رواية فتاة الاشارة الفصل التاسع عشر19 بقلم اسماعيل موسي
ظل مدير شؤون العاملين يحدق في الورقة غير مصدق بينما تجمع الموظفون حوله فى توتر وبدأت الهمسات تنتشر داخل الشركة مثل النار وكل شخص يحاول أن يعرف من المدير الجديد الذى وثق فيه يامان قبل اختفائه.
رفع الرجل الورقة بيد مرتجفة وبدأ يقرأ بصوت مسموع قرار نقل كافة السلطات التنفيذية والإدارية والمالية بصورة مؤقتة إلى الحاج عبده
توقف الجميع كأنهم لم يسمعوا الاسم بشكل صحيح واتسعت العيون فى ذهول كامل لأن الاسم لم يكن لمدير كبير ولا مستثمر ولا حتى شخص من الإدارة العليا بل لرجل عجوز يملك محلًا صغيرًا ويجلس أغلب وقته خلف طاولة محاسبة قديمة
لكن الورقة كانت واضحة وتحمل توقيع يامان وختمه الشخصى مما جعل الصدمة أكبر داخل الشركة
بعد أقل من ساعة كان الحاج عبده جالسًا داخل مكتب يامان الضخم مرتبكًا بصورة مخيفة وهو ينظر حوله كأن المكتب نفسه يضغط على أنفاسه بينما التليفونات لا تتوقف عن الرنين والمديرون يدخلون ويخرجون والأوراق تتكدس فوق المكتب أمامه دون رحمة
كان الحاج عبده يمسح عرقه كل دقيقة ويردد بصوت متوتر أنه رجل بسيط لا يفهم شيئًا فى تلك الأمور لكن أحدًا لم يكن يستمع إليه لأن الشركة كانت تغرق بالفعل والأسهم تنهار والموردون يهددون والموظفون خائفون والجميع ينتظر قرارًا لا يعرف كيف يتخذه.
ومع مرور الساعات بدأ الحاج عبده يشعر أنه يختنق فعلًا فنهض من فوق الكرسى واتجه نحو الزجاج الكبير المطل على الشارع وبقى واقفًا ينظر إلى المدينة أسفل المبنى ويتمتم بخوف أن يامان ألقاه وسط النار ثم اختفى
وفجأة لمع داخل عقله اسم واحد فقط وكانت تالا هى الشخص الوحيد الذى يعرفه ويمكن أن يفهم شيئًا مما يحدث لأن الجميع كان يقول إنها الوحيدة التى كانت تدخل فى نقاشات مع يامان لا يفهمها أحد،أخرج الحاج عبده هاتفه القديم من جيبه وظل يبحث بعشوائية بين الأرقام المرتبكة حتى وجد اسمها أخيرًا ثم ضغط الاتصال بسرعة وكأنه يتمسك بطوق نجاة قبل الغرق
رن الهاتف طويلًا دون رد ،تذكر أن لدى تالا رقم اخر لا يعرفه احد سوى عائلتها، اخرج الرقم واتصل أكثر من مره حتى جاءه صوت تالا المتعب وهى ترد بهدوء وتسأله ماذا هناك
تنفس الحاج عبده بعنف كأنه كان يحبس أنفاسه منذ ساعات ثم قال بسرعة إن الشركة تضيع وإنه جالس مكان يامان مثل الأحمق ولا يفهم شيئًا مما يحدث حوله
سكتت تالا للحظة كاملة ثم اعتدلت فى جلستها ببطء وسألته بهدوء شديد مين الى قاعد فى مكتب مين؟
فوق والنبى يا عم عبده مش وقت هزار وخدع اطفال ؟
ابتلع الحاج عبده ريقه وهمس بتوتر أنه هو المدير الجديد
ساد صمت طويل فى الطرف الآخر حتى بدأ الحاج عبده يظن أن المكالمة انقطعت ثم أخيرًا جاءه صوت تالا منخفضًا وممتلئًا بالدهشة عم عبده انت بتتكلم بجد؟
يامان عينك مدير الشركه ؟
ايوه والمصحف يامان عينى مدير الشركه ولقيتهم داخلين عليه المحل ذى القضا المستعجل ،الحقينى يا بنتى انا ممكن يجرالى حاجه هنا.
همست تالا ،كان بودى يا عم عبده لكن يامان طردنى من الشركه انا مش هقدر ادخل هناك تانى
يامان مين؟ صرخ الحج عبده، هو فين يامان ده؟ وبأى حق يحطني فى الورطة دى ؟
اسمعى يا بنتى انا مدير الشركه ودا هيكون اول قرار اوقعه بايدى انك ترجعى الشركه
همست تالا ولما يامان يرجع هتعمل ايه ؟
يخبط دماغه فى الحيط صرخ الحج عبده بشده، وبعدين انا وأنتى مكانا مش هنا ،احنا هنمشى من هنا على كل حال.
ارجوك يا بنتى انا راجل عجوز وعايز ارجع الدكان بتاعى انتى دايما بتقولى انك ذى بنتى ولا هو كلام فى الفاضي ؟
أغلق الحاج عبده المكالمة وهو يمسح العرق عن وجهه بينما يده مازالت ترتجف من التوتر ثم جلس فوق مقعد يامان للحظات ينظر إلى المكتب الواسع حوله وكأنه يجلس داخل مكان لا يخصه ولا يفهم كيف وصل إليه أصلًا.
بعد أقل من ساعة كانت تالا تدخل الشركة من جديد لكن دخولها هذه المرة لم يكن مثل أول مرة دخلتها فيها بل دخلت بخطوات ثابتة ووجه هادئ وعينين مرهقتين من السهر الطويل لكن داخلهما حسم واضح جعل الموظفين يلتفتون إليها فور ظهورها
توقفت للحظة عند مدخل الشركة بينما الهمسات تنتشر بين الموظفين وبعضهم ينظر إليها براحة وكأن النجدة وصلت أخيرًا والبعض الآخر يراقبها بتحفظ وعدم اقتناع وكأنهم يرفضون فكرة أن موظفة صغيرة قد تصبح صاحبة القرار الفعلى داخل الشركة
صعدت تالا السلم بهدوء وسط الفوضى التى تملأ المكان حيث كانت الملفات تتكدس فوق المكاتب والأصوات المرتفعة تنتشر فى الممرات وكل قسم ينتظر قرارًا عاجلًا حتى لا تتوقف الشركة بالكامل
وفور دخولها مكتب يامان وجدت الحاج عبده واقفًا أمام المكتب الكبير بصورة مرتبكة وهو يمسح عرقه باستمرار ثم قال لها بسرعة أن تأخذ منه هذا الكرسى لأن الجلوس عليه وحده يكفى لخنق الإنسان.
ابتسمت تالا لأول مرة منذ أيام ثم اقتربت من المكتب وسحبت الملفات المتراكمة أمامها وبدأت تقلبها بسرعة مذهلة وسط دهشة الحاضرين وكانت عيناها تتحركان بين الأوراق كأنها تحفظ كل سطر فيها مسبقًا فتوقع ملفًا وتؤجل آخر وتكتب ملاحظاتها الدقيقة فوق بعض العقود دون تردد
وخلال أقل من ساعة بدأت الشركة تتحرك من جديد بعدما خرجت التوقيعات المطلوبة وتحركت الموافقات وعادت خطوط التوريد للعمل من جديد وبدأت الاتصالات المتوقفة تتحرك مرة أخرى
حتى الموظفون أنفسهم بدأوا ينظرون إليها بدهشة حقيقية بعدما اكتشفوا أنها تحفظ أسماء العملاء والعقود والمخازن والتواريخ وكأنها تعمل داخل الشركة منذ سنوات طويلة
لكن تالا لم تكن تملك رفاهية التوقف أو الراحة لأنها كانت تتحرك داخل الشركة كأنها تحارب الوقت نفسه فتراجع الملفات وتعيد توزيع المهام وتطمئن الموظفين وتغلق الثغرات التى تركها اختفاء يامان وبسنت
ومع كل خطوة كانت تدخل فى صدام جديد مع بعض المديرين الذين رفضوا تقبل أوامرها فى البداية حيث وقف أحدهم أمامها بعصبية وأخبرها أن القرارات المالية ليست من حق موظفة صغيرة مثلها
رفعت تالا عينيها إليه بهدوء ثم بدأت تذكر له تفاصيل آخر ثلاث صفقات وقعها القسم الخاص به والأخطاء التى تجاهلها ونسب الخسائر المخفية داخلها مما جعله يصمت فجأة بعدما أدرك أنها تعرف تفاصيل عمله أكثر منه
وفى مرة أخرى حاول مدير المخازن أن يرفض تعديل مسارات التوريد التى طلبتها بعناد وسخر من أفكارها أمام الموظفين لكن تالا اقتربت منه بثبات وأخبرته أن استمراره بنفس النظام القديم سيؤدى إلى خسارة شحنة جديدة خلال أسبوعين فقط بسبب تكدس المخزن الشرقى وعدم توافقه مع حركة النقل الجديدة
سخر الرجل منها فى البداية لكن بعد دقائق فقط اكتشف الجميع أن تالا كانت تملك تقارير دقيقة لم ينتبه لها أحد من قبل مما جعله يتراجع فى صمت وسط نظرات الموظفين
رفعت تالا يدها بتحدى، انا مش جايه هنا اتناقش مع أى موظف ،دا قرار مدير الشركه الجديد موقع ومختوم
انا لدى القدره التنفيذيه اتخذ إى قرار والى مش عاجبه يتفضل يقدم استقالته.
شيئًا فشيئًا بدأت الشركة تدرك أن تالا لا تتحدث بعناد ولا تحاول فرض نفسها بالقوة بل كانت ترى تفاصيل لا يلاحظها الآخرون أصلًا ولهذا بدأت الاعتراضات تقل تدريجيًا حتى الموظفون الذين كانوا يرفضونها فى البداية بدأوا يتراجعون بصمت أمام ثقتها ودقتها
كانت صارمة بصورة لم يتوقعها أحد حيث رفضت المجاملات وأوقفت أى خطأ فورًا ولم تسمح لأحد باستغلال غياب يامان لنشر الفوضى داخل الشركة
وفى نهاية أول يوم جلست تالا وحدها داخل مكتب يامان بعد خروج الجميع وكان المكتب هادئًا لأول مرة منذ أيام طويلة فنظرت حولها ببطء ثم أسندت رأسها للخلف وهى تشعر بالإرهاق ينهش جسدها بالكامل
لكن رغم التعب كان هناك شعور غريب يتسلل داخلها بأنها لم تعد تلك الفتاة التى كانت تبيع المناديل فى الإشارة وتتشاجر مع يامان فى كل لقاء بل أصبحت فجأة تحمل فوق كتفيها شركة كاملة على وشك
