رواية اقتراب غير محسوب الفصل الاول1بقلم ملك عبد الله احمد
أنت بقىٰ عريس الغفلة ولا عريس الجنة!
_تُو عريسك أنتِ يـَ عسلية.
_يـ إيـــــه!!!!
_عسلية.
"لاء، لاء يارب لاء أنا مش قد الابتلاء ده."
قولتها في سري وأنا ببصله بسخط إنسان لا، مش هتكلم،
لا ياخد حسنات بسببي!
"اتنهدت بهدوء وقلت لنفسي إدي فرصة يا فاطمة المرة دي كمان معلش استحملي."
_حضرتك مهنتك إيه؟ المستوى التعليمي؟
عدل من هيئته وقال بابتسامة واسعة:
_ أنا المهندس أحمد.
ضربت كف بكف براحة وأنا بستعجبه:
_هو حضرتك أنا سألتك عن اسمك؟! سؤالي واضح شغلك إيه؟
_أيوه فاهم، بس هي بتتقال كده، أنا مهندس قد الدنيا!
_آه أنت شكلك حافظ مش فاهم.
_بتقولي حاجة يا عسلية؟
_عسلية إيه وزفت إيه؟ اسمي فـاطمة.
_الله فاطِم! اسمك حلو أوي، هنبقى نسمي بنتنا عائش.
"هي مرارة واحدة عند الإنسان والله أنا مش مضطرة أستحمل العبث والهبل ده، ياربي عليكِ يا ماما، أنتِ السبب في اللي أنا فيه."
بصيتله بغيظ وقلت بضيق واضح:
_ أولًا اسمي فـاطمة، مش فاطِم نهائي، وبعدين إيه هنسمي بنتنا دي؟ حضرتك شايفنا بنقي فستان الفرح والبدلة؟
_قريب، قريب يا عسلية.
_لا كده كتير أوي عليّا والله عن إذنك يا أستاذ، وقتنا انتهى.
_بس أنا مهندس مش أستاذ، وبعدين إحنا لسه قاعدين، ده الشاي ملاحقش يبرد حتى.
_يــا مــامــا!
"دخلت ماما ومرات عمو وأهل الأستاذ أحمد عفوًا، المهندس أحمد."
_إيه يا فـاطمة، مالك؟
_الأستا… قصدي المهندس أحمد عايز يمشي، أصله واضح مستني حد يديله إذن خروج.
رفعت ماما حاجبها باستغراب:
_ إذن خروج؟!
بصيتله بطرف عيني، كان قاعد ساكت، فابتسمت بسخرية خفيفة وكملت:
_آه أصل أكيد مش هيتحرك لوحده، ده مهندس برضه والمهندسين بيحسبوا كل خطوة بالمليمتر.
_فـاطمة!
قالتها ماما بتحذير واضح، لكني كملت وكأني ما سمعتش:
_وبعدين الراجل شكله مشغول جدًا، يمكن عنده كوبري لازم يتبني الليلة، أو عمارة هتقع لو اتأخر خمس دقايق.
"الجو اتكهرب بينا أخته بصتله بصدمة، وأمه ابتسمت ابتسامة محرجة وهي بتحاول تدارك الموقف."
أما هو فكان ساكت، باصصلي بنظرة بين الضيق والإحراج.
بعد لحظات قام بسرعة وقال بهدوء مصطنع:
_ عن إذنكم فعلًا عندي شغل مهم.
قام عريس الغفلة واخد أمه وأخته، واعتذر لماما بكل رقي
وزاد الطين بلة لما قال:
_وإن شاء الله نرجع مرة تانية لأني فعلًا عايز أتمم الخطوبة.
"بصيتله بذهول واستنكار، وجوايا رغبة إني أرمي عليه أول حاجة تيجي في إيدي
بني آدم مستفز بشكل يخليك تشك إنه واخد كورسات مخصوص في الرخامة."
_تاني يا فـاطمة؟ مش بتحرمي ومفيش فايدة فيكِ.
_الله يا ست الكل، أعمل إيه يعني؟ صدقيني أنتِ لو عرفتي قالي إيه هترفضيه أنتِ.
_متعصبنيش يا فـاطمة، كفاية لحد هِنا.
_طنط صفية، قولي لها حاجة.
_اسمعي كلام مامتك يا فـاطمة، أنتِ عارفة ده كام عريس وترفضيه؟
_مش عايزة أتجوز هو بالعافية؟ وبعدين أنا لسه صغيرة لسه بدرس.
_لحد إمتى؟ ها؟ لحد إمتى؟ أنتِ عايزة تتعبي قلبي معاكِ ليه؟
أنتِ عارفة إني كنت رافضة الكلية دي، لكن لا لازم تعانديني في أي حاجة وخلاص.
_مش بعاند، بس أنا مش عايزة أتجوز.
_بِت! اللي أقوله يتنفذ، ومتخلنيش أحلف إن هو ده العريس وهسحب منكِ خيار الرفض والقبول.
_لاء طماطم أحسن!
قولتها بسخرية وأنا بهز راسي لكلامها، لكن سِكت لما لقيتهم كلهم ساكتين، فبررت بسرعة:
_بهزر إنتوا مش بتهزروا؟
قعدت على الكنبة وأنا برمي جسمي عليها بتعب درامي:
_يا جماعة افهموا! ده أنا كنت قاعدة مع نسخة بشرية من إعلان جبنة نستو كله عسلية عسلية عسلية!
طلع من طنط صفية ضحكة مكتومة:
_عسلية؟!
_آه والله، والراجل سابق الزمن، لسه شايفني من نص ساعة وبيخطط لاسم بنتنا.
ماما زفرت بضيق:
_فـاطمة، بلاش أسلوبك ده الراجل محترم.
بصّيتلها بصدمة:
_مُحترم؟! يا ماما، ده كان ناقص يطلع دفتر العيلة ويكتبني عنده.
"طنط صفية قعدت تضحك وهي بتحاول تداري وشها من ماما"
_استني، هو قالك إيـه تاني؟
رفعت صباعي وأنا بعدّ:
_ناداني عسلية خمس مرات، قال على نفسه مهندس قد الدنيا سبع مرات، ولمّح للجواز والخلفة مرتين ونص قال إيـه؟ أنا خلاص وافقت.
ضحكنا أنا وهي، حتى ماما غصب عنها ضحكت بخفة، لكن رجعت تماسكت بسرعة:
_بس يا فـاطمة، مهما كان مينفعش الطريقة دي.
اتنهدت وأنا ببص للسقف:
_يا ماما، أنا كنت حاسة إني في برنامج مقالب مستنية في أي لحظة حد يطلع يقولي الكاميرا الخفية هناك.
ماما ضربت كف بكف:
_يارب صبرني عليكِ.
في اللحظة دي، جرس الباب رنّ.
بصينا لبعض باستغراب، وماما قامت:
_مين هييجي دلوقتي؟
لكن قبل ما تتحرك، وصلنا صوته من برا:
_السلام عليكم… أصل المهندس أحمد نسي موبايله.
غمضت عيني ببطء وأنا بقول:
_لا ده ابتلاء رسمي كده.
طنط صفية بصتلي وهي مخبية ضحكتها بالعافية:
_أهو جه يكمل حصة العسلية بنفسه.
بصيتلها بتحذير:
_والنبي يا طنط، متفتحوش قولوا له الموبايل ضاع.
لكن طبعًا، ماما كانت بالفعل فتحت الباب، وصوته دخل قبل ما هو يدخل:
_واضح إني جيت في وقت مش مناسب؟
رديت بسرعة وأنا ببتسم ابتسامة صفراء:
_لأ خالص
دخل وهو بيضحك، وبصلي بنفس النظرة المستفزة :
_طب الحمد لله.
أخد موبايله ومشى أخيرًا، وأنا بصيت للباب وقلت بتنهيدة درامية:
_يا ساتر إيـه ده
بعد كم ثانية بس، ولسه ما لحقناش نقفل الباب، ظهر صوت مميز:
_إيـه اللي بيحصل هِنا؟
بصينا كلنا لمصدر الصوت بذهول، والكل اتوتر إلا أنا
كنت مبسوطة جدًا، فقربت منه وقلت بابتسامة واسعة:
_ نُـوح! ابن عمي الغالي مش تباركلي؟
قطب جبينه بدهشة ونقل نظراته بين الكل:
_ على إيه يا بنت عمي؟
اتسعت ابتسامتي أكثر:
_بُص، ماما جايبالي عريس، لسه نازل حالاً أكيد شوفته وباين الموضوع هيتم.
_ألف مبروك.
قالها ببرود مستفز وهو بيبصلي كام ثانية زيادة عن الطبيعي، فرفعت حاجبي باستغراب:
_الله! بس كده؟
رد بنفس النبرة الهادية:
_أعمل إيه يعني؟ أزغرط؟
طنط صفية كتمت ضحكتها بالعافية، وماما بدأت تحس إن هيحصل مصيبة بينا، أما أنا فضيقت عيني بشك:
_ تمام يا ابن عمي،عايز إيـه من عندنا؟!!
_بنت عيب كده
نورت يا نُـوح يا حبيبي مش تقول إنك هتيجي النهارده على الأقل كنا نستناك، تيجي تشوف حتى العريس وتدي رأيك يعني دي قاعدة تعارف بسيطة
وأكيد الرأي في الآخر رأيك أنت وعمك حبيبي.
رد بهدوء:
_بإذن الله يا طنط، ماما معلش تعالي معايا الشقة كنت محتاج كام حاجة منها.
_حاضر يا حبيبي جاية وراك أهو.
"خرج، وأنا لسه عيني عليه بس الغضب ساكن جوايا، ساكتة ما بنطقش."
لحد ما طنط صفية زقتني بخفة وهي بتقول:
_أنا همشي يا فـاطمة لو نُـوح مشي هتيجي تباتي معايا، وخفي على أمك شوية الواد مُحترم، ادي فرصة بس أنتِ.
"هزيت راسي بصمت وهي مشيت وفضِلنا أنا وماما."
_وبعدين معاكي يا فـاطمة؟ أنا عايزاكي تتجوزي عشان أطمن عليكي يا بنتي مفيش حد في الدنيا دي غيري أنا وإنتِ لو حصلي حاجة هتعملي إيه؟ هتطمن عليكي إزاي؟
اتحشر الكلام جوايا وعيوني بدأت تلمع:
_أنتِ مصممة تخليني أعيط صح؟
بلاش الكلام ده لو سمحتي يا ماما بُصي سيبيني أفكر، أوعدك.
سِكتت لحظة وبصتلي بحنية:
_أنا مش ضدك يا فـاطمة أنا بس نفسي أشوفك مرتاحة ومطمنة قبل ما أمشي من الدنيا.
غمضت عيني بسرعة وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل، واتكلمت بصوت مبحوح:
_متقوليش كده تاني يا ماما بالله عليكِ.
شدتني لحضنها فورًا، وفضلت تطبطب على ضهري بحنان خلاني أحس إني لسه طفلة صغيرة، مهما كبرت.
أما أنا فكنت متشبثة فيها وكأني بخاف الدنيا تاخدها مني فعلًا.
"وأنا واقفة أعمل القهوة، عشان اهدى لكن دماغي ما سكتتش."
"رجعت أفكر في اليوم كله، كأنه شريط بيتعاد قدامي مرة ورا مرة نفس اللقطات، نفس الإحساس"
"إنسان مستفز!"
الحقيقة الجملة دي ما كانتش رايحة للأستاذ أحمد المهندس زي ما الكل فهم،
دي كانت طالعة لـ نُـوح ابن عمي.
يمكن ما عرفتهوش قبل كده كويس فخلوني أحكيلكم عنه شوية.
نُـوح ابن عمي، بس القصة مش بسيطة كده.
عمي زمان كان مسافر برّه هو ومراته وابنه، كانوا عايشين سنين بعيدة عن هِنا، لحد ما حصل اللي ما حدش كان متوقعه
عمي اتجوز على مراته
طنط صفية اللي الكل يعرفها أكيد، واللي المفروض إن الموقف ده يكسرها بس هي اختارت حاجة تانية تمامًا.
طب بالله دي تتخان؟ دي سُكر هو مخانش الصراحة، هو اعترافها بكل حاجة، وهي وافقت ولو، ولو، دي تعتبر خيانة برضه؟
أصل ليه يعني؟!
لكن قررت تنزل مصر وتقعد هنا، وتعيش هِنا وسطنا لإن مفيش غيري أنا وماما،بابا اتوفى من أربع سنين ومعنديش أخوات.
"ونُـوح ابنها وافق على رأيها، ونزل وقضى معاها وقت صغير إجازة السنة، وبعدها رجع سافر تاني عشان يحضر الدكتوراه برّه، وبعدين نزل تاني
هو شغله في القاهرة، وكان لازم يفضل هناك، لكن إحنا في محافظة تانية."
"هو مش عايش معانا في نفس البيت، شُغله كله في القاهرة، وبييجي ويروح يطمن على مامته."
"عنده فيلا هناك قاعد فيها ابن المحظوظة،
طنط صفية بتحكي عنها كأنها عالم تاني، أنا ما شفتهاش، بس متخيلة شكلها من كلامها."
"خلصتها وخرجت في البلكونة
الوقت كان متأخر، والجو بارد، والهوا غريب بس بشكل مُحبب لقلبي، والله."
لسه بقعد، لقيت مين في وشي؟!
أيوه أيوه، برافو اتخضيت طبعًا وبصتله بغيظ:
_بسم الله الرحمن الرحيم مش تعمل أي حاجة ولا حركة كده؟
"نُـوح كان في البلكونة اللي جنبي لإن شقتهم جنب شقتنا
وكمان طلع مستفز جدًا، كمل اللي في إيده كأنه ما سمعنيش أصلًا، ولا حتى رفع وشه ليّ."
"قعدت بهدوء، وقررت ما أتكلمش معاه أنا أصلًا مليش كلام معاه أوي رجعت أسند ضهري وأسكت بس دماغي ما سكتتش."
"تاني بدأت أعيد كل المشاهد وكل ما أفتكر قعدتي مع المهندس الغريب ده أحس إني هعيط من كتر اللي حصل.
لا… لا مستحيل أفكر لا."
وأنا بحاول أهرب من دماغي، لقيت نفسي برضه برجّع بصتي ناحيته تاني نُـوح!
"بصتله بتمعن و بهدوء وبشكل أطول من اللازم،
ولما لاحظ رفع عينه باستغراب وبصلي."
حرك إيده ناحيتي كأنه بيسأل إيـه؟
قربت شوية من السور اللي فاصل بينا، وقلت له بصوت هادي:
_إيه رأيك؟
قطب جبينه بدهشة:
_رأيي في إيـه؟
سِكت لحظة وبعدها، بكل بساطة كأنها جملة عادية جدًا:
_نوحد زيتنا في دقيقنا؟
استغرب أكتر:
_يعني إيـه؟
نفس الهدوء و نفس الجنون اللي جوايا:
_تتجوزنـي.
