
رواية هتلر الفصل التاسع عشر19 بقلم اسماعيل موسي
دخل محمود شقته بخطوات بطيئة وكان أول ما فكر فيه قبل الألم هو أمه
توقف لحظة عند الباب يستمع وكأنه يخشى أن تسمع حركته في تلك الحالة
تحرك بهدوء إلى الداخل محاولًا ألا يصدر صوتًا
لكن الباب الداخلي انفتح فجأة وظهرت أمه
وقفت للحظة تنظر إليه وكأنها لا تصدق ما ترى
صرخت باسمه واندفعت نحوه وكانت عيناها مليئتين بالخوف وهي ترى حالته
كانت ملابسه ممزقة ووجهه شاحب وآثار الدم لم تختفِ بعد
حاول أن يطمئنها بكلمة بسيطة لكنه لم يجد صوته
أمسكت به وساعدته على الجلوس وكانت يداها ترتجفان وهي تتحسس وجهه وكتفه
سألته ماذا حدث لكنه لم يجب مباشرة وقال بصوت منخفض إنه تعرض لحادث بسيط
لكن عينيها لم تصدق الكلمة
أحضرت الماء بسرعة وقطعة قماش وبدأت تنظف وجهه بحذر وكأنه طفل عاد مصابًا
لم تسأله كثيرًا لكنها لم تتوقف عن النظر إليه
ساعدته على الوصول إلى الحمام وبقيت بالقرب منه تراقبه وهو يغسل آثار الدم والغبار،كانت تتألم بصمت مع كل حركة يئن منها
بعد ذلك أعادت تضميد كتفه بيدين أكثر ثباتًا مما كان يتوقع
لم تكن خبيرة لكن عاطفتها جعلتها دقيقة
أجلسته على السرير وأصرت أن يبقى مستلقيًا
جلست بجواره ولم تتحرك،في تلك الليلة لم تنم
كانت تراقب أنفاسه وتضع يدها على جبينه من حين لآخر
كأنها تخشى أن يختفي إذا أغمضت عينيها
مرّت الأيام التالية وهو داخل الشقة لكنه لم يكن وحده هذه المرة، أمه كانت معه في كل تفصيلة
كانت توقظه ليأكل وتعطيه الدواء وتغير له الضمادات
وتحاول أن تخفي قلقها بابتسامة ضعيفة
وكان يتحرك ببطء ويتعافى تدريجيًا
لكن نظراتها لم تتغير،كانت ترى أنه عاد شخصًا آخر أقل كلامًا وأهدأ بشكل غير مريح،وكانت عيناه تحملان شيئًا لم تفهمه
كانت تسأله أحيانًا إذا كان هناك شيء يريد أن يقوله
لكنه كان يكتفي بهز رأسه،لم يرد أن يقلقها أكثر ولم يستطع أن يقول الحقيقة، كان يجلس أحيانًا أمامها صامتًا
تشعر أنه قريب جسديًا لكنه بعيد بشيء آخر
وفي الليل حين تظنه نائمًا كانت تظل تنظر إليه طويلًا
كأنها تحاول أن تستعيد ابنها الذي خرج،ولا تعرف إن كان قد عاد بالفعل، ومع مرور الوقت بدأ جسده يستعيد قوته والجرح يلتئم ببطء،لكن الصمت بينه وبين أمه كان يزداد عمقًا
لم يكن صمت جفاء بل صمت يحمل أشياء لم تُقال
وكان محمود يعرف أن أكثر ما يؤلمه الآن ليس الجرح في كتفه بل نظرة أمه حين تشعر أنه يتغير ولا تستطيع أن توقف ذلك
مرّت أيام ثقيلة داخل الشقة وكان الصمت فيها أعمق من أي صوت
وفي ظهيرة باهتة دوى طرق عنيف على الباب كأنه استغاثة لا تنتظر
نظرت إليه أمه بقلق قبل أن ينهض ويفتح الباب
فاندفعت بتول إلى الداخل قبل أن ينطق وكانت تبكي بعنف ووجهها شاحب وعيناها غارقتان في الدموع
توقفت أمامه تلهث وكأنها قطعت الطريق جريًا
حاولت أن تتكلم لكن الكلمات خانتها للحظة ثم خرج صوتها مكسورًا وهي تقول إن وائل مات
تجمد محمود في مكانه ولم يتحرك كأن الكلمة لم تصل بعد أو أنه يرفض استقبالها
انهارت بتول أكثر وهي تكرر أن أخاها قُتل وأنهم ضربوا العشة ولم يتركوا أحدًا
كانت تبكي وتتشبث بالكلمات كأنها آخر ما تملك
اقتربت خطوة وقالت بصوت مرتجف إنها تريد حقه وأنها لا تملك غيره الآن
رفعت عينيها نحوه وكأنها تبحث عن وعد
لكن محمود ظل صامتًا ونظر إليها نظرة طويلة خالية من أي تعبير واضح
لم يكن يرى فقط فتاة مكسورة بل كان يرى كل ما حدث من البداية حتى النهاية
المكالمة واللقاء والفخ والدم والرصاصة في كتفه
تحرك أخيرًا خطوة إلى الخلف وكأنه يضع مسافة بينها وبينه
قال بصوت بارد إنه لا يستطيع مساعدتها
توقفت عن البكاء للحظة وكأنها لم تفهم ما سمعته
سألته بضعف كيف لا يستطيع وهو الوحيد الذي يمكنه فعل شيء
لكن صوته جاء أكثر قسوة هذه المرة وقال إن كل ما حدث كان بسببها
وأنها جلبت هذا الخراب إليه دون أن تدرك
اتسعت عيناها بصدمة وبدأت تهز رأسها بالنفي
قالت إنها لم تقصد وإنها كانت ضحية لما حدث
لكنه قاطعها بحدة وقال إن نواياه كانت سليمة لكنه هو من دفع الثمن
وكانت كلماته كصفعات متتالية جعلتها تتراجع خطوة إلى الخلف
حاولت أن تقترب مرة أخرى وتطلب منه أن يسمعها
لكن يده ارتفعت في إشارة حاسمة أن تتوقف
قال لها أن تخرج بصوت لا يحتمل النقاش
وقفت للحظة مكانها تنظر إليه وكأنها ترى شخصًا آخر غير الذي عرفته
لم تحاول أكثر واستدارت ببطء واتجهت نحو الباب
فتحت الباب وخرجت وهي تبكي بصمت هذه المرة دون أن تلتفت
أغلق محمود الباب خلفها دون أن يناديها
عاد إلى الداخل بخطوات ثابتة لكنه كان يشعر أن صدره يضيق من جديد
وقف في منتصف الشقة ينظر إلى الفراغ دون أن يتحرك
لم يكن غاضبًا فقط بل كان مثقلًا بشيء أكبر يشبه الخذلان
وكان يعلم في داخله أن ما حدث لن يمر بسهولة
لكن هذه المرة لم يسمح لأي شيء أن يظهر على وجهه
مرت الأيام ببطء حتى بدأ جسد محمود يستعيد توازنه بالكامل
الجرح في كتفه التأم وترك أثرًا صلبًا يذكره بكل ما حدث
لم يعد الألم يعيقه لكنه لم يختفِ تمامًا بل تحول إلى إحساس خافت دائم،وقف أمام المرآة صباحًا ونظر إلى نفسه طويلًا
لم يعد ذلك الرجل الذي عاد محطمًا من الصحراء
كان أكثر ثباتًا ونظراته أعمق وكأنها تعلمت أن ترى ما خلف الوجوه، ارتدى ملابسه بهدوء وفتح باب الشقة وخرج لأول مرة منذ عودته، الشارع كان كما هو لكن إحساسه به تغيّر
كل وجه يمر أمامه كان يقرأه وكل حركة أصبحت تحمل معنى،بدأ يعود إلى الأماكن التي عرفها من قبل
أوكار صغيرة خلف المقاهي وغرف ضيقة يختبئ فيها الحشاشين ،وأركان معتمة يتجمع فيها الخارجون عن القانون
لم يدخل كغريب لأنه كان يعرف بعضهم وكانوا يعرفونه
في البداية كانت النظرات حذرة ثم تحولت إلى احترام صامت،لم يسألوه كثيرًا لكنه كان يسمع أكثر مما يتكلم
جلس في أكثر من مكان يشرب الشاي ويدخن ويترك الكلام يأتي إليه،وبدأت الخيوط تتجمع من حكايات متفرقة عن تلك الليلة،عن الغارة وعن الرصاص الذي لم يتوقف وعن رجال سقطوا قبل أن يفهموا ما يحدث
كل رواية كانت تضيف تفصيلة وكل تفصيلة تقرب الصورة أكثر،علم أن الضربة لم تكن عشوائية بل كانت محسوبة بدقة
عدد المهاجمين وتوقيت الهجوم وطريقة الانتشار كلها كانت تشير إلى تخطيط واضح،وتكرر اسم هتلر في كل حديث ليس كمنفذ فقط بل كيد تضرب نيابة عن غيرها
بدأ محمود يربط ما يسمعه حتى ظهرت الحقيقة تدريجيًا أمامه
لم يكن هتلر هو صاحب القرار بل مجرد أداة تُستخدم عند الحاجة
القرار جاء من الأعلى من رجل لا يظهر لكن الجميع يعرف وجوده
رجل يملك ما هو أكبر من الشوارع ويتحكم من بعيد
ويحرك الناس كما لو كانوا قطعًا على رقعة صامتة
كان يرى في مجموعة وائل خطرًا بدأ يكبر
وكان يرى في محمود عقلًا يجب كسره أو وضعه تحت السيطرة
ولهذا جاءت الضربة
ضربة واحدة أنهت كل شيء دون إنذار
جلس محمود في أحد تلك الأماكن صامتًا يدخن سيجارته ببطء
لم يظهر عليه الغضب ولا الحزن بل كان هدوءه أثقل من أي رد فعل
كان يفكر ليس في ما حدث بل في ما سيأتي
لأن الحقيقة أصبحت واضحة أمامه
والمعركة لم تنته بعد