
رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الحادي عشر11 بقلم ايه محمد رفعت
شعر بثقلٍ جاسم فوق صدره، جعله يفتح عينيه بفزعٍ غادر عنه حينما رأى تلك الملاك تغفو على صدره، والوسادة التي كانت تضعها بينهما تلاشت أسفل قدميها، حتى حجابها تراجع للخلف وكشف عن خصلاتها القصيرة، الناعمة، المتمردة على وجهها.
حبس "نوح" أنفاسه وكأنه يخشى أن توقظها، أصابعه تلامس خصلاتها برفقٍ، وسعادته بتلك اللحظة جعلته لا يريد أي شيئًا أخر سواها.
سند رأسه على رأسها يقبل جبينها وهو يهمس:
_معقول يكون ده حلم!!
تعمق بالتطلع لها وهو يجيب على ذاته:
_لا ده حقيقة وأجمل حقيقة.
وبينما يستكين بنومته فاذا به يهرع من محله وهو يصيح بصدمة:
_الامتحان!!!!
انتفض من فوق الفراش يركض صوب الخزانة، وحينما شرع بنزع قميصه تذكر تلك التي أصبحت زوجته، فقفز فوق الفراش يصرخ:
_تــــــــــــالا.
فزعت من نومها تتطلع لذلك الذي يصيح، فانتفضت تقابل صدره المكشوف وتتأمل حجابها الذي سقط عنها، فاذا بها تقابله بصدمة:
_إنت عملت أيه يا نوح؟؟؟؟ وفين المخدة اللي كانت بينا؟؟ آه يا حقير يا خاين!
تهاوت فوقه بالوسادة وهي تكاد أن تقلب غضبها لبكاء، بينما الآخر يحاول استيعاب مقصدها:
_انا حبيتك ووثقت فيك، تقوم تخدعني ، هستنى منك أيه يعني ما أنت أكيد طالعلهم!
بعد الوسادة عنه وصاح بصدمة:
_يعني أنا كان أبسط طموحاتي اني أشوف شعرك تقومي تتهميني اتهام زي ده!!.
وأضاف وهو يجذب الهاتف من جواره:
_بينما أنا بحاول أنقذ مستقبلنا الاسود بتتهميني إني متحرش!
عبثت بعدم فهم، فمنحها بسمة ساخرة وقال:
_الامتحان يا دكتورة، الساعة 10!
رمشت بعدم استيعاب، واذا بها تصرخ في رعب:
_الامتحــــــــان!!!
واذا بها تركض بعشوائية وهي لا تعلم أين تذهب، بينما تنزع الجاكيت العلوي وتبحث عن ثيابها قائلة:
_هشيل السنة وأنا بطلع من الاوائل، لا لااااا.
أغلق عينيه بيديه وصاح فيها:
_بتهببي أيه؟؟ وفي الاخر بتتهميني بالتحرش!!!
ضمت ذراعيها إليها، ورددت بتيهة:
_هدومي فين، هسقط!!!
أتاه رده وهو يغلق عينيه:
_وانتِ يعني هتسقطي لوحدك، ما أنا متنيل معاكِ!
وأشار صوب الحمام قائلًا:
_شوفيهم جوه.
هرولت للداخل ترتدي ملابسها وهي تكاد أن تبكي من شدة الخوف، وحينما خرجت وجدته قد ارتدى ملابسه، فقالت بارتباكٍ ودموعها تنهمر بغزارة:
_أنا مذكرتش، حاسة اني نسيت كل اللي اخدته أصلًا، شكلي هشيل المادة يا نوح.
قالتها ومالت تبكي على الفراش، فأسرع إليها يربت على ظهرها بحنان ويدعمها:
_مش هيحصل أي حاجة من الكلام ده إنتِ ممتازة يا تالا وعلى طول بتقفلي المواد.
وأضاف ليمازحها:
_أنا اللي قلقان على نفسي، كنتِ زمان بتغششيني ولما اتفرقنا عاقبتيني وبطلتي تغششيني مهما ناديت عليكِ، اتمنى بعد ما بقيت جوزك أقدر استفاد من العلاقة دي في باقي الامتحانات، جوزك نفسه يتخرج قبل ما أخوه يشنقه على باب القصر.
ضحكت رغمًا عنها، ورددت وهي تزيح دموعها:
_شكلي أنا اللي هحتاج مساعدتك، أنا فعلًا مش في المود خالص بسبب اللي حصل امبارح، وزعل تيام مني في كفة لوحده.
أحاط وجهها بكفيه بحنان:
_هنتخطى كل ده يا تالا، وبعدين ما أنا قولتلك كِنان قال هيتصرف معاه، خلينا بس نركز في الامتحان دلوقتي، ماشي يا دكتورة؟
هزت رأسها بخفة وبينما يتطلع كلاهما للاخر، دفعته وهي تصرخ:
_الامتحــــــــــان!!
انتفض يجذب مفاتيح سيارته، ويهرول صوب باب الغرفة فعاد يغلقه وهو يصيح بانفعال:
_طرحتك يا بنتي؟!!
جحظت عينيها وهي تتحسس حجابها، وبغضب هتفت:
_إنت مش مكسوف من نفسك وانت بتبص على شعري من ساعتها وأنا مش بالحجاب.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_ما أنتِ كنتِ من شوية خارجة تواجهي العالم كله من غيره جت لحد عندي أنا يعني ووقفت!!
عقدت حجابها بسرعةٍ وهي تشيعه بنظرة نارية، فرنا صوبها يعدل من طرفه على كتفها وهو يبتسم بعشق:
_كده أحلى، طول عمرك زي القمر يا تالا!
أخفضت عينيها عنه بابتسامة هادئة، وسرعان ما تلاشت حينما صرخ من غفوته:
_الامتحــــــــــان!!
ركضت خلفه ثم توقفت وهي تصيح:
_فين الاقلام والادوات هنروح كده؟
قفز تجاه غرفة المكتب الصغيرة الخاصة به، وعاد لها يقدم لها ما سيحتاجونه، وقذفها بالبلطو الطبي قائلًا:
_ده زيادة عندي، زي ما يكون قلبي حاسس!
ابتسمت برقة ورددت وهي تتفحص الادوات:
_شكرًا يا نوح.
وقف قبالتها يهمس بحب:
_اتنين نوح من دي ومش هنحتاج لشهادة تخرج، وبعدين إنتِ عايزة أيه اكتر من شهادتي وأنا بشهد انك أعظم دكتورة بالدنيا كلها.
تلون وجنتها بحمرة الخجل، فاذا به يصرخ مجددًا:
_الامتحـــــــــــان!!!
وجذب معصمها يهرول صوب الدرج ركضًا، حتى وصل لسيارته، بينما يتابعهما كِنان من الاعلى، وبابتسامة ساخرة ردد:
_عصافير الكناريا بدأوا يجمعوا العش!
وأضاف وهو يرتشف من كوب قهوته:
_والمفروض إني أتخلص من كل الدبابير اللي حوليه!
قاد "نوح" السيارة بسرعة جنونية، ولأول مرة بعد شهور من الهجر والفراق يدخلون الحرم الجامعي وأيديهم متشابكة ببعضها البعض، كأنهما يجددان عهد العشق بميثاق حُلل لهما.
****
سحبت بصرها عنه واستدارت توليه ظهرها، وهي تختبر ربكة جديدة اجتاحت قلبها قبل أن تمس جسدها، تعجب مما فعلت وهو الذي يراها قوية، جريئة، سحب باقي ملابسه يرتديها، ثم حرك إصبعيه فانقلب الجزء السفلي من الانسان الالى الذي يحمله إلى كرسي متحرك .
عدل من خصلاته المتمردة بفعل المياه، ثم قال بسخريةٍ:
_أيه ده معقول الدكتورة بتتكسف!!
استدارت تجاهه تطالعه بنظرةٍ غائمة، بينما يتابع هو:
_لو بتتكسفي يبقى تسمعي الكلام وتلتزمي بمواعيدك.
هدرت في سخطٍ وجراءة لم تخسرها:
_هو إنت ليه محسسني إني الميس بتاعتك وطالعه أديك الدرس! أنا دكتورة وملتزمة بمواعيد جلسات وأدوية معاليك.
حرك مقعده إلى الشرفة وقال بهمسٍ منخفض:
_مفيش فايدة لسانها أطول من جسر ميسينا.
اتسعت ابتسامتها حيال انتصارها الأول عليه، فاتبعته وهي تهتف:
_النهاردة هنبدأ بأول تمرين، هحتاج نَفَسك يكون طويل والأهم تكون صبور، مع إني أشك في ده.
بقى يوليها ظهره وهو يتجاهلها عمدًا، فتابعت قدس وهي تستحضر الأدوات الخاصة:
_ممكن تحس بألم بسيط بس متقلقش ده عشان أول مرة بس.
وترقبت أن يستدير لها لتشرح طبيعة التمرين، ولكنه بقى يتأمل الحدائق الخارجية من شرفته الزجاجية كأن لا وجود لها بعالمه الهادئ.
كزت على أسنانها غضبًا، فتركت ما بيدها وسحبت مقعده من الخلف تديره لها، في حركة لم يتوقعها عثمان ولم يكن مستعد لها، وما كاد أن يثور غاضبًا حتى اشتبكت عينيه الغاضبة مع عينيها البندقية، فسلبت ما كاد أن يتحرر منه وبقى يطالعها فقط، رغم أنها تتحدث إليه وهي تنحني وتضع الجهاز من حول ساقيه، الا أنه كان شاردًا بها ولم يستمع لأي حرفًا صدر عنها.
أفاق على كف يدها الممدود إليه وهي تقول:
_حاول تسند على ايدي وتقوم تقف.
وزع نظراته بينها وبين يدها، بينما يضغط بيده بقسوةٍ على حافة مقعده، فانحنى ينزع الجهاز عنه وبغضبٍ قال:
_بــــره، اطلعي بــــــره.
استقامت برشاقتها المحسوبة، تربع يديها أمام صدرها ببرودٍ:
_هو إحنا مش هنخلص من لعب العيال ده بقى ولا أيه؟؟
رفع حاجبيه بدهشةٍ من تلك الفتاة التي لا تهابه، وهو القادر على أن يفزع أعتى الرجال بنظرة حازمة وأمرًا يصدر فيُطاع.
بقيت محلها تتطلع له بشراسةٍ وتحد:
_مش هخرج الا لما أخلص التمرين بتاع النهاردة، أنا جاية هنا أشوف شغلي مش أقضي طول اليوم في الملحق بره بين الزرع والورود المقبضة زي القصر ده.
وتابعت وهي تشير ببديها:
_مش عارفة إنت مستحمل تقعد فيه ازاي وبالذات جناحك المخيف ده، انت عارف احساسي أيه أول ما بجيلك هنا، بحس كأني داخلة البيت الملعون اللي كان محبوس فيه الاسد المخيف ده، بس مع فرق واحد إنك وسيم ومش مخيف خالص!!
رمش بارتباكٍ أمامها، وبصعوبة استحضر ثباته:
_إنتِ متأكدة إنك دكتورة!! كنت حاسس انك عيلة وإتاكدلي احساسي دلوقتي.
وأضاف وهو يستعيد صلابته وجموده:
_لو حابة تفضلي في الجناح كأنك بتشوفي شغلك معنديش مانع.
وصاح وهو يطالع غيظها ببسمة نصر:
_ماتيو شغل للدكتورة فيلم الجميلة و الوحش شكلها مغرمة بحكايات الخيال!
فكت عقدة يديها غضبًا منه، و ألقت الجهاز بالحقيبة، وتحركت وهي تحاول اغلاق الحقيبة بغضبٍ، جعلها تصطدم بشيئًا صلب رد جسدها للخلف حتى سقطت وجعلها تتأوه ألمًا بينما تتناثر أغراضها من جوارها.
رفعت "قدس" عينيها تتفقد الأمر بينما تمرر يدها الاخرى حول معصمها، تجمد جسدها والنفور والغضب يضربها في مقتلٍ، حينما رأت "هارون" قبالتها، يتطلع لها بنظرة تحقر من شأنها، بينما يطلق لسانه المقيت:
_ما تفتحي وإنتِ ماشية قدامك، لو عامية اتلقحي في بيتك أفضل ليكِ.
قبضت على المشرط الذي تحمله أسفل الحقيبة، تود لو قفزت على رأسه تنحره، بصعوبة سيطرت على أعصابها ومالت على ركبتيها تجمع أغراضها، بينما يهتف بغيظٍ من تجاهلها التام له:
_إنتِ خرسة كمان!!
استقامت قدس في وقفتها، واستدارت تجاه عثمان الذي يراقبهما بصمتٍ، سحبت الحقيبة وغادرت كأن من أمامها غبارًا غير ملموس، مما أجج النيران داخل هارون، الذي إلتفت يتابع خروجها بوعيدٍ.
فور أن تأكد من مغادرتها حتى استعاد هيبته وكأن شخصًا آخر تلبسه:
_صوتك ميترفعش في مكان أكون أنا فيه.
طالعه هارون بارتباكٍ، بينما يستطرد عثمان بنفس هدوئه الخطر:
_تاني مرة لو اتكررت رقبتك هتكون تحت رجليك قدام مين يكون.
كاد أن يتحدث فأوقفه عثمان بإشارة يده وهو يصيح بنبرة أشد خطورة:
_طلوعك ليا نفسه بمواعيد.
ردد هارون وهو يبتلع ريقه بتوتر:
_بعتلك مليون مرة اني عايزك وانت مردتش.
بخشونة قال:
_ولو بعت للمرة المليون وواحد ومجالكش ردي متورنيش وشك.
تنهد بقلة حيلة:
_أنا بس كنت عايز أبلغك إن خطتي مع تيام نجحت وهيرجع، وكمان كِنان خلاص اتجوز رزان وآ..
ضحكاته الساخرة رعبت هارون، وخاصة حينما قبض عليها وهو يقول:
_خطتك!!!
وهز رأسه بسخطٍ بينما يستكمل:
_إنت مجرد ألة بحركها من مكاني هنا، فأوعى تنسى ده.
كاد هارون أن يبرر ولكن اشارة يد عثمان جعلته يخرس محله لينصاع لجملته وهو يتفوها بغموض وشر مرعب:
_طموح الوصول للعرش والسطوة حلو بس تحديد امكانياتك واللي تقدر توصل ليه حكمة ميمتلكهاش الا الذكي! حاول تقنع نفسك ان لا كِنان العقبة اللي في طريقك ولا حتى تيام.
وأضاف وهو يبعد المقعد ويديره للشرفة، بينما يميل برأسه صوبه ناطقًا بثقلٍ:
_السد اللي واقف ما بينك وما بين حلمك هو اللي إنت مش قادر ترفع صوتك ولا عينك في حضوره، الديزل اللي قادر بإشارة من صوابعه يحفرلك قبر على مقاسك!!
وتطلع أمامه وهو يهتف بخشونة:
_عزيزتي آيلا، أغلقي الباب من خلفه!
ومدد رقبته على المقعد الذي تحول لبطانة سميكة من خلفه:
_شرفت يا هارون!
*****
جابت الردهة الطويلة ذهابًا وإيابًا، قلقها البالغ كاد ان يصل بها إلى حافة الجنون، وما أن استمعت لصوت الباب السري المختبئ خلف صفوف من الاشجار، هرولت صوبه تناديه في لهفةٍ:
_ياسيــــن!
عقد حاجبيه باستغرابٍ من رؤية قلقها، فاذا به يقترب مُتسائلًا:
_في إيه؟
رددت وهي تبتلع ريقها بارتباكٍ فشلت باخفائه:
_هارون كشفك، الحارس بتاعه قدمله صورة ليك وإنت مع تيام.
ابتسم بسخرية، وقال وهو يلهو بالمفاتيح:
_خدت بالي وهو بيصورني، لو كنت أعرف إنك هتشوفي الصورة كنت أخدت خلفية كويسة.
احتقنت زُرقتيها غيظًا من بروده، وخاصة حينما تركها وولج للمطبخ، يجذب زجاجة العصير، ويجذب الكوب متسائلًا:
_أجبلك معايا عصير؟
ربعت يديها أمام صدرها وهدرت بحنقٍ:
_ممكن أفهم سر برود سيادتك ده!
جلس قبالتها على الرخامة وبدأ بسكب العصير:
_مبسوط إني دخلت الحرب بدري عما توقعت، هارون الحقير سحب المراقبة عن تيام وخلاها عليا، ومش بس كده رمى في طريقي واحدة من اياهم لسه جاية تسكن قدامي في العمارة اللي أنا واهمهم إني ساكن فيها.
حلت عقدة يدها وجلست على المقعد المقابل له:
_طيب رجعت هنا ليه، ما كده ممكن يشكوا فيك!
ابتسم وهو يخبرها:
_متقلقيش الدوبلير اللي أخد مكاني بيأدي دوري بامتياز، بينور الاضاءة كل يوم في الشقة وبيطفيها وقت نومه، وبيخرج يشرب قهوة كمان بعد الظهر في البلكونة..
وضحك برجولية وهو يمازحها:
_رحيم زيدان مبيفوتش حاجة.
قرب منها كوب العصير، فهزت رأسها بنفي، جعله يستقيم بقامته وهو يعود للبراد:
_آسف نسيت.
عاد بعد قليل يحمل العصير الخاص بها، ابتسمت وتراجعت عن الرخامة حتى وضعه أمامها، فهمست على استحياء:
_ميرسي.
هز رأسه بايماءة بسيطة، وعاد إلى محله، عبثت مرين بالكوب من أمامها وعقلها يجوب داخله معركة مريبة، لفظتها بقولها الذي جعلته عاديًا:
_قولت انه رمى في طريقك واحدة تسكن قدام الشقة اللي المفروض بتاعتك!
لاح على شفتيه بسمة خبيثة، فقال وهو يتناول بعض الشطائر:
_الحقير ده أسرع مما تخيلنا، في لحظة ما وصله صوري ما تيام عمل بحث شامل عني، وطبعًا موصلش غير للي أحنا عايزينه يعرفه، على طول خلى واحدة من اياهم تأجر الشقة اللي قدامي، وأنا طالع العمارة عشان أوهم اللي بيراقبني إني رجعت شقتي عادي، لاقيتها في الاسانسير، وحاولت تشد معايا كلام، وأخرهم إنها اتكعبلت في شنطها اللي معاها واترمت عليا بأسلوب قذر، فساعدتها لحد ما وصلت لشقتها وأوهمتها هي والكلب ده إنها عاجبتني!
وأضاف باسلوب مستهزأ بينما تدرس عينيه الغيرة البادية بين زُرقتها:
_وبقيت السيناريو أكيد مكشوف، هتفضل ورايا لحد ما تحاول توقعني عشان تعرف طبيعة علاقتي بتيام واللي واصلني عنه وعنهم، مسكين هارون ده!!!
رسم البراءة وهو يتطلع للكوب:
_أيه العصير مش عاجبك؟
هزت رأسها بالنفي وارتشفت منه قائلة:
_بالعكس جميل.
ارتشفت منه، ثم تساءلت وهي تبعد خصلات شعرها للخلف:
_زين فين مختفي من امبارح؟!
تجرع كوبه ببطء وقال بمماطلة:
_إنتِ عارفة إنه زي الشبح بيظهر وبيختفي فجأة.
تعمقت بعسليته بنظرة مستهزئة، فابتسم وقال:
_بلاش نظرة المخابرات دي معايا، مجبور إني أضللك ده مهما كان صاحبي بردو!!!
أبعدت مقعدها للخلف ونهضت بغضب:
_مش مجبور يا قائد، لاني مش هسألك تاني.
ناداها برفقٍ ومازال يجلس محله:
_مرين، ممكن تقعدي أنا لسه مخلصتش كلام معاكِ، عايز أعرف عملتي أيه مع الكلب ده؟!
ولته ظهرها وقالت بحدة:
_وأنا مش فاضية ورايا حاجة مهمة محتاجة أعملها.
سألها ومازال يحاول التمسك قدر المستطاع:
_حاجة أيه دي؟
أجابت ومازالت توليه ظهرها:
_أسفة مضطرة أضللك لنفس السبب بردو.
قال بعقلانية:
_متجمعيش دي بدي يا مرين، ده شيء يخص حياة زين الشخصية لكن اللي يخصك حاليًا مرتبط بالمهمة ولازم أكون على علم بيه، ولو مش بصفتي فرد من الفريق فبصفتي قائد الفريق!
النيران أضرمت قلبها من شدة الغيرة، وزادها بما قاله وكأن لابن عمها حياة شخصية غير التي تعهدها والتي هي جزءًا منها، لاح على وجهها بسمة خبيثة فقالت:
_وأنا نفس الشيء الموضوع يخص حياتي الشخصية، خاصة إنه ارتباط.
ترك الطبق من يده وردد:
_أفندم!!
ظلت بوقفتها كما هي، حتى لا يرى ابتسامتها الواسعة بينما تهتف:
_زي ما سمعت يا قائد، هارون عايز يتجوزني وأنا وافقت.
ترك مقعده ونهض خلفها يهاتفها بغضبٍ:
_والله، طيب ما تديله رقم الجوكر يطلبك منه بشكل مباشر، أو أقولك نأخدله زين يطلبك منه أهو يحل محل مراد زيدان بردو!
استدارت تجاهه تجيبه بمكر:
_بس غزل ملهاش علاقة لا بالجوكر ولا بزين.
ورنت صوبه حتى وقفت قبالته، وهي تستخرج هاتفها:
_وبعدين إنت لازم تكون مبسوط إني اتقدمت وحققت أكتر من المطلوب، ومن تاني مقابلة ليا معاه اخترقت الموبايل بتاعته بسرعة البرق.
وأضافت حينما لم يهدأ غضبه القابع بعسليته:
_أعتقد إن لو حد من القادة كان موجود كان أثنى على اللي عملته.
وتابعت ببرود مقصود:
_مالك يا قائد مصدوم من النتايج المبهرة اللي عملتها ولا بتفكر في جارتك الجديدة اللي عايزة تتقرب منك وتوقعك!!!!
هدأ غضبه تدريجيًا، ومنحها ابتسامة ثابتة:
_أممم، هي الحكاية كده، طيب ما تقولي إنك غيرانه وأنا همتنع إني أحكيلك عن الجزء ده، تقديرًا لمشاعرك يا ميري!!
احتقنت مُقلتيها غضبًا، فالقت بيديها الكوب من أمامه وهي تصيح بعنفوان:
_مين دي اللي غيرانة، قولتهالك وهقولهالك تاني يا ياسين مفيش شيء جوايا يآآ...
قاطعها حينما قال بثبات:
_مصدقك، بدليل خوفك عليا لما هارون كشف وشي.
ارتبكت قبالته، ورددت بتلعثم:
_الخوف الطبيعي على كل أعضاء الفريق.
مال صوب الرخامة يستند من فوقها، وهو يقول ببسمةٍ هادئة:
_مصدقك، وبعدين احنا محتاجين نحتفل بالانجاز اللي عملتيه، مش نتخانق.
وسحب كوبين أخرين يضع داخله العصير وهو يردد بخبث:
_مش سهل لحد إنه يخترق موبايل شخص زي ده بالخفة والاحتراف ده، شابوو عنيدة هانم.
ومد يده بالكوب لها، وهو يقول مازحًا:
_مبروك علينا أول ضربة في نعش الحقير ده ولا أقول العريس!!
وأضاف وهو يتجرع الكوب بأكمله:
_مش كده ولا أيه يا عروسة؟
سددته بنظرة حارقة وصعدت وهي تتمتم:
_مستفز!
لحق بها وصاح بجدية تامة:
_محتاج أعرف أيه اللي على، موبايله، ومفيش أشطر منك هيقدر يعمل ده بدون ما يتكشفله اننا اخترقنا الجهاز.
وقفت تردد دون أن تستدير إليه:
_لو تفتكر من شوية قولتلك ورايا حاجة مهمة، وطالعه عشان السبب ده، وهو اني اخترق تليفون الزفت ده.
توقفت مجددًا حينما قال ساخرًا وهو يتجرع الكوب مستندًا على الطاولة من خلفه:
_عيب متغلطيش في عريسك يا عروسة!
إلى هنا وكفى، هبطت إليه بملامح اجرامية، سحبت الكوب منه عنوة وألقته أرضًا، ورفعت إصبعها تحذره:
_أنا راجعه مش طايقة الهوى اللي معدي قدامي، صدقني معنديش استعداد أخوض نقاشات مستفزة معاك.
قابلها بنظراتٍ باردة، بينما تستكمل بابتسامة ماكرة رسمت على وجهها:
_وبعدين أنا المفروض البنت اللي اتربت في ملجأ وبعد كده عاشت مع مجرمين علموها ازاي تبقى قوية وقادرة توقف أي حد عند حده، ده أنا لسه من شوية عاملة اثبات رسمي لهارون وعلمت على الحارس بتاعه، أعتقد أن الجزء ده مش همك، كل اللي فرقلك جوازي من هارون!
اعتدل بوقفته يسألها باهتمامٍ:
_حارس إيه؟؟؟
فتحت البراد تسحب الدورق الممتلئ بالعصير الذي صنعه سابقًا لها، ثم حملت الكوب وقالت:
_نبهت الحقير ده إنه ميبعتش الحارس بتاعه ورايا، مسمعش الكلام مع اني حذرته وقولتله اني مش زي البنات اللي عرفهم قبل كده.
وتابعت وهي تراقب اهتمامه بتردد:
_وعملت نفس الشيء مع الحارس بتاعه حذرته يمشي بالهدوء رفض وكان هيهاجمني، فكسرت رجليه بس كده.
انتظرت أن يثور مثل كل مرةٍ، ولكنها وجدته يبتسم بفخر:
_عنيدة وشرسة، براڤوو.
زوت حاجبيها بدهشة:
_إيه ده؟! مش هترمي كلام مستفز؟
انحنى يجمع الفوضى الذي تسببت بها، بينما يجيبها:
_بالعكس أنا فخور باللي عملتيه، انتي عملتي أكتر من اللي اتطلب منك، حرام أهدر مجهودك الجبار ده عشان شوية مشاعر جوايا.
وأضاف بصدقٍ وهو يلقي الزجاج بالسلة:
_مرين كل شخص فينا تم اختياره لدخول اللعبة بناء على مهاراته، طالما الجوكر والاسطورة شايفنك مناسبة عشان توقعي هارون فأكيد انتي أنسب حد، واللي عملتيه النهاردة أثبتلي ده، كان لازم يعرف انك مختلفة عن النوعية اللي متعود عليها، وإنك مش سهلة أبدًا، ونجحتي بالفعل تعملي ده.
ثم مال يشير لها بجدية:
_بس مازلت بكرر وبشدد إنك مش مضطرة تعرضي نفسك لخطر من أي نوع عشان تكملي، أول ما تحسي انك مشكوك فيكِ مش اتكشفتي حتى تنسحبي فورًا، هنا مفيش عناد يا مرين والا مصيرك ممكن يكون مشابه للبنات اللي قبلك، أظن فهمتيني.
هزت رأسها في طاعةٍ، ورددت بصوتها الرقيق:
_متقلقش أنا واخده حذري، ولو حصل فأنا واثقة أنك موجود وهتحميني.. آآ إنت وزين يعني!
اتسعت ابتسامته على ارتباكها الملحوظ، بل وشدد هو بكلمة تفوح منها عشقه:
_أنا بالاخص جنبك ومعاكِ عنيدة هانم.
ارتبكت من نظرات الحب المنطوقة بعينيه، ربما لم تشهدها ألسنتهما الا أن المُقل تفصح عن قصة حب اسطورية بينهما.
انسحبت من أمامه وهي تشير على ما تحمله:
_هأخد العصير ده وهطلع أفتت موبايل الحقير ده على مزاج.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_خدي بالك الواد ده مش سهل مش عايزينه يحس بحاجة.
حركت رأسها بتأكيد، بينما سحب هو جاكيته الذي تركه على المشجب القريب من الباب:
_أنا رايح مشوار على السريع وراجع، كان المفروض زين يقوم بيه بس مش مهم، التقيل متعان ليه.
كادت أن تسأله عن وجهته، فقال قبل أن تتحدث:
_لما أرجع هعدي عليكي أعرف منك وصلتي لاية وهعرفك كنت فين؟
وغمز بعينيه الساحرة وابتسامته الجذابة:
_متقلقيش مش هتحتاجي للنظرة الاستخبارتية عشان أقول الحقيقة!
*****
يقولون ابن رجلٍ خاض مهمات انتحارية حتى أصبح إسمه كالسيف، من خنقته الحياة وأراد موتة سريعة ألقى ذاته في وجه الطوفان، هابه الصديق قبل العدو، ويُحسب له ألف حساب، صنع لنفسه مكانة لا يستطيع أحدٌ أن يتطرق لها.. #الاسطـورة إسمٌ عاش لأعوامٍ ومازال العدو يتأمل أن يتلاشى ويصبح مجرد ذكرى عابرة حتى وُلدتٌ أنا، وكنت كمالة لما فعله أبي، وقطعت أمالهم.
أنا الذي برع بقيادة أخطر أنواع المدرعات والمقاتلات الحربية، وأنا ذاته الذي امتلك خفة الحركة وسرعة ظهور واختفاء تجعلك في حيرة من أمري، حتى إن عقلك البائس سيجعلك تتخيل إن الذي زارك للتو هو شبح.
أنا الذي وُكلت إليه أصعب المهمات حتى بات إسمي على مقدمة لائحة أهم ضباط الجهاز، أنا نفسه الذي نسب إليه إسم فريق الأشباح... #أشبـاح_المخابــرات..
#الأسطورة_أبي... #الجوكر_عمي....
أنا من خشاني العدو من قبل ولادتي، أنا وريث قوة ودهاء أبي وحنان وعاطفة عمي،
أنا مزيج ما بين #الجوكر_والاسطورة... #الشبح_زين_زيدان..
أنا الذي نبع عشقك في قلبي منذ الطفولة، وتعاهد بأن يجمع الحب بيننا حتى الرمق الاخير، أنا ذاك الذي يقسو في ساحة المعركة وأمامك يصبح مطيعًا وكأنه يحمل روحين في جسده، حينما يحتل الشبح القيادة ينهي من حوله بصدر رحب، وحينما يحتل العاشق الذي إلتاع قلبه عشقًا لكِ يصبح رجلًا لا أعرفه ولكني أعلم بأنه سيخسر أي معركة أمام رقتك ونقاء قلبك.
وصال الحب ينتقل عبر نظراتهما، لا تصدق أنها تجلس رفقته، على أعلى شلال المياه وبين الاشجار الخلابة، رغم أنها تخشى الاصوات المرعبة المنتشرة بالغابة الا أنها كانت تأنس بوجوده، تعلم بأنه قادر على حمايتها حتى من نفسه.
سحبت عينيها من لقاء زيتونته المهلكة ورددت:
_وبعدين يا زين، بقالنا تلات ساعات قاعدين كده، أنا خايفة زمايلي يقلقوا عليا.
منحها ابتسامة جذابة وقال:
_متقلقيش أنا بلغت المشرفة إنك بتزوري حد من قرايبك وهترجعي بليل، ولو على عمي فأعتقد انك سمعتيه وهو بيتأكد منك إنك قابلتي السواق يعني على علم بكل حاجة.
مالت تتطلع له ببسمة ساخرة:
_أيوه ده انت مرتب كل حاجة بقى.
سند يده على يدها المسنودة لجواره:
_رتبت كل حاجة عشان أقضي معاكِ اليوم كله، أنا بخطف اللحظات عشان أجمع كام ذكرى تجمعنا مع بعض.
سحبت كفها وحذرته بضيق:
_زين أنا مش بحب كده وإنت عارف، من فضلك متزعلنيش منك.
لف وجهه للامام وهو يتنهد بغضبٍ، جعلها تنزعج مما تفوهت به، فتحدثت له بنبرتها الهادئة:
_مش قصدي أضايقك بس أنا مش بكون مرتاحة لو حصل بينا تجاوزات، بتمنى تحترم ده.
ضم شفتيه بعنف، وصاح مستنكرًا:
_هي مسكة الايد تجاوزات!! وبعدين ما أنا اتزفت عرضت على سيادتك وعلى عمي نكتب الكتاب اكتر من مرة وانتوا رافضين ده أعمل أيه يعني!!!
تصنعت الحزن من طريقة حديثه، فسحب نفسًا طويلًا ثم استدار صوبها:
_متزعليش أنا آسف..
وأضاف وهو يعود لابتسامته:
_أنا مش حابب يكون بينا خلافات في الكام ساعة دول.
ومال بجسده وهو يستند بساقيه على الصخرة من أسفله:
_طمنيني شجن عاملة أيه، وحشتني أوي؟
مالت تجاهه تخبره بحماس:
_كل شوية بتسأل طنط أشجان وأنكل رحيم عنك، وزعلانه جدًا، يا ريت يا زين تحاول تكلمها قبل امتحاناتها
وتابعت بحزن شديد:
_إنتوا شغلكم فارض علينا إننا منعرفش نتواصل معاكم الا لما تقرروا تكلمونا، أنا كمان مرين وحشتني أوي ونفسي أسمع صوتها، أنا مش متخيلة اني مشفتهاش طول الفترة دي.
ردد بحنان وعشق يفوح لها:
_قريب هجمعك بيها.
توسعت بنياتها وتساءلت بلهفة:
_بجد يا زين؟؟
اتسعت ابتسامتها ووعدها:
_بجد يا قلب زين.
وأضاف وهو يغلق نصف عين بأسلوب اجرامي:
_بس مش هعمل كده ببلاش، أكيد عايز مقابل!
اتسعت عينيها بغضب خطر، ورددت:
_مقابل!! انت مفيش فايدة فيك.
ونهضت تسرع بخطواتها تجاه السيارة وهي تتوعد له:
_والله لأقول لانكل رحيم عليك يا وقح.
لحق بها وهو يكاد أن يسقط من شدة الضحك:
_هتقوليله أيه؟ انتِ أصلًا فهمتي أيه؟ تعالـــي هنا!!
وقفت أمام السيارة تهاتفه بفتور:
_هقوله إنك مش محترم ووقح، بتساومني عشان أشوف أختي!!
مال على السيارة من شدة الضحك، وكلما حاول الحديث يسقط بنوبة جديدة، حتى سحر عينيها بجاذبية تراها فيه للمرة الاولى.
تماسك بصعوبة وهو يقول لها:
_أهو ده اللي ناقص بعد كل الاحترام ده وتشتكيني لابويا!! أنا هموت على مسكة ايد وبتتهميني اني وقح!!!!!
وعاد ينصب جسده الرياضي، بينما يشير على صندوق السيارة:
_فهمتيني كالعادة غلط مع إني أوقات بتكون دي غايتي الصحيحة، أنا كنت طمعان في صينية رقاق!
رمشت بصدمة وعدم استيعاب:
_رقاق!! هنا!!
هز رأسه واتجه يحرر صندوق السيارة، لتتضح محتوياته من براد صغير ممتلئ بالثلج وأغراض متعددة بينما يهتف:
_اعتبريني خرجتلك من المصباح وبقولك شوبيك لوبيك.
هتفت وهي تتفحص المكونات الذي أحضرها:
_تمام بس فين البوتجاز أو النار اللي هنسوي عليها.
أجابها وهو ينزع جاكيته الاسود:
_دقايق وهيبقى قدامك أحلى نار للتسوية، قولتلك أنا مفيش حاجة بتقف قدامي!
راقبته وهو يتجه للفأس ويشرع بتقطيع الفروع لصنع الشعلة لها، فبدأت بتحضير المكونات بكل حب، هي تعلم بأنه يحب ما تصنعه بيدها، وهي تعشق صنع ما يتناوله هو بذاتها، كل ما يخصه كانت ترغب هي في صنعه، ومع ذلك مازالت تحتفظ بالحدود والضوابط بينهما، مثلما تربت ومثلما أصبحت!
*****
صُدم حينما رآه يتمدد على الفراش كالجثة الهامدة، ساقه المكسورة ملفوفة ووجهه ممتلئ باللاصقات الطبية، ومازال لا يصدق ما يتفوه به، دار بالغرفة بصمتٍ بينما يقص عليه "صفوت" ما فعلته مرين المُلقبة ب"غزل" مثلما أخبرته.
انتهى صفوت بما حكى عنه، خاتمًا:
_باشا البت دي مش طبيعية، صدقني دي ولا كأنها عشر رجالة في بعض.
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتي هارون، واذ به يتوقف أمام الشرفة وهو يردد بصوتٍ شيطاني:
_فعلًا؟
واستدار يحرر طلقة من سلاحه، استهدفت رأسه في نفس لحظة نطقه:
_اللي تغلبه واحدة ست ميلزمنيش.
وعاد يتطلع أمامه وهو يهمس بهيامٍ ورغبة مجنونة:
_إنتِ شقلبتي كل الموازين، حاسس إني هقع في الحب اللي عمري ما جربته، لا مع قريب ولا غريب!!
ولج من الخارج أحد حراسه، يقترب منه وهو يقول:
_جمعنا كل حاجة عنها يا باشا.
منحه الاشارة للحديث، فقال:
_البنت دي اتربت في دار للايتام، وبعد كده هربت منها، عاشت فترة مع عيلة صغيرة شغلهم كله شمال، وبعدها انعزلت عنهم تمامًا وبقت بتشتغل وبتعتمد على نفسها، وليها كذة قضية ضدها، أغلبهم بسبب ضربها لشباب!!
بدت السعادة تحاوط هارون، وهو يتأكد كل مرةٍ بأن اختياره صائب، لا يعلم بأنه ابتلع الطعم الذي دبر له باتقانٍ ومهارة لا تليق الا لقادة الفريق.
*****
خرجت تبحث عنه، فولجت إلى جناحه، وجدته يرتدي بذلته ويستعد للخروج، نادته بصوتها الشاحب، وحركة جسدها الهزيل:
_كِنان!
انتبه لتعبها الشديد فما كادت أن تسقط من شدة ارهاقها، حتى تفاجئت به يقف جوارها، ارتعش جسدها رعبًا وهي تعود ببصرها نحو محل وقوفه البعيد عن مكانها، كيف انتقل من المرآة إليها بتلك السرعة!!
سحبت كفها من بين يديه، ودفعته عنها ثم رددت بصوتها المبحوح:
_أنا غصب عني بخاف منك، كِنان إنت مش طبيعي!!
عاد يحاوطها رغمًا عنها، حتى وضعها بفراشه، جلس قبالتها يتأملها بحيرةٍ، وكأنه لا يعلم ماذا عليه فعله معها؟ يقربها منه أم يبعدها، يبقيها أم يطردها من عالمه.
غلبه قلبه الذي يحمل حبًا عظيمًا لها، فحاوط وجنتيها بيديه، فاذا بها تطالعه بارتباكٍ، وتسأله بصوتها المبحوح:
_إنت مين؟
ابتسم باستهزاء على سؤالها الذي سبق لها وسألته، مال يستند برأسه على رأسها وهاتفها بحبٍ:
_أنا نفسه الانسان اللي حبيتيه يا روز، أنا هو متغيرتش في حاجة، كل اللي كنت بعمله وبقوله كان بره عني، كنت بحاول أبعدك عني بأي شكل من الاشكال.
وأضاف وهو يبتسم بمشاكسة:
_بس انتِ كنتِ صامدة وبتحاربيني بحبك الكبير ليا، كان عندك ثقة إنك جوه قلبي حتى لو أنا بينت عكس ده.
تهاوت دموعها على وجهها، فأغلقت عينيها بتعبٍ، وهمست له:
_أنا مبقتش فاهمه ولا عارفة حاجة.
وعادت تتطلع له برجاءٍ:
_أنا بقيت حاسة بحاجات كتيرة كلها بتناقض بعض، بقيت بشك إن هارون أخويا، وإنك انت الانسان اللي حبيته، أنا بقيت حتى بشك في نفسي يا كِنان!
انهارت باكية فجذبها إليه يضمها بقوة، وصوتها الباكي يمزقه بوجعٍ طمسه بضعفٍ، فردد بثقة:
_مفيش حاجة اتغيرت فيا، أنا هو نفس الشخص اللي حبيتيه يا روز، أما هارون فهو بردو نفسه متغيريش، نفس الحقارة و الوساخة اللي جواه.
وأبعدها وهو يرفع رأسها إليه:
_إنسى كل اللي فات، متفكريش غير في انتصارك عليا، استسلامي قدامك، وفوزك بقلبي وباعترافي اللي قولته من شوية، فكري في جوازنا اللي بقى حقيقة.
تاهت بين نظراته وكلماته العاشقة، ومع ذلك قالت بجمود:
_لو صارحتني باللي حصل معاك يمكن أفكر بالطريقة دي.
تلاشى الهيام والعاطفة من عينيه، وأفاق بفضل كلماتها، نهض يعود للمرآة يعدل من كرفاته، وهو يهدر:
_سبق وقولتلك في كلام مينفعش نتكلم فيه ولا نفتحه أصلًا، انتِ بتلفي وبتدوري في نفس الدايرة يا روز.
واستطرد وهو ينتعي حذائه:
_خليكِ هنا، هارون ميجرأش يدخل جناحي أبدًا، أنا عندي مشوار مهم لازم أعمله، وبعدين نكمل كلامنا.
أرادت أن تمنعه من الرحيل، أن تخبره بأنها تخشى البقاء دونه، تخاف أن يعود هارون لفعل ما فعله، ولكنها لزمت الصمت وجلست محلها تستكين بضعف، عقلها أرهقه التفكير حول أمره!
*******
مضت صوب مطبخ الملحق وهي تفكر بطريقة توصل بها المعلومات الخطيرة للفريق، التي ستعيد حساباتهم من جديد.
انتهت من صنع القهوة، وما كادت بالتوجه للخارج حتى تفاجأت بيدٍ تكمم فمها، وجسدًا قويًا يقيدها، وبالرغم من قوتها فشلت بتحرير ذاتها، ولم تهدأ الا حينما تسلل لها صوتًا مألوفًا:
_اهدي يا قدس، ده أنا!
حررها كليًا فابتعدت تطالعه، وزادت صدمتها صدمة، حتى كادت أن تخرج عينيها من محجرهما، وجُل ما يتردد على لسانها:
_ازاي!!!!!!!
نزع لثامه وهو يبتسم بثبات:
_زي الناس!
عادت تحرك رأسها بجنون وتهتف:
_دخلت هنا ازاي! عديت البوابات والحرس ازاي!!! والكاميرات وماتيو نفسه!!! إنت بجد هنا أصلًا!!
ابتسم الجنرال وقال بثقة:
_مهما كانت قوتهم وذكائهم فاحنا بردو مش أي فريق ولا أيه؟
منحته نظرة ساخطة، ثم اتجهت للطاولة تسحب رشفة طويلة من القهوة، وعادت تتمعن فيه وتردد بذهول:
_عديت ازاااااي!!!!!!!!!!!
تنهد ياسين بضجرٍ وقال بنزق:
_هنقضيها كل ثانيتين ازاي؟؟؟؟ مفيش معايا وقت كتير يا قدس، بلغيني بأي شيء مهم حاباني أعرفه.
منحته نظرة مستنكرة، وعادت ترتشف باقي كوب القهوة:
_طيب هتخرج ازاي؟؟ النظام هنا معقد وآلي!! انت دخلت ازاي أصلًا؛!!!!!!!
طالعه بارهاقٍ، فعادت تهتف بحماسٍ:
_لو عرفوا في الجهاز انك قدرت تقتحم قصر التميمي هتدخل موسوعة غينيس!
طرق على الطاولة وهو يعيدها لارض الواقع:
_خمسة وعشرين دقيقة، وقتنا بينفذ، لخصي يا قدس ولما أمشي ابقي استغربي براحتك!
عاد عملها للعمل، فاندفعت تخبره:
_عثمان مظلوم مش هو اللي بيحركهم هنا، هارون هو الكل في الكل، ومن بعده كِنان، أنا كمان عرفت كام حاجه تخص تيام، وحصل امبارح حوار كبير، بص آ...
قصت له قدس عن كل شيء جمعته خلال بقائها الفترة القصيرة هنا، وأولهم الصورة التي نجح عثمان بزرعها لها.
انقضى الوقت سريعًا وقد حصل فيه ياسين على ما أراد، وسرعان ما غادر تاركًا قدس في حالة من الصدمة ومازالت تتساءل:
_دخل وخرج ازاي!!!!!
*****
يتمدد على الأريكة بردهة منزله لا حول له ولا قوة، دموعه تتهاوى بصمتٍ وسكون يجعله على وشك أن يقتل ذاته بأي لحظة، زهد الحياة بما فيها، فقد كل شيء ولم يعد يمتلك سوى أنفاسًا بخسة لا يملك سواها.
أغلق "تيام" عينيه بتعب، وهو يتجاهل صوت جرس الباب ودقاته الصاخبة، مرة، اثنان، ثلاثة، عشرة مرات إلى أن مل الطارق من أن يفتح بابه له فغادر وتركه.
فتح "تيام" عينيه يتأمل سقف الغرفة بتعبٍ، ولجواره الزجاجة الصغيرة التي تحتوي على خلاصه من هذا العالم المقبض، ولجوارها هاتفه، اقتحم رأسه فكرة أن يتصل بصديقه عمر الذي امتلكه فجأة، وبات شخصًا هامًا له، صحيح أنه لم يتمكن من اخباره من حقيقته القذرة، ولكنه بات يعني له كثيرًا.
اعتدل في منامته يوزع نظراته بين الهاتف وبين زجاجة السم الموضوعة أمامه، يتطلع لكلاهما في حيرة، حتى استقر الامر على الزجاجة.
فتحها وأخذ يتأملها بدموعٍ شقت طريقها على وجهه، وقبل أن يقربها إليه، أتاه صوتًا قادمًا من شرفة الردهة:
_مكنتش متخيل إنك بالضعف ده!!
مال صوب القادم بنظرة غاضبة، فاذا بكِنان يترك قميصه وجاكيته على المقعد ويتحول من محله إلى يد تيام بسرعه مريبة، يقبض على الزجاجة ويفرغ محتوياتها أسفل مياه الصنبور الجارية.
نهض تيام من محله يصرخ بانفعال خطير:
_إنت أيه اللي جابــك هنا! امشي حالًا ومالكش دعوة باللي بعمله وهعمله.
رنا إليه ببطءٍ وقال:
_للدرجادي يا تيام!! للدرجادي انت ضعيف وقليل الحيلة!
أدمعت عينيه بانكسارٍ ورد عليه:
_وأيه اللي أنا أملكه، خسرت كل حاجه بسببكم، أمي، أبويا، حبيبتي، ودلوقتي الحاجة الوحيدة اللي بمتلكها، أختي وبنتي وحياتي كلها، فاضل أيه تاني عشان أكسره، وفاضل أيه تاني عشان أعيش!!
اقتحم الحزن عيني كِنان، فاقترب منه يقول بهدوء حذر:
_أبسطه إنك تنتقم من هارون ومن اللي عمله فيك، سبت كل حاجة وعايز تنسحب بهدوء، حتى أختك اتخليت عنها!
اخشوشنت نبرته وهو يستدير عنه:
_هي اللي اتخلت عني واختارت طريقها مع أخوك.
وأضاف ساخرًا:
_والمفروض يكون ده مفرحك، ما أنت حققت اللي إنت وهو كنتوا عايزينه.
جذبه بقوةٍ إليه، وقال بعصبية:
_ولا يفرقلي جوازهم في شيء أكتر من سعادة نوح، نوح مظلوم يا تيام، وأختك كمان اتظلمت.
ضيق عينيه بعدم فهم، فاستكمل كِنان:
_هارون هو اللي ورا اللي حصل، كان ناوي يعمل أبشع من كده لولا اني اتدخلت وقلبت الحوار جواز كان زمان أختك بتدفع تمن أبشع من اللي عقلك ممكن يصوره.
اهتز جسده من شدة الغضب، وهو يحاول مواجهة ما يقوله كِنان، بينما يتابع:
_هارون عمل كده عشان يرجعك القصر، وبالفعل باعتني عشان أهددك بأختك وأنا فعلًا عايزك ترجع لشغلك وللقصر، بس الاهم من دول هو انك تحط ايدك في ايدي ونتنقم من الكلب اللي معدلوش كاسر ده!
وبقوةٍ قال:
_ها معايا؟!
******
طرق على باب غرفتها أكثر من مرةٍ، وحينما لم يجد أي رد منها اتجه لغرفة التدريبات، ولج للداخل يبحث عنها ولكنه لم يجدها.
صعد ياسين لسطح المبنى السري، والذي كانت تحاوطه الاشجار من كافة الاتجاهات، تعجب حينما وجدها تجلس أرضًا، وهي تدير عنه وجهها تتطلع للقمر بهيئة بدت غريبة له.
اقترب منها يناديها بدهشةٍ:
_مـريـن!
سحبت بصرها عن القمر، ولفت بوجهها له، رفعته تجاهه فاندهش ووخز بقوةٍ حينما رأى الدموع تنهمر من عينيها، يراها تبكي لأول مرة، الفتاة القوية التي تواجهه بكل كبرياء وشموخ يحتلها ضعفًا مُفاجئ، دموع أججت النيران بعروقه، جعلته قادر على حرق العالم بأكمله لمعرفة من تسبب لها بالبكاء، ومن بين تلك الدموع، تدفع الحاسوب الخاص بها تجاهه، وتعود لضم ذاتها والبكاء بصوتٍ لم يخرج عنها!!!!!!