهيبته ورجالته وراه، فهمت إنه ده رحبم اللي حنان كانت بتكلمه عنه.
رحيم بصلها بصه كلها طمأنة وقال بصوت واطي ومحترم:
ـ "يا مدام ، أنا رحيم.. جيت عشان آخد زينب وارجعها بيتها
زينب قامت بضعف وهي ماسكة في طرف طرحتها المتبهدلة، عيونها كانت مليانة دموع،
. رحيم ما اتكلمش كتير، بس إشار لرجاله يسبقوه، وخد زينب بوقار، نزل بيها من العمارة من غير ما يبص حتى ناحية باب شقة محمد، وكأن محمد وأمه مش موجودين أصلاً في حساباته دلوقتي.
ركبها ، وبعد ما اتطمن إنها بخير، طلع تليفونه واتصل بحنان.
حنان ردت في أول رنة، صوتها كان ميت من الرعب:
ـ "رحيم؟! زينب؟ طمني يا ابني، حصل إيه؟"
رحيم اتكلم بصوت هادي ورزين يطمنها:
ـ "اهدي يا ست حنان.. زينب معايا في العربية وفي أمان، ولا شعرة منها اتأذت. ارجعي أنتِ مع البنات للدار، وبكرة لما الأمور تهدى لينا كلام تاني ونشوف هنعمل إيه. ارتاحي يا ست حنان، بنتك في عينيا."
قفل رحيم المكالمة، وبص لزينب اللي كانت ساندة راسها على إزاز العربية وبتنهج من القهر والوجع. العربيات بدأت تتحرك بيهم بهدوء في شوارع الفجر الهادية، بعيداً عن كابوس بيت محمد.
السكون كان هو اللي مسيطر في العربية، مفيش غير صوت أنفاس زينب اللي بدأت تهدى شوية بشوية، كأن جسمها بدأ يصدق إنها خلاص بعدت عن كابوس ليلة الفرح. رحيم كان بيسوق بهدوء، عينيه مركزة في الطريق، بس كل شوية يبص في المراية، نظراته كانت خليط بين غضب مكتوم من اللي حصل للبنت، ومسؤولية كبيرة حس إنها بقت في رقبته.
مع الوقت، التعب والإرهاق النفسي بدأوا ياكلوا في زينب، وعنيها اللي ورمت من العياط تقلت، ومقدرتش تقاوم.. استسلمت للنوم من كتر الوجع. العربية فضلت ماشية لحد ما بدأت تظهر قدامهم أسوار القصر العالي.
ركن رحيم العربية قدام بوابة القصر. بص لزينب اللي كانت غرقانة في النوم، ووشها رغم السكينة اللي فيه، لسه مرسوم عليه وجع الساعات اللي فاتت. مكنش عايز يصحّيها بفزع، فمال عليها بجسمه وبالراحة قال بصوت واطي ومطمن:
ـ "زينب.. يا زينب، اصحي .. وصلنا. اطمني، إحنا في أمان."
زينب فتحت عينيها ، بصت حواليها وهي تايهة ومصدومة، ولما استوعبت اللي حصل، جسمها اتشنج. رحيم حس بـ خوفها، وقالها بنبرة واثقة:
ـ "محدش في الدنيا يقدر يلمسك هنا. انزلي، القصر ده بيتك من اللحظة دي لحد ما نشوف هنعمل إيه."
نزلت زينب من العربية . الخدم كانوا مستنيين، والكل كان بيتعامل باحترام شديد حسب تعليمات رحيم. نادى رحيم على واحدة من الخدم اللي بيثق فيهم، وقالها بصوت فيه حزم وحنية:
ـ "خدي الأستاذة زينب لجناح الضيوف، جهزي لها لبس نضيف ومريح، وهاتي لها حاجة دافية تشربها، وتأكدي إنها تاخد راحتها تماماً.. وممنوع أي حد يزعجها."
زينب مشيت مع الخادمة، كانت ماشية بخطوات تقيلة، كأنها شايلة فوق كتافها حمل السنين. قبل ما تختفي من قدامه، بصت لرحيم اللي كان واقف بيراقبها وعنيه كلها حماية، ومقدرتش تنطق بكلمة، اكتفت بإيماءة شكر مكسورة.
دخلت الجناح، وبمجرد ما خلعت فستان الفرح اللي بقى شاهد على ذلها، حست إن جسمها خلاص بيفصل. لبست الهدوم اللي جابتها الخادمة، ورمت نفسها على السرير الكبير، وفي ثانية، غابت عن الدنيا ودخلت في نوم عميق، كانت محتاجة له عشان تهرب من الواقع اللي لسه مش قادرة تستوعبه.
أما رحيم، ففضل واقف في بلكونة جناحه، باصص للسما، إيده ورا ظهره، ودماغه بتغلي. مكنش بيفكر بس في إزاي يرجع لزينب حقها،
وزينب دخلت اوضه الضيوف وغلبها النوم عن أى حاجة تانيه
بس متعرفش إن القدر ليه رأى تانى
ـ ياترى مصير زينب ايه فى قصر رحيم ؟؟
وهل زينب هتقبل بماصيرها وترحع الملجأ زى عزه ولا ليها رأى تانى
تعليقات



<>