
رواية هتلر الفصل الثاني والعشرون22 بقلم اسماعيل موسي
رحل محمود ورجاله قبل وصول أي دعم أو تحرك مضاد ولم يتركوا خلفهم سوى الفوضى وآثار الرصاص والجثث المبعثرة حول المكان
كانت الشاحنات تتحرك في الظلام بسرعة محسوبة وكل سيارة تحمل جزءًا من الصفقة التي سقطت من يد هتلر ورجاله
ولم يكن ما استولوا عليه مجرد بضائع بل ضربة مباشرة في قلب النفوذ نفسه
جلس محمود داخل إحدى السيارات صامتًا وعيناه على الطريق لكن عقله كان في مكان آخر
لم يتحدث كثيرًا طوال الرحلة وكان رجاله يراقبونه بصمت وهم يعرفون أنهم عبروا نقطة لن يعودوا بعدها كما كانوا
بمجرد وصولهم بدأت الحركة فورًا ولم يخزن محمود الصفقة ولم ينتظر
أغرق السوق بها بسرعة مدروسة وظهرت البضائع فجأة في أكثر من مكان وبأسعار أقل من المعتاد
انتشرت الكمية كالنار في الأسواق وفي أيام قليلة أصبحت حديث الجميع
تجار صغار يشترون ومروجون يتحركون والكل يسأل من أين جاءت هذه الكمية
لكن الإجابة لم تكن موجودة لأن محمود كان يعرف ما يفعله جيدًا
لم يكن يريد المال فقط بل كان يرسل رسالة واضحة تقول أنا هنا
ومع كل ساعة تمر كان ينتظر الرد وكان يتوقع أن يهتز العالم من حوله
توقع أن تتحرك الأيدي الكبيرة بسرعة وأن تبدأ المطاردة أو تصل التهديدات
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث
مر يوم ثم آخر ثم أسبوع كامل والصمت ما زال مستمرًا
ذلك الصمت لم يطمئنه بل أقلقه أكثر لأن الرجل الذي يملك كل هذا النفوذ لا يمكن أن يبتلع ضربة كهذه ويسكت
ولا يمكن أن يترك السوق يُهان بهذه الطريقة دون رد
بدأ محمود يشعر أن التأخير نفسه جزء من شيء أكبر وكأن الطرف الآخر لا يغضب بل يراقب فقط
كان إحساسًا ثقيلًا يزداد داخله مع كل يوم يمر
جلس ذات ليلة وحده يدخن في صمت والمدينة تتحرك أسفل نافذته كأن شيئًا لم يتغير
لكنه كان يشعر أن شيئًا ثقيلًا يقترب ببطء وشيئًا لا يشبه ردود الفعل المعتادة
وفي داخله بدأ إحساس غامض يتشكل بأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد
مر أسبوع آخر دون أي حركة واضحة ولم تصل تهديدات ولم تظهر عيون تراقب المكان ولا حتى همسات تحمل اسم محمود
ذلك الهدوء بدأ يتحول إلى شيء مستفز وكأن الطرف الآخر يتعمد تركه داخل الانتظار
وفي إحدى الليالي كان محمود جالسًا وحده داخل شقته والدخان يملأ الغرفة وصوت المدينة يأتي خافتًا من الخارج
رن هاتفه فجأة فنظر إلى الشاشة ووجد رقمًا مجهولًا
ظل يحدق فيه لثوانٍ ثم رد بهدوء
جاءه صوت رجل لا يحمل أي انفعال وهو يسأله إنت اللي استوليت على الصفقة
لم يسأل محمود عن هوية المتصل ولم يتردد في الرد
قال بصوت ثابت أيوه
ساد صمت قصير ثم عاد الصوت مرة أخرى يسأله وإنت اللي وزعتها في السوق
أخرج محمود دخان سيجارته ببطء وقال بنفس الثبات أيوه
عاد الصمت من جديد لكنه هذه المرة كان أثقل وكأن الرجل على الطرف الآخر يعيد تقييم شيء ما
ثم جاءه الصوت هادئًا بصورة غير مريحة وهو يقول جيد
توقف لحظة قصيرة ثم أكمل بنفس النبرة الباردة وفرت عليا مجهود ومصاريف
انعقد حاجبا محمود قليلًا وهو يستمع دون أن يقاطع
ثم أكمل الرجل كلامه قائلاً أنا عايز فلوس الصفقة كلها تكون عندي وعليها المكسب
انتهت الجملة الأخيرة ببرود حاسم ثم انقطع الخط مباشرة
لم يمنحه فرصة للرد ولا للسؤال ولا حتى لمعرفة من كان يتحدث معه
أبعد محمود الهاتف عن أذنه ببطء وعيناه أصبحتا أكثر حدة
لم يكن في الصوت غضب ولا تهديد مباشر وذلك كان أخطر شيء فيه
ظل محمود ينظر إلى الهاتف بعد انقطاع المكالمة وكأن الصوت ما زال عالقًا في أذنه
مرت لحظات طويلة قبل أن يهمس بصوت منخفض الرجل الكبير
لم يكن الاسم جديدًا عليه بل كان ظلًا يتحرك دائمًا خلف كل شيء دون أن يظهر
أطفأ سيجارته ببطء ثم نهض من مكانه وكان يعرف في داخله أن الخطوة القادمة لا تحتمل أي خطأ
بدأ يجمع أموال الصفقة من كل مكان وتحركت الحقائب ليلًا بين الأيدي بصمت
وكان رجاله ينقلون الأموال والأرقام تُغلق بسرعة قبل أن تترك أي أثر
استعاد المال قطعة قطعة حتى اكتمل المبلغ كاملًا ومعه المكسب المطلوب
لم يناقش قراره مع أحد ولم يطلب رأيًا من أي شخص
وبعد ساعات وصلت رسالة نصية قصيرة إلى هاتفه تحتوي على عنوان فقط
لم يكن فيها اسم ولا كلمة إضافية واحدة
قرأ العنوان أكثر من مرة ثم حفظه في صمت وتحرك وحده مع حلول المساء
وكلما اقترب من المكان بدأ يدرك حجم الرجل الذي يتعامل معه
كان الطريق هادئًا أكثر من اللازم وتحيط به مراقبة غير مريحة
ثم ظهر القصر أخيرًا في نهاية الطريق
مكان ضخم معزول خلف أسوار مرتفعة تمتد لمسافات طويلة ويحيط به الحديد الأسود من كل جانب
وكان يبدو وكأن ما خلف تلك الأسوار عالم منفصل عن المدينة كلها
انتشرت الحراسة في كل ركن يقفون بثبات وسيارات تتحرك ببطء حول المكان
وكانت الكاميرات تراقب كل زاوية بلا توقف
حتى البوابات نفسها بدت كأنها جزء من حصن لا منزل
توقف محمود للحظة داخل سيارته يتأمل المكان بعين ثابتة
أدرك أن هذا ليس مجرد تاجر مخدرات كبير بل رجل بنى لنفسه مملكة كاملة
اقتربت منه إحدى السيارات السوداء ببطء ثم نزل منها رجل ضخم فتح الباب الخارجي دون كلمة واحدة
أشار له بالدخول فتحرك محمود إلى الداخل بهدوء
وكان يشعر مع كل خطوة أن العالم الذي دخله الآن أخطر بكثير مما واجهه من قبل