رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم ليله عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم ليله عادل
[بعنوان: صراعات لا تنتهي]

نظر إليه تمساح من أعلى لأسفل باستنكار ساخر: مابحبش المصابيح.

تبسم عماد بخفة: اعتبرني الحاجة إللي أنت عايزها مش هانختلف.

ضيق عينية وتساءل بحذر: مين إللي دلك عليا يا باشا؟

رفع حاجبه: هو إحنا هنتكلم على الباب كده؟

ظل يحدق به لثواني، قبل أن يفسح الطريق أخيرا: اتفضل.

توجها إلى غرفة صالون بسيطة بطابع بلدي قديم، جلسا متقابلين، ثم قال تمساح وهو يتأمله: هيئتك كده تقول إنك باشا بجد، اؤمرني؟

أخرج عماد سيجارة وأشعلها بهدوء: قالولي إنك جامد ومخلص، ورصاصتك بتجيب من الآخر.

ابتسم بفخر: أومال يا باشا، ده أنا لما كنت في الجيش كنت قناص، وكانوا مسميني عشماوي، أي روح تقع تحت إيدي مابتفلتش.

هز عماد رأسه: حلو، أنا عايزك في خدمة، خدمة هتاخد عليها ٢٠٠ ألف جنيه.

اعتدل فجأة: ٢٠٠ألف؟! حتة واحدة؟

اومأ بتأكيد: ١٠٠قبل التنفيذ، و١٠٠بعد التنفيذ.

ابتلع ريقه وتسأل بفضول: وإيه هي الخدمة يا باشا؟

اقترب وقال بصوت منخفض: عايزك تبعت واحد حبيبي رحلة للعالم الآخر.

ضحك بخفة: وماله يا باشا نبعته، بس هو مين؟

نظر له مباشرة: رشدي الراوي.

اختفت الابتسامة من على وجه تمساح فورا، وحدق به بعدم تصديق: إنت قولت مين؟!

عماد مؤكدا: رشدي الراوي يا تمساح!

رمش بعينه وهو يبتلع ريقه بتوتر، فهو يعرف تلك العائلة جيدا، منذ أن كُلف بقتل سليم وزوجته من قبل.

هز رأسه سريعا بخوف واضح: لا يا باشا... الله الغني عن الحوار ده.

تغيرت ملامح عماد: ليه؟

تمساح بحزم واضح: من غير ليه، دورلك على حد غيري يخلصلك الحوار ده.

ضيق عينيه وقال بخبث: خايف من سليم؟

مسح تمساح أسفل عينه بتوتر، بينما أكمل: أنا عارف كل حاجة، أومال اخترتك ليه؟ وماتقلقش مالهاش علاقة بسليم، حوارنا مع شدي...

هز رأسه بسرعة برفض: يا باشا والنبي أعفيني من الحوار ده، أنا الوسيط إللي اتفق معايا على الحوار إللى فات اتكل، وإللي أتفق مع الوسيط برضو اتكل، وإللي حتى بيهمس بالحوار بيتكل... وأنا مش عايز أتكل، أنا عندي عيال.

صمت لحظة، ثم قال بصوت أخفض: أنا كان ليا صاحب، حاول بس يطلعله صوت في الحوار ده وقتلوه.

مال عماد للأمام بثقة: ماحدش هيعرف حاجة، وبعدين إنت راجل جدع يا تمساح، علشان كده هازودهم كمان ٢٠٠ألف، يبقوا ٤٠٠، ٢٠٠قبل ٢٠٠بعد، وده مبلغ عمرك ماكنت تحلم تمسك عشره في طلعة.

بدأ الطمع يتسلل لعيني تمساح: يعني هتديهملي بجد؟!

أخرج عماد رزمة أموال وألقاها أمامه: أكيد، خد دول ٢٠ ألف هدية مني، عربون صداقة، أو اعتبرها الشيكولاتة إللي نسيت أجيبها وأنا جاي، ودي مالهاش علاقة بالفلوس الأساسية.

ظل تمساح ينظر إلى الأموال وعيناه تلمعان بجشع، بينما أكمل عماد: يوم التنفيذ هايقابلك واحد يديك ٢٠٠، وبعد مايتم كل حاجة هتاخد الباقي.

نظر له وقال: طب أنا عايز صورته، أو أي معلومات عنه، تحركاته كدة يعني..

فتح عماد هاتفه وأراه صورة رشدي: دى صورته، أما المعلومات إنت إللي تجيبها، أنا عايز الخبر يوصلني بالكتير خلال يومين.

ثم مال نحوه وقال ببرود مخيف: والمره دى أنا عايزهم يقرأوا عليه الفاتحة، مش يدخل مستشفى ويطلع منها زي سليم ومراته.

ضحك تمساح ضحكة قصيرة: والله يا باشا دول ليهم عمر جديد، سليم خد تلات رصاصات في ضهره، أي حد مكانه مايقومش تاني، ومراته؟ أنا بإيدي دي غرستلها طعنتين في بطنها وكانت بتفرفر، بس سبحان الله له عمر، العيل اللي كانت حامل فيه 
هو اللي مات.

أطفأ عماد سيجارته وهو يقف: تمام يا تمساح، خلينا على اتفاقنا.

وقف تمساح بدوره وقال باستغراب: طب مش هتقولي اسمك؟

ابتسم عماد ابتسامة باردة وهو يتحرك نحو الباب: بعدين.

غادر المكان بخطوات هادئة، بينما بقي تمساح جالسا مكانه، ينظر إلى رزم الأموال بابتسامة شرسة، وعيناه تمتلئان بالطمع والخطر.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

الفيلا التي يمكث بها مصطفى،10م 

كانت آلاء تصرخ وترفض النزول، ودموعها لا تتوقف، بينما مصطفى وسليم وإيهاب يحيطون بها بنظرات حيرة وقلق.

اقترب مصطفى منها محاولا تهدئتها بصوت منخفض: طب أهدي، وفهميني مش عايزة تنزلى ليه؟

صرخت وهي تهز رأسها بعنف: مش عايزة أقعد هنا، مشيني من هنا!

تبادل سليم وإيهاب نظرة قلق، قبل أن يحاول سليم التدخل بهدوء: طب أقعدي النهاردة يا مدام آلاء وبكرة نشوف حل.

لكن دموعها كانت تنهمر بلا توقف، وصوتها يزداد انهيارا: لا مش هقعد، أنا عايزة أمشي من هنا!

إيهاب محاولا فهمها: طب في إيه؟ فهمينا مالك؟

لكنها لم ترد، فقط دفعت الباب بعنف وهبطت من السيارة، فاندفعوا خلفها بسرعة، وأولهم مصطفى الذي أمسك يدها: رايحة فين؟

انتفضت وهي تسحب يدها منه بعنف، وعيناها ممتلئتان بالدموع والانهيار: في أي داهية؟! أي مصيبة أدفع أنا تمنها من غير ماحد يتأذي؟! نادي ماما خليني أخدها وأمشي.

تنهد مصطفى بألم وهو يحاول تهدئتها: آلاء... أنا عارف إن إللي حصل صعب، بس أرجوكي أهدى وخلينا ندخل جوه ونتكلم.

صوتها ارتفع أكثر وسط بكائها واختناقها: لا! مش هدخل! كفاية ذل ومهانة، أنا مش هستحمل كلمة تانية من حد، حرام عليكم!

ثم نظرت له بانكسار موجوع: لو سمحت نادي ماما وطلقني خليني أمشي، كفاية إللي عملته معايا، كتر خيرك.

في تلك اللحظة توقفت سيارة مكي، ونزلوا منها واقتربوا بسرعة.

عائشة بقلق: فيه إيه؟ مالها آلاء؟

ارتجف صوتها وهي تلتفت إليهم باعتذار مقهور: عائشة حمد الله على سلامتك، أنا آسفة والله حقك عليا، بس والله كل إللي حصلك كان غصب عني وماليش يد فيه، لو كنت أعرف ماكنتش قبلت بكده أبدا، بس أنا هصلح كل حاجة والله، من فضلكم نادوا ماما... أنا عايزة أمي.

اقترب مصطفى منها بحيرة وقلق: طب هانادي ماما، وهتروحي فين بعد كده؟

هزت رأسها بسرعة وهي تبكي: هتصرف... ربنا هايدبرها

صاح بعصبية ممزوجة بالخوف: يعني إيه ربنا هايدبرها؟! أدخلي يا آلاء بلاش جنان..

كانت في حالة رفض تام، تهز رأسها بعنف شديد، وكأنها أصيبت بمس شيطانى، وصوتها يخرج متقطعا ومختنقا: لا! همشي مش هادخل، مش عايزة نظرة الشفقة دي، مش عايزة أشوفها في عينك ولا في عينيكم، مش عايزة أسمع كلمة تانية... كفاية! حرام عليكم... كفاية... تعبت... مابقيتش قادرة! كفاية كفاية..

أخذت تصرخ بإنهيار كامل، وكأن آخر ماتبقى داخلها قد تحطم تماما، تردد نفس الكلمات بصوت ممزق وهي تبكي بشدة: كفاية... كفاية... حرام عليكم... كفاية! كفاية 

استمرت تكررها بشكل هستيري حتى بدأ صوتها يختفي تدريجيا من شدة البكاء والصراخ، ثم فجأة ارتخت قدماها وسقطت أرضا مغشيا عليها.

اتسعت أعين الجميع بصدمة، بينما اندفع مصطفى نحوها بسرعة، انحنى وحملها بين ذراعيه بقلق واضح ثم دخل بها إلى داخل الفيلا مسرعا.

أما البقية فظلوا واقفين مكانهم، والتأثر يظهر علي ملامحهم بشكل واضح، مدركين أن ماوصلت إليه لم يكن طبيعيا أبدا.

نظرت عائشة في أثرها بحزن: هو إيه إللي حصلها؟

تنهد إيهاب وهو يمرر يده على وجهه بتوتر: بعدين، المهم تعالي معايا، ماما هتموت من القلق عليكي.

تنحنح سليم قائلا: طب أنا هاسيبلكم عشري هنا ومعاه كام واحد، علشان يبقوا معاكم ويوصلكم لحد البيت، ومن بكرة إن شاء الله، كل واحد فيكم هيبقى معاه حارسين.

اومأ إيهاب بتعب: ماشي، إحنا هانبات هنا النهاردة، كلنا مش على أعصابنا.

أومأ مكي موافقا: وده الأفضل طبعا، خليكوا هنا كام يوم لحد مانشوف حوار محمود ده هايرسي على إيه.

هز إيهاب رأسه، بينما وجه سليم حديثه لعائشة، وملامحه تحمل تأنيبا واضحا لنفسه: حمد لله على سلامتك يا آنسة عائشة، وحقيقي أنا بعتذر منك، كان المفروض آخد بالي أكتر من كده زي ماوعدتكم.

هزت رأسها بسرعة محاولة تخفيف شعوره بالذنب: متشيلش نفسك الذنب، والحمد لله ماحصلش حاجة.

تنهد سليم بأسف: برضو ده مايمنعش إن عندي غلط، وحمد لله على سلامتك مرة تانية.

ابتسمت بخفوت: شكرا.

ثم وجهت حديثها إلي مكي: وشكرا ليك يا مكي علي إللى عملته علشاني.

اومأ بابتسامة: لا شكر على واجب، حمدالله علي سلامتك.

بإبتسامة: ازاي بس انت عرضت نفسك للخطر عشاني.

أوما: ده شغلي.

كانت سلوي واقفة تنظر لهم وهي تتآكل من الغيرة ولكنها فضلت الصمت. 

وجه إيهاب حديثه لسليم: طبعا البيت بيتك، أنا هاخد بس شوشو لماما علشان إنت عارف كانت قلقانة عليها إزاى.

لوح سليم بيده سريعا: لا لا، براحتك، إحنا أصلا هنمشي، علشان اتأخرت على ماسة أوي.

ابتسمت عائشة رغم إرهاقها: سلملي عليها كتير أمانة عليك، وياريت تبقى تجيبها أشوفها، وحشتني أوى.

اومأ بابتسامة: بإذن الله.

تحركا ايهاب وعائشة مبتعدين، بينما ظل سليم ومكي وسلوى واقفين مكانهم.

تسأل مكي: هنمشي ولا هتستنى مصطفى؟

أجابه بفتور: لا هنمشي.

تساءل مجددا: طب هنعمل إيه في الواد المرمي في المخزن ده؟

سليم ببرود وهو يتحرك: بكرة نبقى نشوفه... 

ثم ألتفت إلي سلوى فنظرت له بتوتر، لكنه سبقها وهو يرمقها بنظرة حادة: أما أنتِ، فليكي حساب معايا عسير على إللي عملتيه ده.

تمتمت بسرعة تدافع عن نفسها: ما أنا قولتلك إللي حصل و..

قاطعها بعصبية: بلا قولت بلا زفت! كان ممكن يحصلك حاجة!

مكي بتأكيد: هو فعلا كان هيحصلها حاجة، واحد منهم مسك المطواة ورفعها عليا.

ألتفت اليه بصدمة: نعم؟! إيه حوار المطواة ده؟

أخذت سلوي تهز رأسها لمكي بعدم التحدث، لكنه تجاهلها تماما وبدأ يروي له ماحدث، بينما كان سليم يستمع بصمت، وفكه مشدود بقوة، وقبضتاه تنقبضان بعصبية واضحة.

قال أخيرا وهو يضغط على أسنانه: أنا مش عارف أقول إيه الصراحة، أخلص من أختك تطلعيلي إنتِ، إنتوا الاتنين أجن من بعض، أعمل فيكم إيه؟

سلوى بخفوت وهي تحاول تهدئته: ما أنا كويسة أهو.

نظر لها بغضب مكتوم: وأنا كان المفروض أستنى لما ماتبقيش كويسة؟! سلوى، حاجة زي دي ماتتكررش تاني.

اومأ مكي مؤيدا، لكن سليم نظر له موبخا: وإنت كان فين مخك وإنت بتاخدها معاك، رايح الملاهي إنت علشان تقولي شبطت فيا؟ 

قال موضحا بسرعة: والله يا سليم، الموقف حصل بسرعة، وأنا ماكنتش عايز أتأخر و...

قاطعه سليم بضجر: عذر أقبح من ذنب.

ثم أشار بيده بعصبية واضحة: يلا خلينا نمشي، وماسمعش حس واحد فيكم لحد مانوصل.

تحرك أولا بخطوات سريعة، بينما سارت سلوى بجانب مكي، تراقب ملامحه بصمت للحظات قبل أن تقترب منه أكثر وتقول بمشاكسة خفيفة: بتسلمني لسليم!! أصلا مايقدرش يعمل حاجة، ده آخره كلام.

رمقها بطرف عينه ساخرا: هو ماسك نفسه عنك بس علشان أختك بترجلشه في البيت.

رفعت حاجبها بثقة: أختي مسيطرة.

لم يرد عليها وتابع سيره بملامح مقتضبة، فابتسمت بخبث وهي تقول: بس إنت خوفت عليا، أنا خدت بالي.

نظر لها بطرف عينه دون اهتمام، وأكمل طريقه وكأن كلامها لم يؤثر به، لكنها لم تتوقف، وقالت وهي تكتم ضحكتها: والله العظيم خوفت عليا.

لم يرد، فقط فتح باب السيارة وصعد إليها، ثم تحركت السيارة وسط صمت ثقيل، بينما ظلت ابتسامتها الصغيرة معلقة وهي تراقب ملامحه الجامدة.

على إتجاه آخر.

كانت أنهار ونبيلة جالستان في الحديقة بقلق منتظرين عودتهم، وما إن اقتربت عائشة حتى انتفضت نبيلة من مكانها، وفتحت ذراعيها سريعا وعيناها ممتلئتان بالدموع: يا حبيبتي يا بنتي، تعالي في حضن أمك.

ارتمت عائشة داخل أحضانها، فضمتها بقوة وكأنها تخشى أن تضيع منها مرة أخرى.

ربتت عائشة على ظهرها بهدوء: أنا كويسة الحمد لله، ماتقلقيش.

نبيلة وهي تتحسس وجهها بلهفة: أنا خوفت عليكي أوي.

ابتسمت محاولة طمأنتها: أنا كويسة يا ماما والله، ماحدش عملي حاجة.

اقتربت أنهار منهما ببطء بسبب تعبها، وعيناها مليئتان بخجل: حمد لله على سلامتك يا بنتي، حقك عليا.

هزت رأسها: مافيش أي حاجة يا طنط، أنا كويسة أهو الحمد لله.

سألتها نبيلة بقلق وهي تمسك يديها: بجد يا بنتي؟ ماحدش قربلك؟ قولي وطمنيني.

ابتسمت ابتسامة خفيفة رغم إرهاقها: والله يا ماما ماعملولي حاجة، دول حتى جابولي أكل ومية.

تنهدت أنهار براحة بسيطة قبل أن تسأل بسرعة: طب آلاء فين يا بنتي؟ هي هناك مع محمود؟

أجابها إيهاب موضحا: لا هي فوق في الأوضة، إحنا جبناها معانا، بس هي أغمى عليها.

اتسعت عيناها بصدمة: أغمى عليها؟! ليه؟!

ذم ايهاب شفتيه ولم يرد إخبارها بما حدث: مش عارف، أول ماوصلنا فضلت تقول إنها عايزة تمشي ومش عايزة تقعد هنا، وبعدين فجأة أغمى عليها..

أومأت ببطء وهي تحاول تمالك نفسها: ماشي يابنى شكرا.

ثم نظرت إلى نبيلة قائلة بتعب واضح: حقك عليا للمرة التانية يا حاجة، وحمد لله على سلامة بنتك.

تحركت بعدها مبتعدة بخطوات بطيئة ومتعبة نحو الداخل، بينما ظلت نبيلة تنظر لعائشة بقلق واضح: هي مالها آلاء يا عائشة؟

ذمت شفتيها بحزن: جالها انهيار يا ماما، أنا ماعرفش إيه إللي حصلها بالظبط، بس شكل حصلها حاجة وحشة أوي، أصل هي ماكانتش معايا، كانت في مكان تاني وفضلت تصرخ إنها مش عايزة تقعد هنا.

صمتت نبيلة للحظة، وكأنها بدأت تفهم سبب انهيار آلاء، لكنها رغم ذلك لم تر نفسها مخطئة بالكامل.

فهي كانت أما خائفة على ابنتها، وأي أم مكانها ربما كانت ستفعل أكثر من ذلك.

تنهدت بهدوء ثم نظرت إلى عائشة بحنان: طب تعالي يا حبيبتي نطلع فوق، أكيد إنتِ جاية تعبانة.

إيهاب وهو يتحرك معهم: إحنا هانبات هنا النهاردة، أنا قولت لسليم.

هزت نبيلة رأسها براحة: أحسن يا ابني.

وبالفعل صعدوا للأعلى، دخلت عائشة مع والدتها الحمام، وساعدتها في غسل وجهها، بينما كان إيهاب ينتظرهم داخل الغرفة.

وبعدما خرجتا، تمددت عائشة على الفراش بإرهاق شديد، بينما جلست نبيلة بجانبها تربت على شعرها بحنان: أخوكي بس ينزل من فوق، وهخليه يشوفلك حاجه تلبسيها، علشان تاخديلك حمام يروق أعصابك.

إيهاب بهدوء: أنا ممكن أروح أجيب لبس وآجي.

ردت باعتراض حاد: لا إنت مش هتتنقل من عندي أبدا، هتفضلوا قاعدين قدام عيني كده، تلبس من عند أخوك، أو نودي أي حد من الرجالة إللي برة دول يجيبولنا أي حاجة نلبسها مش فارقة، بس خروج من قدام عيني لا.

اومأ برأسه دون رد، بينما نظرت نبيلة إلى عائشة وهي تمسح على خدها متسائلة: قوليلي بقى يا بنتي، إيه إللي حصل بالظبط من ساعة ما خدوكي؟

أغمضت عينيها بتعب: بالله عليكي يا ماما، مش عايزة أفتكر.

ربتت على يدها سريعا: ماشي يا حبيبتي، براحتك أبقي أحكيلي بكرة.

ثم سألتها بقلق أمومي: طب عاملوكي كويس؟ ماحدش لمسك؟

هزت رأسها بسرعة: والله خالص، كانوا كل شوية يقولولي معلش يا أبلة إحنا عايزين أختنا، وجابولي أكل كمان.

عقدت نبيلة حاجبيها: أومال آلاء كانت فين؟

إيهاب موضحا: آلاء راحت الشقة عند محمود إللي كان فيها وشكله ضايقها أو عمل حاجة، لأن كان فيه ستات هناك، وشكلهم ماكانش مريح خالص.

تمتمت نبيلة بضيق: وإللي اسمه محمود ده فين دلوقتي؟

إيهاب موضحا: سليم خده المخزن.

تمتمت بضيق: لا إله إلا الله، كان مالنا ومال النصايب دي كلها؟

تنهدت عائشة بخفوت: ماما... هما مالهمش ذنب.

هزت رأسها بمرارة: فعلا، الذنب ذنب أخوكي الله يسامحه.

ابتسم إيهاب بخفة حتى يغير الجو: بقولك إيه يا ماما، إنتِ مش ناوية تأكلي عائشة ولا إيه؟ دي أكيد جعانة موت.

نظرت له نبيلة بعتاب ممزوج بالحب: كنت عايزة أقعد مع بنتي وأشبع منها شوية.

ضحك بخفة: ياستي هي كانت مهاجرة؟ ما هي قدامك أهي.

هزت رأسها وهي تنظر له: معرفش قلبك جامد كده ليه يا إيهاب.

ابتسمت عائشة بخفوت: مش قلبه جامد يا ماما، بس فعلا أنا جعانة أوي، مش هاتعمليلي حاجة من إيدك؟

ابتسمت نبيلة: عيني يا حبيبتي، هاقوم أعملك أكل حالا.

ثم اقتربت منها، وقبلت خدها قبلة طويلة وهي تقول بتأثر: حمد لله على سلامتك يا بنتي، ومن النهاردة رجلي على رجلك، أنا إللي هوديكي الجامعة وأجيبك، وأوديكي الكورس وأرجعك، ومش هسيبك أبدا.

ادمعت عيناها وهي تتمتم: حسبي الله ونعم الوكيل.

ثم خرجت من الغرفة، بينما نظر إيهاب إلى عائشة بابتسامة خفيفة: بقولك إيه... أنا بصراحة عايز أعرف إيه إللي حصل، ومش قادر أستنى لبكرة.

تنهدت وهي تنظر أمامها بشرود: هحكيلك، أنا بس ماكنتش قادرة أحكي قدام ماما.

صمتت لحظة قبل أن تكمل بصوت مهزوز: بجد دي أصعب لحظة ممكن أي بنت تتعرض لها، حاجة مرعبة أوي يا إيهاب، لما فتحت عيني هناك، كان نفسي يبقى كابوس وحد يصحيني منه.

بدأت دموعها تنزل: قلبي ماهديش غير لما لقيتهم بيتعاملوا بهدوء، طريقتهم كان فيها شوية طمأنينة، بس فضلت خايفة من المجهول، ومش فاهمة ليه ده كله بيحصل أصلا.

ادمعت عينا إيهاب، واقترب منها سريعا وأخذها في أحضانه وهو يربت على رأسها بحنان: أهدي يا حبيبتي إحنا جنبك، ومش هنسيبك أبدا، ومستحيل نسمح إن أي حاجة تزعلك أو تخوفك تاني.

علي إتجاه آخر، بغرفة آلاء...

كان مصطفى يجلس بجوارها بقلق شديد، يرش قليلا من العطر على يديه ثم يمرره برفق قرب وجهها، ثم رفع حجابها من راسها، بينما ينادي عليها بصوت هادئ ومتوتر: آلاء... آلاء...

بدأت جفونها تتحرك ببطء، ثم فتحت عينيها تدريجيا وهي تأخذ أنفاسا متقطعة، قبل أن تعتدل جالسة وتنظر حولها بتشوش واضح...

مسح على كتفها بهدوء محاولا تهدئتها: أهدي، إحنا في الأوضة.

ما إن استوعبت مكانها حتى نظرت له بصدمة، ثم انتفضت بعصبية وهي تبتعد عنه: ليه جبتني هنا؟ أنا عايزة أمشي!

حاول الحفاظ على هدوءه رغم توتره الواضح: هتمشي تروحي فين؟ وتمشي ليه؟

قالت بمرارة ودموعها تتساقط مجددا: وأقعد ليه؟ علشان أسمع كلام يكسرني وأتهان تاني، وأتعاقب على حاجة ماليش يد فيها، وأشوف نظرات والدتك ليا وهي بتقولي "إنتِ السبب، منك لله"؟!

أرتفع صوتها أكثر وهي تشير لنفسها بإنفعال، ودموعها تنهمر بلا توقف: إنت فاكر يعني إني مبسوطة بكل إللي حصل ده؟! أنا كل يوم بموت وأنا بفكر فيه، بس كل حاجة حصلت كانت غصب عني! أعمل إيه؟ ربنا كتبلي كده وماحدش بيهرب من إللي مكتوبله.

ثم أنكسر صوتها فجأة، وكأن قوتها نفذت دفعة واحدة: وإللي مكتوبلي ده مش راضيني، بس أعمل إيه؟

أجابها بثبات رغم الألم الواضح في عينيه: استغفر الله يا آلاء، ماحدش ينفع يهرب من إللي مكتوبله، أو يرفض قضاء ربنا، لازم تفهمي برضوا إن إللي مكتوبلك ده كان مكتوبلي أنا كمان.

صمت لحظة، ثم أكمل بهدوء: كان مكتوبلي أقابلك، وطريقنا يبقي واحد، وإني أختار أعمل معاكي كده، يعني المصير إللي أنتِ شايفاه عقاب ليكي، أنا كمان كنت جزء منه..

توقف أمامها وتابع بصوت منخفض: فماتشيليش نفسك ذنب حاجة إنتِ ماعملتيهاش، هو إنتِ أجبرتيني على حاجة؟ ولا أنا كنت طفل ومش فاهم بعمل إيه؟

نظرت له بصمت ودموعها لا تتوقف، بينما أكمل بحزن واضح: وإذا كان على أمي، فأنا عارف إن كلامها جرحك، حقك عليا، بس أعذريها هي كانت مصدومة وغصب عنها، دي بنتها يا آلاء، أي أم مكانها كانت هاتنهار كده، حتى لو إنتِ ملكيش ذنب في إللي حصل، هي عقلها ماميزش غير خوفها علي عائشة.

اومأ بخفوت موجوع وهي تمسح دموعها بعنف: أنا عارفة إنه غصب عنها، وعارفة إن من حقها تقول أكتر من كده كمان، ومش زعلانة منها، بس أنا مش هقدر أستحمل أكتر من كدة، أنا مش عايزة أشوف نظرات شفقة ولا اتذل تاني.

ثم نظرت له بعينين مرهقتين: والنبي يا دكتور طلقني وسبني اخد أمي وأمشي، كتر خيرك لحد كدة.

اقترب منها خطوة وهو يحاول السيطرة على ارتباكه:
آلاء... اسمعيني..

لكنها قاطعته بسرعة، وكأن الكلمات تخرج منها بعد اختناق طويل: لا مش هسمع، أنا تعبت، تعبت من كل حاجة بتحصلي، مش قادرة أستحمل أكتر من كده، ماحدش حاسس بيا، ماحدش حاسس أنا حاسة بإيه.

أنهارت دموعها أكثر وهي تهز رأسها بألم: ماحدش رحمني، حتى أخويا وأنا بصرخ وبستنجد بيه، وبحلفله إن جوازنا كان مجرد عقد مكتوب على ورق ماسمعنيش ولا صدق..

أغمضت عينيها للحظة ثم همست بانكسار: أنا تعبت أوي يا مصطفى.

ظل ينظر إليها بصمت، بينما أكملت بصوت مرتجف:
إنت شايف إني كويسة عشان ماحصليش حاجة، بس لو كنت اتأخرت ثانية واحدة بس، أنا ماعرفش كان ممكن يحصل إيه.

كان يستمع إليها بصمت تاركا إياها تعبر عما بداخلها لعلها ترتاح قليلا، بينما كانت كلماتها تخرج بصعوبة شديدة، وكأن كل حرف يمزقها من الداخل.

قالت بصوت مقهور ممتلئ بالخجل والانكسار: أنت متعرفش الدقايق دي مرت عليا إزاي؟! تعرف يعني إيه بنت تت 

لم تستطيع نطقها وأخذت تبكي بقهر، فاقترب منها وضم رأسها إلي صدره وأخذ يربت عليها ويردد بتأثر: أنا فاهم والله... وعارف، وحاسس بيكي بس لازم تهدي وتنسى...

انتحبت بمرارة وهي تهز رأسها بعنف، فأبعدها عنه قليلا ونظر داخل عينيها وأكمل بهدوء: هيفيدك إيه تعذيبك لنفسك بالشكل ده؟ أنا ممكن أقولك كملي في إللي إنتِ فيه، بس صدقيني ده مش هيغير حاجة، عيطي، وصرخي وعيشي وجعك، حقك، بس مش هينفع تمشي من هنا، ومش هينفع تنهاري بالطريقة دي.

أرتفع صوتها وهي تشير لنفسها بإنفعال: ليه ما أنهرش؟! ليه كل مرة مطلوب مني استحمل وما أنهرش؟! لا هنهار، وهصرخ، وهقول إني تعبت ومابقتش قادرة على الوجع ده كله!

انهمرت دموعها بشدة أكبر وهي تكمل بانكسار مرير: إشمعنى أنا بيحصلي كل ده؟! ليه الدنيا مابتحبنيش كده؟!

وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول التقاط أنفاسها: أخدت أبويا مني وأنا صغيرة وحرمتني منه، وخلت أخويا يتبهدل بالشكل ده ويبقي مدمن وسوابق، وخلتني أشتغل وأنا صغيرة، والبنات في سني كانوا بيخرجوا ويروحوا وييجوا وأنا شايلة مسؤولية أكبر مني!

كان صوتها يضعف ثم يعود أعلى من قبل مع كل كلمة: ليه أتجوز بالطريقة دي؟ واحد أصلا مابيحبنيش واتجوزني جميلة، وكمان بسببي حياته اتبهدلت وأخته اتخطفت، وأنا... وأنا اتعرضت للي اتعرضتله!

شهقت باكية وهي تضرب صدرها بكفها: ليه كل ده يحصلي؟! أنا عملت إيه وحش في حياتي علشان الدنيا تعمل فيا كده؟! الدنيا دي وحشة أوي ومابتحبنيش، أنا عمري مافرحت... أصلا معرفش يعني إيه فرحة.

ثم رفعت عينيها إليه بعجز كامل: أنا هاخد أمي وأمشي وأرجع بيتنا، ويحصل إللي يحصل، أنا مش هاستحمل تاني حد يجرحني بنظرة ولا بكلمة...

أخذت تبكي بحرقة شديدة، شهقاتها تتلاحق بصورة موجعة، بينما كان مصطفى ينظر إليها بتأثر واضح، وعيناه تلمعان بالدموع التي حاول إخفاءها.

أمسك يديها برفق ثم سحبها داخل حضنه، وأخذ يربت على ظهرها بهدوء محاولا تهدئتها: طب أهدي يا آلاء... أهدي.

ظلت تبكي بصمت موجوع، بينما أكمل بصوت منخفض ودافئ: الحياة حتى لو كانت قاسية عليكي، فهي برضوا ادتك حاجات حلوة، خلتني أقابلك وأقف جنبك، ومش بس كده؟! خلتك متفوقة في دراستك، وإن شاء الله تحققي حلمك وتبقي دكتورة.

مرر يده على شعرها برفق وهو يتابع: ربنا وقفلك ناس كتير بتحبك في حياتك، ماحدش في الدنيا مبسوط 100% يا آلاء، وماحدش جه الدنيا من غير اختبارات ووجع، وإلا هنتعلم إزاي؟

صمت لحظة قصيرة ثم قال بهدوء أعمق: حتى الأنبياء كانوا مبتلين، وربنا لما يحب عبد بيبتليه، يمكن ربنا بيحبك وعايز يشوف قوة إيمانك وصبرك، وفي نفس الوقت بعتلك ناس تساعدك وتقف جنبك علشان ماتكونيش لوحدك...

ابتعدت قليلا تنظر له بعينين ممتلئتين بالدموع، بينما أكمل بصدق واضح: ومش هقول تاني إنك مأجبرتنيش على حاجة، أنا عملت كل ده وأنا واعي وعارف بعمل إيه! ولحد دلوقتي أنا مكمل..

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة: كان ممكن في أي لحظة أقولك خلاص أنا عملت إللي عليا، لكن ماعملتش كده! أنا أهو معاكي ومتمسك بيكي، رغم إنك من أول مافوقتي وإنتِ بتقولي عايزة أمشي وعايزة أطلق.

مسحت دموعها بسرعة، ثم قالت بتردد وخوف: بس إنت لازم تطلقني فعلا، أصلا جوازنا ده معرفش هو دلوقتي حلال ولا حرام؟

عقد حاجبيه باستغراب: يعني إيه حلال ولا حرام؟

ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول: محمود قالي إنه جوزني لشاهين...

تجمدت ملامحه فجأة: عمل إيه؟!

هزت رأسها بحيرة وخوف: قال إنه جوزني لشاهين، أنا مش فاهمة حاجة، يعني أنا دلوقتي متجوزاك ومتجوزاه؟

نظر لها بصدمة ثم قال بعصبية واضحة: إيه العبط ده؟! أكيد بيقولك كدة علشان يخوفك.

هزت كتفيها بضعف: معرفش...

وفي تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بسرعة، ودخلت أنهار بوجه شاحب وعينين ممتلئتين بالقلق.

ما إن رأت ابنتها حتى أسرعت نحوها وهي تقول بلهفة وخوف: بنتي إيه إللي حصل؟! أخوكي المجنون ده عمل فيكي إيه؟

نظرت آلاء إلى والدتها للحظة، ثم ارتمت داخل أحضانها وأخذت تبكي بحرقة شديدة، وكأنها أخيرا وجدت مكانا يسمح لها بالانهيار.

ضمتها بسرعة وهي تربت على ظهرها بقلق: فيه إيه يا بنتي؟ بالراحة... أهدي، صلي على النبي كده، مالك؟

تنهد مصطفى وهو يمرر يده على وجهه بتعب: مافيش يا حاجة، هي بس زعلانة بسبب إللي محمود عمله، وحاسة بالذنب.

نظرت أنهار إليه بأسف شديد: والله يا ابني إللي حصل ده غصب عننا، وبعدين والله أختك كويسة، وهي بنفسها قالتلك، أنا عارفة ابني، مجنون وبيعمل مصايب ربنا يهديه، بس والله عمره ما كان هايأذي بنات الناس، حقك علينا يا ابني، أنا آسفة والله.

هز رأسه بهدوء: مافيش أي حاجة يا حاجة، حصل خير.

ثم التفتت أنهار إلى آلاء، وقد امتزج خوفها بغضبها: وإنتِ يا بنتي، إيه إللي إنتِ عملتيه ده؟ إزاي تروحي وتحطي نفسك في خطر بالشكل ده؟! أفرضي كان عملك حاجة!

رفعت رأسها من حضنها، وعيناها متورمتان من البكاء: وإنتِ كنتي عايزاني أعمل إيه؟! أفضل قاعدة وأنا عارفة إن عائشة هناك؟!

تدخل مصطفى بهدوء حازم: على فكرة، إللي إنتِ عملتيه ده غلط فعلا، وإحنا لينا كلام بعدين.

مسحت دموعها بسرعة ثم نظرت إليه بعناد واضح: مافيش كلام بينا يا دكتور، إللي عملته كان صح، ولو رجع بيا الزمن هعمله تاني، أنا مش هشيل حد ذنبي ولا مشاكلي، كان لازم أروح علشان أرجع عائشة، حتى لو كان حصلي أي حاجة، المهم إنها بخير، كفاية بقى إللي حصلكم بسببي.

ثم نظرت إلى والدتها: أمي حضري نفسك، علشان هنمشي ونرجع بيتنا.

نظرت إليها أنهار باندهاش وكادت أن تجيبها، لكن مصطفى سبقها، وقد تغيرت ملامحه فورا: هو إيه إللي نمشي؟ مين أصلا هايسمحلك تمشي من هنا؟

نظرت له بثبات رغم دموعها: لوسمحت أحترم قراري.

أجابها بحزم واضح: لا مش هتمشي.

رفعت صوتها بعناد لا، همشي.

ضغط على فكه ثم قال بحدة مكبوتة: وأنا قولت مش هتمشي، بصي يا آلاء، حتى لو الجواز ده على ورق وبإتفاق زى ما بتقولي، بس إنتِ مراتي شرعا وقانونا، وبصفتي جوزك يبقي مافيش خروج من هنا إلا بإذني، وبعدين خلينا الأول نتأكد من الكلام المتخلف إللي أخوكي قاله ده.

نظرت إليه أنهار بقلق: إيه إللي حصل تاني؟ عمل إيه المنيل على عينه؟

مصطفى وهو يحاول السيطرة على غضبه: بيقول إنه جوزها لشاهين.

ضربت صدرها بخضه: يا نهار أسود! ومنيل! إنت متأكد يا دكتور؟!

تنهد بتوتر: والله مش عارف، بس أكيد هاتأكد، هخلي سليم يودينا له ونشوف، أصل سليم وداه مكان تبعه

اقتربت أنهار منه بسرعة وقد ظهر الرعب في عينيها:
والنبي يا ابني ما تأذوه، أنا عارفة إنه ضغطك وأذاك، بس الحمد لله اختك بخير، والله ماحصلها حاجة.

تنهد بضيق وهو يمرر يده في شعره بتوتر: هو مأذاش أختي صح، بس كان هايأذي آلاء، كان متصور إن جوازنا تم فعلا، وجاب ست علشان يتأكد.

شهقت بصدمة: يا نهار أسود! ومنيل! يا نهار أسود!

قال بسرعة: ماحصلش حاجة الحمد لله... أنا لحقتها.

نظرت له بامتنان ودموع: كتر خيرك يا ابني، كتر ألف خيرك، يا حبيبتي يا بنتي، كان نفسي أخبيكي من الدنيا كلها.

تنهد مصطفى محاولا إنهاء الحديث قبل أن تنهار آلاء أكثر: خلاص بقى صلوا على النبي وأهدوا شوية، اليوم كان طويل على الكل.

ثم نظر إلى آلاء بنظرة حازمة رغم هدوئه: هخلي الخدامة تطلعلكم أكل وهرجع أطمن عليكم تاني، ومافيش مشي من هنا، بطلي جنان.

تحرك مبتعدا وأغلق الباب خلفه بهدوء، بينما جلست آلاء على الفراش بتعب، وكأن جسدها لم يعد يحتمل أكثر من ذلك.

اقتربت منها أنهار بسرعة وجذبتها إلى أحضانها بحنان: معلش يا بنتي، حقك عليا يا ضنايا.

رفعت عينيها لوالدتها، بملامح مليئة بالخجل والانكسار: أبوس إيدك يا ماما، خلينا نمشي من هنا، مش عايزة أشوف نظرة الشفقة دي تاني، ولا أصعب على حد.

اختنق صوتها أكثر: أنا مكسوفة أبص لحد بعد إللي حصل، أكيد كلهم عرفوا، أخوه عرف، وسليم عرف، وشافوا كل حاجة، وكل الناس إللي كانوا موجودين عرفوا، أنا شكلي وحش أوي، ومش هقدر أبص في وش الناس بعد كده.

شدتها أنهار نحوها أكثر وهي تمسك وجهها بين يديها بحزم ممزوج بحنان: ماتقدريش تبصي في وش الناس ليه؟! هو إنتِ عملتي حاجة غلط؟! إنتِ ترفعي راسك قدام أي حد يا آلاء، إنتِ شريفة...

ثم أكملت بانفعال وهي تمسح دموع ابنتها: إنتِ عملتي إيه يعييك لا سمح الله؟! أخوكي هو إللي يحط راسه في الأرض إنه عمل كدة فيكي.

هزت رأسها بعجز وهي تبكي: مش هقدر يا ماما... والله مش هقدر، ليه كل ده بيحصلي؟! أنا تعبت أوي، تعبت ومابقتش قادرة.

ضمتها أنهار بقوة وأخذت تربت على ظهرها بحنان: نعمل إيه يا بنتي؟ ده المكتوب ومش هنقدر نهرب منه.

ثم تنهدت بألم وهي تكمل بصوت هادئ: وبعدين صدقيني في ناس كتير بيتعرضوا لحاجات أوحش من كده بكتير، قولي الحمد لله يا بنتي إن ربنا بعتلك دكتور مصطفى أنقذك منه في الوقت المناسب، قولي الحمد لله يا آلاء، إحنا بس نعرف موضوع جوازك ده واخدك ونمشي وأعملك إللي إنتي عايزاه يا حبيبتي.

نظرت إلى والدتها بعينين ممتلئتين بالخذلان والانكسار، ثم همست بصوت ضعيف مرتجف: أنا انكسرت أوي يا ماما ... انكسرت أوي.

ارتجف قلب أنهار لكلمات ابنتها، فضمتها بقوة وكأنها تحاول أن تجمع شتاتها بيديها، ثم أخذت تقبل رأسها وشعرها وهي تربت عليها بحنان بالغ: ماتقوليش كده يا حبيبتي... ماتقوليش كده، إنتِ أقوى من كل إللي حصلك، والله أقوى.

كانت آلاء تبكي بصمت داخل أحضانها، بينما أكملت أنهار وهي تمسح دموعها: إللي ينكسر هو إللي يعمل الغلط ويظلم ويأذي... لكن إنتِ يا بنتي مظلومة، والمظلوم عمره مايبقى مكسور قدام ربنا.

شدتها إليها أكثر وهي تهمس قرب رأسها: وأنا معاكي يا آلاء، ومش هسيبك أبدا.

أخذت تبكي بحرقة داخل حضن والدتها، بينما كانت أنهار تربت على رأسها وشعرها بحنان أمومي وهي تضمها بقوة وتدعو لها بصوت مختنق: يا رب فك كربها وأجبر قلبها يا كريم، يا رب هون عليها وأربط على قلبها.

ظلت آلاء متشبثة بها بصمت، كأنها تبحث داخل أحضانها عن الأمان الذي فقدته.

قصر الراوي9 ونصف مساء 

جلست ماسة داخل الغرفة تهز قدميها بضجر، وعلامات الغضب والضيق مرسومة بوضوح على وجهها، بينما آثار أصابع رشدي مازالت مطبوعة على رقبتها بشكل مؤلم.

هي لم تكن تريد تلك المواجهة لكنه أجبرها، فقد حطم كل محاولاتها، وأسقط كل الآمال التي كانت تتمسك بها.

وسليم كان محقا طوال الوقت، لم يكن يظلمهم عبثا، ولم يكن قاسيا بلا سبب...

لكنها لم تكن ترغب في رؤيته يقتلهم بيده، فهم في النهاية عائلته... لكنهم هم من دمروا كل شيء بأيديهم.

وقعت عيناها على المرآة المقابلة توقفت للحظة، ثم اقتربت ببطء، وأخذت تنظر إلى العلامات على رقبتها، وتمرر أصابعها فوقها بشرود.

كانت حقيقية... ليست تمثيلا تلك المرة، تذكرت تهديده، ونظرته، والطريقة التي ضغط بها على رقبتها...

وبدأت عيناها تتحولان تدريجيا بشكل غريب، وكأن شيئا بداخلها ينطفئ، أو ربما تحاول قتل ماتبقى منها، رفعت نظرها نحو الساعة فوجدتها تشير إلي 9:30م وسليم لم يعد بعد...

عادت لتجلس مرة أخرى، تنتظر عودته بينما الوقت يمر ببطء خانق فوق أعصابها.

على إتجاه آخر، في الحديقة

جلس رشدي هناك شاردا في الفراغ أمامه، بينما عقله يعيد ماحدث مرارا بلا توقف.

لم يكن يتخيل أن تصل الأمور إلى تلك النقطة، أو أن يقف أمامها بذلك الغضب والقسوة، هو لم يكن يريد لكل هذا أن يحدث، لكن خوفه من خسارة مي، جعله يدفع إلى مكان أسوأ بكثير مما تخيل كل شيء أنفلت من بين يديه.

مرر يده على وجهه بتعب، ثم أخرج سيجارة وأشعلها بعصبية، يسحب منها نفسا طويلا قبل أن يخرجه ببطء، وكأنه يحاول إخراج كل مابداخله معها.

أغمض عينيه للحظة بألم، ثم همس بضيق: ليه يا ماسة...ليه؟!

سحب نفسا آخر من سيجارته، ثم أشعل غيرها فور انتهائها، وكأن التدخين صار الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانفجار.

ظل يردد داخل رأسه بإنهاك وغضب مكتوم: ليه يا ماسة... ليه خلتينا نوصل لكدة؟

كان خائفا... ليس من الذي حدث فقط، بل من القادم أيضا، خائف أن تتحول كل تلك الفوضى التي صنعها إلى شيء لن يستطيع إصلاحه لاحقا.

سيارة سليم.

كان مكي يقود بهدوء، بينما جلس سليم بجانبه شاردا، وسلوى بالخلف تراقبهم بصمت للحظات قبل أن تقول بخفوت: على فكرة ممكن تروح إنت الأول علشان ماسة، وأنا مكي يروحني.

قالتها وكأنها تتحدث بعفوية، بينما في الحقيقة كانت تريد البقاء مع مكي.

نظر لها سليم عبر المرآة الأمامية: مافيش الكلام ده، هوصلك الأول.

ذمت شفتيها وهي تقول محاولة إقناعه: ماسة عمالة تتصل بيك من بدري، وأكيد قلقت عليك.

هز رأسه: إنتي كدة كدة في طريقي، وبعدين إنتي اتأخرتي الساعة داخلة على 10.

أجابت مسرعة: انا كلمتهم قولتهم إن عندي شغل، أسمع بس إحنا نوديك وبعدين مكي يروحني، أنا مش مستعجلة.

نظر لها ثواني عبر المرآة، وفهم أنها تريد البقاء مع مكي، كاد يوافق، لكن مكي سبقه وقال بملل متعمد وهو مثبت عينه علي الطريق: هانروحك الأول يا سلوى، مش عايزين كلام كتير... أنا عايز أروح أنام.

زفرت بهدوء ثم هزت رأسها باستسلام.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل 

نفس الوقت عند مصطفي ...

هبط إلى الأسفل، وطلب من الخادمة أن تحضر العشاء لآلاء وتوصله إليها في الغرفة، ثم سألها عن مكان أسرته، فأشارت له بوجودهم في إحدى الغرف، أومأ لها وأتجه إلى الغرفة التي أشارت إليها، فوجد إيهاب وعائشة جالسين بمفردهما، فستاءل بمزاح لطيف: اومال ماما فين؟ انا قولت زمانها قاعدة وواخداكي في حضنها. 

أجابته بهدوء: هي فعلا عملت كده بس راحت تعمل أكل علشان جعانة.

مصطفى بقلق واضح: إيه يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ طمنيني.

حاولت الابتسام بخفوت: كويسة أهو الحمد لله.

تساءل بشك وهو يراقبها بتدقيق: متأكدة؟

تنهدت، ثم انخفضت عيناها قليلا: أكيد إللي حصل خوفني، وحاسة إني مش على أعصابي، بس بحاول قدام ماما أبقى كويسة، علشان عارفة لو ضعفت قدامها هاتنهار، وبعد إللي آلاء عملته، فهمت إن ماما أكيد ضايقتها، فامحبتش أزود عليها.

ادمعت عيناها وهي تهمس بخوف: بس بجد أنا خوفت أوي، خوفت يعملوا فيا حاجة، مش عارفة هتخطى الموضوع ده إزاي؟!

اقترب منها مصطفى، وضمها وهو يربت على ظهرها بحنان أخوي: أنا عارف إن إللي حصل مش سهل، بس إحنا أقوياء، وهنعدي ده سوا، صح؟

هزت رأسها بصمت: أممم بس أنا مش هخرج لوحدي تاني الفترة دي لحد أما أحس إني قادرة أخرج لوحدي.

إيهاب بهدوء: أنا هاجي معاكي أوصلك.

عائشة بإعتراض: وشغلك؟ أنا شوية وهبقى كويسة.

مصطفى موضحا: سليم قال إنه هايحط حراسة خاصة لكل واحد فيكم.

ثم ابتسم لها بحنان، وقبل رأسها ويدها بخفة: حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، حقك عليا.

هزت رأسها بسرعة: إنت مالكش ذنب.

ثم رفعت عينيها إليه بقلق: آلاء مالها؟

تنهد مصطفى بضيق شديد: الحيوان أخوها، كان عايز يعملها كشف عذرية.

اتسعت عينا عائشة بصدمة: يا نهار أبيض! علشان كده انهارت، الحيوان إزاى يعمل في أخته كده.

تنهد موضحا: الحمد لله ماحصلش حاجة، لحقتها، بس أكيد الموقف كان قاسي عليها طبعا.

تدخل إيهاب بضيق: وماما سمعتها شوية كلام قبل ماتمشي يكسروا بصراحة..

مرر مصطفى يده على وجهه بتوتر: وفيه مصيبة أكبر من كده كمان.

نظر له الاثنان باستغراب، فقال بصوت متحشرج من شدة غضبه: أخوها بيقول إنه جوزها!!

اتسعت أعينهما بصدمة: إيه؟!

تنهد مصطفي بعصبية: لسه بقي عايز أعرف الكلام ده حقيقي ولا مجرد كلام منه.

عائشة بسرعة: طب نكلم سليم ونتأكد منه.

هز إيهاب رأسه معترضا: الصباح رباح، الراجل تعب معانا من الصبح ولسه جاي، سيبوه يروح يستريح شوية.

تنهد مصطفى بتعب: عندك حق، بكرة هادكلمه.

ثم نظر إلى عائشة بهدوء: وإنتِ يا عائشة، معلش أبقي اقعدي مع آلاء شوية وحاولى تخريجها من المود ده وتهوني عليها شوية.

أومأت فورا: حاضر، من غير ما تقول طبعا هعمل كدة.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل

قصر الراوي ،10م.

توقفت السيارة أمام القصر، هبط منها سليم ومكي، وخلفهما مباشرة توقفت سيارة الحراس.

ألتفت سليم إليه وهو يقول بجدية واضحة: زي ماقولتلك، بكرة لازم كل حاجة تكون جاهزة، وكل واحد فيهم يبقي معاه حارسين.

أومأ مكي بتعب: ماتقلقش، هظبط كل حاجة، وبعدين عشري هناك معاهم، أنا هروح أنام لإني تعبان جدا.

هز رأسه، فتحرك مكي نحو الاستراحة، بينما اتجه سليم للداخل ، لكنه توقف عندما لمح رشدي جالسا في الحديقة، شاردا في الفراغ أمامه.

اقترب منه وهو يعقد حاجبيه: قاعد كدة ليه؟

لكنه لم ينتبه له، وظل على حالته وكأنه لا يسمع شيئا.

اقترب أكثر وربت على ذراعه: إنت يا ابني!

انتفض رشدي فجأة، واتسعت عيناه بتوتر واضح، فتساءل سليم: عملت ايه مع عماد؟ روحتوا البرنامج؟!

أخذ رشدي نفسا عميقا وفهم أن الأمر ليس له علاقة بما حدث مع ماسة، فتنحنح قائلا: أنا معرفش عماد فين بكلمه من الصبح مش بيرد، بس عموما الأخبار بدأت تتكذب.

عقد سليم حاجبيه أكثر: هو إنتوا مش كان المفروض تطلعوا في برنامج النهاردة وتخلصوا الحوار ده؟

تنهد بإرهاق: عماد هو إللي متابع الموضوع، ومش موجود.

ظل سليم يراقبه للحظات، ثم قال بتركيز: فيك حاجة؟

مرر يده على وجهه بتعب: أكيد يا سليم، بعد كل إللي حصل طبيعي أبقى كده، أنا بس مش قادر أفهم مين ورا إللي بيحصل ده وليه؟

تنهد سليم، وقال بحسم: عموما، بكرة لازم نطلع في برنامج ونخلص الحوار ده، السكوت أكتر من كده ماينفعش، ماتخلينيش أندم إني اعتمدت عليك إنت وعماد...

ثم أضاف بجدية مصطنعة: لازم تفوق شوية دي أختنا، وتهمنا أكتر من عماد، حتى لو إحنا الاتنين مابنطيقهاش وعندنا مشاكل معاها ومع جوزها، بس ماينفعش نسكت عن الكلام إللى بيتقال ده.

أومأ رشدي بصمت، فتحرك سليم بعدها نحو الداخل، تاركا رشدي وحده من جديد وسط أفكاره المشتتة.

غرفة سليم ماسة.

كانت ماسة لا تزال جالسة تنتظر عودته، وقد شعرت ببعض القلق يتسلل إلي قلبها من تأخره كل هذا الوقت..

ما هي إلا ثواني، حتى سمعت صوت باب الغرفة يفتح ودخل سليم.

وما إن وقع بصرها عليه حتى اعتدلت سريعا في جلستها، تجمع شتات نفسها بصعوبة، محاولة أن تبدو هادئة، فهي لا تريد بدء تلك المواجهة وهو متعب بهذا الشكل.

توقفت بابتسامة مصطنعة، ثم اقتربت منه بخطوات بطيئة وقالت بنبرة أخف: حمد لله على سلامتك يا حبيبي، اتأخرت كدة ليه؟

جلس على الأريكة بتعب، وقال بتوضيح متعب: عائشة كانت مخطوفة.. 

اتسعت عيناها بصدمة، وجلست بجانبه وهي تتساءل بقلق: إزاي يعني؟! مين خطفها؟! فيه حد عرف حاجة ولا إيه؟!

هز رأسه سريعا: لا لا، مش العيلة، ده أخو آلاء إللي خطفها، بس رجعناها.

قطبت حاجبيها بعدم فهم: أخو آلاء؟!

اومأ بتأكيد متعب: أيوه، آلاء البنت إللي مصطفى اتجوزها.

أومأت باستيعاب: أيوة أيوة، بس أخوها يخطف عائشة ليه؟

تنهد وهو يعود بظهره على الأريكة ويفتح أول أزرار قميصه: هفهمك...

وبدأ يروي لها كل ماحدث، كانت تستمع إليه وملامحها تتغير بين الصدمة والتوتر وعدم التصديق، حتى أنتهى أخيرا.

شهقت وهي تضع يدها على فمها، وقالت بحزن وتأثر: يا نهار أبيض! إزاي تهون عليه يعمل فيها كده؟! دي أخته! أومال لو واحدة غريبة كان عمل فيها إيه؟! إزاي تهون عليه؟ دي أكتر حاجة ممكن تكسر أي ست، إنها تتعرض لموقف زي ده... 

أومأ بإيجاب، وهو يزم شفتيه بأسف: فعلا، وحالتها صعبة جدا، صعبت عليا والله.

قالت بتأثر حقيقي وهي تزم شفتيها: أنا زعلت عليها أوي وأنا ماعرفهاش، منه لله أخوها.

ثم تابعت بضجر: سليم، إنت لازم بجد تأدبه وتخليه عبرة، الحيوان ده...

تنهد وهو يمسح على رأسه من الخلف: هعمل كده أكيد، بس مش هينفع آخد أي قرار غير لما أتكلم مع مصطفى، أنا أصلا ماعرفتش أعمل أي حاجة بسبب إللي حصل.

صمتت للحظة، ثم قالت بتفكير: حبيبي، إيه رأيك تقول لمصطفى يكلم دكتور ياسر؟ يمكن يساعدهم، هي أكيد محتاجة دلوقتي دكتور نفسي، إنت بتقول إنها انهارت وحالتها صعبة.

أومأ بالإيجاب: فكرة حلوة، هعمل كده، وبصراحة نبيلة هانم كانت قاسية جدا معاها، وبسبب الموضوع ده الدنيا اتعقدت أكتر.

قالت بتفهم: هي كانت خايفة على ولادها، الإنسان لما بيخاف أوي ممكن يعمل حاجات هو نفسه مايبقاش فاهمها، ودى كانت بنتها مخطوفة، ومع عيال صايعة، مش عايزين نقسى عليها في الحكم..

أومأ مؤيدا بنبرة مريرة: أنا عارف ومجرب، وإنتِ كمان مجربة، إحنا حياتنا اتدمرت بسبب الخوف، الخوف بيخلي الإنسان يعمل حاجات كتير غلط.

زمت شفتيها بأسف: إن شاء الله تكون كويسة، البنت دي مسكينة أوى، هاتلاقيها منين ولا منين؟ ربنا يكون في عونها، الحياة دي طلعت وحشة أوي يا سليم، مابتدوسش غير على الطيبين بس..

ثم تساءلت: وشوشو كويسة؟

أجاب مازحا: آه كويسة جدا، مافيهاش أي حاجة بقولك مكي قالي إن هي وأختك قعدوا يتعرفوا على بعض هناك كأنهم في الملاهي.

ضحكت رغما عنها، فضيق عينيه وقال بنبرة مازحة: بس غريبة إنك ماعلقتيش خالص على حوار سلوى ووجودها مع مكي؟

رفعت كتفيها: موضوع آلاء وعائشة خلاني أركز معاهم أكتر بصراحة.

تابعت بضجر: وبعدين سلوى دي مجنونة قسما بالله، كويس إنك زعقتلها ياريتك كنت اديتها على وشها المجنونة دي.

خرجت منه ضحكة قصيرة ومتعبة، ثم قال بغيظ واضح: كنت عايز أعمل كدة بصراحة بس مسكت نفسي بالعافية علشان ماتزعليش مني، ولا هي كمان، أنا ماصدقت ترضى عني..

هزت رأسها وهي تقول بضيق: لا بجد متهورة جدا، أنا ليا كلام معاها بس أشوفها، كان ممكن يحصلها حاجة، إيه العبط ده!

نظر لها من أسفل عينه وقال بمغزى: يعني أنتِ لو كنتي مكانها، ماكنتيش هتعملي كدة يا ماستي يا عاقلة؟

ردت بسرعة وكأن الأمر بديهي: أنا أعمل كده عادي، لكن هي ماتعملش كده؟!

رفع حاجبه متعجبا، فضحكت وتابعت بمزاح وتبرير: معلش أنا متعودة، أنا عشت معاك كل أنواع الأكشن إللي في الدنيا، خطف واغتصاب وهروب وتهديد وحوادث ومحاولة قتل يعني مش حارمني من حاجة الصراحة، بعدين دلوقتي أنا بقيت قوية وبعرف أضرب وادي بوكس جامد يا كراميل حتى بص.

رفعت ذراعيها أمامه تطلعه على قوتها، نظر لها وعقد بين حاجبين بتقليل، فردت على نظراته: ماتستصغرنيشي يا سليم.

ضحك بتعب وقلة حيلة: والله عارف إنك لو كنتي مكانها كنتي هتعملي زيها وأكتر، إنتم الأتنين عندكم ربع مهوي..

تابع بجدية: بس هو في الأول والآخر غلط، فيه أوقات لازم نحكم العقل، التهور ده ماينفعش.

تبسمت بشقاوة: بس عارف يا كراميل؟ هي برضوا حركة حلوة، خلته يخاف عليها ويمكن تكون سبب إنهم يرجعوا لبعض.

هز رأسه بيأس مبتسم: ماتبقيش ماسة لو ماقولتيش كده، عارف إنك عايشة في فيلم عربي قديم وبتموتي في الحركات دي..

تابع بجدية محذرا: بس تاني بقولك، ده مش صح، ممكن يعرضك ويعرض إللي معاكي للخطر، زي النهاردة كان ممكن عائشة يحصلها حاجة بسبب حركة أختك الغبية دي.

عارضته بهدوء عقلاني: أنا مابحسش مكي عاطفي بالشكل ده، مش هايختار سلوى يعني فيه لحظة ضعف، بيعرف يتحكم في عواطفه، حتى لو بيموت فيها، هايعرف يتصرف بعقل من غير مايخسر إللي معاه، غيرك خالص، يعني لو أنا مكان سلوى، كنت هاتضحي بعائشة عادي. 

ضحك عاليا وهو يقول: ده حقيقي، علشان كده بعته هو..

أخرج نفسا عميقا وهو يهم بالنهوض: أنا هقوم أغير هدومي، أكلتي ولا لسه؟

هزت رأسها بابتسامة: لا مستنياك يا كراميل.

توقفت امامه وهي تمسح على كتفه بحنان: إيه رايك تاخد شاور سريع، عقبال ما سحر تطلعلنا الأكل.

أومأ برأسه واتجه نحو غرفة الملابس، أخذ ملابسه ثم دخل المرحاض.

ظلت ماسة تنظر الي أثره، تسحب أنفاسها بتوتر وهي تحدث نفسها: أستني شوية، ماتحكيلوش دلوقتي.

وقعت عيناها على مسدسه الموضوع فوق التسريحة،
ترددت لثواني، ثم أسرعت وأخذته وأخفته بعيدا،
كانت متأكدة حين يعرف قد يفعل شيئا متهورا، طلبت الطعام، وبعد قليل أحضرته سحر، وكان سليم قد أنهي حمامه.

جلسا يتناولان الطعام معا، وسليم يسألها عن يومها بين الحين والآخر، وهي تجيبه بإبتسامة خفيفة وتحاول أن تبدو طبيعية، لكنه كان يراقبها جيدا، يعرفها عن ظهر قلب، ويحفظ أدق تغيراتها، لذلك كان منتبها منذ اللحظة الأولى أن هناك شيئا بداخلها ليس طبيعيا!

وبعدما انتهيا من الطعام، جلسا يشربان العصير في هدوء ثقيل.

ظل ينظر إليها بصمت ينتظرها أن تبدأ الحديث ولكنها بقيت صامتة وشاردة، فقال أخيرا وهو يضع الكوب على الطاولى: يلا بقى قوليلي مالك ياقطعة السكر، علشان أنا ملاحظ إن فيكي حاجة.

رفعت عينيها نحوه، بتوتر خفيف، كانت مترددة لا تعرف كيف تبدأ.

أخذت نفسا عميقا، بينما هو يراقبها بتركيز شديد.
ثم قالت أخيرا: أصل، أصل رشدي جه النهاردة.

تجمدت ملامحه قليلا منتظرا باقي حديثها 
بينما أكملت بصوت منخفض: وكان بيسألني ليه هربت؟! وبيحذرني إني بلاش أأمن لهم.

أجابها ساخرا: هو لسة مكمل في التمثلية بتاعته دي؟!

هزت رأسها سريعا موضحة: لا دي ماكانتش تمثيلية، هو كان بيتكلم جد..و

قاطعها بضيق غاضب: إنتِ لسه بتصدقيه؟ هو أنا مش قولتلك-

رفعت يدها تقاطعه بسرعة: ممكن تسمعني للآخر؟

صمت لحظة، يمرر عينه عليها لوهلة، ثم اخذ نفسا عميقا، وأومأ لها بالموافقة.

تنهدت وهي تنظر أمامها مفسرة بضيق: في الأول دخل عليا بنفس الأسلوب وصدقته واتأثرت مش هنكر، وافتكرت كلامي معاك الصبح لما قولتك أني هكدلك إن رشدي اتغير، وإني حتى لو استفزيته بمي مش هيستفز زي زمان، ولا هيعمل أي حاجة..

تبسم ابتسامة جانبية ساخرة: وطبعا ماعملش كدة.

أومأت بخذلان وهي تنظر له بإنهزام.

أخرج نفسا عميقا، ومد شفتيه بضيق: طب كويس يا ماسة إنك اتأكدتي إن رشدي هيفضل طول عمره رشدي، يا رب بقى تنسي عواطفك دى وتبطلي تدافعي عنهم.

أجابته بإختناق وغضب يكاد يخنق صوتها: لا، ماتقلقش، مش هدافع عنهم تاني، مستحيل أدافع عنهم، إنت كنت صح، إنت طول عمرك صح، وأنا طول عمري غلط، بس أنا افتكرت إن الإنسان بيتغير لما بتحصله كوارث، إنت نفسك اتغيرت وأنا اتغيرت، بس هما مابيتغيروش، ومابيتعظوش، ولسه مكملين في نفس الجبروت والقسوة..

نهضت من مكانها، وبدأت تتحرك في الغرفة بعصبية، بينما كانت عيناه تتابعانها بصمت، كان يشعر أن بداخلها شيئا أكبر من مجرد حديث رشدي، لذلك ظل يستمع إليها دون أن يقاطعها.

واصلت حديثها بنبرة أكثر غضبا وغيظا وكرها: عندهم فن إنهم يخلوك إنسان وحش وقاسي، ويجردوك من كل حاجة إنسانية جواك.

توقفت باستغراب تحرك يديها: المشكلة إني عمالة أفكر أنا عملت إيه وحش؟ فضلت أدور على حاجة واحدة حتى تخليهم يبقى عندهم 1% حق أو وجهة نظر بس مالقيتش..

عقدت حاجبيها باستغراب مستهجن وهي تواصل: مش شايفة إن جوازنا يستاهل كل ده، آه إنت اتخانقت معاهم واتجوزت واحدة غصب عنهم، فقيرة وخدامة وماتليقش بيك! بس أنا دلوقتي إيه؟ اتغيرت، وحتى لو مكنتش اتغيرت، يكفي إنك سعيد معايا..

هزت رأسها بعنف ثم تابعت: وماتقوليش إنهم كانوا بيقصدوني أنا بس، لا، هما كانوا بيقصدوني أنا كمان، كان فيه جزء بيقصدك وجزء بيقصدني، رشدي بيقتلك عن طريقي، وفايزة بتقتلني عشان مش عايزاني ومش قابلة بيا، وصافي نفسها تموتنا إحنا الأتنين علشان غيرانة من حبك ليا، وعلشان تفضي المكان لجوزها..

توقفت للحظة تلهث، ثم قالت بمرارة حادة: بجد أنا ندمانة على كل ثانية قولتلك فيها كفاية واديهم فرصة، هم مايستاهلوش حقيقي مايستاهلوش..

كان ينظر إليها باستغراب، كان متأكدا أن هناك شيئا كبيرا قد حدث، ماسة لا تصبح هكذا، ولا تصل إلى هذا القدر من الانقلاب والغضب إلا إذا تعرضت لشيء قاسي.

ومع ذلك، فضل أن يتركها تتحدث، يشعر أن كل مابداخلها يخرج الآن، ولم يشأ أن يوقفها.

كان يريد أن يعرف ماذا فعلوا بها في غيابه حتى تنقلب عليهم بهذا الشكل، كان متأكدا أن هناك تهديدا ماحدث، لكنه أراد أن يفهم كيف حدث بالضبط.

اقتربت منه ومالت عليه وهي تنظر في ملامحه بنظرة فيها قسوة لا تشبهها: كمل يا سليم، ماتقفش، هما مايستاهلوش.

انتصبت وهي تبتلع غصتها وأكملت بصوت متهدج: عارف؟ قبل ماتيجي بشوية كان لسه جوايا حتة إنسانية صغيرة ناحيتهم كنت عايزة أقتلها، علشان كده روحت لمامتك، كنت متأكدة إنها هاتقتل آخر حتة جوايا... وأنا كنت عايزة ده.
ـــــــــــــــــــــــ
فلاش باك

جناح فايزة وعزت

كانت فايزة متمدده على الفراش، تتابع الأخبار ويبدو علي ملامحها الضيق والاختناق، طرق الباب، ثم دخلت ماسة بإبتسامة صغيرة.

رفعت فايزة عينيها إليها باستغراب وقالت بحدة: إنتِ إيه إللي جابك هنا يا بنت إنتِ؟

أجابت بهدوء وهي تتوقف أمام الفراش: جاية أقولك حمد لله على السلامة.

ردت بعناد وأرستقراطية متعالية: طبعا شمتانة وفرحانة فينا، بس ماتفرحيش أوي، لإن كل حاجة هاتنتهي خلال ساعات والخبر هايتكذب.

وتابعت بتنبيه مهيمن: أوعي يا حشرة تفتكري إنك هتقدري تشمتي في ستك صافيناز، ولا تكوني فاكرة إني نسياكي؟ إنتِ لسة تحت عيني، وقريب هتخلص منك للأبد.

ضحكت ماسة ضحكة متعجبة من تلك العنطظة التي لا تنتهي: لا بجد، إنتوا حاجة غريبة، يتعمل عنكم مسلسلات وأفلام، وهتبقى عنوانهم، تعريف الظالم في دقيقة واحدة، نهاية كل ظالم.. أصل إنتم نهايتكم هتكون وحشة أوي، أوحش من نهايات الأفلام حتى، أوعي تكوني فاكرة إن انتوا هتفضلوا كده؟! ربنا سبحانه وتعالى مابيسيبش حق حد ولا بيسيب الظالم يكمل في ظلمه، هو أوقات بيسيبه يفتكر إن الدنيا أمان وتمام، لحد مايصدق نفسه إنه قادر وفوق الكل، وفجأة ياخد الضربة، بس ضربه ماتخليهوش تقوم له قومة.

اقتربت منها وتابعت بنبرة شماتة: أنا ماكنتش شمتانة، وكنتوا صعبانين عليا، بس دلوقتي؟ أنا مبسوطة، مش بس شمتانة، علشان حقي بيتجاب..

ثم قالت بنبرة امتلأت بالقهر: وكل مرة بصلي فيها، بدعي وبقول حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، ويارب هاتلي حقي من الناس إللي ظلمتني..

أشارت إليها بإصبع مرتجف بعينين تلمع بدموع: بس عارفة يا فايزة هانم، إنتِ قبل ماتظلميني، ظلمتي ابنك ودمرتي حياته، وأنا كمان ساعدتكم في تدميره لما خوفت منكم زمان وسكت، ولما خوفت دلوقتي..

ثم أضافت بحدة وتحولت ملامحها للقوة: بس والله العظيم، لو فضلتي تهدديني هروح وهقوله كل حاجة، وعليا وعلى أعدائي، أنا مش ههرب تاني ولا هخاف منكم، وهعرف إزاي أخلي سليم يصدق إنكم عملتوا فيا كل ده ولفقتولي قضية الأداب، وهابرئ نفسي قدامه.

أهتز صوتها وهي تقول: أنا كان نفسي أشوف في عينك نظرة ندم، بس ماشوفتش غير جحود، زي ماطول عمرك قاسية وجاحدة..

ثم ابتسمت بمرارة: بس أنا ليه مندهشة أصلا؟ إنتِ ماعرفتيش حتى تبقي حنينة على أولادك، هاتحني عليا أنا؟

نظرت حولها ثم قالت بقسوة: أقولك على حاجة وماتزعليش؟ ولا أزعلي، شوفي نفسك دلوقتي، لوحدك لا حفيد جنبك ولا مرات ابن ولا حتى أولادك، وعلى فكرة فيه منهم ناس موجودة هنا مش كلهم بره، ومع ذلك ماحدش فيهم فكر يجي يقعد معاكي..

اقتربت من الباب وهي تتابع: تفتكري لو كنتي كويسة معايا كنت هسيبك لوحدك؟ كان زماني قاعدة جنبك دلوقتي، بس إنتِ ماتستاهليش، تستاهلي بس تكوني لوحدك هنا، وجوزك مرمي في المستشفى لوحده، وبنتك كل ساعتين تصحي تصرخ وتنام بالمهدأت، هي دي نهاية إللي زيكم، ولسه ربنا هاينتقم منكم كمان وكمان.

فتحت الباب ثم التفتت إليها للمرة الأخيرة وقالت: شكرا، إنك قتلتي آخر حتة إنسانية جوايا.

صرخت فايزة بغضب: استني هنا يا بنت أنتِ!

لكن ماسة لم تنتظر، وخرجت من الغرفة.

ضغطت فايزة على أسنانها بعنف، ثم ضربت المرتبة بغيظ: طيب يا ماسة... طيب.

(عودة)

كان سليم مازال يستمع إليها بصمت، بينما تابعت ماسة بإنفعال: بس أنا هددتها، وفهمتها إني بقيت قوية، ومابقيتش زي زمان ماسة الخدامة إللي بتخاف وتسكت.

توقف سليم، ثم اقترب منها، مرر عينيه عليها ببطء، قبل أن يسألها سؤالا واحدا بصوت منخفض خطير: برضو ماقولتيش رشدي عمل فيكي إيه؟ خلاكي توصلي لكده؟ أنا عارف ومتأكد إنه أكيد عمل حاجة، هددك تاني؟!

قالت بغضب محتقن: رشدي ده حيوان! تخيل؟ أختك الحقيرة إللي جوه دي، أقسم بالله أنضف منه، على الأقل من ساعة ماتجوزنا وهي واضحة إنها بتكرهني مش زيه كداب وبيتلون، وأنا إللي كنت بقول رشدي جواه كويس، رشدي مابيكدبش، رشدي مابيتلونش، بس طلع بيتلون عادي طول مامصلحته معاك.

لم تتغير نظراته، فقط كرر سؤاله بنبرة أثقل: رشدي عملك إيه يا ماسة؟

ابتلعت ريقها ثم قالت بإختناق بعينين تلمع بدموع: لما هددته إني مش هفضل ساكتة، وإني هقول لمراته وأخليه يتعذب زي ماعذبني، خنقني الحقير الزبالة...

ثم أشارت نحو رقبتها بعدما أزاحت طرف البيجامة: خنقني وهددني بيك إنت وأهلي... الحيوان.

غامت عيني سليم بالسواد وهو يري أصابع رشدي مطبوعة علي رقبتها، بينما تابعت هي بإنفعال وغل بدموع تهبط: بس والله ما هسيبه أقسم بالله لأندمه، وأنا هاوريه بقى الإنسان الطيب لما قلبه يقسى بيبقى عامل إزاي؟! ورحمة بنتي لأخليه يمسك المسدس بإيده ويدهولي ويقولي أقتليني وأرحميني، بس ماتفضليش تعملي فيا كده... وأنا قادرة، وهعملها.

بينما سليم كان في عالم آخر، ولم يستمع إلي آخر كلماتها، وكأن عقله توقف عند رؤية آثار أصابعه على رقبتها، كل ماستوعبه أن رشدي خنقها، وهددها، وكان على وشك قتلها!

وفجأة صاح بصوت جهوري أهتز له المكان: يا ابن الكلب يا رشدي! والله لأقتلك!

ثم اندفع بعصبية وهو يصيح؛ عملها تاني؟ دخل أوضة نومي ويمد إيده عليكي تاني؟!

اتسعت عينا ماسة بخوف عليه، حين تحرك بسرعة ناحية التسريحة يبحث عن مسدسه، فركضت خلفه محاولة إيقافه.

ماسة بلهفة: سليم أهدى! العنف مش هاينفع! إنت إللي قولتلي كده، الموت راحة، طب أسمعني، أعرف أنا عايزة أعمل إيه.

قال بعصبية وهو يفتش بعينيه: فين المسدس يا ماسة؟

هزت رأسها سريعا: مش هديك المسدس يا سليم مش هخليك تبوظ كل إللي إحنا عملناه، ولا تبقى قاتل أخوك بإيديك حتى لو يستاهل، أسمعني، أنا مش هقولك سامح بس..

التفت إليها بعينين مشتعلة: عايزاني أقعد ساكت بعد إللي عمله ده؟! شايفاني مش راجل؟!

اقتربت منه بسرعة: لا لا، إنت راجل والله، بس أنا عندي فكرة أقوى من القتل...

قال من بين أسنانه: هاتي المسدس يا ماسة.

ردت: لا.

صرخ بنفاد صبر: بقولك هاتي المسدس، ماترفزنيش!

رفعت ذقنها بعناد: قولت لا.

نظر إليها لثواني وهو يتنفس بعنف، ثم قال ببرود مرعب: طب خليه معاكي، أنا هعرف أقتله إزاي.

دفعها بهدوء، ثم تحرك مبتعدا نحو باب الغرفة،
حاولت إيقافه وهي تصرخ بذعر: يا سليم أسمعني! يا سليم!

لكنه خرج راكضا كالعاصفة التي تلتهم كل مايقف أمامها دون رحمة أو انتظار، وهي مازالت تصرخ: يا سليم استنى!

لكنه لم يلتفت لندائها، وأكمل هبوطه إلى الأسفل كالمجنون.

ظلت تركض خلفه حتى وصلت إلى حافة الدرج، لكنها توقفت فجأة، وشيء بداخلها شدها بقوة، وذكرها أنها لا تستطيع النزول الآن، حتي لا تفسد مخططهم.

ضربت رأسها بغيظ، ثم ركضت مرة أخرى إلى الغرفة، 
أمسكت هاتفها بسرعة واتصلت بمكي، الوحيد الذي قد يستطيع إيقافه.

أتاها صوته الناعس وهو على الفراش: إيه يا ماسة..

صرخت بإنفعال: مكي! إلحق! سليم هيقتل رشدي!

انتفض بفزع: هيعمل إيه؟!

أجابت بتوتر: هيقتل رشدي! إلحقوا بسرعة!
ـــــــــــــــــــــــ

بينا كان سليم يركض بحديقه وهو يصيح بصوت رجولي جهوري أهتز له المكان: رشدييي!

كان رشدي لا يزال جالسا في الحديقة مكانه، فألتفت إليه باستغراب وهو يعقد حاجبيه.

أندفع سليم نحوه كالوحش، وأخذ ينهال عليه باللكمات وهو يصرخ بغضب مرعب: بتمد إيدك على مراتي يا حيوان؟! يا كلب! إزاي تمد إيدك على مراتي؟!

حاول رشدي تفادى الضربات، وهو يقول: ضربت مين ياعم، دي بتكدب عليك، وسع كدة..

صاح سليم من بين أسنانه بعينين محمرتين من الغضب: وإيدك إللى معلمة على رقبتها يا خسيس، أنا هعرفك إزاي تمد أيدك على مراتي

وبدأ يضربه بجنون، لكن رشدي شدّ جسده ودفع سليم بعيدًا، ثم وجّه له لكمة قوية، إلا أن سليم أمسك يده بعنف وضربه برأسه ضربة قاسية أربكته للحظة.
حاول رشدي أن يبتعد ويدفعه، لكن سليم كان أقوى منه بكثير؛ غضبه وهيجانه جعلاه كالإعصار، بينما كان رشدي بالكاد يستطيع المقاومة بسبب حالته وإصاباته التي لم يتعافَ منها بعد.

وفجأة أمسك سليم بذراعه بعنف وهو يهدر بصوت مخيف: دي الإيد إللي خنقت مراتي؟! هكسرهالك!

ثم لوى ذراعه بقوة هائلة جعلت صرخة ألم حادة تخرج من رشدي رغما عنه، بينما شعر بعظامه تكاد تتحطم بين يدي سليم.

وفي اللحظة التالية، قبض سليم على عنقه بعنف شديد، وعيناه تشتعلان بشكل مرعب، ثم قال بصوت منخفض مخيف: هقتلك يا رشدي... والله لأقتلك!

وبدأ يخنقه بالفعل، تشنج جسد رشدي، وارتبكت أنفاسه وهو يحاول إبعاد يد سليم، لكن قبضته كانت كالفولاذ.

وبحركة يائسة، رفع قدمه وضرب ساق سليم المصابة بقوة، ظنا منه أن إصابته القديمة ستضعفه أو تجعله يتراجع، لكن سليم لم يتحرك ساكنا حتى ملامحه لم تهتز.

في تلك اللحظة وصل مكي والحارس خلفه، وهو يصرخ: أبعدوه! بسرعة.

اندفع الحراس مع مكي يحاولون الفكاك بينهم.

مكي وهو يحاول إبعاد سليم: سليم سيبوا كفاية. 

وبعد عدد محاولات تمكنوا أخيرا من سحب سليم بعيدا، بصعوبة شديدة، بعدما كان أشبه بوحش كاسر.

كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه مشتعلة بشكل مخيف، وهو يصرخ بهم: سيبوني! سيبوني أقتله الحيوان ده!

أما رشدي، فكان جالسا مكانه، عيناه متسعتان بصدمة ورعب، يضع يده على رقبته ويحاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة، لم يكن قادرا حتى على الكلام..

كل ما كان يدور في رأسه ما الذي قالته ماسة ليصل لهذا الحد؟!

كل ذلك كانت ماسة تقف بعيد قليلا، تراقب مايحدث وهي مختبئة خلف أحد الأعمدة، وعيناها لا تفارقان المشهد.

في الجهة الأخرى.

كان مكي يدفع سليم بكل قوته، بعدما بدا كالمجنون تماما، بينما كان سليم يصرخ بعنف ويحاول الإفلات منهم: أوعى يا مكي! أبعد عني!

لكن مكي لم يتركه، وظل هو والحراس يدفعونه إلى الداخل بصعوبة، حتى تمكنوا أخيرا من إدخاله إحدى الغرف وإغلاق الباب عليه.

وعلى الجانب الآخر.

اقترب شوقي من رشدي بتوتر وقال: رشدي بيه... إنت كويس؟

رفع رشدي عينيه إليه، وكانت معتمة بسواد مخيف، ثم صرخ وهو ينهض بعنف: أوعى من وشي!

أبتعد شوقي، بينما تحرك رشدي بخطوات سريعة إلى داخل القصر، والغضب يشتعل في ملامحه بشكل مرعب.

قاطع خطواته وقوف ماسة أمامه مربعة ذراعيها أمام صدرها، وعلى شفتيها نصف ابتسامة جانبية مستفزة بشماتة، بينما رفعت أحد حاجبيها وهي تقول بسخرية باردة: تسلم إيده والله.

جز على أسنانه بعنف، وقبض علي يديه حتى برزت عروقه، وكاد يندفع نحوها فعلا، لكنها لم تتحرك من مكانها، بل قالت بثبات وهي تنظر له مباشرة: بتفكر تعمل حاجة ولا إيه؟ صدقني المرة دي هياخد المسدس إللي مع مكي ويديهالك في نص دماغك.

اقترب خطوة منها وهو يتنفس بعنف، لكنها أكملت دون خوف: أنا المرة دي اكتفيت إني أقوله إنك ضربتني علشان استفزيتك بالكلام وشمت فيك إنت وأمك بعد إللي حصل لصافيناز.

ثم مالت برأسها قليلا، وعيناها تلمعان بتحدٍ خطير: فتخيل بقي عمل فيك كل ده علشان رفعت إيدك عليا وهو مش طايقني وفاكرنى خاينه، أومال بقي لو حكيتله علي كل حاجة هيعمل فيك إيه؟

هدر بغضب قاتل: ماسة، لآخر مرة بقولك.

قاطعته بنبرة أكثر حدة: لا، لآخر مرة أنا إللي بقولك أبعد عني يا رشدي، عشان إللي جاي هيبقى بتاعي أنا..

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة منتصرة وهي تقول: واحد... صفر أنا إللي كسبت الجولة دي تعيش وتاخد غيرها يا رشروش.

اشتدت ملامحه بشكل مخيف، وكاد يفتك بها، لكنه لم يستطع، فسليم لم يكن بعيدا... وخطأ واحد فقط كفيل بإنهاء كل شيء.

صرخ رشدي بعنف رجولي، ثم ضرب الحائط بكفه بقوة جعلت صوته يتردد في المكان، قبل أن يستدير ويتحرك مسرعا إلى الخارج.

بينما ظلت ماسة واقفة مكانها، والابتسامة على شفتيها تزداد تدريجيا، ولأول مرة منذ وقت طويل تشعر أنها هي من تمسك زمام اللعبة بيدها.

على إتجاه آخر.

كان مكي يحاول تهدئ سليم وهو يلهث: في إيه يا سليم؟! هو إنت كل يوم هتخنق حد؟! أهدى بقى!

صرخ بعينين مشتعلة: كنت عايزني اعمل ايه وانا شايف صوابعه معلمه علي رقبة مراتي، كان بيخنقها الحقير الكلب، هو خلاص جاب آخره معايا...

وفي تلك اللحظه فتح الباب، ودخلت ماسة تقول بمزاح مستنكر: ضربته خلاص وارتحت، ممكن بقي نتكلم بالعقل..

اجابها بضيق وحسم: مفيش كلام، ومش هسمع حاجه.

لم تهتم لكلماته، والتفتت إلى مكي: من فضلك يا مكي راقب المكان برا لحد ماتكلم معاه شوية.

أجابها باستنكار: بلا أراقب بلا بتاع بقي، اطلعوا أوضتكم اتكلموا براحتكم، أنا رايح أنام.. 

ثم نظر لسليم وهو يشير بيده على ذات الوتيرة: وأسمع، رقمي يتمسح من عندك، وإنتِ كمان أمسحي رقمي، مش كل ماجي أغمض عيني، مكي ألحق...مكي أجري.. مكي حووش... الله يخربيت مكي لليوم إللى عرفكم فيه مكي..

تابع باستهجان: وبعدين مبتكلميش عشري ليه، لو مش معاكي رقمه ادهولك، ايييه مشبعتوش فرهدة، قعدت تقول عايز انتقم وانتقمت بطل فرك بقي، عايزة أنام يا جدعااان، ومافيش تصبحوا على خير..

قال مكي كلماته ثم غادر وأغلق الباب خلفه، فنظر سليم إلى ماسة، ثم أنفجرا الأثنان بالضحك رغما عنهما

ماسة وهي تحاول التوقف عن الضحك: ده طلع دمه خفيف.

ترددت للحظة ثم قالت بجدية هادئة: ممكن نتكلم بهدوء من غير عصبيه؟ علي فكرة رشدي مشي، وأنا قولتله إني قولتلك إنه ضربني بسبب شماتي في صافيناز..

رفع حاجبه باستهجان: هو أنا هخاف منه ولا إيه؟

هزت رأسها موضحة: لا مقصدش كدة، بس أنا محتاجاه يعرف ده، وأنت مكانش ينفع تضربه..

رد متعجبا بحدة: عايزه يمد ايده عليكي واسكتله؟! حتى لو عرف إنك حكتيلي مش مهم، خلينا نلعب على المكشوف.

تنهدت ببطء، وقالت بعقلانية: سليم، لازم تفهم حاجة، إحنا مش بنمنعك خوف على رشدي، لكن خوف عليك أنت، أنا مش هسمحلك تقتل أخوك، وتكون قابيل في الحكاية دي بعد ماكنت هابيل.

أضافت وعيناها ممتلئتان بظلام بارد: ثانيا هو لازم يدفع ثمن إللي عمله، بس وهو عايش، موته هيكون راحة.

نظرت بعيدا لثواني، وكأنها ترى نفسها القديمة أمامها، ثم قالت بصوت متحشرج قليلا: رشدي لازم يعيش كل يوم خايف... ومطارد... ومستني المصيبة تقع فوق دماغه في أي لحظة..

عادت تنظر له وأكملت بوعيد: لازم يعيش اللى أنا عشته، ويبقى مش قادر ينام مرتاح، وكل صوت يخضه، وكل حركة ترعبه، وكل ثانية يحس إن النهاية قربت..

نظر إليها بصمت، بينما تابعت بهدوء خطر: أنت إللي علمتني إن إللي عايز يوجع حد بيوجعه من نقطه ضعفه، وأنا هعمل ده مع رشدي هخليه يعيش خايف ومرعوب ومش عارف أنا ناوية له على ايه..

نظرت داخل عينه وهي تشير نحوه بعينين غامت بزرقة خطرة: وزي ما كان بيوجعك بيا، دلوقتي أنا هوجعه بمي..

ابتسمت ابتسامة باردة بتشفي: أصلك مشفتوش من شويه كان مرعوب مني أزاى.

ثم رفعت يدها وأشارت إلى قلبها، وهي تقول بنظرة مليئة بالغل والكره: أنا هقتله من هنا... هقتله من حبه، ورعبه من فقدان مي، هخليه يختل توازنه زي ماعمل فيك، لحد ماينهار بنفسه ويحكي كل حاجة.

وأكملت بصوت مختنق بالغضب والوجع: لازم يعرف يعني إيه؟! يبقى عندك حتة من روحك مهددة في كل ثانية! لازم يدوق الخوف والوجع إللي حطنا فيه سنين، وحياته تدمر، زى مادمر حياتنا...

كان سليم يستمع إليها بصمت، يعرفها جيدا،يعرف ذلك الهدوء المخيف الذي تصل إليه حين تنكسر، الهدوء الذي يسبق دائما شيئا خطيرا.

فقد رأى هذا الوجه منها من قبل، ويعلم جيدا أنها بارعة في اللعب على الضغط النفسي، وجعل الطرف الآخر ينهار ببطء دون أن تمسه.

لكن رغم ذلك، كان خائفا عليها أن تدفع نفسها إلى دائرة أخطر مما تتخيل، فرشدي لم يعد شخصا يمكن توقعه، وكلما شعر أن الأمور تفلت من يده يصبح أكثر تهورا ووحشية.

هز رأسه رافضا: لا طبعا إنتِ ملكيش دعوة، ومش هتدخلي في اللعبة دى.

رفعت عينيها إليه قالت باعتراض: لا هدخل، وهنتقم من اللي هددني بأهلي، لازم أدفعه ثمن تدمير حياتنا وإنه عيشني سنين مرعوبة.. 

أجابها معترضا: إنتِ فكراني لسه هستنى؟ أنا أصلا اللى كان مسكتني عنه إنه مكانش في إيدي ادله قويه اوريها لمراته علشان تصدقني، لكن حاليا بقي في ايدى حاجات تخليها مش طايقه تبص في وشه تاني، هطلع اراجع الكاميرات واخد الجزء اللى اعتدى عليكي فيه، وهوريها بعينها حقيقته القذرة.

أومأت: ماشي بس أديني يومين علشان خاطري.

هز رأسه بعدم اقتناع: مفيش يومين، أنا دلوقتي هطلع اجمع كل حاجه واوريهالها وانتقم منه.

اقتربت أكثر وهي تنظر له برجاء: سليم أسمعني، أديني يومين بس أشفي غليلي، وبعدها قول لمي إللي إنت عايزه، علشان خاطري متحرمنيش إني انتقم منه.

ظل ينظر إليها للحظات بعدم اقتناع، بينما تابعت هي بصوت منخفض: رشدي لازم يدفع الثمن، مش بس بمعرفة مي، معرفت مي دي هتبقى نهاية وبداية حساب جديد، بس أنا عايزاه يعيش شوية في خوف إنه يخسرها، أو إنها تعرف حقيقته زي ماعيشك وعيشني.

أمسكت يده وأضافت برجاء موجوع: لو سمحت يا سليم، أنت قبل كده قولتلي إن أي عقاب أنا عايزاه هتعملهولي، وده إللي أنا عايزاه، مش أكتر من يومين.

صمت طويلا وكان هناك حربا تدور داخله، قبل أن يزفر أخيرا ويهز رأسه بإجهاد: ماشي يا ماسة، معاكي لحد آخر الأسبوع ده، مش أكتر..

ابتسمت بخفة وهي تومئ: ماشي، مش أكتر.

أشار إليها بتحذير: ومتعمليش أي حاجة غير لما تقوليلي.

هزت رأسها سريعا: متقلقش.

ثم فجأة، تبدلت ملامحه، وقال بمشاكسة: وبعدين، تعالي هنا هو إحنا ليه مبنتكلمش بطريقتنا؟ ليه مصرين نستخدم مفردات حد تاني؟

عقدت حاجببها بعدم فهم، فأكمل موضحا: يعني "هتبقى نهاية وبداية حساب جديد" وعايز تقتل حد أقتله من نقطة ضعفه" مش هتبطلي تقلديني وتاخدي كلامي...

لفت ذراعيها حول رقبته بمشاكسة: أنا أتكلم براحتي، مش أنا وإنت واحد يا كراميلتي، وبعدين أنا تربيتك يا حبيبي فلازم أتكلم زيك.

ابتسم وأحاط خصرها بذراعه وهو يقول بهدوء دافئ: أكيد يا روح كراملتك، قطعة السكر تعمل إللي هي عايزاه...

نظر إليها طويلا ثم قال بصدق: بس أنا مش عايزك تفقدي نفسك يا ماسة ممكن؟ عايزك تفضلي توب أبيض زي ما إنتِ.

تبسمت بهدوء: زي ماسليم ميقدرش يفقد نفسه بوجود ماسة، ماسة كمان متقدرش تفقد نفسها بوجود سليم، لإني متأكدة لو بعدت عن الطريق إنت هترجعني.

ساد الصمت بينهما للحظات، تبادلا خلالها النظرات، ثم اقترب سليم ووضع قبلة عميقة على شفتيها طالت وكأنهما يحاولان الهروب من كل شيء حولهما من خلالها.

ضمت نفسها إليه بعشق واضح، قبل أن تبتعد وهي تبتسم: أنا حاسة إن إحنا فعلا المفروض نطلع فوق زي مامكي قال.

ابتسم بخبث وهو يقترب منها مجددا: أنا بقول كده برضوا، أنا أصلا ليا عندك حاجة مخدتهاش من الصبح، هاخدها دلوقتي.

تبسمت بخفة، ثم تشابكت أصابعهما معا وتحركا نحو غرفتهما.

وأثتاء صعودهم على الدرج قالت بمزاح: بس إنت دشملت رشدي يا سلوملوم عاش..

وفجأة تركت يده وقفزت كالأطفال على ظهره، ولفت ساقيها حول خصره، ابتسم بخفوت: بتعملي إيه يا مجنونة؟! حد يشوفنا... أنزلي.

ضحكت بخفة وهي تشدد ذراعيها حول عنقه: محدش هيشوفنا، كلهم بيكلموا نفسهم دلوقتي.

ثم طبعت قبلة على خده وهي تدفعه بمرح: يلا أطلع... أطلع.

هز رأسه بيأس وهو يضحك رغما عنه، وبدأ يصعد بها الدرج، بينما ضحكاتها الخافتة تملأ المكان، وكأنهما يحاولان سرقة لحظة صغيرة من السعادة وسط كل مايحيط بهما من فوضى وألم.

ولم ينتبها إلي الخادمه التي وقفت في أحد الأركان تشاهد مايحدث بتعجب.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

سياره رشدي 

ظل يقود سيارته بلا وجه محدده، وعلامات الضرب ظاهره على وجهه بوضوح، بينما الغضب يشتعل داخله بصورة مرعبة.

صورة ماسة لم تفارق خياله لحظه: نظراتها، تهديدها، ابتسامتها المستفزة وهي تخبره أنها أصبحت تمسك بزمام اللعبة، ولأول مرة منذ سنوات شعر بالخوف الحقيقي، فكان دائما يظن أن لا شيء يمكن أن يهزه، ففي السابق لم يكن لديه نقطة ضعف تستغل ضده، لكن الآن الأمر مختلف تماما.

تذكر كيف لعبت عليه بطريقتها، وجعلته يرى أنها قادرة على تغير الموازين بكلمة واحدة، حتى في أكثر اوقاتهما خلافا، مازالت تملك القدرة على تحريكه، وكأنها تمسك بخيط خفي لا يراه غيرها، وتعرف تماما كيف تشده وقتما أرادت.

قبض على المقود بقوة حتى برزت عروق يديه، ضربه بعنف وهو يجز على أسنانه، وظل يقود بلا وجهه محدده، حتي انتبه لنفسه يقف أمام منزل إسعاد!

نظر للمنزل أمامه بعدم استيعاب، لا يعرف متى اتخذ هذا الطريق ولا لماذا جاء إلى هنا، كل مايعرفه أنه فجأة وجد نفسه واقفا أمام منزلها.

ظل صامتا للحظات، ثم انتبه أنه جاء لأول مرة من غير أي تأمين، أمال رأسه على المقود وأغمض عينيه للحظة طويلة، يشعر بضيق يخنقه من الداخل.

ثم رفع عينيه نحو المنزل مرة أخرى، وشيء داخله دفعه للنزول، كأن هذا المكان الوحيد الذي قد يمنحه لحظة هدوء وسط كل هذا الجنون.

طرق الباب.

وبعد قليل فتحت إسعاد، ونظرت إليه بتعجب: رشدي؟

سألها بهدوء: نمتي؟

ردت وهي تفسح له الطريق: لا يا ابني، اتفضل.

دخل بخطوات هادئة: كنت قريب فقولت أعدي... 

قالت بقلق: رحمة قالتلي إن عندكم مشاكل كبيرة أوي وإن مصنع عندكم ولع.

تنهد بتأكيد: فعلا.

هزت رأسه بحزن: ربنا يسترها عليكم.

ثم ركزت في ملامحه: مال وشك؟

رد باختصار: مشكلة كده..

ثم سألها: فين جنة؟

أجابت: لسه يدوب نايمة، مش بتبطل شقاوة. 

أومأ برأسه: طب أنا هدخلها.

ثم تحرك نحو الغرفة دون انتظار،فتح الباب بهدوء، وأضاء النور قليلا.

فوجدها نائمة تحتضن عروستها ببراءة، وملامحها هادئة، بعيدة تماما عن كل مايحدث في الخارج.

توقف يتأملها للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يجلس أمامها، وأخذ يمرر عينه على ملامحها الطفولية وكأنها ترياق الحياة.

هز رأسه باستغراب: أنا مش فاهم إيه إللي جابني هنا؟ بس كل إللي عارفه إني عايز أبصلك كده، وأسكت.

مد يديه وبدأ يمررهما على وجهها وشعرها بهدوء، بعد قليل بدأت جفونها تتحرك ببطء، فتوسعت ابتسامته أكثر وهو يراقب ملامحها تستيقظ أمامه.

فتحت عينيها أخيرا، وما إن وقع بصرها عليه حتى ابتسمت سريعا ونهضت بنعاس وهي تقول بفرحة: رشدي، إنت هنا حقيقي ولا أنا جوة حلم؟

تبسم لها وهو يمسك يديها: لا، أنا بجد إنتِ مش جوة حلم.

ضحكت بسعادة: الله يارشدي، إنت جيت علشان أنا وحشتك؟

أومأ بتأكيد: آه وحشتيني أوى.

ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، اندفعت تعانقه، وهي تقول بحب طفولي: أنا بحبك خالص يارشدي، أنت كمان وحشتني قد البحر وسمكاته.

ابتسم لها بحنان، لكنها انتبهت فجأة للكدمات بوجهه، فتغيرت ملامحها وهي تنظر إليه بقلق: إيه إللي في وشك ده؟ مين ضربك؟ قولي وأنا أضربهولك!

زم شفتيه: اتخانقت.

عقدت حاجبيها: اتخانقت مع مين؟

تنهد بخفوت قبل أن يجيب: اتخانقت مع جوز ماسة، أنا وهو ضربنا بعض.

أزداد ضيقها وهي تقول بغضب طفولي: جوز ماسة ده وحش خالص! أنا لما أشوفه هضربه علشان بيزعقلك وبيزعق لماسة، أنا بكرهه.

تساءل بإهتمام: قوليلي عاملة إيه في الحضانة؟ ولا لسة مروحتيش؟

هزت رأسها بالنفي وهي تشير نحو رقبتها: لا لسه مروحتش؛ علشان الواوا إللي هنا.

سألها بقلق: إنتِ لسة تعبانة؟

ابتسمت بتفسير: لا، أنا بقيت كويسة، وقولت لرحمة توديني الحضانة بكرة علشان العيال صحابي وحشوني وهيعملوا حفلة.

ثم أكملت بحماس طفولي: وبعدين قالوا هيروحوا رحلة، وتيتة ورحمة قالوا لا علشان إنتِ لسه صغنونة، وكمان كنت لسة عيانة، قومت زعلت منهم ساعة وساعة وساعة.

حاول كتم ابتسامته، متسائلا بمشاكسه: ليه زعلانة منهم ساعة وساعة وساعة؟ فين يوم ويوم ويوم؟

ضحكت وهي تهز كتفيها: لا أنا بحب تيتة ورحمة، مش بحب أزعل منهم يوم ويوم ويوم، هو ساعة وساعة وساعة بس.

ثم اقتربت منه برجاء: رشدي، وديني الرحلة زي إللي راحوها! هما راحوا جنينة الحيوانات وشافوا الإليفنت، والمانكي 

ابتسم وهو يراقب لمعان عينيها: عايزة تروحي تشوفي الإليفنت؟

هزت رأسها سريعا بحماس: أممم!

ضحك بخفوت ثم مال نحوها: أنا أصلا كنت جاي أقولك إن عندي ليكي مفاجأة حلوة.

اتسعت عيناها وهي تتمسك بذراعه: إيه هي يا رشدي؟

ردبحماس: أنا هاخدك ونسافر بعيد.

اتسعت عيناها بفرحة وهي تعتدل في جلستها بسرعة: بجد؟ هنروح لبابا وماما؟

هز رأسه بهدوء: لا هنروح مكان تاني، وهما هييجولنا بعدين.

شهقت بسعادة وهي تصفق: الله! فرحانة أوي هناخد مي ورحمة وتيتا وماسة معانا؟

رفع حاجبه بخفة وهو يبتسم: طب مي ورحمة وتيتا وفهمناها، إنما ماسة ليه؟

ابتسمت بحب طفولي وقالت بعفوية: علشان عسولة، وكمان بتعمل طيارات حلوة، أنا حبيتها، بس مش ناخد جوزها الرخم ده إللي زعلك وزعلها.

ضحك بخفوت اوما براسة: ماشي، يلا نامي الوقت اتأخر..

تمددت وهي تشد يده وتتمسك بها: طب أحكيلي حدوتة.

ابتسم لها بحنان ثم عدل الغطاء عليها: حاضر، هحكيلك حدوتة ست الحسن إللي كانت خدامة واتجوزت الأمير.

وبالفعل قص عليها حتى غفت طبع قبلة علي جبينها وغادر.

عاد إلي القصر في ساعة متأخرة ولكن بملامح أهدأ وكأن الدقائق التي قضاها مع جنته الصغيره أعادت إليه توازنه، أو ربما لأنها ذكرته أنه مازال بيده ورقه رابحه!

دخل الغرفة بهدوء، فوجد مي نائمة بملامح مرهقة، وكأن الحزن لم يتركها حتى وهي غائبة عن الوعي.

وقف يتأملها لثواني طويلة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق شديد قبل أن يبدأ في خلع ملابسه.
اتجه نحو الدرج، أخرج منه جزءا من المخدرات التي أخفاها، ثم دخل الحمام.

فور دخوله بدأ يستنشق منها، ثم أخذ حماما سريعا وعاد إلى الفراش واستلقى بجانبها بصمت، قبل أن يغلق عينيه أخيرا.

أما عند مصطفى

فكانت آلاء ماتزال منهارة، وترفض الطعام والكلام، ولكن مصطفي أجبرها علي تناول القليل من الطعام، وفي النهاية، لم تهرب من وجعها إلا بالنوم.

بينما كانت سلوى على الجانب الآخر، مستلقية فوق فراشها وعيناها معلقتان بالسقف، تستعيد ماحدث طوال اليوم بتفاصيله، ورغم كل شيء كانت تشعر بسعادة خفية تتسلل إلى داخلها، مقتنعة أن ماحدث سيقربها من مكي مرة أخرى، وأن المسافة التي ابتعدت بينهما بدأت تضيق أخيرا.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

في صباح يوم جديد، 

قصر الراوي،9ص.

استيقظ القصر بأكمله على صرخات صافيناز.
لم تكن مجرد صرخات عابرة، بل كانت تركض في الممرات بحالة هستيرية، وعماد يركض خلفها محاولا الإمساك بها وتهدئتها.

خرج الجميع من غرفهم بفزع، بعضهم يدلك عينيه بنعاس، وآخرون وقفوا عند الدرابزينات في الطوابق الثلاثة يراقبون مايحدث بصدمة.

أمسكها عماد أخيرا، محاولا تهدئتها: أهدي، أهدي يا صافيناز، مفيش حد هنا.

هزت رأسها بعنف ودموعها تنهمر: لا... لا... كانوا عايزين ياخدوني، كانوا عايزين يقطعولي هدومي تاني! أبعدهم ياعماد أبعدهم، خليهم يبعدو عني..

ابتعدت وهي تصرخ: أبعدوا عني.

مسح على كتفها بهدوء: يا حبيبتي بصي حواليكي إحنا في القصر، مفيش حد هنا غيرنا..

نظرت حولها بتشتت تحاول استيعاب المكان، قبل أن تنهار فجأة بالبكاء وتلقي بنفسها داخل أحضانه.

تنهد ثم حملها بين ذراعيه ودخل بها إلى غرفتهما من جديد، بينما ظل الجميع واقفين للحظات في صمت ثقيل، قبل أن يعود كل منهم إلى غرفته وكأن شيئا لم يكن.

عند رشدي ومي...

دخل رشدي الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، بينما وقفت مي أمام المرآة تخلع طرحتها، وهي تقول بحزن: بجد صعبانة عليا أوي.

رد بهدوء: هتبقى كويسة.

التفتت إليه، لكن عينيها اتسعتا بصدمة فور أن وقعت على آثار الضرب في وجهه، فاقتربت بسرعة تتساءل بصدمه: إيه ده؟! إيه إللي في وشك ده؟

رفع يده يلمس الكدمة بتوتر: اتخانقت مع سليم.

عقدت حاجبيها بندهاش: اتخانقتوا ليه؟

تنهد وهو يبعد نظره عنها: كان عايز يضرب ماسة تاني، وأنا دافعت عنها، قالي بتدافع عنها ليه؟! كلمة منه على كلمة مني، ضربنا بعض..

ردت بمزاح ساخر: هو أنت كده ضربته؟

ضحك بخفة رغم الألم: ما أنتِ عارفة بقى الفترة دي جسمي مش متوازن، مكنتش قادر عليه، كان عامل زي الثور الهايج... ربنا يهدّه.

تنهدت بضيق وهي تهز رأسها: أنا بدأت أتضايق منه أوي، ماسة طيبة ومتستاهلش تتجوز واحد بالأخلاق دي، بص أنا مش هقولك متتدخلش، بس متقفش في وشه بالشكل ده تاني ياحبيبي.

أجابها بطيبه ووداعه مصتنعه: أومال أعمل إيه؟ أسيبه يضربها؟

ربتت على خده بحنان: لا طبعا ياحبيبي إنت عندك حق، معلش اتحمل هتاخد ثواب، لحد ما ربنا يثبت إنها مظلومة، حسبنا الله ونعم الوكيل في إللي ظلمها..

هز رأسه، وقربها منه قليلا وهو يقول بنبرة أهدأ: طب بعيدا عن ماسة وسليم، متزعليش مني على إللي حصل امبارح، أنا بس كنت متعصب، مش عارف مالي الفترة دي، بتعصب بسرعة، حقك عليا.

ابتسمت له، ومسحت على كتفه برفق: أنا مش زعلانة منك، هدحل اغسل وشي علشان افوق، وانت اطلبلنا الفطار.

هز رأسه بهدوء: ماشي.

وبالفعل تحركت هي إلى المرحاض بين ظل رشدي ينظر أمامه وهو يحمد الله علي أن الامر مر علي خير.

عند منى وطه...

كانت هناك حقيبة كبيرة فوق الفراش، بينما تقف إحدى الخادمات ترتب الملابس بداخلها بعناية.

أمر طه الخادمة بالإنجليزية: ملسيا، بليز أخرجي الآن.

أومأت بطاعة وخرجت وأغلقت الباب خلفها، لتقترب منى متسائلة: خرجتها ليه؟خلينا نخلص إحنا عندنا طيارة بعد ساعتين.

أجابها بتوتر: عايز أفهم، إللي بيحصل مع صافيناز ده إيه؟ 

نظرت له بتعجب: مشوفتش الأخبار امبارح؟ طبيعي مش قادرة تتحمل إللي حصلها.

تنهد وهو يجلس على طرف الفراش: أنا مش عارف إحنا هنسافر إزاي؟! وهنقولهم إيه؟

ردت بهدوء: مش هنقول لحد حاجه، هنمشي وبس.

ثم أكملت بضيق: أنا تعبانة ومش هستنى هنا يوم زيادة، كفاية إنك إمبارح روحت جبتلي مخدرات، أنا مش هبقى مدمنة، ولا هخلي رشدي ينتصر ويحقق إللي عايزه.

تساءل بتوتر: طب ولما نرجع؟

هزت كتفيها بلا مبالاة: نبقى نقولهم أي حاجة، أصلا محدش مركز معانا ولا هيحس بغيابنا. 

رفع حاجبه باستغراب: متنسيش إني ماسك الإدارة المالية وإحنا دلوقتي في كارثة.

ضحكت بسخرية مريرة: على أساس إن حد أصلا سأل عليك إمبارح؟ يلا يا طه خلي الخدامة تكمل، وأنا هلبس.

ثم أضافت وهي تميل عليه وتضع يدها على كتفه: هما دلوقتي مش شايفين غير سليم وبس.

اومأ برأسه بصمت، فهي محقة.

عند سليم وماسة.

دخلا الغرفة، بابتسامة هادئة ترتسم على وجههما.

نظر سليم إلى الساعة ثم قال بتعب: الله يسامحها صحتني بدري، شكلها هتروح مستشفي المجانين قريب.

تبسمت بشماتة: تستاهل، عقبال عماد.

تمدد فوق الفراش بإرهاق: قريب لا تقلقي.

نظرت له باستغراب: إنت هتنام؟

رد بهدوء وعينيه مغمضتان: آه لسه بدري.

اقتربت منه وهي تعقد ذراعيها: أنت مش المفروض تروح المجموعة وتبين إنك موجود، وكمان المفروض تزور باباك تشوف حالته وصلت لايه، مش علشانه بس علشان خاطر ربنا.

فتح عينيه ونظر لها مبتسما: ماشي، بس أنام شوية الأول، علشان أنا فاصل بعدين اقوم اعملك اللي عايزة.

ثم مد يده وشدها نحوه، فصرخت بدلال وهي تقع داخل أحضانه.

ضحك بخفة وهو يضمها إليه: نامي إنتِ كمان ساعتين.

تبسمت بلطف، وضعت قبلة على خده وذهبا في ثبات عميق.

عند صافيناز وعماد.

كانت صافيناز منهارة تماما، تجلس على الفراش، تبكي وجسدها ينتفض، بينما جلس عماد بجانبها يمسح على كتفها بهدوء، ثم ناولها كوب الماء وبعض الأقراص: خدي دول.

أخذتهم بيدين مرتعشتين، ثم احتست الماء بصعوبة وهي تهمس بصوت متقطع: أنا هفضل كده لحد إمتى ياعماد؟ أنا بجد مبقتش عارفة أنام.

رد بعملية: ياصافيناز، إللي إنتِ اتعرضتيله مش حاجة بسيطة، وإللي بيحصلك دلوقتي طبيعي، مفيش ست تتحمل إللي حصل ده بسهولة؟ بس صدقيني، يومين وهتبقي أحسن، إنتِ قوية، إنتِ صافيناز الراوي.

هزت رأسها بيأس وهمست: أنا لازم أشوف الناس كلها بتكدب إللي بيتكتب ده، لازم.

قال فورا: أكيد ده هيحصل، متقلقيش الموضوع ده عندي.

دموعها انهمرت مجددا بحرقة، ثم مدت يدها نحو علبة السجائر فوق الكومود، وأخرجت سيجارة بسرعة، أشعلتها وبدأت تدخنها بارتعاش واضح.

راقبها للحظات ثم قال بهدوء: صافيناز الموضوع هيعدي، وكأنه محصلش صدقيني، طول ما إحنا مع بعض محدش يقدر يكسرك.

هزت رأسها ببطء، ثم سألته بصوت خافت: طب عملت إيه في موضوع القضية؟

أجاب: كلمت المحامي، وهما أخدوا العينات النهاردة، وهيبعتوها للطب الشرعي، ونستنى النتيجة.

رفعت عينيها إليه بخوف: وأفرض طلعت صح؟

عقد حاجبيه: تطلع صح إزاي؟ هو إنتِ بتعملي حاجة غلط؟

هزت رأسها سريعا: لا طبعا، بس واضح إن في حد كبير ورا الموضوع ده، حد يقدر يخلي أي نتيجة تطلع زي ماهو عايز.

صمت للحظة، ثم قال بحزم: حتى لو ده حصل العيلة مش هتسكت، ولا أنا، ساعتها نجيب أي حد يشيل القضية مكانك وتتقفل، محلولة يا صافي، هي دي أول مرة يعني؟

شهقت بخفوت وهي تتمتم: بس سمعتي اتدمرت...

اقترب منها أكثر وقال بجدية: مفيش الكلام ده، الناس بتنسى أسرع مما تتخيلي، إنتِ بس ارتاحي، وأنا كمان ساعتين هطلع في برنامج مع رشدي وهننهي الكلام الفارغ ده كله.

ثم سحب السيجارة من بين أصابعها: كفاية سجاير دلوقتي مش وقتها خالص.

أطفأها، ثم ساعدها أن تتمدد على الفراش، بينما بدأت مفعول الأقراص يظهر عليها تدريجيا.
ظل يمسح على رأسها بصمت، وهي ترتجف بين الحين والآخر، كأنها ما زالت تعيش كل ماحدث من جديد.
❤️____________بقلمي_ليلةعادل

((بعد وقت ))

دخل ياسين القصر وإلى جواره لوجين، والإرهاق ظاهرا على ملامحها بعد السفر الطويل.

تقدمت إحدى الخادمات بسرعة وهي تبتسم باحترام: حمد لله على السلامة يا ياسين بيه.

أومأ لها بإبتسامة: الله يسلمك يا أماني، ماما وإخواتي فين؟

ردت بسرعة: كلهم موجودين في أوضهم يا بيه وصحيوا.

هز رأسه بتفهم، ثم أشار نحو الحقائب: طيب خلي حد يطلع الشنط فوق..

تحرك بعدها نحو الدرج، ثم ألتفت إلى لوجين التي كانت تتأمل المكان بصمت منذ دخولها: تعالي يا حببتي.

صعدا السلالم معا

جناح فايزة وعزت.

جلست فايزة على الفراش متمددة بإرهاق، بينما الخادمة تضع صينية الفطور أمامها بهدوء.

في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل ياسين يقول بلهفه: ماما ألف سلامة عليكي..

اقترب منها وانحنى يقبل رأسها، ثم سأل بقلق: إيه إللي حصل؟

بينما قالت لوجين بإحترام: ألف سلامة عليكي يا هانم.

أومأت بخفة: الله يسلمك.

ثم التفتت إلى الخادمة: تهاني، سيبينا لوحدنا.

أومأت: حاضر يا هانم.

وضعت الأطباق بسرعة، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.

وما إن اختفت حتى رفعت فايزة نظرها إلى ياسين: أكيد عرفت اللى حصل من الأخبار.

جلس أمامها على الفراش: أيوة، بس إزاي كل ده حصل؟ ومين وراه؟ 

تنهدت بتعب: معرفش، بس إحنا في مصيبة يا ياسين، مصيبة بكل المقاييس.

قال بجدية: متقلقيش، أنا رجعت وهساعد سليم لحد مانوصل للي ورا كل ده، وهندفعوا التمن، بابا عامل إيه دلوقتي؟

أجابته بهدوء: في المستشفى، تعبان جدا.

عقد حاجبيه: وموضوع صافيناز؟ أنا لسة مش فاهمه.

أغمضت عينيها لثواني قبل أن تقول: متهمة في قضية غش وفساد تجاري، قالوا المصنع بتاعها بيطلع مستحضرات تجميل غير صالحة لاستخدام، أما الكلام القذر إللي اتقال عنها فده ملفق طبعا؛ لأنها لما ترحلت على النيابة كانت مع بنات مش كويسة.

اشتدت ملامحه بغضب: إزاي أصلا توصل للحجز والنيابة؟! كل ده حصل أزاي؟ وسليم كان فين؟

أجابته باستهجان: سليم كان غرقان في موضوع أنفجار المصنع، افتكر إن عماد ورشدي هيعرفوا يحلوا، بس للأسف أعتمد على شوية فشلة.

أخذ نفسا عميقا ثم قال بحزم: متقلقيش، أنا جيت، ومش هسيب سليم لوحده، وأوعدك بعد ساعة واحدة موضوع صافيناز ده هيكون أنتهى.

ألتفت ياسين إلى لوجين: لوجين أنا هروح أشوف سليم وبعدها أشوف الدنيا فيها إيه، خليكي معاها.

أومأت لوجين: أوكيه.

لكن فايزة اعترضت: لا، أنا مش عايزة حد معايا، أنا كويسة.

اقتربت لوجين بلطف: أنا مش تعبانة، خليني معاكي يمكن تحتاجي حاجه.

رفعت راسها بحسم: أنا قولت لا.

فهم ياسين أن والدته لا تحب أن تشعر بعجزها، فقال: خلاص يا لوجين سيبي الهانم براحتها.

اقتربت منها لوجين بلطف: طب يا هانم، أنا في الأوضة لو احتجتي أي حاجة كلميني، بعد إذنك.

خرجت لوجين مع ياسين، وأثناء سيرهما في الممر قالت بهدوء: اترتاح الأول يا حبيبي، شكلك مرهق.

هز رأسه سريعا: مينفعش، لازم أشوف سليم دلوقتي، وبعدها أشوف هعمل إيه؟؟ وبعدين عايز أشوف نالا، وحشتني.

أومأت بصمت، وصعدا الدرج معا قبل أن يفترقا؛ اتجهت هي إلى غرفتها، بينما تحرك هو نحو جناح سليم.

وقف أمام الباب لثواني ثم طرقه.

وبعد لحظات، فتح سليم الباب، يبدو عليه أنه استيقظ منذ وقت قصير.

ما إن وقعت عينا سليم عليه حتي أتسعتا بتعجب، بينما قال ياسين برقي: صباح الخير... أنا صحيتك؟

هز رأسه سريعا: لا لا، أنا صاحي من شوية، إيه المفاجأة دي!

تعانقا سريعا، قبل أن يقول سليم معاتبا: جيت ليه؟ قولتلك متجيش.

أجابه بجدية: مجيش إزاي بعد كل إللي حصل؟ أنا كان لازم أجي من ساعة مشكلة الكوبري أصلا.

تنهد سليم، ثم قال بهدوء: طيب اطلع ارتاح دلوقتي وبعدين نبقي نتكلم.

هز ياسين رأسه: لا أنا مش عايز ارتاح، أنا عايز أفهم مين ورا كل إللي بيحصل ده؟

مرر يده على وجهه بإرهاق: لسه موصلتش لحاجة، وبحاول على قد ماقدر ألم الدنيا، الموضوع أكبر من إننا نتكلم فيه وإحنا واقفين على الباب كده.

أخذ ياسين نفسا عميقا ثم قال: طيب، أنا هطمن على نالا الأول، وبعدها هطلع للباشا أشوفه، وبعدين نتجمع ونفكر هنعمل إيه.

أومأ برأسه، فتحرك ياسين مبتعدا وهو غارق في التفكير.

بينما أغلق سليم الباب خلفه، في تلك اللحظة خرجت ماسة من الحمام وهي تجفف شعرها بالمنشفة: كنت بتكلم مين؟

ألتفت لها: ياسين رجع من السفر.

أومأت بهدوء: طبيعي.

ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول وهو يتحرك ناحية الدريسنج: بقولك إيه، خليهم يحضروا الفطار على ماخد شاور، مش عايز اتاخر.

أجابته وهي تتجه للهاتف: حاضر.

على إتجاه آخر.

تحرك ياسين نحو الجيست هاوس وهو يتحدث في الهاتف بعصبية: أنا عايز مصر كلها تصحى على خبر واحد، إن صافيناز الراوي بريئة من التهمة القذرة إللي مكتوبة عنها، وكل حاجة تتكتب بالشكل الصحيح، إن فيه اتهام تاني ولسه مفيش أي تأكيد، كلها مجرد أقاويل ... أسمع يا منتصر، إنت شغال معانا من زمان، وصدقني ساعة واحدة ولو ملقيتش الصحافة والسوشيال ميديا كلها متغرقة بخبر ينفي الاتهامات دي، اعتبر كل إعلاناتكم وشغلكم معانا انتهى ومش الشغل معانا بس، إنت عارف إحنا نقدر نعمل إيه كمان، أنا مش بهدد، أنا بس بفهمك إللي هيحصل.

ثم أغلق الخط وأكمل طريقه.

وقف أمام الباب وبدأ يطرق أكثر من مرة، لكن لم يجبه أحد.

عقد حاجبيه باستغراب، ثم رفع هاتفه مجددا وأتصل بهبة: أنتِ فين؟

جاءه صوتها من الطرف الآخر: في المجلة.

تساءل: والبنت فين؟

ردت بهدوء: عند ماما، أنا من ساعة الحفلة وأنا عند ماما، مقدرتش أتحمل إللي حصل، وخوفت بصراحة على البنت.

قال بحدة: إزاي معرفتيش؟؟.

ردت ببرود: مجتش مناسبة، وبعدين ده من أول مبارح مش بقالي شهر، طبيعي أخاف علي بنتي بعد اللى حصل.

رد بتفهم: طب أنا رجعت، وكل حاجة هتتحل، ومفيش أي خطر على البنت بلاش مبالغة، بعد ماتخلصي شغلك هاتي البنت وتعالي.

ردت بإصرار: إحنا محتاجين نتكلم الأول في الموضوع ده.

رد متعجبا: موضوع إيه يا هبة؟

أجابت بعقلانية: الوضع مبقاش آمن خالص، ومش عايزة بنتي تفضل وسط كل ده.

أغمض عينيه لثواني قبل أن يقول بنبرة أخطر: هبة، أنا عندي مليون حاجة فوق دماغي، ومش فاضي للجدال ده دلوقتي، ترجعي القصر، ولما أخلص اللي ورايا نتكلم براحتنا.

ردت بعناد: لا مش هرجع.

قال بحدة: بلاش استفزاز يا هبة، متخلنيش أبعت الحرس يجيبو البنت بطريقة مش هتعجبك، خلصي شغلك وتعالي، هستناكي..

أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها، ووقف للحظة يحاول تهدئة غضبه، قبل أن يتحرك نحو سيارته ويتجه إلى المستشفى عند عزت.

الفيلا التي يمكث بها مصطفى،11ص.

استيقظ مصطفي وذهب ليطمئن علي عائشة أولا، فوجدها نائمة بجوار والدته.

بعدها اتجه إلى غرفة آلاء، طرق الباب، ففتحت له أنهار وهي تبتسم بتعب: صباح الخير يا ابني.

تساءل بلطف: صباح النور، آلاء صحيت ولا لسة نايمة؟

أجابت بهدوء: صحيت يا دكتور، أتفضل.

دخل فوجدها جالسة فوق الفراش، يبدو عليها الحزن والألم.

جلس أمامها وسألها بلطف: عاملة إيه النهاردة؟

أجابت بخوفت: الحمد لله.

اقتربت إنهار وهي تقول بقلق: دي تعبانة خالص يا ابني، ودراعها واجعها وصحيت على وجعه، خدت مسكنات كتير.

نظر إلى ذراعها المصابة بقلق: وريني كده.

لكنها أبعدت ذراعها: أنا كويسة، ماما بس بتبالغ.

لم يهتم لما فعلت، وأمسك الجبس يتفحصه بعناية: شكله أتحرك، أو فيه حاجة مش مظبوطة، أنا هكلم سليم يبعت دكتور عظام يفكه ويطمن عليكي.

هزت رأسها: متكلمش حد، أنا هبقى كويسة، وبعدين أنا مصممة أمشي.

نظر إليها بضيق: آلاء إحنا مش هنعيد نفس الكلام كل شوية، مش هتمشي من هنا.

أخرج هاتفه وأتصل بسليم.

كان سليم يجلس مع ماسة في الشرفة يتناولان الإفطار، أضاء هاتفه باسم مصطفي، فأجاب فورا: ، صباح الخير يا دكتور.

أجاب: صباح النور، صحيتك ولا إيه؟

ضحك بخفة: لا، أنا صاحي وبفطر كمان، أنت إيه الأخبار عندك؟ مدام آلاء و مودموزيل عائشة عاملين إيه؟

تبسم بهدوء: كويسين الحمد لله، بس لو سمحت يا سليم كنت محتاج دكتور عظام يطمن على آلاء ويفك الجبس، وفيه موضوع كمان محتاج أتكلم معاك فيه بخصوص محمود.

اعتدل في جلسته: تمام، أنا هعدي على المجموعة الأول، وبعدها هجيلك والدكتور هبعتهولك حالا.

رد بإمتنان: تمام، شكرا يا سليم تعبتك معايا.

أجاب: مفيش تعب ألف سلامة عليها.

أغلق مصطفى الهاتف، ثم نظر إلى آلاء بإبتسامة: خلاص شوية وسليم هييجي، والدكتور كمان، وخليتهم تحت يحضروا الفطار هنفطر سوا.

هزت رأسها برفض: أنا مش عايزه انزل تحت.

أجابها بلطف: آلاء أنا عارف إن ماما-

قاطعته: مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، من فضلك.

تنهد وهو يمرر يده على وجهه: ولا أنا عايز أتكلم فيه، بس إحنا مش هنفضل منهارين كدة وبعدين أنا جعان وعايز أفطر.

ردت باختصار: أفطر مع والدتك وأخواتك؟

رد بمزاح محبب: لا أنا عايزة أفطر مع الدكتورة آلاء ام راس ناشفه، هخلي سناء تطلعلنا الفطار هنا، وأضحكي بدل ماتعصب عليكي، أنا عصبي ورخم لعلمك، مكنتش عارف إنك نكدية كدة يا لولو..

خفضت عينيها للأسفل، وبدأت الدموع تتجمع داخل عينيها، وهبطت بصمت.

اقترب منها ومد يده يمسح دموعها بحنان: ليه بس الدموع دي؟ إنتِ كويسة، وده المهم، إللي حصل أنسيه إنتِ بخير، وعائشة بخير الحمد لله، لو فضلتي تفكري في إللي فات هتتعبي أكتر، زعلك مش هيغير حاجة، فكري في اللى جاي...

همست بإنكسار: حتى إللي جاي مش موجود يا دكتور أنا كان عندي أحلام، بس خلاص، بقت مشوهة.

هز رأسه سريعا: لا لا لا، لهجة اليأس دي بلاش، إنتِ هتبقي دكتورة كبيرة وهتحققي كل إللي نفسك فيه.

ثم أضاف بمزاح خفيف: أعتبري نفسك كنتي في فيلم أكشن وخلص..

ثم تابع بحكمة: متديش للوجع أكبر من حجمه علشان لو تمكن منك هيدمرك..

وأضاف محذرا هو يشير بيده: لو فضلتي مكشرة كده، هوصي دكتورة خديجة تجيبلك امتحان ميتحلش..

ضحكت رغما عنها، ومسحت دموعها بسرعة وهي تهز رأسها: إلا الباطنة يا دكتور والنبي، دي عقدتي في الكلية.

ابتسم بعدما لمح ضحكتها، ثم أشار لها بتحذير مصطنع: أيوة كده ستات مبتجيش غير بالعين الحمرا، لو رجعت لقيتك مكشرة، الأسبوع كله هيبقى مذاكرة وتسميع باطنة.

ابتسمت ابتسامه باهته: لا خلاص، أهو بضحك، والله بضحك.

ضحك بخفة وهو يتجه نحو الباب: كدة معقول.

ثم توقف قبل أن يخرج، ونظر إليها للحظة أطول، وكأنه يطمئن أنها هدأت فعلا، وقال بنبرة حنونة: هطمن عليهم تحت وجاي، مش هتأخر عليكي.

هزت رأسها بصمت، بينما خرج هو وأغلق الباب خلفه بهدوء.

إنهار بابتسامة دافئة: ربنا يسعده، ماشاء الله عليه، تسلم تربيته

مسحت على ركبتها بحنان وهي تجلس أمامها: أنا عارفة إن إللي حصل كبير بس خلاص بقى وأمه كان غصب عنها روقي.

هزت رأسها بهدوء: حاضر يا ماما حاضر.

عند ماسة وسليم.

انتهيا من تناول فطورهما، فتوقفت ماسه وهي تقول: هلبس بسرعه علشان اجي معاك.

أجابها باستنكار: تيجي معايا فين؟

اجابته: أجي أطمن على شوشو وآلاء، وكمان عايزه اروح لماما بقالي يومين نفسي اكل من اللمون المخلل بتاعها. 

هز رأسه: مش هينفع يا ماسة.

تنهدت بضيق: مش هينفع ليه؟ مش أنت سليم الراوي الجامد؟ إللي محدش يقدر عليه؟ إللي أجمد من العفريت بتاع مصباح علاء الدين! فين بقى الكلام ده؟ 

أجابها بإبتسامة ماكرة: أنا كام مرة أقولك إني مبسخنش...

تبسمت وهي تشير له بإصبعها: وأنا كام مرة أقولك إني مبسخنكش؟ ده استفهام مش أكتر..

أجابها موضحا: هبقي اوديكي يوم تانى، أنا يومي طويل ولسه هعدى علي المجموعه الأول، وكمان الوضع عند مصطفي ممكن ميبقاش مناسب لمرواحك دلوقتي.

عقدت ذراعها أمام صدرها، وعبس وجهها بعد الاقتناع، فابتسم وانحني يطبع قبله على خدها: هاخدك معايا المره الجايه قولت، فكي التكشيرة دى بقي، هجيبلك لاين بالكاتشب وأنا جاي.

لم تسطع منع ابتسامتها وقالت: وهمبورجر.

وضع قبله علي خدها الآخر: وهمبورجر، خلاص مش زعلانه! 

هزت رأسها بابتسامه: لا خلاص عفوت عنك.

ثم تساءلت: هتعمل إيه مع ياسين؟ هتحطه تحت المراقبة هو كمان؟

أجاب بهدوء: مفيش حد فوق المراقبة، بصراحة أنا مبقتش بثق في حد مهما كان مين، إنتِ ومكي بس إللي عارفين كل حاجة وبثق فيكم، حتى عشري ميعرفش أي حاجة بتحصل غير وقتها مش قلة ثقة فيه بس احتياط، وعرفان كمان ميعرفش الا أجزاء معينة وبرضوا وقتها، والحراس اللى عند مصطفي بردوا واقفين حماية بس محدش فيهم يعرف الصورة كاملة.

هزت رأسها بتفهم: علشان كده معتمد على التسجيلات والمكالمات أكتر من إنك تحط مراقبات شخصية؟

أومأ بتأكيد: بالظبط، لو كنت بثق فعلا، كنت حطيت رجالة تراقب كل واحد فيهم، بس أنا مش ضامن مين ممكن يبيعني في أي لحظة.

مالت برأسها وهي تراقبه للحظات: واضح إنك خلاص حاطط احتمالات لكل الناس إنهم يطلعوا خاينين 

تنهد ببطء مرير: أنا واثق إني ياسين زيه زي فريدة، بس موضوع إن لوجين شغلتني قبل كده في المجموعه علشان رشدي يستفرد بيكي ويهددك قالقني، خصوصا إنه محكاليش؟! فعايز أشوف رد فعله لما يعرف اللى حصل وأشوف هيتصرف ازاى؟! إللي حصل علمني إن أقرب الناس ممكن يبقوا أخطر ناس، وأنا مش مستعد أغلط نفس الغلطة مرتين.

ابتسمت وهي تمسك يديه: عموما إللي بتعمله صح في الوقت الحالي، إحنا تقريبا عرفنا كل حاجة، المهم دلوقتي لوجين اتعامل معاها زي مي؟ بنفس الطريقة والكلام؟

اومأ بإيجاب: امم، لحد ماشوف هعمل إيه مع ياسين.

ثم نظر الي ساعته: أنا يا دوب أمشي، علشان متأخرش علي مصطفي.

هزت رأسها: ماشي ومتنساش تعدي على الباشا والهانم، تطمن عليهم، علشان خاطر ربنا.

قبل يدها بخفة: حاضر.

وبالفعل توجه الى فايزة وأطمئن عليها بشكل سريع رغم أنه يفعل ذلك من خلف قلبه ثم تحرك نحو المشفي.

المستشفى،12ص.

وصل ياسين، وأتجه بخطوات سريعه إلى غرفة العناية المركزة.

وقف أمام الزجاج للحظات، عينيه ثابتة على عزت وهو نائم موصل بالمحاليل والأجهزة، ملامحه كانت مرهقة، لكن مستقرة نسبيا، ظل واقفا يتأمله لثواني، ثم تحرك نحو الطبيب، وسأله عن حالته.

أجابه الطبيب بهدوء: الحالة بدأت تتحسن تدريجيا، لكن الجلطة أثرت على عضلة القلب بشكل واضح، محتاجين نتابع بدقة، وغالبا خلال يومين أو تلاتة ممكن يتحول لغرفة عادية، وساعتها ممكن نحتاج تدخل جراحي أو دعامه، هنحدد لما الحاله تستقر أكتر، ويفضل ميتقالوش أي أخبار تقلقه، حالته النفسية مش مستقرة وأي ضغط ممكن يأثر عليه، والأفضل الزيارات تكون مستمرة، هو بيسأل عنكم علطول بس للأسف مفيش حد بييجي.

هز ياسين رأسه بتفهم، ثم ذهب لعزت وجلس بجانبه، أمسك يده برفق: حمدلله على سلامتك يا باشا.

فتح عينيه بصعوبة، ونظر اليه: إنت رجعت إمتى؟

ابتسم بهدوء: من شوية، جيتلك علطول عشان أطمن عليك، الدكتور قال إنك ممكن تتنقل أوضة عادية قريب، وإنك في تحسن.

نظر له بصمت لحظة، ثم قال: متعرفش إخواتك عملوا إيه في موضوع المصنع؟

رد بسرعة يحاول إبعاده عن أي توتر: من فضلك يا بابا، متفكرش في الشغل دلوقتي أهم حاجة صحتك.

قال بضجر: أنا عايز أخرج من هنا.

ياسين بهدوء: نطمن عليك وبعدين هتخرج وتعلم كل واحد فكر يمسك الأدب.

في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل سليم بابتسامة هادئة: حمدلله على سلامتك يا باشا.

رفع عينيه بنظرة جانبية: أخيرا افتكرت إن ليك أب.

رد بهدوء: أنا جيت قبل كده، بس حضرتك كنت نايم.

نظر له باهتمام: إنت أحسن النهارده؟

اومأ وسأله مباشرة: وصلت للي عمل كده؟

رد بثقة هادئة: لسه، بس هوصله إن شاء الله، مش واثق في سليم ولا إيه يا باشا؟

تنهد بتعب واضح: مش بثق غير فيك.

عند مصطفى...

جلس مصطفى مع آلاء وأنهار يتناولون الإفطار سويا، وهو يحاول مشاكسه آلاء وجعلها تتناول الطعام.

نظر لها برفعة حاجب: لو مكلتيش إنتِ عارفة هعمل إيه؟!

نظرت له: باكل أهو.

رفع حاجبه وهو ينظر للشوكة المتوقفة في يدها: دي اسمها باكل؟ ده العصفورة بتاكل أكتر منك.

ابتسمت رغما عنها، بينما قالت أنهار: هي أكلتها طول عمرها كدة.

وبعد قليل، وصل الطبيب الذي أرسله سليم، وبدأ بالكشف على ذراعها، فك الجبس القديم واطمأن عليها.

سأله مصطفى بقلق: يعني هي كويسة؟

أجابه بهدوء: الحمد لله، الكسر بقى مستقر، الوجع بسبب إنها حركت إيدها غلط، هنمشي شوية على العلاج الطبيعي والتمارين، ومسألة وقت وهتبقى كويسة.

وبدأ يشرح لهم بعض التمارين البسيطة، بينما كان مصطفى يركز معه بدقة حتى فهم الطريقة الصحيحة لمساعدتها.

علي اتجاه آخر بالحديقة.

كانت نبيلة تجلس مع إيهاب وعائشة، والضيق واضح علي ملامحها.

قالت بضجر: أنا مش عارفة البنت دي عاملاله إيه!

نظرت لها عائشة بضيق: يا ماما حرام عليكي، آلاء أكتر واحدة اتأذت في الموضوع ده كله.

عقدت حاجبيها: اتأذت في ايه؟

تنهد إيهاب قبل أن يقول: يا ماما أخوها كان باعت ستات يعملولها كشف عذرية، وكمان جوزها عرفي لراجل عجوز من غير ماتعرف.

شهقت نبيلة بصدمة: إيه؟!

بدأ إيهاب يروي لها ماحدث، بينما تغيرت ملامحها تدريجيا، وظهر التأثر بوضوح على وجهها.

وبعدما انتهى، قالت بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيه أخ يعمل في أخته كده؟

ثم تنهدت وهي تهز رأسها: يمكن فعلا كنت قاسية عليها شوية، بس غصب عني إنت بنتي وتوجعيني.

عائشة بتفهم: محدش قال غير كدة، بس وحياتي عندك أطلعي طيبي خاطرها بكلمتين، البنت تعبانة أوي، ولو هي بنت مش كويسة مكنتش جت وفدتني بنفسها.

إيهاب بتتأيد: فعلا كانت كبرت دماغها، لكن إللي عملته يأكد إنها انسانة محترمة.

أومأت نبيلة بتأثر: حاضر هطلعلها، حرام والله إللي حصلها، صعبت عليا. 

قصر الراوي1مساء.

خرجت ماسة من غرفتها بعد أن انتهت من وضع القليل من المكياج الذي يظهر آثار الضرب المعتادة فوق وجهها، ثم اتجهت نحو غرفة لوجين.

طرقت الباب بخفة، وما إن فتحته لوجين حتى اتسعت ابتسامتها فور رؤيتها: ماسة تعالي.

ضموا بعضهما بترحاب.

ماسة: حمد لله على السلامة؟ 

لوجين: الله يسلمك يا روحي.

تحركت ماسة الداخل وهي تقول: عاملة إيه

تنهدت لوجين وهي تغلق الباب خلفها: زهقانة جدا، قاعدة لوحدي من ساعة ما جيت.

ضحكت ماسة وهي تتحرك داخل الغرفة: لحقتي تزهقي، دى إنتِ لسة جاية من كام ساعة.

جلست لوجين فوق الأريكة وهي تقول بعفوية: برضو، أنا مش متعودة على الوحدة، علطول مع ماما ونغم، أو بشتغل.

ثم فجأة ضيقت عينيها وهي تركز بوجه ماسة: إيه إللي في وشك ده؟

لوحت بيدها: موضوع كبير، ابقي احكيهولك بعدين.

ثم غيرت الحديث: بقولك إيه، تيجي ننادي مي وننزل نقعد مع بعض في الجنينة؟ أكيد لسة متعرفش إنكم رجعتوا.

أومأت لوجين بحماس: يلا بينا.

وبالفعل خرجتا معا، واتجهتا نحو غرفة مي.

طرقت ماسة الباب، وبعد لحظات فتحت مي، وما إن رأت لوجين حتى شهقت بسعادة: جيجي!

اندفعت تعانقها بقوة، بينما ضحكت لوجين وهي تضمها: وحشتيني أوي.

ابتسمت ماسة وهي تراقبهما: طب سيبوا بعض شوية أعرف أسلم حتى.

ضحكت مي وهي تسحبهم للداخل: أدخلوا.

هزت لوجين رأسها: ندخل فين، هنفضل قاعدين في الأوض؟ تعالي ننزل في الجنينه تحت.

ضحكت مي: عندك حق.

ثم ألتفتت لماسة: على فكرة رشدي قالي إن سليم اتخانق معاه علشانك إمبارح.

عقدت ماسة حاجبها باستغراب مصطنع: علشاني أنا؟ مين قال كده؟ ده سليم إمبارح كان لطيف معايا جدا.

وفي تلك اللحظة خرج رشدي من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة، لكن ما إن وقعت عيناه على ماسة حتى تبدلت ملامحه.

وجه نظره للوجين وحاول أن يبدو طبيعيا: حمد لله على السلامة يا قطة ياشيرازي، جيتوا إمتى؟

أجابته بإبتسامة: النهارده الصبح، وياسين راح يطمن على عزت باشا.

أومأ برأسه: كويس.

لكن مي عقدت حاجبيها وهي تنظر له: رشدي مش إنت قولت إنك اتخانقت مع سليم امبارح بسبب ماسة؟

شعر بالتوتر، وأبتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر بطرف عينه نحو ماسة، بينما قابلته هي بإبتسامة خبيثة وكأنها تعرف جيدا من أين تضربه.

ثم قالت فجأة وكأنها تذكرت شيئا: هو إنتوا بعد ماسبتكم امبارح ضربتوا بعض فعلا؟

مرر يده على وجهه سريعا محاولا التماسك: آآآه... آه شدينا مع بعض؛ لأنه متضايق إني بتدخل.

رفعت حاجبها بخفة ثم قالت بنبرة هادئة تحمل معنى أبعد من كلماتها: معلش بقى يا رشدي، طول ما إنت بتقف في ضهري، استحمل إللي هيحصلك من سليم..

توقفت لحظة، ثم ابتسمت وهي تضيف: أصل الدفاع عن الحق بيتعب أحيانا.

ثبتت عينيها داخل عينيه للحظات، وكأنها تخبره، بأن هذا ماستذيقه إياه في الأيام القادمة.

أما مي فضحكت بعفوية وهي تقول: حبيبي بس يتعافي ويرجع الجيم تاني، وهياخدلك حقك..

ثم اقتربت من رشدي بدلال: حبيبي، إحنا هننزل نقعد في الجنينة تحت شويه، تيجي تقعد معانا؟

أجابها سريعا وكأنه يريد إنهاء الحديث: لا عندي برنامج علشان موضوع صافيناز.

أومأت بتفهم، وتحركت مع وماسة ولوجين إلى الأسفل، بينما ظل رشدي واقفا مكانه للحظة يتابع ماسة بعينين ممتلئتين بالضجر.

الحديقة

جلسوا الفتيات بالقرب من النافورة الكبيرة، بينما وضعت الخادمة العصائر أمامهن.

لوجين بستهجان: بجد إللي حصل ده كله مرعب.

لوحت مي بيدها سريعا: لا بلاش نتكلم في الحاجات الوحشة دي، نفسي نخرج ونفصل شوية.

ضحكت لوجين باستنكار: نخرج إيه بس؟ إحنا أول مانزلنا المطار الصحافة كانت مستنيانا، معرفش عرفوا إزاي.

تنهدت مي بضيق: فعلا، رشدي قالي كده، ومنعني أخرج أصلا، طب أحكيلنا عن شهر العسل، كان عامل إيه؟

ابتسمت لوجين بحماس: انبسطنا جدا بصراحة.

ضحكت ماسة وهي ترتشف العصير: إنتِ الوحيدة إللي انبسطتي الفترة دي بصراحه، إحنا عشنا شهر ولا في الأفلام الاكشن 

عقدت لوجين حاجبيها: هو مش موضوع الانفجار ده من كام يوم بس؟

هزت ماسة رأسها: أيوة..

ثم أشارت نحو مي بمشاكسة: بس أصل الهانم قررت تعالج رشدي من الإدمان، فقلبت حياتها أكشن شوية.

اتسعت عينا لوجين: هو قالك!!

نظرت لها مي بصدمه: هو إنتِ كمان كنتي عارفة؟

أومأت لوجين: آه، ياسين كان حكالي بس بجد إللي عملتيه ده جامد أوي يا مي، ده رشدي كان مرعوب تسيبيه، كويس أنك ادتيله فرصة.

ابتسمت مي ابتسامه باهته، بينما قالت ماسة محاولة أن تزرع بداخلها أي شرارة: والله أنا أكتر واحدة عارفة رشدي كان عامل إزاي زمان، علشان كنت بشتغل عندهم، وكان علطول بييجي المزرعة.

ضحكت بخبث، وتابعت: ده كان عامل رعب للبنات وقتها.

تسألت مي باستغراب: كان عاملهم رعب ليه؟

في تلك اللحظة، لمحت ماسة رشدي يقترب من بعيد، فرفعت عينيها نحوه، وقالت بهدوء متعمد: أصلك متعرفش رشدي زمان كان ممكن يعمل إيه عشان يوصل للي هو عايزه.

تباطأت خطوات رشدي عند سماع كلماتها، بينما أعادت مي سؤالها باستغراب: تقصدي إيه؟

ابتسمت ماسة ابتسامة خبيثة وهي تهز كتفيها: ولا حاجة، قصدي إنه كان فظيع ومش متعود حد يقوله لا، يعني مثلا كان عندنا بنت خدامة اسمها صفاء فضل يعاكسها علشان كانت حلوة، بس مكانتش مدياله أي أهتمام، راح دخل أوضتها وهي نايمة لوحدها في مره و..

اتسعت عينا رشدي رعبا، وكاد أن يقاطعها، ولكنها تابعت بهدوء وكأنها تحكي موقفا عاديا: صرخ في وشها البت اتفزعت، وكل ده علشان، تعمله ورق عنب ههههه.

قهقهت الفتايات عاليا، وقالت مي من بين ضحكاتها: يانهار أبيض! هو رشدي كان فظيع للدرجه دى، الحمدلله إنه اتغير.

تنهد رشدي بحدة وضغط على أسنانه، بينما نظرت له ماسة بابتسامه متوعده، وكأنها تقول "هو إنت لسة شوفت حاجة..

ثم تابعت بنبرة أهدأ لكنها مليئة بالتلميحات: أكيد طبعا كويس انه اتغير، الإنسان ممكن يتغير خصوصا لما يبقى عنده حاجة يخاف يخسرها، علشان كده رشدي محكالكيش عن ماضيه، تلاقيه خايف تزعلي، المهم إنه أتغير..

مي بعقلانية: بس فيه حاجات مينفعش تستخبى.

لوجين بتأييد: مظبوط.

كان رشدي مازال متوقفا خلفهم، ونيران التوتر تأكله من الداخل، بينما لم تنتبه الفتاتان لوجوده بسبب طريقة جلوسهما...

أما ماسة، فكانت تجلس في مواجهته مباشرة، تراه جيدا وتراقب كل تغير يظهر على ملامحه.

وشعرت في تلك اللحظة أن الوقت قد حان لتدخله اللعبة أخيرا.

فرفعت صوتها قليلا وقالت بنبرة هادئة مليئة بالتلميحات: صح خصوصا الحاجات إللي فيها أذى لغيرك أو ظلم حد، مش كده يا رشدي؟

ابتلع ريقه واقترب، وقال متوترا: أنا مش فاهم إنتِ بتتكلمي عن إيه؟

ابتسمت بهدوء بارد: قصدي إن لو حد عارف إن فيه شخص مظلوم وساكت يبقى مشارك في الظلم حتى لو معملش حاجة، مش كده؟ ووقتها ميستهلش الفرصة

ثم أضافت وكأنها تحكي قصة: فاكرة واحدة في المزرعة اتهموها بالسرقة ظلم، وكان فيه حد عارف الحقيقة وساكت، والبنت اتعذبت وقتها بسبب ده.

مي بانزعاج: لا طبعا ده غلط إللي يعرف حق ويسكت عنه يبقى ظالم..

ظل رشدي يحدق في ماسة بغيظ للحظه، ثم قال محاولا إنهاء الموقف: أنا ماشي يا مي.

نظرت له بلطف: ماشي يا حبيبي، خد بالك من نفسك.

أومأ بإيجاب، ثم تحرك مبتعدا وهو يضغط على أسنانه بضيق، بينما كان التوتر ينهش صدره، لا يعرف ماذا يفعل معها..

إن طلب من مي ألا تجلس معها سيثير الشكوك بداخلها، وإن تركها هكذا ستظل ماسة تلعب على أعصابه وتلوح له بأنها قادرة على قلب كل شيء ضده في أي لحظة.

أما ماسة، فكانت تراقب ابتعاده بطرف عينها بابتسامة مليئة بالانتصار.

بينما قالت مي بحماس: جوجا أحكيلنا عملتي إيه في الهاني مون؟

أومأت لوجين: ماشي.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل 

الفيلا التي يمكث بها مصطفى4مساء.

بعد حديث إيهاب وعائشة معها، شعرت نبيلة أنها ربما قست على آلاء أكثر مما يجب، خاصة بعد كل مامرت به وانهيارها بالأمس، لذلك قررت أن تتحدث معها.

انتظرت حتى رحل الطبيب، ثم صعدت، طرقت الباب ودخلت، لتجد مصطفى لايزال يجلس معهم.

توقف مصطفى بتوتر فور رؤيتها، يخشي أن تصيبها بكلماتها مره أخري وكاد أن يتحدث، ولكن سبقته نبيلة وقالت بهدوء: عاملة إيه دلوقتي يا آلاء؟

رفعت عينيها نحوها بتوتر: الحمد لله.

سألتها وهي تقترب: الدكتور قال إيه؟

أجاب مصطفى: فك الجبس الحمد لله، وهتبدأ علاج طبيعي.

أومأت، ثم رفعت يدها تمسح فوق رأس آلاء بحنان خفيف: حمد لله على سلامتك يا بنتي، ومتزعليش مني لو كنت قسيت عليكي شوية، أكيد إنتِ فاهمة اللى أنا كنت فيه...

نظرت لها باستغراب، بينما تابعت نبيلة: لما تخلفي هتعرفي يعني إيه قلب الأم لما يخاف على عياله.

تدخلت أنهار بسرعة: هي عارفة يا حاجة، وإحنا مش زعلانين منك والله.

تنهدت نبيلة: الحمد لله إن البنات رجعوا بخير، أسيبكم بقى..

ثم التفتت إلى مصطفى: تعالى يا مصطفى.

أومأ وخرج معها، وأثناء سيرهما بالممر قالت: بقولك إيه، إحنا هنمشي بقى.

نظر لها باستغراب: ليه يا ماما؟ خليكم شوية.

هزت رأسها: لا يا ابني، نروح نقعد في بيتنا أحسن.

ابتسم بهدوء: خليكي هنا يومين تغيروا جو وبعدين أبقي أمشي، كمان استني لما نشوف سليم هيعمل إيه مع محمود والدنيا هتقف على إيه.

صمتت لحظة ثم قالت: طيب.

قبل مصطفى رأسها بإمتنان: شكرا يا أمي إنك جبرتي بخاطرها.

تنهدت وقالت: جبرت بخاطرها علشان حسيت بيها، البنت باين عليها طيبة وغلبانة، والدنيا جاية عليها زيادة، منه الله أخوها. 

في الأسفل

وصل سليم بعد أن ذهب إلي المجموعه أولا وجلس بها لبعض الوقت دون أن يكلف نفسه عناء فعل أي شيء، فقط مجرد حضور ظاهري، ثم أتجه إلي مصطفي.

دخل بسيارته إلى الداخل، ليستقبله الحراس، هبط مكي أولا، ثم فتح الباب الخلفي لسليم.

وأثناء تحركهما في الحديقة، سأل سليم أحد الحراس: دكتور مصطفى فين؟

أجابه سريعا: كلهم جوة ياباشا.

أومأ برأسه وتحرك للداخل.

وأثناء دخوله لمح إيهاب وعائشه يجلسون في الحديقه، فاقترب منهم وقال بأدب: مساء الخير.

التفت إليه وردوا: مساء النور.

نظر سليم إلى عائشة: أخبارك ايه يا مودموزيل عائشة؟

ابتسمت عائشة: الحمد لله، بخير.

ثم نهضت تقول: مصطفي مع آلاء فوق، ثانيه أناديه.

كادت أن تتحرك ولكن لمحت مصطفي ونبيلة يدخلون من باب الجنينه فقالت: طب كويس، أهو مصطفي نزل أهو.

تقدم مصطفي بابتسامه ما إن لمح سليم: حمدالله علي السلامه أزيك عامل ايه؟

اومأت برأسه: تمام الحمد لله، أنت أخبارك إيه.

قاطعتهم نبيلة: طب ماتقعدوا، هنفضل واقفين؟

جلس سليم، بينما نظرت نبيلة إلى مكي: واقف ليه يا ابني؟ ماتقعد.

ابتسم باحترام: لا يا حاجة، هستنى بره.

عائشة بسرعة: طب ماتقعد معانا.

مكي باقتضاب: مينفعش ..

تدخل سليم بحسم خفيف: أقعد يا مكي وخلاص.

جلس مكي أخيرا، بينما سألته عائشة باهتمام: إنت عامل إيه؟ فيه أصابات ولا حاجة؟

هز رأسه: لا الحمد لله، أنا كويس.

قالت بإبتسامة وهي تنظر للجميع: انا مش قادرة أقولكم يا جماعة استاذ مكي عمل إيه معانا إمبارح، حقيقي مش عارفة أشكرك إزاي؟!

مكي بتهذب: ده شغلي، مفيش أي شكر، المهم تبقي كويسة. 

زمت شفتيها: أنا الحمد لله كويسة، خايفة شوية بس من حوار خروجي ده بس أكيد هعديه 

مكي يطمئنها: متقلقيش هيبقى فيه حراس معاكي في كل خطوة، وهما فاهمين شغلهم كويس جدا 
لو محتاجه اي حاجة كلميني.

أومأت بابتسامة 

تسال سليم: مدام الاء اخبارها؟

زم مصطفي شفتيه: للاسف تعبانه، مش قادره تتخطى اللي حصل. 

سليم بتعقل: الأفضل دكتور نفسي يشوفها، أنا أعرف دكتور كويس جدا ممكن اكلمه يتابع معاها.

أومأ مصطفى: لو احتجناه هقولك. 

نبيلة بعتاب محبب: مجبتش ماسه معاك ليه؟ الوحشه دي اللي نسيتنا. 

ابتسمت سليم: والله ابدا، كانت عايزه تيجي فعلا بس أنا اللى قولتلها خليكي مرة تانيه اكون مظبط الدنيا، طبعا انتم عارفين ان في كنترول شويه في موضوع خروجها، عشان ظاهريا المفروض احنا مفيش بينا تعامل 

إيهاب بشوق مطبن: المهم انها بخير، وحاول المره الجايه تجيبها معاك.

اوما: اكيد باذن الله 

نظر مصطفى إلى سليم بتردد قبل أن يقول: سليم... كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم، وعارف إني تقلت عليك جدا الفترة دي، بس بصراحة حاسس إن محدش هيعرف يحل الموضوع ده غيرك.

نظر له بجدية: لو قولت كده تاني هزعل منك بجد، قول إللي عندك من غير أي مقدمات.

تنهد: آلاء بتقول إن محمود جوزها لشاهين.

عقد سليم حاجبيه: إزاي يعني؟! هي مش متجوزاك رسمي والبيانات بتبان على السيستم. 

مصطفى بضيق: جوزها عرفي.

هزت نبيلة رأسها باستهجان: أنا عمري ماشوفت حد بالحقارة دي، منه الله.

توقف سليم فورا: خلاص، نروحله وننهي الموضوع ده، متقلقش أمره سهل بإذن الله.

مصطفى بسرعة: طب هغير هدومي وجايلك.

وبالفعل صعد مصطفى وإيهاب لتبديل ملابسهما، هبطا بعد قليل وتحرك الثلاثة معا نحو المخزن.

قصر الراوي4م.

مي باقتراح: بقولكم إيه؟ ماتيجوا نطلع نطمن على فايزة هانم، أنا مشوفتهاش من ساعة مارجعت.

قالت لوجين: أنا وياسين طلعنالها أول ماوصلنا، بس رفضت إني اقعد معاها.

أضافت مي: وأنا كمان حاولت أدخلها امبارح، وفريدة قالت إنها مش عايزة تقابل حد، بس تعالوا نجرب تاني، يمكن توافق المرة دي.

هزت ماسة رأسها سريعا: لا اطلعوا إنتوا، إنتوا عارفين إن مفيش بينا أي ود.

مي بلوم: ماسة، مهما كانت بتعمل معاكي، زيارة المريض صدقه.

تنهدت ماسة وقالت: ما أنا زورتها امبارح وطردتني وشتمتني، روحوا وأنا هستناكم هنا.

اوما بايجاب وتحركا..

غرفة فايزة.

طرقوا الباب ودخلوا، ليجدوا فايزة تجلس أمام المرآة تضع لمسات خفيفة من المكياج، وكأن شيئا لم يحدث.

رأتهما في المرآة، فتساءلت بهدوء: فيه حاجة؟

ابتسمت مي بلطف: كنا جاين نطمن على حضرتك، أنا بعتذر إني مجيتش قبل كده، بس كل مرة كانوا بيقولولي إن حضرتك مش عايزة تشوفي حد أو نايمة. 

أومأت فايزة: ده حقيقي، أنا فعلا مش عايزة أشوف حد.

لوجين بهدوء: إحنا حابيين نقعد مع حضرتك شوية.

رفعت حاجبيها متعجبة: وتقعدوا معايا ليه؟ 

مي بتوضيح: يمكن حضرتك محتاجة حاجة أو..

قطعتها بعنطظتها المعتاه: أنا مش محتاجة حاجه من حد، أنا كويسة واقدر اعمل كل حاجه بنفسي.

لاحظت مي حقيبتها: حضرتك خارجة؟

اومأت بتأكيد: آه، رايحة لعزت.

ابتسمت لوجين: طب ممكن نيجي معاكي؟

نظرت إليهما باستغراب: وتيجوا معايا ليه؟

مي بتوضيح: علشان متبقيش لوحدك، ونطمن كمان على الباشا.

وقفت وأمسكت حقيبتها، وقالت بثبات واضح: الزيارات ممنوعه لعزت حاليا، وبالنسبة لي، أنا كويسة ومش محتاجة حد.

ثم رفعت رأسها بثبات: أنا لسه فايزة هانم رستم آغا ومفيش حاجة تقدر تهزني، والنظرة أللي أنا شايفاها في عينيكم دي أرجو إني أنا مشوفهاش مرة ثانية علشان مزعلش منكم.

ابتسمت مي بإعجاب حقيقي: انا نفسي أتعلم منك القوة دي، حضرتك قدرتي تتخطي إللي حصل بسرعة

فايزة بعنطظة: هتتعلميها مع الوقت يا مي.

ثم تحركت نحو الباب: بعد إذنكم.

وبعد خروجها تبادلت الفتاتان النظرات وخرجوا خلفها.

لوجين بإعجاب: شخصيتها قوية اوي.

ضحكت مي: طبيعي، هي موصلتش لكل إللي وصلتله من فراغ.

هبطوا مره اخرى، فوجدوا ماسه مازالت في مكانها، وما إن رأتهم تساءلت باستغراب: جيتوا بسرعه ليه؟

أجابتها مي ضاحكه: اطردنا.

ضحكت ماسة: قولتلكم، أنا قديمه ومجربه.

ضحكوا الثلاثه وجلسوا معا مره أخري، ولكن تعالي فجأة رنين هاتف مي باسم " دكتور علي" فستأذنت منهم أن تجيب وتحركت مبتعده قليلا.

مي بابتسامه: علي، إزيك؟

أجاب: الحمد لله، إزيكم أنتم عاملين ايه؟ وصلتوا لحد فين؟

تنهدت براحة: والله يا علي الأمور تمام الحمد لله، أحسن بكتير مما توقعنا، مطلعش الموضوع بالشكل الأوفر اللى وصفتهولى، طلعتوا بتأفوروا إنتوا والافلام.

قال بجدية: بنأفور أزاي؟ معلش يا مي فهميني أكتر.

ردت ببساطة وهي تطمئن نفسها قبله: مفيش يا سيدي، أنا قسمت الجرعات زى ماقولتلي، أول يومين كان علطول تعبان ومصدع وبيرجع كتير وعصبي أوى، وحالته كانت الصراحة صعبة، لكن بعد كدة الدنيا بدأت تبقى أفضل الحمد لله، والترجيع خف كتير والصداع أختفى.

تساءل باستغراب: يعني هو فضل أول يومين بس بيرجع وتعبان، وبعد كده خلاص؟

أجابت: أمم، بس لسة فيه عصبية، بس أقل من الأول.

تساءل لكي يفهم أكثر: يعني متصرفش بعنف، ولا حاول يتحايل عليكي عشان تديه زيادة؟

اومأت بنفي: لا، هو كلمني فعلا إن الجرعات قليلة اووى، بس أنا اقنعته إن دى المناسب لحالته.

تساءل متعحبا: وهو قعد وتقبل كلامك عادى؟

ردت بعفوية: آه، بس طلب مني اسيبله الجرعه في الحمام عشان مكسوف ياخدها قدامي، فبقيت بسيبهاله وهو ياخدها وقت ما هو عايز.

أجاب بإدراك وتفكير: غلط طبعا إنك متبقيش محدده وقت للجرعه، بس برضو حتي لو، استحاله يكون بالشكل اللى بتوصفيه ده!! أنت متأكده إنه مش بياخد من وراكي؟ 

هزت رأسها بثقه: لا طبعا، أنا بعد الأكياس كل يوم وعددهم مظبوط وبالترتيب!

تساءل بحيرة: طب أزاى؟ دى حاجه غريبه أوى؟ طب يمكن يكون خرج من وراكي!

أجابته ببساطه: يخرج من ورايا أزاى مش فاهمه؟ مهو فعلا بيخرج وبيروح شغله، أنا مش قافله عليه يعني! خصوصا إن عندهم مشكلة كبيرة في الشغل الفترة دى.

ساد الصمت للحظة قبل أن يقول بصدمة: يعني أنتِ سيباه ياخد الجرعة من غير مواعيد محددة، وكمان بيخرج لوحده عادى؟ ومبسوطه إن الأعراض اختفت؟!

عقدت حاجبيها بتعجب: المفروض اني مفرحش إنه بقي كويس؟!

أجابها بانفعال: طبعا متفرحيش، يا نهار أبيض يا مي إنتِ مدركة إنتِ عملتي إيه؟ إنتِ حرفيا حطيتي العلاج في إيده وقولتيله أتصرف، أكيد مليون في الميه اشتري وبياخد من وراكي.

توترت ملامحها، وقالت: لا رشدي استحاله يعمل كده، هو أصلا نفسه يتعالج.

أجابها بجدية صادمة: لو فعلا بياخد الجرعات بانتظام، كان لازم يبقى فيه أعراض انسحاب واضحة، خصوصا في أول ١٠ أيام زي ماقولتلك قبل كدة، لكن إللي إنتِ بتحكيه ده... مش منطقي يا مي..

بدأ قلبها يدق بعنف وهي تسمعه يكمل: المدمن وقت الانسحاب بيبقى مستعد يعمل أي حاجة علشان الجرعة، فلو رشدي هادي بالشكل اللى بتوصفيه ده، فده مش تعافي، ده معناه إن فيه حاجة مستخبية عنك.

هزت رأسها بعنف ترفض التصديق: لا... مستحيل، هو قالي إنه كان بيعالج نفسه قبل الجواز ونجح يقلل الجرعه، وكان بياخد جرعة واحدة صغيرة في اليوم.

أجابها بجدية: متضحكيش على نفسك يا مي، رشدي بياخد من وراكي، ودي حاجة طبيعية ومتوقعة أنا قولتلك قبل كده مفيش مدمن هيروين بيتعالج في البيت وهو متساب كده عادي، لازم مصحة.

بهتت ملامحها، وقالت بارتعاش: طب أقفل يا علي، وأنا هشوف الموضوع ده.

اغلقت الهاتف بيد مرتعشه، وظلت تنظر أمامها للحظات بصدمة، كأن عقلها يرفض استيعاب ماسمعه.

ثم عادت إليهم وهي تقول بصوت مهتز: معلش يا بنات أنا تعبت ومحتاجه اطلع ارتاح شوية.

سألتها لوجين بقلق: مالك؟ نطلبلك دكتور؟ 

هزت رأسها: لا أنا هرتاح شويه وهبقي كويسه.

تركتهم وغادرت بخطوات ثقيله، بينما نظرت الاثنتان لها بتعجب من تغيرها المفاجىء.

ماسه بتعجب: هي مالها؟ 

مدت لوجين شفتيها: مش عارفه، يمكن سمعت في المكالمه حاجه زعلتها، سبيها علي راحتها وبعدين نبقي نطمن عليها.

اومأت موافق وعادتا لجلستهما مره أخري.

بينما صعدت مي إلي غرفتها وأخذت تفتشها بجنون، فتشت تحت السرير، وأسفل المرتبة، وخلف المرايا، وداخل الأدراج.

هي تعرفه جيدا، تعرف أن لديه عشرات المخابئ.
قلبت الملابس بعصبية، وأخرجت كل شيء من مكانه، حتى وصلت إلى درج الشرابات.

توقفت يدها فجأة.

في زاوية صغيرة هناك حينما وقعت عيناها علي كيس ممتلئ بالمسحوق الأبيض، تجمعت الدموع في عينيها بحرقة، وبدأت تبكي بوجع حقيقي علي أملها الذي كانت تتمسك به بكل قوتها وأنهار في لحظة..

كانت تظن أن رشدي قد يفعل أي شيء، إلا أن يكذب عليها في هذا الأمر تحديدا، لكنه فعلها.

مسحت دموعها بعنف وهي تفكر أن تتصل به وتواجهه، لكن في آخر لحظة تراجعت.
لا، هي لن تواجهه، ستفعل شيئا آخر تماما، شيئا لم يتوقعه رشدي أبدا

مجموعة الراوي،4مساء

جلس ياسين خلف مكتبه، وأمامه عدد كبير من الملفات، يقرأها بتركيز ويجري بعض الاتصالات، بينما كانت الصدمة والاندهاش يملآن ملامحه مع كل ملف يقرأه.

فكلما تعمق في الأوراق، اكتشف حجم الكارثة: خسائر فادحه، ومشروعات متوقفة، وعقود أُلغيت، ومساهمون انسحبوا من المجموعة والأغرب من ذلك كله... أنه لم يري أي محاولات حقيقة لإصلاح أي شيء؟!

التقط هاتف المكتب وقال: أيوه يا نور، سليم بيه في مكتبه؟ 

أجابته باحترام: لا يا فندم، مشي من شوية.

عقد بين حاجبيه متعجبا: طب قالك رايح فين؟

أجابته: لا

قال: طب تعالي عندى يا نور.

اغلق الهاتف، وعاد يستند بظهره إلى المقعد، وعيناه معلقتان بالأوراق أمامه.

بعد لحظات، دوى طرق خفيف على الباب: ادخلي.

دخلت نور وهي تقول باحترام: مساء الخير يا فندم، حمد الله على السلا-

قاطعها وهو يتساءل مباشرة: أنا محتاج افهم إيه اللي بيحصل ده يا نور؟

ردت باستغراب: خير يا فندم؟

رفع أحد الملفات أمامها: كل دى خساير وشغل متعطل؟! وإزاي معظم المساهمين انسحبوا؟! محدش كلمهم؟ محدش حاول يحتوي الأزمة؟

أجابته موضحه: يافندم، في فرق من اكبر المهندسين والمديرين بيحاولوا على قد مايقدروا يحلوها؟! بس للأسف في غياب كامل من رؤساء مجلس الإدارة، فبالتالي مفيش أي توجيهات فعليه.

هز رأسه بضيق: هو لازم حد يمشيكم؟ متعرفوش تشتغلوا لوحدكم؟

ردت بتوضيح: لا يافندم، بس في قرارات لازم تتاخد فورا، وحلول لازم تعتمد من الإدارة العليا، ومحدش بيجي من يوم الإنفجار.

عقد حاجبيه: أزاي محدش بيجي؟

أجابت بصدق: من وقت الانفجار، محدش تابع بشكل مباشر، ولا حد من إخوات حضرتك بييجي، ودي أول مرة سليم بيه ييجي من وقت الانفجار؟ وقعدو نص ساعة ومشي.

اعتدل ياسين في جلسته باستغراب: اول مرة؟!

اومات برأسها وتابعت: أيوة، وإحنا حاولنا نتواصل معاه كتير لكن للأسف مبيردش، ومستر يزيد ومدام منيرة والأستاذ زكريا حاولوا يمشوا المجموعة بسياسة المتابعة المعتادة، لكن حجم المصيبة أكبر من مسؤليتهم بكتير، لازم حد من أصحاب القرار يكون موجود، بس محدش بيجي..

ساد الصمت للحظات، ارتسمت فيها الصدمة بوضوح على وجه ياسين.

أومأ لها أخيرا: تمام يا نور... تقدري تتفضلي.

أومأت: تحت أمرك يا فندم.

وغادرت المكتب.

أما ياسين فظل ينظر إلى الملفات بشرود..

فسليم الذي يعرفه لا يستسلم للهزيمه، وكان سيعمل علي قدم وساق حتي يعيد للمجموعه توازنها من جديد، فلماذا لم يفعل شيئا؟
أمسك هاتفه وأجري عدة اتصالات، عله يفهم مايحدث خلف الكواليس لكن الإجابات التي تلقاها كانت متشابهة.
"منعرفش .. سليم متواصلش معانا، ولا طلب مننا أي تدخل، ولا حتى سأل عن الموضوع."
ومع كل إجابة... كانت صدمته تكبر أكثر، حتى أدرك أخيرا الحقيقة التي لم تخطر بباله.
سليم... ترك المجموعة تسقط عمدا.
ولأول مرة يشعر أن ماخدث لم يكن إهمالا، بل كان قرارا متعمدا..!؟

المخزن،6م. 

دخل مصطفي يتقدمه سليم، وخلفهما مكي وإيهاب وعدد من الحراس.

كان المكان هادئا بشكل مخيف، بينما وقف محمود مربوطا في أحد الأعمدة، وحوله حارسان يراقبانه بصمت.

ما إن رفع عينه ورآهم حتى صرخ بعصبية: فكوني ومشوني من هنا! إنتوا عايزين مني إيه؟! ماخدتوا البت خلاص!

اقترب منه سليم ببطء، وقال بهدوء مرعب: صوتك عالي ليه؟ أنا مبحبش الصوت العالي.

ابتلع ريقه، وحاول التماسك: مش أخدتوا آلاء؟ خلاص، إللي بيني وبينكم الحكومة، تحكم بنا، وتجيبلي حقي.

ابتسم سليم بسخرية: حكومة؟ إحنا لو دخلنا الشرطة، أول حاجة هتتقال إنك مجوز أختك عرفي وهي متجوزة بالفعل، وساعتها أنت إللي هتتحبس.

توتر لحظه، ولكن رد بعناد: أنا مجوزها على سنة الله ورسوله، إنما جوازها من الدكتور ده هو إللي غلط!

مد سليم وجهه بلا الاهتمام: أنا مش جاي أجادلك، النقاش مع واحد زيك مضيعة وقت.

ثم سأله مباشرة: اسمه إيه إللي إنت جوزتهاله؟

رد بتوتر: شاهين.

سليم بأختصار: ساكن فين؟

تردد: إنت عايز منه إيه؟ كلامك معايا أنا.

سليم بشدة: أخلص، أنا مش هعيد كلامي مرتين..

أضاف وهو يفتح ذراعيه، وكأنه يطلعه أين هو وماذا سيحدث معه: ولا تحب المعاملة تبقى بطريقة ثانية؟

نظر محمود حوله، وابتلع ريقه بخوف: ما هو...

حدجه سليم بنظرة جعلته يصمت فورا، ثم قال بسرعة والخوف بدأ يتسلل لصوته: في المرج، أأنزل المرج واسأل عن ورشه الحج شاهين، وألف مين يدلك..

ألتفت سليم إلى مكي: روح هاتهولي.

أومأ مكي وتحرك فورا للخارج.

أما محمود فنظر نحوهم بتوتر: أنا مش فاهم إيه مشكلتكم؟! ليه فاكرين الجوازة دي غلط؟

سليم بإقتضاب: أنا قولتلك إني مش هجادل مع واحد جاهل زيك، المهم دلوقتي إننا ننقذ آلاء منكم وبس.

مدينة الإنتاج الإعلامي،6م.

خرج رشدي وعماد من أحد الاستوديوهات، والانزعاج يسيطر علي ملامحهما، فكل منهما يحمل في قلبه شيء لآخر، وحاولا قدر الامكان السيطرة علي مشاعرهما طوال فترة البرنامج.

نظر عماد إليه بابتسامه ساخرة: كنت ممثل هايل جوه يارشدي.

نظر اليه بطرف عينه دون رد، فتابع عماد محاولا فتح مجال للحديث: مين اللي نشر الأخبار بتاعت الصبح؟ انت؟!

أجابه بلامبالاه: مش مهم مين نشرها، المهم إن الموضوع انتهي، وأتمنى تكون اتعلمتوا من اللي حصل، وتبطلوا أفكاركم القذرة، اديكوا دقتوا من نفس الكأس.  

ضيق عماد عينه: أنت ليك يد في اللى حصل يا رشدي؟

أجابه بسخرية: ليه، أنت فاكرني وسخ زيك؟ مكدبش عليك أنا أه شمتان، بس أكيد مش هعمل كده في أختي يعني! في الآخر اللي هيمسها هيمسني. 

نظر إليه عماد بتدقيق، وتساءل: أنت ليه قلبت عليا فجأة؟ إحنا كان بينا سنين طويلة، شغل ومصالح، إيه اللي حصل؟

نظر إليه بازدراء: اللي حصل إني اكتشفت حقيقتك متأخر، طول عمرك وسخ، بس كنت شاطر وبتتلون وبتقنعني إن مصلحتنا واحده، علشان كده كنت ماشي وراك، بس لا يا عماد أنت وسخ ومستعد تعمل أي حاجه علشان مصلحتك أنت وبس، وبعد اللى عملته معايا اللي بينا بقى دم، أنا لسه مأخدتش حق اللي عملته مع مراتي!

عماد بهدوء: طب ماتيجي نفض الحرب اللى بينا دى ونرجع حبايب تاني من غير ضرب في الظهر، إحنا في الأول والآخر غرضنا واحد!

ضحك بسخرية: عايز تستغلني تاني يا ثعلوب؟ توء، كان زمان وجبر..

اقترب أكثر واضاف بثقه غير محسوبة: انت لسه مشوفتش مني حاجة، واللي جاي أكبر بكتير مما خيالك يصورلك، هرجعك لحجمك الطبيعي تاني ياعماد، مجرد واحد شغال عندنا، ملوش كلمه ولا حد بيعمله اعتبار، فمن النهارده أنت هتسمع الأوامر وتنفذ وبس.

تصلبت ملامح عماد، بينما أكمل رشدي بتهديد ذات معني: وإلا أنت عارف أنا ممكن أعمل إيه كويس!؟والحربوءة دلوقتي بقت هوب هوب يعني مش هتاخد فيك ساعتين سجن.

اطلق ضحكة ساخرة وهو ينظر إليه من أعلي لأسفل، ثم ارتدى نظارته الشمسيه بثقه واستقل سيارته وغادر، بينما بقي عماد يراقب ابتعاد سيارته وهو يغلي من الداخل ظننا منه أن رشدي يهدده بالفيديو الذي معه.

أخرج هاتفه وأجرى اتصالا، وحينما أتاه الرد قال بغضب: كل ده منفذتش ليه؟ أنا قولت إني عايز الموضوع يخلص بسرعة.

أتاه صوت تمساح: يا باشا هو أنا لحقت، أنت لسه مديني التمام امبارح! وبعدين متقلقش سكته طلعت سهله وقريب هتسمع الخبر اللى مستنيه.

أغلق الهاتف، ثم رفع عينيه إلى الطريق وهمس: أنت اللى اخترت يا رشدي! أنا اديتك الفرصه وانت مستغلتهاش، الله يرحمك بقي..متأكد أن البشرية هتبعتلي جواب شكر.

مجموعه الراوي،6م.

شعر ياسين بالارهاق بعد أن قضي ساعات طويلة في العمل محاولا إنقاذ مايمكن إنقاذه، تأوه بارهاق وهو يعود بظهره علي المقعد وقرر أن يغادر ويكمل غدا.

هبط واستقل سيارته متجها للقصر، وأثناء قيادته أجرى اتصالا بلوجين: ألو، إيه يا حياتي، عاملة إيه؟ هبة ونالا رجعوا؟

اتاه صوتها بالرفض، فهز رأسه بضيق، وأغلق الخط وهو يجز على أسنانه، ثم ضغط على البنزين متجها إلي فيلا عائلة هبة.

وبمرور بعض الوقت.

دخل الفيلا بعد أن فتحت له الخادمة، فوجد زيدان وسامية يجلسان في الهول.

ابتسمت سامية فور رؤيته: ياسين؟ حمد لله على السلامة.

أجابها بتهذب: الله يسلمك ياطنط.

ثم أضاف مباشرة: بعد إذنكم، أنا عايز نالا.

تبادلت سامية وزيدان النظرات، ثم قالت للخادمة: بلغي هبة هانم إن ياسين بيه وصل.

أومأت الخادمة وتحركت للأعلى.

وبعد دقائق هبطت هبة وهي تمسك بيد نالا وفور أن وقعت عينا الصغيرة عليه، تركت يد هبه وركضت نحوه: بابي!

انحنى وحملها بين ذراعيه: حببتي، وحشتيني أوي.

لفت ذراعيها حول عنقه: إنت كمان وحشتني، أنا زعلانة منك.

ابتسم وهو يقبل رأسها: ليه بس؟

قالت بزعل: علشان سبتني كتير.

تنهد بخفة: معلش ياقلبي كنت مسافر، بس خلاص رجعت، وجبتلك حاجات حلوة كمان.

اتسعت عيناها بسعادة: بجد؟

اومأ بابتسامة: طبعا بجد، يلا بينا نروح القصر علشان اوريكي جبتلك ايه؟

هزت رأسها بحماس: ماشي.

تقدمت هبة خطوة: ياسين، لو سمحت أنا محتاجة أتكلم معاك.

رفع عينيه إليها أخيرا: أتكلمي معايا زي ما إنتِ عايزة، بس هناك، مش هنا.

تدخل زيدان محاولا تهدئة الموقف: ياسين، خلينا نتفاهم بهدوء، الأسلوب ده ميصحش.

نظر إليه باحترام: أنا مغلطتش في حد ياعمي، لو عايزين تتكلموا، القصر مفتوح ليكم في أي وقت، تشرفونا..

ثم نظر إلى نالا: لكن دلوقتي أنا محتاج أقعد مع بنتي علشان وحشتني.. قولي لمامي باي يا نونو.

لوحت بيدها الصغيرة: باي يا مامي.

حاولت هبة الاعتراض: ياسين، ده مش أسلوب...

لكنه قاطعها بهدوء دون أن يلتفت لها: مش قدام البنت يا هبة، قولت لو عايزه تتكلمي هسمعك هناك...

قال كلماته، وغادر وهو يداعب ابنته، تاركا خلفه توترا أثقل من أي خلاف.

المخزن،7م.

كانوا ينتظرون عودة مكي، وما إن دخل بمفرده حتى عقد سليم حاجبيه باستغراب: أمال فين شاهين؟

أجاب وهو يقترب: سألت عليه، قالوا إنه مسافر يجيب بضاعه.

تساءل: معرفتش هيرجع إمتى؟

أجابه: قالوا كمان يومين، سبت حد هناك أول مايرجع هيجيبه على هنا.

هز رأسه بتفكير، ثم نظر إلى مصطفى: إيه يا مصطفى؟ نستنى ولا نجيبه من المكان اللي هو فيه؟

تنهد مصطفى: اللي تشوفه يا سليم.

ظل صامتا لثواني قبل أن يقول: أنا رأي نستني اما يرجع، يومين مش كتير، وكده كده الحيوان ده معانا هنا.

كان محمود يتابعهم بوجه متوتر، لكنه انتفض بغضب فور سماع كلماته الآخيرة: وأنا هفضل مربوط كده؟

أجابه ببرود: أه، هتفضل مربوط لحد ماتتعلم الأدب.

جز علي أسنانه بغضب، ولم يجرؤ على الرد، بينما استدار سليم نحو الخارج، فتبعوه جميعا.

توقف عند المدخل، وقال لأحد الحراس: فكوه كمان ساعة ودخلوه اوضه التأديب، يتحطله أكل وشرب ويتفك عالحمام، محدش يمد إيده عليه بس ميشوفش الشمس، وميشوفش حتى إيده فيها إيه.

ابتلع محمود ريقه بخوف، بينما أومأ الحارس: اوامرك يا باشا.

تحركوا بعدها إلي الخارج، بينما ظل محمود واقفا ينظر أمامه بوجه شاحب، وقد أدرك أن الأيام القادمة لن تكون هينة ابدا.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل

قصر الراوي،7م.

دخل ياسين يحمل نالا بين ذراعيه، فوجد ماسة ولوجين جالستان في الحديقه.

اتسعت عينا لوجين بسعادة: نالا!

ثم فتحت ذراعيها: وحشتيني أوي.

لكن الصغيرة تمسكت برقبة والدها أكثر، وخبأت وجهها في كتفه.

لوجين باستغراب: مالك يا حبيبتي؟

لم ترد نالا.

فنظرت إلى ياسين: هي مالها؟

هز كتفيه: مش عارف.

ثم نظرلها: مالك يا قلب بابي؟ جوجا موحشتكيش؟

لكنها لم تجب.

تنهد، ونظر إلى ماسة: إزيك يا ماسة؟

تبسمت: الحمد لله، حمد لله على السلامة.

رد: الله يسلمك، هو سليم جوه؟ 

اجابته: لا، خرج من الصبح ولسه مرجعش.

هز رأسه باقتضاب: طب عن إذنك.

تحرك مبتعدا، فقالت لوجين: طب هطلع أنا بقي، ونتقابل على العشاء.

أومأت برأسها، وبقيت وحدها للحظات تنظر حولها بملل، ثم عادت إلى غرفتها هي الأخري.

جناح ياسين ولوجين...

دخلت لوجين لتجد ياسين جالسا على الفراش يداعب نالا ويحاول إضحاكها.

اقتربت باتسامة: تعالى بقى قوليلي مالك؟ زعلانة مني ولا إيه؟

لكن نالا انكمشت في أحضان والدها.

نظر اليها ياسين باستغراب: مالك يا روحي؟ إنتِ زعلانة من لوجين؟

تمتمت: أنا عايزة مامي.

ياسين: مامي جاية.

رفعت رأسها: لا، عايزاها دلوقتي.

نظرت اليه لوجين وتساءلت: أنت أخدتها بالعافية؟

هز رأسه: والله لا، جت معايا بمزاجها.

تنهدت: طب كلم هبة يمكن تهدى.

أومأ وأخرج هاتفه وأجرى اتصال فيديو.

ظهرت هبة على الشاشة وهي تقود سيارتها.
قال ياسين مسرعا: إزيك يا مامي، اتأخرتي ليه؟

أمسكت نالا الهاتف سريعا: مامي، إنتِ فين؟

ابتسمت هبة: جاية في الطريق ياحبيبتي.

ابتسمت أخيرا: طب بسرعة، أنا مستنياكي.

أغلقت المكالمة.

فنظر لها ياسين: شوفتي؟ أهي جاية.

بينما قالت لوجين: تيجي أوريكي أنا جبتلك إيه؟

ردت برخامة: لما مامي تيجي، بابي تعالى نروح أوضتي.

ابتسم وهو يحملها: ماشي يا قلب بابي.

لوجين: طب أنا هفضي الشنط وأرتب الحاجات، خليك إنت معاها.

اومأ لها، وخرج متجها إلى غرفتها.

الفيلا التي يمكث بها مصطفي،8م.

كان الجميع يجلسون في الهول.

آلاء بحزن: يعني إحنا لسه هنستنى يومين لحد مايرجع؟ 

اومأ سليم: أه بس متقلقيش، اعتبري الموضوع دى خلصان.

تساءلت أنهار بقلق: طب ومحمود؟

سليم بهدوء: سايبه في المخزن يتربي لحد مانحل المشكلة. 

قالت بترجي: والنبي يا ابني، متأذهوش.

نظر لها بجدية وحنو: أنا عارف إنه أبنك وإنك خايفة عليه، واطمني أنا مش هعمله حاجة، أنا بس هأدبه علي تصرفاته، متقلقيش ياهانم أنا عندى نسخه منه في البيت وعارف أزاى اقوم سلوكه كويس.

مصطفى محاولا طمأنتها: متخافيش ياحاجة هو كويس.

نظر سليم في الساعة وهو يهم بالوقوف: طب أنا همشي، والموضوع عندي متقلقوش.

اومأ الجميع، وغادر سليم بينما نظر مصطفي لآلاء باهتمام: متخافيش من حاجه، أنا مش هيهدي لي بال الا لما الموضوع ده يخلص.

تبسمت بخجل: متأكدة.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل.

قصر الراوي،8م.

وصلت هبة واتجهت إلى غرفة نالا مباشرة.

وفور أن رأتها الصغيرة، اتسعت ابتسامتها وركضت نحوها بسعادة: مامي!

انحنت وحملتها بين ذراعيها، تقبل وجنتيها عدة مرات، فضحكت نالا وتشبثت بعنقها: وحشتيني.

هبة بابتسامة: إنتِ كمان وحشتيني يا قلبي.

أنزلتها برفق وأضافت: روحي اقعدي مع دادا شوية، علي ما أتكلم مع بابي.

عقدت حاجبيها باعتراض: بس أنا عايزة ألعب مع بابي.

اقترب ياسين وربت على رأسها بحنان: ومين قال إني مش هلعب معاكي؟ مش هتأخر عليكي، وعد.

فكرت للحظة ثم هزت رأسها وذهبت تكمل لعبها مع الخادمة.

بينما تحرك ياسين وهبة نحو الصالون وجلسوا مقابل بعضهم.

ساد الصمت لثواني، قبل أن تقطعه هبة: نالا مش هينفع تفضل هنا يا ياسين.

تسأل ببرود: ليه؟

أخذت نفسا عميقا: لأن جو القصر مش مستقر، كل يوم مشكلة شكل؛ الانفجار، واللي حصل مع صافيناز، ومصايب تانية، أنا مش عايزة بنتي تكبر وسط ده كله.

زفر بهدوء وهو يسند ظهره للخلف: البنت مش حاسة بحاجة من كل ده يا هبة.

هزت رأسها معترضة: حتى لو مش حاسة دلوقتي، الجو نفسه غلط، البنت محتاجة تعيش في مكان هادي ونضيف.

أجابها بهدوء: إنتِ مديه الموضوع أكبر من حجمه، اللي حصل لصافيناز بلاغات كيدية واتقفلت، والانفجار ده حاجة بتحصل مع أكبر رجال الأعمال، مش معنى كده إن الدنيا انتهت.

ظلت تنظر إليه لثواني، قبل أن تقول بحدة: المشكلة إنك بقيت متعود على الخطر لدرجة إنك شايفه طبيعي، انما أنا لا، أنا خايفه علي بنتي ونفسيتها.

رفع عينيه إليها، وقال بحدة: أنتِ مش هتخافي علي بنتي أكتر مني ياهبة، لو كنتي خايفه عليها بجد مكنتيش نشرتي الكلام الزبالة اللى اتقال عن عمتها في المجلة عندك، أنا لسه محاسبتكيش علي ده بالمناسبة.

حاولت التبرير: هو أنا لوحدي اللى نشرت؟ وبعدين الشغل حاجه وعلاقتنا حاجه تانيه..

ياسين بجمود: لما يبقي الكلام يمس عمة بنتك يبقي الاتنين حاجه واحده.

رمقها من أعلي لأسفل: وبعدين أنا بتناقش مع مين!! اللى تقتل ولادها قبل كده بدم بارد استني منها اي حاجه. 

قاطعته بحدة: مسمهاش قتلتهم، اسمها رحمتهم من المصير اللى مستنيهم، وإنهم يعيشوا وسط كل القرف دى زى اختهم.

اومأ ساخرا: انت رحمتيهم فعلا، بس مش المصير اللى مستنيهم زى مابتقولي، انت رحمتيهم أن يكون ليهم أم زيك.

توقف واضاف بحزم: بنتي مش هتعيش بعيد عني، عايزه تبقي جمبها يا أهلا وسهلا، مش عايزه انتِ حره.

كاد أن يغادر فوقفت وقالت بجمود: طب أنا في الجست هاوس، ابعتلي البنت مع الدادا. 

لم يلتفت اليها وأكمل صعوده: لا، البنت هتبات معايا النهارده.

وبمرور بعض الوقت.

عاد سليم، وجلس مع ماسة يتناولان العشاء، ثم انتقلا إلى الشرفة وجلسا معا يحتسيان العصير ويتبادلان الأحاديث في أجواء لطيفه.

تسالت باهتمام: هتعمل إيه مع اللي اسمه شاهين ده؟

أجابها بهدوء: هستناه يرجع وهقطع الورق اللى معاه وانهي الموضوع.

تنهدت بتأثر: مش عارفة آلاء دي هتلاقيها منين ولا منين، مسكينه أوى بجد.

أجابها بمزاح: متقلقيش عليها، دكتور مصطفي ناصر الفتايات الضعيفات معاها، أنت متأكده إنه تخصص باطنه مش ستات؟ 

ضحكت وضربته في كتفه: بطل بقي، والله مصطفي إنسان جدع وربنا هيجازيه خير.

ثم نظرت له بابتسامه حالمه: وبعدين مش يمكن ربنا حطهم في طريق بعض علشان يحبوا بعض ويبقوا عوض لبعض، أنا متعاملتش معاها قبل كده بس حاسه أنها هتبقي لايقه عليه والله.

هز رأسه بيأس: أنت مفيش فايده فيكي يا ماسة، خليكي عايشه في جو الأفلام بتاعك ده.

ربعت يديها بثقه: بكرة تشوف وتقول ماسة كان عندها بعد نظر.

ثم أشارت باصبعها: قولتلك قبل كده متستصغرنيشي يا سليم.

قرصها من أنفها بدلع: مقدرش استصغرك يا قطعه السكر.

ثم سأل: عملتي إيه في يومك النهارده؟

هزت كتفيها: ولا حاجة، قعدت مع مي ولوجين، ورخمت على رشدي شوية، فاتك منظره يا سليم وهو عامل شبه الكتكوت المبلول وخايف مني، صحيح أنت شوفت القلم اللى ادتهوله امبارح، والكلام اللى قولتهوله في الهول بعد ماضربته؟!

هز رأسه بإيجاب، وأمسك يدها يقبلها: اممم، قطعه السكر بقت جامده وبتعرف تاخد حقها.

نظرت إليه بشقاوة: عندك شك؟ 

لوح بيديه: لا، أنا مجرب وعارف.

ضحك معا، وقالت بتوعد: ولسه، ده أنا هخليه يمشي يكلم نفسه في الشارع.

هز رأسه ضاحكا: وقع تحت إيد اللى مبترحمش.

انفجر بالضحك معا مره أخري.

صمت قليلا بعد أن هدأت ضحكاتهم، ثم تساءل بحيرة: بس كان يقصد إيه بأنهم 6 مش 5؟

ردت ببساطه: أكيد قصده عليك.

مد وجهه بعدم اقتناع: معتقدش!

تساءلت بحيره: أومال يقصد مين؟ 

مال برأسه بشرود وتفكير: معرفش، بس أكيد هنعرف!

صمتت لحظه، قبل أن تنظر له بتوتر: لا يكون قصده علي عيلة مصطفي؟! ولا يكون عرف إن مصطفي لسه عايش.

هز رأسه: هيعرف منين؟ وبعدين معتقدش يقصد عيلة مصطفي، وحتى لو يقصدهم، أنا حاطط عليهم حراسه، مش هيقدر يعملهم حاجه.

أسندت رأسها على كتفه: ربنا يستر.

صمتت لحظه ثم ابتسمت بخفة: بس تعرف، كانت وحشاني القعدة دي.

ابتسم هو الآخر: أنتِ كمان وحشتيني، بقالي فترة مشغول في مليون حاجة، نخلص كل دى بس وهاخدك ونسافر سنة عسل جديدة.

رفعت رأسها بعيون تلمع بالسعاده: وعد؟

ضحك بخفة: وعد.

ثم جذبها إليه مرة أخري لتستمر جلستهما الهادئة.

علي اتجاه آخر.

جلست مي في الشرفه تنتظر عودته والأفكار تتصارع في رأسها، بعد أن رتبت الغرفة كما كانت وكأن شيء لم يكن. 

لمحت سيارته تدخل من البوابة، فقامت ووضعت المخدر في الحمام كعادتها حتي لا يشك في شيء، وذهبت إلي الفراش تدعي النوم. 

بعد دقائق دخل رشدي فوجد الغرفه ساكنه، ومي تغفو بهدوء.

تنهد ودخل ليأخذ حمامه، ففتحت عينيها ونظرت للباب بغيظ وتوعد.

وبعد قليل لمحت باب الحمام يفتح، فعادت تمثل النوم من جديد، لتري ماذا سيفعل، ولكنه فاجأها باستلقاءه بجوارها، وذهابه في النوم سريعا وكأنه يهرب به من شيء يؤرقه!

ما إن شعرت بانتظام انفاسه، فتحت عينيها ونظرت له بشرود، وهي تتذكر حديث علي وخداعه لها، شيء بداخلها كان ينكسر، وشيء آخر كان يشتعل غضبا، ولكنها قررت تأجيل المواجه للغد.
♥️__________بقلمي_ليلةعادل 

الفيلا التي يمكث بها مصطفي،6ص.

استيقظت آلاء تشعر ببعض التقلصات في معدتها، يبدو أن عادتها الشهرية قررت تعكير صفوها اليوم، فبالرغم من تناولها لقرص مسكن في الفجر الي أن الألم لم يهدأ.

جلست علي الفراش بألم، والتقت إسدالها وهبطت لأسفل، كان الهدوء يعم المكان، والجميع نائمون.

دخلت المطبخ واشعلت الكاتل، ثم جلست علي المقعد تنتظر غليان الماء، وهي تتكئ علي المنضدة وتضع يدها علي معدتها بألم. 

في تلك اللحظة دخل مصطفى وحينما انتبه لها، عقد حاجبيه باستغراب: آلاء؟! إيه اللي صحاكي دلوقتي؟

أجابته بخفوت: كنت محتاجة أشرب حاجة دافية، إنت كمان صاحي ليه؟

أجابها وهو يلتقط كوب ويجهزه: مجاليش نوم، قولت أعمل كوباية شاي، وأحاول أتابع اللي حصل اليومين اللي فاتوا عند سليم، حاسس إني قصرت معاه أوي.

انتهي مما يفعل وجلس مقابلها، فانتبه لملامحها المتعبة وسألها بقلق: مالك فيه ايه؟ 

ثم نظر إلي يدها الموضوعه علي معدتها: مالها بطنك؟

اعتدلت تهز رأسها باحراج: مفيش، شكلي خدت برد في معدتي.

نهض يقول بسرعة: طب تعالي أكشف عليكي.

اتسعت عيناها بتوتر: لالالا، ملوش لزوم، أنا هشرب النعناع وهبقي كويسة.

قال بحزم: النعناع مش علاج يا آلاء، لو عندك برد فعلا يبقي فيه ميكروب لازمله علاج.

وضع ظهر كفه على جبينها ثم على خدها: معندكيش حرارة الحمد لله، تعالي أكشف عليكي.

هزت رأسها: أنا كويسة والله مش مستاهله.

نظر لها بغيظ: انتِ عنيده ليه؟ ما تخليني اشوفك ليكون عندك التهاب معوي ولا حاجه.

ابتلعت ريقها، وقالت بثبات: متقلقش والله، أنا عارفه نفسي، هشرب كوباية النعناع وهبقي كويسة.

ثم نهضت الي الكاتل لتأخذ مشروبها وتفر من هذا الموقف المحرج، بينما عقد مصطفي حاجبيه بعدم رضا من عنادها، لكنه انتبه لبطىء حركتها، وتذكر أن عائشه تكون هكذا عندما تواتيها عادتها الشهرية! 

ضربت الذكري ذهنه فاتسعت عيناه بادراك، وابتسم بخبث مقررا مشاكستها: طب ما تقولي يا لولو إنك ركبتي الزحليقه.

رددت باستغراب: زحليقه! 

اومأ: آه، عائشه مسمياها كده.

عقدت حاجبيها: هي إيه دى؟ 

غمز لها: زحليقه كل شهر.

اتسعت عيناها، وخفضت رأسها بخجل، بينما ضحك هو عاليا: عادى يا آلاء أنا زى جوزك يعني.

تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها من هذا الموقف المحرج، بينما توقف هو عن الضحك، ونظر لعدم قدرتها علي الوقوف باشفاق، وقال بحنو: بطنك تعباكي أوى؟ 

رفعت عيناها الدامعه: أه، وجعاني أوى، والوجع مش راضي يهدى خالص، خدت مسكن ومفيش فايده. 

ربت علي كتفها بحنو: طب أطلعي ارتاحي وأنا هعملك نعناع، وهتبقي كويسة.

كادت أن تعترض، ولكنه سبقها بإشارة حازمه: ولا كلمه، علي الأوضة يلا.

تبتسمت رغم تعبها وصعدت.

وبعد قليل صعد يحمل صنية موضوع عليها كوبين واربه في يد، واليد الأخري يحمل الابتوب الخاص به.

جلس علي الفراش واعطاها كوب النعناع، فاخذته وبدأت ترتشف منه حتى انهته.

اخذ الكوب واعطاها الأربه: حطي دى علي مكان الألم، وأنا هشغلك قرآن حاولى تركزي معاه لحد ماتنامي، أنا هفضل قاعد جمبك علشان لو احتاجتي حاجه.

ردت باحراج: ملوش لزوم تعطل حضرتك.

قاطعها مازحا، وهو يفتح الاب ويمسك بكوب الشاي: حضرتي مش هيتعطل، أنا هقعد اراجع التسجيلات زى ماقولتلك، نامي يا لولو وبطلي مناهده.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وهي تنظر إليه بامتنان، وشعرت بدقة خفية تنبض في صدرها فجأة، كأنها رد فعل غير محسوب على كل هذا الحنان الذي يحيطها به.

قصر الراوي،9ص.

استيقظ رشدي كعادته، ألتفت نحوها أولا ليتأكد أنها مازالت نائمة، ثم تحرك بهدوء، وهنا فتحت عينيها يبدو أنها كانت مستيقظه وتصنعت النوم.

اتجه نحو الدرج وفتحه بسرعة، ولكنه تجمد بصدمة عندما لم يجد الكيس!

بدأ يفتش بعصبية، يفتح الأدراج واحدا تلو الآخر، وأنفاسه تعلو تدريجيا، حتى تحول بحثه إلى جنون حقيقي.

توقفت بعيدا تراقبه للحظات، قبل أن تقول بهدوء مخيف: بتدور على إيه يا رشدي؟!

ألتفت إليها بتوتر، يبحث في عقله عن أى كذبه يقولها، لكنها فاجأته برفع الكيس أمامه: بتدور على ده؟

اتسعت عيناه بصدمة: عرفتي منين؟!

نظرت له بوجع وغضب: مشكلتك إني عرفت منين؟! مش إنك خدعتني وكذبت عليا؟ ليه يارشدي؟ ليه مصر تكمل في الطريق ده؟

مرر يده في شعره بتوتر وقال محاولا تبرير الأمر: أنا الفترة دي تعبان، ومش في حالتي الطبيعية، أنتِ شايفة إللي بيحصل حوالينا، وبعدين أنا مباخدش كمية كبيرة، دي نسبة بسيطة فوق الجرعة إللي بتديهالي، قولتلك كذا مرة إنها مش كفاية.

هزت رأسها: طبيعي متكونش كفاية، علشان أنت بتتعالج! جسمك أصلا المفروض يبعد عن القرف ده.

تنهد بضيق وعينه على الكيس بين يدها: ماشي، نبقى نشوف الكلام ده بعدين، هاتي إللي في إيدك دلوقتي.

مد يده ليأخذه، فسحبت يدها بعيدا: لا طبعا مش هتاخده؟ أنا هرميه.

اتسعت عيناه بغضب: ترمي ايه؟! إنتِ مجنونة؟ هاتي يا مي متعصبنيش!

هزت رأسها برفض وهي تتراجع: مش هديك حاجة، ومش هتخرج من هنا إلا علي المصحة، أصلا إحنا كنا غلطانين من الأول، الدكتور قال إن كل إللي كنا بنعمله غلط، لازم الجرعات تبقى بمواعيد ثابتة وكميات محددة، ومش هتخرج تاني يارشدي.

أخذ نفسا مهتزا وهو يحاول السيطرة على أعصابه: ماشي يا مي، بس مش الفترة دي، أنا مخنوق وتعبان وعندي حوارات كتير فوق دماغي.

ردت بعينين دامعتين: يارشدي إنت بتضيع نفسك، مادام اخدت القرار خليك قده..

اومأ بمهاودة: طيب، هاتي بس اللي في ايدك ده.

تنفست بغضب: كل اللى فارق معاك تاخد السم ده؟ طيب ..

ثم اندفعت نحو الحمام، فشهق وهو يجري خلفها: هتعملي إيه يامجنونه! 

أمسك ذراعيها يحاول إبعادها، لكنها كانت قد انتهت والقت بمحتوي الكيس في المرحاض بالفعل.

صرخ فيها بغضب وعيناه تشتعلان: إيه إللي إنتِ عملتيه ده ؟! أزاي تعملي كدة؟

نظرت له بوجع: أنت اللي أزاي تعمل كدة؟ أنت ضحكت عليا وخدعتني!

اقتربت منه بحذر وأمسكت وجهه بين يديها تحاول إقناعه: رشدي يا حبيبي، لازم تبقى قوي، مفيش حاجة اسمها بكرة أو بعده، أنت وعدتني إنك هتبطل.

أغمض عينيه بألم وقال بصوت متعب: هبطل، والله هبطل، بس سيبيني أبطل بالطريقة إللي تريحني.

هزت رأسها بإصرار: أنت بتضحك على نفسك، محدش بيتعالج كده.

ضغط على رأسه بعصبية: أنتِ عايزة حد فايق يكلمك، وأنا دلوقتي دماغي هتنفجر ومش قادر..

وضعت يدها في جيبها، ثم اعطته الجرعة العلاجية التي وصفها الطبيب: اتفضل، خد دي مفيش غيرها، وأعمل حسابك، هتاخدها كل يوم في نفس الميعاد.

نظر لها لثواني طويلة بتردد، وعيناه معلقتان بالجرعة التي بيدها، فجزء بداخله لا يريد اخذها أمامها، لكنه أضعف من أن يحتمل ذلك العذاب الذي ينهش جسده.

أمسك يدها فجأة، قربها من وجهه، واستنشقها وكأنه يحاول تهدئة نفسه برائحتها، لكن ذلك لم يكن كافيا يريد المزيد.

فتح عينيه بتوتر: أنا عندي مشوار مهم ولازم أنزل.

نظرت له بهدوء غريب، بينما ذهب هو ليبدل ملابسه، ثم  اتجه إلي الباب ولكن وجده مغلق.  

استدار إليها بحدة: الباب ده مقفول ليه؟

ربعت يديها بثبات: أنا قولت مش هتخرج من هنا غير وأنت مبطل.

نظر لها بعدم تصديق: يعني ايه؟ هتحبسيني هنا وتمنعيني من الخروج؟!

اومأت بحدة: أيوة همنعك، طول ما مصر تأذي نفسك.

اقترب منها بعصبية: أنا مش فايق للعب العيال بتاعك ده، هاتي المفتاح.

هزت رأسها باصرار: مش هديهولك.

بدأ يكسر الأشياء حوله بعصبية مرعبة: فين المفتاح يا مي؟! متجننيش

هزت رأسها بعناد والدموع تملأ عينيها: مش هقولك.

أمسك ذراعها بقوة مؤلمة: فين المفتاح؟ مش هعيد كلامي تاني! أنطقي.

تألمت من قبضته، لكنها تمسكت بعنادها: مش هقولك.

دفعها بعيدا بعنف، واستمر بالبحث عنه كالمجنون.

كان يفتح الأدراج بعصبية ويقلب مابداخلها، بعثر كل شيء فوق التسريحة، وحتى سلة المهملات قلبها وهو يلهث بغضب وهياج، بينما وقفت هي تبكي بخوف ووجع وهي تراقبه ينهار أمامها بتلك الطريقة.

بعثر الغرفه بأكملها ولم يجد المفتاح، فاستدار إليها، بعينان ممتلئتان بسواد مرعب لم تره من قبل: هاتي المفتاح يا مي أنا مش عيل عشان تحبسيني.

قالا بصوت مبحوح والدموع تنهمر من عينيها: مش هديهولك.

ضغط علي اسنانه بعنف: لا، هتديهولي.

صرخت بإنهيار: لا! مش هديهولك! مش هستني لما اجيبك من الغرز بعد كده.

وفي لحظه مباغته لم تتوقعها، هبطت صفعه قوية علي وجهها.

شهقت بصدمة، وهي تنظر له بعدم استيعاب، وكأن عقلها رفض تصديق ماحدث.

أما هو فتنفس بعنف، وكأنه لم يستوعب هو الآخر ما فعله، لكن انهياره كان أقوى من ندمه، وفي اللحظة التالية دفعها على الفراش، وبدأ يفتشها بعصبية وهي تحاول إبعاده عنها، حتى وجد المفتاح أخيرا.

انتزعه منها بعنف وأتجه نحو الباب، لكنها ركضت خلفه محاولة منعه: مش هسيبك تخرج!

دفعها بقوة فسقطت على الأرض، وهو يصيح بانفعال: أوعي بقى!

ثم خرج تاركا إياها على الأرض تبكي بانهيار، لا تعلم كيف تتعامل مع كل ذلك الوجع الذي أثقل قلبها.

ضمت نفسها بذراعيها، وكلما تذكرت ماحدث أزداد بكاؤها أكثر؛ لم تكن الصفعة أكثر ما آلمها، بل كل ما سبقها من خيبات ومتاعب تراكمت فوق روحها دون رحمة.

منذ زواجها وهي تواجه أزمة تلو الأخرى، وكلما ظنت أن الحياة ستمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، باغتتها بمصيبة جديدة.

شعرت أنها استنزفت تماما، ولم تعد تملك القوة لتحمل المزيد أو لإنقاذه من نفسه. 

ولأول مرة، بدأ يقين مؤلم يتسلل إلى قلبها "ربما يكون الرحيل هو الخيار الوحيد المتبقي" فالبقاء وسط كل هذا القدر من الألم لن يؤدي إلا إلى تحطمها هي الأخري.

على اتجاه آخر.

قاد رشدي سيارته بجنون، والطرق تكاد تختفي أمام عينيه من شدة الغضب، اشتعل رأسه بكل ما حدث: كلماتها، وبكائها، ونظرة الصدمة التي رآها في عينيها بعد أن صفعها.

لكن رغم ذلك، كان هناك شيء أقوى من الندم يلتهمه، ضغط على المقود بعنف، ورأسه يكاد ينفجر من كم الضغوط التي يمر بها مؤخرا؛ فما تفعله به ماسة والضغط الذي يعيشه كل يوم، جعل الجرعات البسيطة لم تعد كافيه لجسده كما كانت، صار يطلب المزيد دون أن يشعر أنه بهذا يغرق أكثر.

أخرج هاتفه بعصبية وأتصل بأحدهم: أنتوا فين؟

جاءته الإجابة: بايتين عند يسري من إمبارح، عاملين حفلة بمناسبة جواز تمارا ويسري.

اومأ: طب أنا جاي.

ألقى الهاتف بجانبه، وضغط على دواسة البنزين أكثر، لتنطلق السيارة بسرعة مخيفة وسط الطريق.

الجست هاوس،10ص.

جلست هبة بجوار ابنتها المنهمكة في الرسم، مررت أصابعها بين خصلاتها برفق وهو تقول: عملتي إيه امبارح مع بابي ولوجين يا نونو؟

رفعت رأسها وقالت: قعدت العب مع بابي وحكالي حدوتة، وفضل قاعد معايا لحد ما نمت.

تساءلت بخبث: ولوجين؟ عملتي معاها ايه؟ لعبتي معاها؟

هزت رأسها بخوف: لا، هي قعدت تكلمني بس مردتش عليها، خوفت تضربني زى ما قولتيلي.

ابتسمت برضا، واستمرت ببخ سمها: شاطرة يا حببتي، خدي بالك منها، هي هتقعد تعمل نفسها بتحبك عشان تاخدك من مامي، زي ما أخدت بابي مني.

عبست ملامح نالا: أنا بكرهها، عشان خلت بابي يعيش بعيد عننا، وبقى يعيش معاها.

هزت رأسها وأكملت بخوفت: وأنت كمان لو لعبتي واتكلمتي معاها حلو، هتاخدك مني وتعيشي معاها علطول، ومش هيبقى عندك مامي تاني.

اتسعت عينا نالا بخوف، وألقت بنفسها في حضن والدتها: لا يا مامي! أنا بحبك، لوجين دي وحشة.

ضمتها هبة إليها: أنا كمان بحبك أوى يا روحي، عايزاكي كل ماتشوفي بابي تقوليله إنك عايزه تعيشي مع مامي في بيت جدو زيدان، وإنك مش عايزة تروحي عندها.

أومأت برأسها: حاضر يا مامي.

احتضنت والدتها أكثر، بينما شعرت هبة بالارتياح بعدما غرست خوفا جديدا داخل قلب طفلتها الصغيرة.

أحد الأحياء الراقية،10ص.

صف رشدي سيارته، واستقل المصعد، وهو لا يزال تحت تأثير غضبه وتشتته الذهني.

طرق الباب، وما إن انفتح حتي استقبله أصدقاؤه بحفاوة وضجيج.

كانت الشقة مليئة بالشباب والفتيات، موسيقى عالية، ضحكات، وأجواء صاخبة لا تهدأ.

تمارا بابتسامه: متوقعتش إنك جي، لما شوفت الرساله اللى بعتهالك امبارح وطنشت. 

ابتسم، واقترب يقبلها من خدها: وأنا اقدر مجيش الحفله بتاعتك أنت ويسري!

ضحكت: لا طبعا مينفعش، دى أنت رشروش ملك الحفلات.

جلسوا معا، والضحكات تتعالى في أرجاء الشقة، بينما كان رشدي يحاول الهروب من كل مايطارده، ولو لساعات قليلة.

نظر ليسري وقال بمزاح: الحظ لعبها معاك يا يسور، واتجوزت موزة الشلة.

ضحك أحد الشباب ساخرا: يسري طول عمره كسبان، جواز وشغل مع أبوه، الوحيد إللي حياته ماشيه صح فينا.

يسري بتفاخر: علشان إنتوا كل حاجة عندكم مستعجلة، محدش فيكم بيعرف ياخد الدنيا بالراحة.

نظر اليه رشدي بتمعن: تعرف ياض يا يسري، كل ماشوفك بفتكر سليم، ببقى نفسي أقوم أضربك..

يسري بسخرية: يعم اتنيل بوشك المتشلفط دى، مراتك ضرباك ولا إيه؟

أنفجر الجميع ضاحكين، بينما قال رشدي: خفة، فكك مني.

ثم التفت إلى أحد أصدقائه: أتش، معاك اصطباحة؟

أخرج الآخر كيسا صغيرا وقذفه له، فأخذه سريعا وقربه من أنفه للحظة، وأغمض عينيه محاولا إسكات الصداع الذي ينهش رأسه.

أرتفع صوت الموسيقى أكثر، وتحولت الأجواء إلى صخب مبالغ؛ رقص، وضحكات عالية، وخمر، ومخدرات، وكأن الجميع يحاول دفن شيء ما بداخله.

كان رشدي وسط كل ذلك، يضحك ويرقص ويغني بحماس، وكأنه عاد سنوات إلى الوراء، ناسيا كل شيء خلفه.

لكن من يراقب عينيه جيدا، سيدرك بسهولة أن سعادته لم تكن حقيقية بل مجرد محاولة يائسة للهروب.

في تلك الأثناء، خرجت نورهان من أحد الغرفه ترتدي فستان يفضح أكثر ممايستر.

جلست بعيدا تمسك كأسها دون أن توجه له حديث، فقط جلست تنظر اليه بعينين تحمل أنوثة حارقة وكأنها تعرف ماذا تفعل.

وما إن لمحها رشدي حتى ابتسم وتحرك نحوها: نونو، وحشتيني أوي أوي أوي.

مال عليها ووضع قبلة على خدها، ثم جلس بجانبها.

رفعت حاجبها بسخرية ناعمة: من إمتى الكلام؟! ما أنت بقالك فترة عايش دور المخلص الوفي؟ لو وحشتك كنت سألت؟!

ضحك بخفة: هو أنا لحقت؟ أنا مبقاليش شهر متجوز.

نظرت له بمكر: بس برضوا، لو نونو وحشتك، كنت تسأل عليها مش تختفي كده! وبعدين أنا عرفت إنك سهرت مع الشلة من فترة ومتصلش بيا.

أجابها بعدم اهتمام: كانت سهرة عادية، وبعدين إنتِ بتغيري من حاجة زي دى؟ إيش جاب لجاب؟

ضيقت عينيها وهي تميل نحوه: يعني إيه؟

اقترب منها أكثر وهو يبتسم بخبث: يعني الشلة حاجة، وإنتِ حاجة تانية خالص.

مالت برأسها: يا سلام؟ وإيه بقى الحاجة التانية دي؟

غمز لها، وقال بنبرة شهوانية وعينه على مفاتنها: الحاجة إللي مهما الواحد لف ودار، يلاقي نفسه لسه فاكرها، وكل مايشوفك أعصابه تروح، مش فاهم فيكي إيه، بس بتشدي، عاملة زي الشطة والنار..

اطلقت ضحكه أنثوية عالية: أمممم، طب خد بالك لألسعك.

ثم نظرت له بنظرات حارقة: ولا لسعتي موحشتكش؟

اومأ بنظرات ذات معنى وعينه لا ترتفع عن شفتيها: هي وحشتني بعقل!

رفعت حاجبها بعدم تصديق، فابتسم بمكر: مش مصدقة ولا إيه؟

نظرت له بطرف عينيها دون رد، فمال نحوها أكثر وهو يقول بخبث: طب تعالي جوة وأنا أثبتلك.

ضحكت بخفة وهي تسأله: هتثبتلي إيه؟

اقترب أكثر وهمس: اللسعة بتاعتك وحشتني قد ايه..

ثم سحبها إلي إحدى الغرف.

دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، فارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل الكثير من الإثارة والثقة، بينما قابلها هو بنظرة مشتعلة، وكأن كل مابداخله من توتر وغضب تحول فجأة إلى اندفاع أعمى.

بدأ يخلع قميصه دون أن يرفع عينيه عنها، ثم اقترب منها ببطء، قبل أن يطبع على شفتيها قبلة قوية ومشتعلة.

اصطدم ظهرها بالحائط، بينما كان يضمها إليه بعنف ولهفة، وكأنه يحاول نسيان العالم بأثره في تلك اللحظة.

أما هي فكانت تبتسم بين أنفاسها المتقطعة، تستمتع بذلك الجنون الذي يسيطر عليه.
وبدءا يتحركا إلى الفراش ووووو 

في الخارج، كانت الموسيقى ماتزال مرتفعة، والضحكات تملأ المكان، بينما داخل تلك الغرفة كان رشدي يحاول الهروب من نفسه بأي طريقة ممكنة.

بعد وقت...

جلس نصف متكئ، يدخن سيجارته بشرود، والغطاء الأبيض يغطي جزءا من جسده، بينما كانت نورهان بجواره تتأمله بصمت.

سألته بابتسامة: مالك يارشروش؟ مكنتش في المود.

ألتفت لها باستغراب: يعني إيه مكنتش في المود؟

ضحكت وهي تمرر أصابعها على كتفه: يعني مش رشدي إللي أعرفه.

تنهد بضيق وأعاد رأسه للخلف: طهقان يا نورهان، كل حاجة فوق دماغي، مشاكل من كل ناحية.

هزت كتفها بلا اهتمام: وإيه الجديد؟ أنت طول عمرك كده.

ظل صامتا للحظات، ثم قال بصوت منخفض متعب:
المرة دي مختلفة، كنت بحاول أبطل وفشلت، فشلت زي مابفشل في كل حاجة.

أخذ نفسا طويلا من سيجارته، وأكمل بمرارة: هما عندهم حق أنا فعلا إنسان فاشل، وعمري ماهبقى زي سليم.

مالت عليه، وأخذت السيجارة من بين أصابعه، ثم سحبت منها نفسا قبل أن تنفث الدخان بعيدا: دي مشكلتك يارشدي، إنك دايما بتحاول تبقى شبه سليم، مش شبه نفسك! سليم عاش حياته بطريقته، حط لنفسه هدف وفضل يجري وراه لحد ماحققه.

أعادت السيجارة إليه وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة: بطل تحاول تبقى زي سليم وأبقى زي نفسك يمكن تنجح.

ضحكت بسخرية: ويمكن تفشل! مش مشكلة، مش كل الناس مكتوبلها تبقى ناجحة ..

تنهدت وهي تنهض: إنت عندك حاجات كتير غيرك يتمناها؛ عندك زوجة بتحبك، وعندك عيلة، حتى لو بعاد عنك يكفي إنك لو وقعت في مصيبة، هيجروا عليك علشان أسمك منهم.

ابتسمت بمرارة وهي تلتقط فستانها: علي الأقل، مش هتبقى لوحدك زيي، أنا لو مت في يوم، محدش هيعرف غير لما ريحتي تطلع..

ربتت على كتفه: بلاش تفضل تبص للي ناقصك وتنسى إللي معاك علشان متلاقيش نفسك وحيد زي، طول ما إنت طماع ومش راضي عمرك ماهترتاح.

تركته واتجهت إلي الحمام، وهي تحمل فستانها وحقيبتها.

أغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وتوقفت أمام المرآة لثواني، قبل أن تخرج هاتفها بسرعة وتبدأ في كتابة رسالة على عجل: صورت الفيديو؟

لم يمر سوى لحظات حتى أتاها الرد: دقيقة وهيكون عندك.

وقفت تراقب الشاشة بترقب، وما إن وصلها الإشعار حتى فتحت الرسالة فورا.

ظهر الفيديو أمامها... هي ورشدي، في لحظة خاصة التُقطت لهما دون أن ينتبه.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، وكأن الأمر جزءا من خطة تعرفها جيدا.

أعادت إرسال الفيديو إلى رقم آخر، ثم مسحت الرسائل بعناية من الاتجاهين، وكأنها لا تريد أن تترك خلفها أي أثر.

وحين انتهت، ألقت الهاتف جانبا، ثم فتحت المياه وبدأت تستحم بهدوء...

قصر الراوي،12ظ.

جلس مكي على المقعد المقابل للمكتب، بينما جلس سليم خلف مكتبه يتحدث معه بتركيز واضح، محاولا الهروب قليلا من دوامة المشاكل التي تحاصرهم.

سليم وهو يقلب بعض الملفات أمامه: عايز اركز في شغلي شوية، مش عايز انشغالي بالانتقام يضيعلي الشغل اللى قعدت ابنى فيه سنين.

تسأل مكي: طب إنت عايز إيه؟ أتابع مع جوزيف؟

تنهد وأجاب: لازم نتابع أنا وأنت معاه عشان لما أخرج من كل إللي إحنا فيه ده، يبقى عندي حاجة أعيش بيها، بقالي فترة مهمل شغلي ودي حاجة مش كويسة، كمان بفكر يبقى عندي خط إنتاج للمجوهرات وهسميها "مجوهرات الماسة" كدة كدة أنا ليا نسبة في أكتر من منجم للذهب والأحجار، وعارف بجيبهم منين، محتاج أعمل شركة بعيد عن المجموعة وبعيد كمان عن المكتب بتاع أمريكا لازم يكونلي مقر هنا.

هز مكي رأسه: حلو، شوف أنت عايز تعمل ايه وأنا معاك.

أخذا يتبادلنا الحديث حول العمل ومايحتاجونه لتأسيس الشركه الجديدة، وأثناء حديثهما وصل إشعار إلى هاتف مكي.

خفض نظره إلى الشاشة، وفتح الرسالة بهدوء، لكن ما إن ظهر الفيديو أمامه حتى ابتسم ابتسامة تحمل معنى خبيث.

لاحظ سليم تغير ملامحه، فضيق عينيه وتساءل: في ايه؟

مد مكي يده بالهاتف، فأخذه منه، وما إن شاهد بداية الفيديو حتى تجمدت ملامحه للحظة، وقال بابتسامه: يابن الايه يا مكي، عملتها ازى؟

أسند ظهره إلى المقعد وقال بثقة: مش طلبت مني قبل كده سلط واحده على رشدي وناخدله فيديو +18؟

ظلت عين سليم معلقه علي الشاشة، بينما أكمل مكي: أنا عارف إن ليه شلة قديمة مبيغيرهاش، فيهم واحدة معينة داخلة مزاجه اسمها نورهان، نفس البنت إللي اتصورت معاه قبل خطوبته بيوم.

رفع سليم عينيه ببطء، بينما تابع مكي ببرود: اتكلمت معاها، وبصراحة مكانتش صعبة خالص، طلع رخيص أوى عندها باعته بشقة في مشروع العالمين.

سليم بإستنكار: مين دي إللي رخيص، إنت عارف الشقة هناك بكام؟ مش أقل من15مليون.

ضحك مكي بخفة: أهو كل واحد وله تمنه يا سليم، بيتهيألي فيديو زى ده تمنه أغلى من 15مليون، واحسن بكتير من الصور اللي معاك.

ظل ينظر إلى الشاشة للحظات، ثم قال: بصراحة؟ آه.

أغلق الفيديو، وأسند ظهره إلى المقعد: نضيفه بقى على إللي معانا، أعمل حسابك النهاردة هنقعد أنا وإنت وعرفان، علشان نفرز الصور والتسجيلات ونحدد المهم منهم، نويت النهاردة أقول لمي كل حاجة، واخليه يوم أسود عليه...

تعالي صوت طرق الباب، تلاه إدخال ماسة رأسها وهي تقول بمشاكسه: بتعملوا إيه؟

رفع عينيه إليها وأجاب بهدوء: بنتكلم في شغلي، عايزة أعمل مجموعة خاصة بيا؟!

نظرت اليهما بمزاح: ومش خايفين حد يسمعكم وتتقفشوا؟

أجابها بثقة: أكيد واخدين احتياطاتنا، وبعدين محدش هنا غير الهانم ومي.

دخلت واغلقت الباب: عموما فيه حاجة مهمه حصلت لازم تعرفها.

عقد حاجبيه وتبادلا النظرات مع مكي لحظه، فتحركت ماسة وجلست علي المقعد المقابل لمكي، وضغطت هي علي زر في هاتفها، فصدح صوت الشجار الذي دار بين مي ورشدي في الصباح.

ظلوا يستمعون لما حدث بتعبيرات وجه مختلفه، وبعد انتهاء التسجيل ساد الصمت لثواني، قبل أن تقطعه ماسة بجمود: على قد ما مي صعبانة عليا، بس أمي كانت دايما تقولي "إللي يصعب عليكي يفقرك"

ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة واسعة: حلو أوي ده، جت في وقتها فعلا.

هزت رأسها وضغطت علي البث المباشر، لتظهر فيه مي مرتدية ملابسها وتتحرك داخل الغرفة بهدوء مكسور، وهي تجهز حقيبة ملابسها.

مال برأسه وهو يتابع الشاشة بإهتمام: شكلها هتمشي.

مدت شفتيها بسخط: طبيعي، واحدة مكانها هتعمل إيه غير كده؟ 

ظل يتابع الشاشة للحظات، قبل أن يقول ببرود محسوب: يبقى نبدأ من دلوقتي، مش لازم نستنى عرفان.

ثم أكمل وعيناه مثبتتان على الشاشة: مي لازم تعرف كل حاجة قبل ماتمشي من هنا، مادام بتحضر شنطتها ومستنية، يبقى أكيد هتواجهه وتمشي.

مدت شفتيها: معتقدش هتقعد! 

قال بعدم اكتراث: مش مهم، مشيت ولا قعدت، كده ولا كده هتعرف.

ارتسمت علي شفتيه ابتسامه مخيفه وهو يكمل: ولو إني اتمني تقعد، علشان تديله أمل ويبقي الوجع أكبر!

ثم نظر إلى ماسة بتركيز: أنا هعلمك شوية حاجات تعمليها، علشان تساعدينا، يلا خلونا نبدأ..

وبالفعل، بدأ الثلاثة العمل معا، بينما كانت نظراتهم توحي أن ما يحضر لهذه الليلة، سيغير أشياء كثيرة.

علي اتجاه آخر.

وقفت فايزة أمام المرأة تتجهز للخروج لزيارة عزت، وأثناء ذلك سمعت طرقا على الباب.

رفعت صوتها: ادخل.

دخلت إحدى الخادمات: صباح الخير يا هانم.

نظرت لها عبر المرآة ولم تبادلها التحية، فتقدمت الخادمة: في حاجة حصلت ياهانم، لازم حضرتك تعرفيها.

لم تلتفت لها وقالت بنفاذ صبر وهي تعدل حزام بذلتها: إيه هي يا مفيدة؟ خلصي بسرعة، مش فاضيله لك.

أجابتها بتوتر: أأص أأأصل شوفت ماسة هانم وسليم بيه بيهزروا مع بعض، وكانت لمؤخذا يعني بتدلع عليه.

التفت لها بصدمة فور سماع تلك الكلمات: أنتِ بتقولي إيه؟

ابتلعت ريقها وتابعت: والله يا هانم زى مابقولك كده، كانوا خارجين من المكتب امبارح بيضحكوا ويهزروا، حتي سليم بيه شالها على ضهره وطلع بيها الأوضة، هما مخدوش بالهم مني، بس أنا شوفتهم.

توترت ملامح فايزة، وتحركت عيناها بقلق، قبل تستعيد ثباتها وتمسك بحقيبتها وتخرج منها مبلغا من المال وهي تقول بابتسامه: برافو يا مفيدة، أنت كده مفيدة فعلا، خدى دول ولو شوفتي حاجة شبه كده تاني قوليلي فورا، فتحي عينك عليهم كويس.

التقطت مفيدة الفلوس بلهفه: من يد مانعدمها يا هانم، عنيا، اي حاجه هتحصل هقولك هوا.

ثم غادرت وهي تضم النقود الي صدرها بسعادة.

أما فايزة، فشعرت بتوتر شديد يتسلل إلى داخلها، فما سمعته الآن جعلها تشك أن يكون نفذ ماقاله في المستشفي، وبدأ بالبحث وراء حقيقة اختطافها بالفعل، وكان ذلك الاحتمال يمثل كارثه بالنسبة لها، خاصة في الأزمة التي يمرون بها الآن، فإن علم سليم شيء ستكون نهايتهم الحقيقيه!

الفيلا التي يمكث بها مصطفي.

استيقظت آلاء من نومها وقد شعرت ببعض التحسن بعد زول الألم، نظرت بجانبها فوجدت مصطفي لايزال علي جلسته بجوارها يتابع التسجيلات بتركيز.

نهضت بخجل: حضرتك لسه قاعد من ساعتها؟

انتبه لها، وقال بابتسامه: عامله ايه دلوقتي؟ 

اومأت بخجل: كويسه، تعبت حضرتك معايا.

أجابها بمشاكسه: هي إيه حضرتك اللى ماسكه لى فيها من الصبح دي؟ يعني خلصنا من دكتور دخلنا في حضرتك؟

لم تستطع الرد وظلت تهرب بنظراته منه، فتنهد بارهاق: عموما يا ستي حضرتي متعبش بسببك، حضرتي تعب من كمية التسجيلات المتراكمة عليا ومش راضيه تخلص.

رفعت رأسها سريعا: طب أنا ممكن أساعدك.

ابتسم لها: مش عايزه اتعبك.

هزت رأسها: مش تعب ولا حاجه، هات أكمل بدالك وارتاح شوية، أنا كمان استاذ سليم له جميله في رقبتي.

ضحك عاليا: آه لو سليم يعرف إنه بقي استاذ.

أطرقت برأسها خجلا مرة أخري، في حين ظل هو يتأملها بابتسامة دافئة، يجهل مصدرها، ويعجز عن فهم السر الذي يجعلها لا تزور شفتيه إلا في حضورها!

قصر الراوي،1ظ.

دخل رشدي الغرفة وأغلق الباب خلفه، فوجد مي تجلس على الفراش بهدوء غريب، وبجانبها حقيبتها، لكن أكثر ماصدمه لم يكن الحقيبة، بل ملامحها، فقد بدت كوردة مكسورة.

ضيق عينيه باستغراب وهو يشير للحقيبة: إيه الشنطة دي؟!

أخرجت نفسا عميقا، ثم وقفت أمامه، وقالت بهدوء متألم: أنا كان ممكن أمشي قبل ما تيجي، بس حسيت إني لازم أتكلم معاك الأول، وأقولك أنا ليه همشي.

أخذت نفسا مرتجفا، وتابعت بعينان تلمعان بالدموع: علشان متفتكرش إني سيبتك ومشيت، زي ما كل الناس بتسيبك وتمشي.

هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها: أنا مكنتش عايزة ده، كنت عايزة أفضل جنبك وأحارب معاك لحد ما أخرجك من إللي أنت فيه، وكنت مستعدة أتحمل عصبيتك وتعبك، حتى لو هشوفك وإنت بتاخد القرف ده قدامي وأنا بموت من جوايا، بس كنت مستعدة أستحمل أي حاجة… إلا إني أشوف منك الضعف، وعدم الإرادة، وتكذب عليا..

تحركت عيناه قليلا، وابتلع غصته بصعوبة، وكأن كلماتها بدأت توقظ شيئا بداخله كان خامدا منذ ساعات، منذ أن غرق في غضبه وهروبه ومحاولاته البائسة للنسيان.

ظل ينظر إليها بصمت، بينما كانت هي تحدق فيه طويلا، وكأنها تحاول للمرة الأخيرة أن تجد الرجل الذي أحبته وسط كل هذا الضياع.

همست بمرارة موجوعة: أمال كنت بتقولي ليه أنا عايز أبطل؟ 

لم يستطع الحديث وكأن الكلمات هربت منه، بينما أخفضت عينيها وهي تهز رأسها بألم: كنت بقول مستحيل يكذب عليا، حتى لو غلط هيقول..

رفعت عينيها إليه بخذلان: بس أنت خبيت، وكدبت، ومثلت عليا...لتاني مرة!

هز رأسها والدموع تنهمر من عينيها: أنا مش همشي بمزاجي ولا كنت عايزة أمشي، بس همشي بسببك أنت يا رشدي، أنت إللي بتجبر الناس تمشي وتسيبك؛ لإن معندكش إرادة، ومبتحاولش كفاية، وأنا مش هفضل مع إنسان ضعيف زيك أول ما الدنيا تضربه، يجري لأي حاجة قديمة تدمره..

أغمضت عينيها للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مليئة بالخذلان: طبعا روحت شربت مع صحابك، مش كده؟

أكملت بسخرية موجوعة: وهتقولي ايه بقي المره دى؟ هتقولى "آخر مرة، وهحاول وخليكي معايا؟"

مسحت دموعها بحسم: بس لا أنت مبتتغيرش يارشدي، ومسبتليش أي اختيار تانى غير إني أمشي، علي الأقل علشان احافظ علي الذكريات الحلوة اللى مابينا .. 

تنفس بعنف وقال بصوت متهدج يحاول إزاحة الذنب عن كاهله: وأنت شايفه إن أصح قرار تاخديه، إنك تسبيني وتمشي مع أول غلطة أقع فيها؟

صمت لحظه، ثم تابع بعصبية: أنا أصلا قولتلك إن طريقة العلاج دي مش عاجباني، وإنتِ مسمعتيش كلامي، فاضطريت أعمل كده، ولو بتحبيني بجد هتسامحيني وتفضلي معايا، لإنك عارفة كويس إني لما ضربتك بالقلم وزعقتلك مكنتش واعي ولا عارف أنا بعمل إيه، ولما روحت شربت كنت عايز أنسى إللي أنا عملته.

ردت عليه باستهجان: إنت واعي للي بتقوله؟ بجد مقتنع بكلامك ده؟ أوعى تفتكر إن القلم والزقة دول هما إللي وجعوني؟!

ابتلعت غصتها وتابعت بصوت مرتعش: أنا إللي وجعني بجد إني كنت متعشمة فيك، كنت بقول مستحيل تعمل كده، ومستحيل تكذب عليا..

شهقت باكية وهي تكمل: إنت كسرتني يا رشدي، وخذلت ثقتي فيك.

أخفضت رأسها وقالت بصوت مخنوق: وأنا بدور على المخدرات، كنت بتمنى ملاقيهاش، كنت بدعي يكون الدكتور بيبالغ، بس للأسف طلع صح..

اهتزت ملامحه وبدا التأثر واضحا في عينيه للحظات، قبل أن يقترب منها ويمسك يديها بسرعة، وكأنه يتمسك بآخر شيء يوشك على ضياعه: طب اديني فرصة كمان، صدقيني أنا معملتش كدة بمزاجي، فيه ضغوط كتير عليا الفترة دي، من يوم الحفلة وكل حاجة فوق رأسي...

ابتلع ريقه، وأكمل بتوتر: وبعدين أنا مكنتش باخد كمية كبيرة، دي كانت حاجة بسيطة.

ضغط على يديها أكثر وهو يحاول التبرير لنفسه: صدقيني كان غصب عني، أنا مكنتش قاصد أخدعك، اديني فرصه كمان..

سحبت يديها والتفت بجسدها وهي تقول بهدوء موجع:  يا رشدي أنت هتفضل زى ما أنت، وأنا مش هعرف أعملك حاجه طول ما انت مش عايز تساعد نفسك.

أمسك يديها وجعلها تلتفت له وهو يقول بصدق: لا مش هفضل كده وهبطل، أنا أصلا كنت عايز أبطل من قبل ما نتجوز.

نظرت إلى عينيه المتوسلتين، فارتبك قلبها أكثر، ترددت للحظات، وكأن الكلمات عالقة في حلقها، ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت بخوفت متردد: يبقي تثبتلي!

عقد حاجبيه بعدم فهم، فتابعت بصوت حاسم: اثبتلي إنك فعلا عايز تتعالج، ووافق إنك تدخل مصحه. 

هز رأسه سريعا: لا طبعا مش هينفع، قولتلك قبل كده، اسم العيلة و...

قاطعته بنبرة مرتفعه: أنت أهم من اسم العيلة! 

ثم أشارت له بحزم: لازم تفهم إن ده الحل الوحيد ومش هرضى غير بيه، لو كنت فعلا عايز تحافظ على وجودى في حياتك!

جز على أسنانه: بلاش الأسلوب دى يا مي، أنت عارفه إني مش بحب لوي الدراع.

هزت رأسها بثبات: أنا مش بلوي دراعك؟ أنا ببلغك قراري وأنت عليك تختار.

اشاح بوجه وقال بخفوت: أنتِ عارفه إني بحبك ووجودك في حياتي مهم، بس مش هقدر، متصعبيهاش عليا..

امسكت وجهه بين يديها، وقالت وهي تركز النظر في عينيه: صدقني أنت اللى مصعبها علي نفسك، أنت قولتلي قبل كده نجرب، وأهو فشلنا، ده الحل الوحيد لو فعلا عايز تتعالج بجد.

نظر إليها دون رد، فتابعت تحاول فهمه: طب فهمني سبب رفضك؟ إيه إللى مخليك رافض المصحه كده؟ ومتقوليش اسم العيله.

اخفض رأسه وقال بصوت منخفض مرتبك: مش عايز ابقي لوحدى، العيلة مش هتوافق، ومحدش هيزورني، وهبقى لوحدي هناك...

بدأت أنفاسه تضطرب وهو يكمل بسرعة: أنتِ متعرفيش هما ممكن يعملوا فيا إيه، هيقتلوني بالبطيء.

قالت بحنان: لا طبعا أكيد هيبقى فيه زيارات، بس بعد فترة.

هز رأسه بعنف وهو يبتعد عنها: لا! هيمنعوا أي زيارات، هيخافوا حد يسرب الخبر، هيتعاملوا معايا علي إني وصمة عار لازم تتداري، هينسوني زى ما علطول ناسيني، حتي وأنا معاهم.

كان واضحا أنه يخشي الوحدة ويخاف أن يُنسى؛ فقد اعتاد أن يكون مهمشا لا يلتفت إليه أحد، لقد عاش بينهم لأعوام، لكنه لم يشعر يوما بأنه جزء حقيقي منهم، لذلك كان يخشى أن يمحي أثره بمجرد أن يبتعد، وكأنه لم يكن موجودا من الأساس.

تألمت من حديثه، وقالت بحنان: أنا مش هسيبك، هتلاقيني جنبك كل يوم لحد ماتمر من الأزمة دي.

هز رأسه بأسي: مش هيخلوني اشوفك، هيمنعوكي تزوريني، أنت متعرفيهمش أنا اللى عارفهم.

أمسك يدها، وقال بلهفه محاولا اقناعها: طب بصي، هقعد في الأوضة ومش هخرج منها زي ما إنتِ عايزة، بس بلاش مصحة، مش عايز أكون لوحدي.

هزت رأسها بحزم رغم دموعها: مش هينفع، قولتلك أنا هبقي معاك مستحيل حد يقدر يمنعني أنا مراتك.

تحرك مبتعدا وهو يهز رأسه بانهيار: إنتِ متعرفيهمش، هما أقوياء، يقدروا على كل حاجة، هبقي منفي هناك، وممكن يأذوكي وأنا مش هبقي موجود علشان احميكي.

راقبته للحظات، وشعرت أنه يهول الأمر، لكنها سايرته وقالت: طب خلاص نسافر.

رفع عينيه لها، فامسكت يده وقالت بإصرار: نسافر أي بلد تانية ونتعالج هناك من غير ما حد يعرف.

رأت عدم الاقتناع يلمع في عينيه، فهمست بوجع: رشدي إنت عايز تفضل معايا ولا لأ؟

رمش بعينه: أكيد طبعا.

أخذت نفسا عميقا، ثم قالت بصوت ثابت: تمام لو مروحتش مصحة، أنا همشي وهطلق، ومعنديش مشكلة أبقى مطلقة بعد شهر جواز، بس مستحيل أعيش مع واحد مش عايز يتعالج ولا يغير من نفسه، أنا آسفة يا رشدي دى مش قساوة مني، بس ده قراري ومش هرجع فيه.

رد بضيق مكتوم: قولتلك مبحبش الأسلوب دى.

ردت باستنكار: أنهي أسلوب؟ الأسلوب إللي بطلب فيه من جوزي يتعالج علشان نفسه وعلشاني، وعلشان ولادنا في المستقبل؟

أشارت له بإنفعال: أنت عاجبك حياتك كدة؟ مبسوط باللي أنت فيه ده؟

مرر يده في شعره بتوتر: هو أنا قولتلك لا؟ أنا وافقت، بس هنا.

ردت بحزم: لا، لازم مصحة.

ازدادت ملامحه اضطرابا وهمس بعينين تلمع بدموع: بلاش يا مي، مش عايز ابقى لوحدي ارجوكي.

لانت نظرتها، واقتربت منه أكثر: والله أنا هبقى جنبك، وهزوك علطول، ولو ينفع ابقي مقيمه معاك هعمل دى.

حاولت أن تبتسم وهي تقول بخفة: خلينا نسافر ونمشي، أنا أصلا مش مرتاحة هنا، وبعدين أنا عايزاك تعوضني عن شهر العسل إللي ضاع عليا ده.

ابتسمت رغم دموعها، وحاولت أن تضيف بعض المزاح لتخفف التوتر: أنا حاسة إني بقالي مية سنة متجوزة، مش شهر، ده شهر بصل مصنن مش عسل.

نظرت له بعتاب: واحدة غيري كانت مشيت بس أنا استنيت وكملت لإني بحبك، تمسكي بيك ده مش فارقلك؟

رقرقت عيناه بالدموع، وامسك يديها وهو يردد بلهفه: فارقلي… والله فارقلي، أنا كمان بحبك.

ابتلع غصته وقال وهو ينظر لها وكأنه يتمسك بالحياة من خلالها: ماشي يا مي، أنا موافق أدخل مصحه واتعالج علشانك، بس خليكي معايا متسبنيش.

قالت بصدق: أنا معاك ومستحيل أسيبك أبدا.

اندفعت تعانقه بقوة وفرحه، وكأنها بذلك العناق تخبره بأنها اختارت البقاء إلى جواره مهما حدث.

بادلها العناق بقوة، وغمره ندم ثقيل على كل ما اقترفه بحقها؛ من غضب، وقسوه، وأخطاء لا تُحصى.

تساءل في تعجب: كيف لا تزال قادرة على احتوائه بعد كل ذلك؟ وكيف ما زالت ترى فيه ما يستحق البقاء؟

شعر أنه لا يساوي شيئا أمام هذا القلب الذي لم يتعلم سوى العطاء!

تنفس بعمق، وابعدها عنه قليلا، ثم رفع يده على خدها، يمررها علي مكان صفعته برفق: أنا آسف، حقك علي.

ابتسمت ابتسامة بريئة مليئة بالحب: عارفه إنه غصب عنك، ومش زعلانة منك، بس هزعل بجد لو كدبت عليا وخدعتني تاني.

ابتسم ابتسامه باهته: مستحيل تكرر تاني.

جذبها إليه مرة أخرى، وقلبه يخفق بعنف داخل صدره، وكأن الحياة تهبه فرصة جديدة لم يكن يستحقها.

ابتعدت عنه أخيرا وهي تمسح دموعها وتقول بابتسامه: بما إنك وافقت بقي، يبقي يلا بينا نروح للدكتور علشان نسأله على مصحة كويسة.

تنهد: أنتِ عارفة إني مينفعش أظهر هناك.

رفعت احد حاحبيها بحزم: رشدي، لازم تيجي معايا وتتكلم مع الدكتور، وبعدين هو أصلا عارف كل حاجة، متكبرش الموضوع، والله دكتور محترم جدا وصاحبي، ومحدش هيعرف أي حاجة.

اجابها بمهاوة: ياستي حاضر هاجي، بس اصبري شوية.

هزت رأسها باصرار: لا، أنت أخدت القرار ولازم تكون قده، الإجراءات كلها هتاخد وقت، ولازم نشوف مصحه مناسبه ونقرر هنروح فين، خلينا نبدأ من دلوقتي.

ضيقت عينيها وهي تنظر إليه بشك: ولا أنت كنت بتقول كده وخلاص علشان تسكتني؟

اجابها باستسلام: يستي لا اسكتك ايه، يلا بينا نروح.

ابتسمت واخذت حقيبه يدها، وما إن هم بالتحرك حتى أمسك يدها مجددا وأوقفها.

نظر إليها طويلا ثم قال بصوت مبحوح، معتذرا عن ذنوب كثيرة أثقلت قلبه ولم يستطع البوح بها: مي سامحيني، أنا آسف، وبجد أنا بحبك أوي، أنتِ حاجة كبيرة وعظيمة أوي في حياتي، أول مرة أحس إن الدنيا بتحبني علشان بعتتك ليا، ومستحيل اسمح اني أخسرك ابدا.

اتسعت ابتسامتها ونظرت له بعينين لامعتين، ثم تشابكت أصابعهما معا وتحركا نحو الخارج، وكل منهما يشعر أن الطريق القادم رغم صعوبته لن يكون مخيفا ما داما يسيران فيه معا.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل 

على إتجاه آخر.

كان سليم وماسة ومكي قد انتهوا من تجميع كل شيء، بينما كانت التسجيلات المباشرة ماتزال تعمل أمامهم، تنقل مايحدث بين رشدي ومي لحظة بلحظة.

تمتم مكي بتعجب: دي علي الله خالص وسامحته!! هتعمل ايه؟

أجابه سليم بهدوء بارد وعيناه مثبتتان على الشاشة: هعمل إيه يعني؟ هستنى لما يرجعوا وأقولها كل حاجة، بالعكس ده إللي كنت عايزه.

تنهدت ماسه بتأثر: مسكينه وطيبه أوى بجد، أنا أكتر واحدة حاسه بيها، أزاى بعد كل الفرص اللى بتديهاله دى يروح يخونها ويكسرها؟

امتعض وجهها: شخص زباله بجد، وميستحقش واحده زيها، دى ربنا هينجدها.

سليم بحكمة: هي اللى اختارت غلط من الأول، أنا أصلا استغربت ازاى وافقت بيه، دول فرق السما من الأرض!!

ردت ماسة: مش بيقولوا مراية الحب عامية!

هز رأسه: برضو، حتى لو انخدعت بيه في الأول، بس هي اختارت تقدمله تنازلات كتير من غير ما تشوف إشارة واحده إيجابيه تقولها إنه يستاهل.

هزت رأسها بتأثر: عندك حق، ربنا يصبرها. 

في تلك اللحظة، فتح الباب فجأة، ودخل ياسين يقول: مساء الخير.

اغلقت ماسه هاتفها بسرعه قبل أن يري البث، وقالت بتمثيل محكم: في تهديد تاني؟ ولا أمشي.

رفع سليم عينيه إليها وقال بحدة: أطلعي على أوضتك.

تحركت فورا دون نقاش، بينما وقف مكي هو الآخر:
طب أنا بره، حمد الله على السلامة يا ياسين.

أجابه بهدوء: الله يسلمك.

غادر مكي وأغلق الباب خلفه، فتقدم ياسين وجلس أمام سليم مباشرة، وقال بتعب واضح: الدنيا بايظة خالص في المجموعه.

أجابه باختصار: دي حقيقة.

تنهد ياسين وأكمل: متوقعتش الاقي الدنيا ملخبطة كده، مش بس حوار صافيناز والانفجار وتعب الباشا والهانم، لا، أنا حاسس إن فيه حاجة أكبر بكتير.

اجابه سليم بضجر: أومال أنا اعمل ايه؟؟ دى أنا من ساعة إللي حصل وأنا مرتحتش لحظة، من المجموعة، للمصنع، للورش، للتدوير ورا اللى بيحصل، لحد ما خلاص مبقتش شايف قدامي، وكله شاري دماغه ومفيش حد يسد معايا.

عقد ياسين حاجبيه باستغراب، إذ كان يدرك جيدا أن سليم لم يذهب إلى المجموعة، ولم يبذل أي محاولة حقيقية للتواصل مع أحد كما يزعم!

لكنه فضل الصمت… وتساءل بهدوء مترقب: يعني أنت كلمت ناس وحاولت تشوف مين ورا إللي بيحصل؟

اومأ بتأكيد: أكيد.

تساءل: كلمت مين؟

أجاب بثقة: ماركو، وريمون، ومارلو، عشان اعرف لو حد من المافيا وراها، حتى الوزراء اتكلمت معاهم، بس لأسف موصلتش لحاجه.

ظل ياسين ينظر له لثواني، ثم قال بهدوء غريب: سليم، أنا كلمت كل الناس دي وعرفت إنك متكلمتش مع أي حد فيهم غير ماركو.

صمت لحظه، ثم أكمل وهو يراقب ملامحه: وعرفت كمان إنك مروحتش المجموعة ولا مرة، حتى المصنع روحت مرة واحدة بس علشان تشوف حجم الخسارة، حتى الصحفيين كانت مكالمة ملهاش لازمة.

عاد سليم بظهره للخلف، وظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه: كنت بتوقعني في الكلام يعني؟

هز رأسه نافيا: مقدرش أوقع سليم الراوي في الكلام، بس عايز أفهم؟! أنا لما روحت المجموعة قالوا إنك مبتجيش، ولما كلمت الناس برة فهمت إنك مكلمتش حد، هما مقالوهاش صريحة بس كانت باينة، هو فيه ايه يا سليم؟

تنهد وقال ببرود: تفتكر لو أي حد سأل عني، سهل يعرف اللي أنت عرفته ده، مش كده؟

اومأ بتأكيد: مظبوط، ودي أكتر حاجه مستغربها، إن حتى أصغر عامل لو سأل، هيعرف إنك لا بتروح ولا بتعمل حاجة!

مال سليم للأمام، وقال بابتسامة: وتفتكر أنا بالغباء ده يا ياسين؟!

رفع إصبعيه وأكمل بهدوء محسوب: عندى ليك إجابتين.

الإجابة الأولى… إني أقدر أقنعك إني بعمل كل حاجة في المتغطي، وإني مدي تعليمات للناس تقول اني مبظهرش علشان فيه حاجة عايز أوصلها؟! وبالمناسبة دى الكلام اللى هيتقال للباشا والهانم لما يرجعوا وهيقتنعوا بيه.

أما الإجابة التانية بقي... فعن السبب الحقيقي، وهي أبسط بكتير.

ضيق ياسين عينيه: إيه هي؟

نظر له مباشرة وقال بصراحة مرعبة: انا إللي بعمل كل ده!

اتسعت عينا ياسين: إيه؟!

ضحك بخفة وهو يمد يده نحو اللابتوب: زي ماسمعت،  أنا كنت عامل الملخصات دي عشان أسمعها لمي، فيها حاجات تخص رشدي، وحاجات تخص العيلة، كنت ناوي أسمعها القصة كلها من البداية للنهاية، بس مفيش مشكلة اسمعك أنت كمان.

نظر له نظرة ثابتة وأضاف: أصلي عارف إني لو حكيتلك مش هتصدق، لكن بعد ما تسمع بودانك مش هيبقي عليك غير إنك تختار؟!

 وبدأ يشغل التسجيلات أمامه.

أمام احد العمارات.

هبط رشدي ومي بعد أن انتهيا من زيارة الطبيب الذي رشح لهما أكثر من مصحة مناسبة.
كان الهدوء يغلف ملامح رشدي، ولأول مرة منذ فترة طويلة بدا متقبلا للأمر.

صعدا إلى السيارة، وقالت مي وهي تنظر إلى الأوراق بين يديها: أعتقد إن مصحة كندة دي كويسة.

أومأ برأسه: فعلا.

ابتسمت بخبث لطيف: خلاص، يبقى نحجز فيها، وكمان تعوضني عن شهر العسل اللي معشتش منه غير 3 أيام.

ضحك وهو يلتفت إليها: عنيا، بقولك إيه تعالي نغير جو شوية، هوديكي مكان هيعجبك أوى.

ابتسمت بحماس: ماشي.

وبالفعل، أدار المحرك وانطلقت السيارة تشق الطريق، ولكنهم لم ينتبها إلى السيارة التي كانت تتحرك خلفهما بهدوء، محافظة على مسافة كافية حتى لا تلفت انتباههما.

ومرور بعض الوقت توقفت سيارة رشدي أمام أحد المناطق المطله علي النيل، وهبطا معا وتحركا نحو الداخل.

كان المكان هادئا بشكل ساحر يطل علي النيل، وتحيط به أشجار كثيفة.

نظرت مي حولها بانبهار: الله المكان حلو أوي، أول مرة أعرف إن فيه في مصر أماكن بالجمال ده. 

ابتسم وهو يراقب فرحتها، وهي تتحرك وسط الممرات المليئة بالأشجار المطلة على النيل.

سألها بهدوء: تحبي نقعد فين؟

أشارت بيدها لمقاعد حجريه قريب من المياه: تعالى نقعد هناك.

وبالفعل، تحركا وجلسا على المقاعد وسط الطبيعة الساحره، والنيل يمتد خلفهما بهدوء مريح للأعصاب.

نظر لابتسامتها الهادئة معلقا: المكان عجبك للدرجه دى؟

هز رأسها: أوى، أنا أصلا بحب الهدوء والأجواء دي، بس أنت مبتحبش الكلام ده.

هز كتفه بابتسامة: بمل منه، بس علشان عارف إنك مبتحبيش الأماكن إللي أنا بحبها، قولت أجيبك هنا.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تقطعه مي: جنة وحشتني اوووي، إيه رأيك ناخدها معانا؟

عقد حاجبيه: ناخدها معانا فين؟ مينفعش.

أسرعت تقول بحماس: مينفعش ليه، أنا هاخد بالي منها والله، والنبي يا رشدي علشان خاطري وافق.

هز رأسه بحسم: قولتلك مش هينفع يا مي، أنا محبش إنها تشوفني بالوضع ده، وانتِ كمان مش هتبقي مركزة، وكمان جدتها هنقولها ايه..؟

تنهدت باحباط: ماشي.

وعلي إتجاه آخر…

كان تمساح يقف أعلى مبنى بعيد مرتديا قبعه وشال يخفيان ملامحه، امسك البندقية بثبات قاتل، وعيناه مركزتان عبر المنظار على رأس رشدي مباشرة، استقر إصبعه فوق الزناد وقد حسم أمره..

في الأسفل…

نظرت مي إليه بابتسامه: طب ما تقوم نروحلها، وحشتني أوى والله، وكل مرة تكلمني اقولها هجيلك وبعدين تحصل حاجه تعطلني.

اومأ برأسه: ماشي ناكل أي حاجه وبعدين نمشي.

صوب تمساح البندقية أكثر…ثم ضغط الزناد.

في اللحظة نفسها نهضت مي فجأة أمام رشدي تجذبه: لا، يلا نروح دلوق ____
لكنها لم تكمل.
اخترقت الرصاصة جسدها من الخلف، فاتسعت عينا رشدي بصدمة مرعبة وهو يرى الدماء تنفجر من جسدها: مييي!!

لكن تمساح لم ينتظر ثانية أخرى وأعاد التصويب فورا وأطلق الرصاصة الثانية.

فاستقرت في رشدي بقوة، ليسقط هو الآخر أرضا بعنف، بينما أختلطت صرخات الناس بصوت الرصاص والد*م.
تعليقات



<>