رواية عشق محرم الفصل الرابع والعشرون24بقلم نور الهادي
قال سليم_ كنتى عارفه كنتى متفقه معاااااه
عرفت سليم انه يقصد ياسمين قالت_ كنت عارفه
نظر سليم إلى ميار بحدة شديدة، وعينه مليانة غضب وشك.
قال بصوت مخيف:
ـ كنتي عارفة؟!
اتألمت ميار من قبضته وهي تراقبه، وقالت بهدوء تحاول تحتوي غضبه:
ـ سليم…
قاطعها بعنف:
ـ كنتي عارفة إيه؟!
كانت مازالت ماسكة المسدس، لكنها أنزلته بهدوء ودسته في بنطلونها بدون ما ياخد باله، ثم قالت وهي تحاول تهديه:
ـ خلينا نتكلم…أنا اتفاجئت زيك، بلاش تبصلي بعين الاتهام دي.
لكن سليم قرب منها أكتر وقال بصوت مرتفع:
ـ ردي عليااا!
تعرفي إيه؟!
إنتي وحاتم عملتوا إيه؟!
كنتي بتسانديه!
قالت ميار بسرعة:
ـ أسانده في إيه؟
أنا أصلًا مكنش ليا علاقة بزوجتك.
سكتت لحظة ثم قالت:
ـ أنا شوفتها يومها…
نظر لها سليم بتركيز، بينما تنهدت ميار وقالت:
ـ كنت عند حاتم… وأنا ماشية شوفتها.
ــــــــــ فلاش ــــــــــ
كانت ميار واقفة عند البسين، وعينها وقعت على انعكاس وجه في المية.
لفّت بسرعة…
واتصدمت لما شافت ياسمين واقفة وراها.
، لأن وجود فرد من عيلة الهواري في فيلا حاتم كان آخر حاجة تتوقعها.
قالت ميار بدهشة:
ـ ياسمين؟!
ردت ياسمين وهى تنظر لها بشده
ـ إنتي بتعملي إيه هنا؟
قالت ميار ـ أنا اللي بعمل إيه؟!
اقتربت منها ياسمين وقالت بحدة:
ـ ردي عليا…أنا شوفتك وإنتي بتكلميه… كنتي مع حاتم.
رجعت ميار خطوة لورا،
قالت ياسمين بشك:
ـ إنتي محامية سليم… إيه اللي جابك هنا؟بعتي قضيته؟
ردت ميار :ـ حاتم يبقى أخويا.
اتغيرت نظرة ياسمين فجأة، لكن ملامحها حاولت تفضل ثابتة.
قالت بعد لحظة:
ـ أخوكي؟
قالت ميار:
ـ آه.وسليم وعيلة الهواري كلهم عارفين.
سكتت ياسمين وهي تنظر لها بصمت.
لكن ميار ضيقت عينها وقالت بوضوح:
ـ أما إنتي بقى… بتعملي إيه هنا؟
ردت ياسمين ببرود:
ـ ميخصكيش.
نظرت لها ميار للحظة، بينما ياسمين بدأت تمشي.
لكن ميار أوقفتها وقالت بسرعة:
ـ سليم عارف إنك هنا؟
قالت ياسمين بدون ما تلتفت:
ـ هيعرف.
نظرت لها ميار بصدمة من برودها، وكأن وجودها هنا مش ممكن يقلب الدنيا كلها.
ثم قالت ياسمين بهدوء غريب:
ـ اتأكدي من نهاية القضية وخروجه.
رفعت ميار حاجبها وقالت:
ـ إنتي قلقانة عليه؟
سكتت ياسمين.
اقتربت ميار منها أكثر، وقالت بصوت منخفض لكنه حاد:
ـ إنتي بتعملي إيه هنا يا ياسمين؟
بربك… إيه اللي بتعمليه؟
ثم أكملت بقلق حقيقي:
ـ لو اللي بين سليم وحاتم عداوة…
إنتي هتقلبيها دم.
قالت ياسمين بهدوء بارد:
ـ اتأكدي من اللي قولتلك عليه وبس.
ثم مشت من قدامها.
لكن ميار قالت لها قبل ما تبعد:
ـ اقلقي على نفسك الأول… لما يخرج.
ــــــــــ باك ــــــــــ
بصت ميار في عيون سليم الغاضبة وقالت:
ـ أنا معرفش غير ده يا سليم.
حتى سألت حاتم… لكنه مداش لي أي تفسير.
وسكتت لحظة، قبل ما تفتكر اللي حصل بعدها.
ــــــــــ فلاش ــــــــــ
دخلت ميار أوضة حاتم بعصبية، وقالت فور ما شافته:
ـ إنت بتعمل إيه؟!
رفع حاتم عينه من اللي بإيده وقال ببرود:
ـ مفيش باب عندك؟
لكن ميار رزعت الباب وراها بجرأة، لأنها الوحيدة تقريبًا اللي ما كانتش بتخاف منه زي الباقيين.
اقتربت منه وقالت بانفعال:
ـ بتعمل إيه يا حاتم؟!
إيه اللي جاب ياسمين هنااا؟!
رفع حاتم حاجبه وقال بهدوء مستفز:
ـ شوفتيها بسرعة دي؟
قالت ميار بحدة:
ـ حاااتم… بعد إذنك.
ياسمين بتعمل إيه هنا؟!
سألها حاتم وهو يراقبها:
ـ قالتلك إيه؟
ردت ميار بسرعة:
ـ مقالتش حاجة.
ومتوقع تقولّي إيه لو أنا جيتلك لهنا؟!
سكت حاتم لحظة، ثم قال بكل هدوء:
ـ هتبقى مدام الشافعي.
توقفت ميار مكانها، والصدمة ظهرت بوضوح في عينيها.
قالت بعدم تصديق:
ـ إنت بتعمل إيه يا حاتم؟!
لكن حاتم رد ببرود حاسم:
ـ متدخليش يا ميار
.خلع حاتم جاكته بهدوء، وأخرج سيجارة يشعلها وكأن ما قاله شيء عادي لا يستحق الانفعال.
أما ميار فكانت تنظر له بعدم استيعاب، قبل ما تلف وتمشي من قدامه بضيق وغضب مكتوم.
ــــــــــ باك ــــــــــ
نظرت ميار في عيون سليم،
قالت بسرعة:
ـ أنا مكنتش أعرف يا سليم…
ولا ليا دخل.
مش معنى إني ظهرت في حياتك ومسكت قضيتك إني أبقى عدوة متخفية.
إنت لسه مش واثق فيا… ولا في حقيقتي.
قال سليم بصوت خافت لكنه مرعب:
ـ مش واثق في جنسكم.
توقفت ميار تنظر له.
قال وهو يقرب منها خطوة:
ـ مستنية أثق فيكي ليه؟
عشان تخووونيني؟!
رجعت ميار لورا تلقائيًا من نظراته.
أما هو فكان بيبصلها بعين حمرا مليانة غضب ووجع حقيقي.
قال بصوت مهزوز من القهر:
ـ حتى مش مصدق ولا كلمة قولتيها…
معنديش ثقة فيكي… ولا في كلامك.
سمعتي؟!
إنتوا كلكوا خووونة… وكدااابين!
وفجأة نزل بقبضته بقوة على إزاز العربية.
الزجاج اتهشم فورًا، ودخلت قطع الإزاز في إيده.
اتسعت عيون ميار بصدمة، ونظرت لإيده المليانة دم، ثم لعينيه اللي كان واضح إنه مش في حالته الطبيعية أبدًا.
هي عمرها ما شافت سليم بالشكل ده.
ولا حتى تخيلت إن الراجل الهادئ ده ممكن يتحول لكل الغضب ده مرة واحدة.
قال سليم وهو يبعد عنها:
ـ إنتي خاينة كمان…
كلكم خاينين.
لكن مسألة وقت… بس وقت.
كانت ميار تنظر له بصمت، تراقب انهياره قدامها لأول مرة.
ثم استدار سليم وهو يقول بصوت بارد مخيف:
ـ ابعتي لحاتم…
إن نهايته على إيدي.
رفع عينه أخيرًا، والنار مشتعلة فيها:
ـ وخروجي… هو بداية دماااره.
نظرت ميار إلى سليم وعينها على إيده اللي الدم بينزل منها بغزارة.
بصتله بقوة وقالت بسرعة:
ـ سليم… إيدك!
لكن سليم كنت عينه الحمرا، وكأنه مش حاسس بالألم أصلًا.
قال بصوت مرعب وهادئ في نفس الوقت:
ـ لو كان ليكي دخل بأي لعبة من اللي بيلعبها حاتم…
صدقيني يا ميار…
مش هعمل حساب إنك بنت.
قالت ميار بقلق أكبر وهي تبص للدم:
ـ سليم… إيدك!
لكنه ما ردش.
وفجأة…
جسده مال عليها بالكامل.
اتصدمت ميار، ومدت إيديها بسرعة تلفهم حوالين جسمه قبل ما يقع على الأرض.
وقفت مكانها مذهولة، وهي شايلة سليم بين إيديها، بعد ما فقد وعيه تمامًا.
لكن قلبها كان بيدق بعنف…
من قربه الشديد منها، ومن إيديها الملفوفة حوالينه، ومن شكله وهو مستسلم بين دراعاتها لأول مرة.
كان المنظر وكأنها بتحضنه…
رغم إن كل اللي كانت بتحاول تعمله إنها تمنعه يقع بس كان كانه حضن حقيقى
***********
بعدت ياسمين عن حاتم لما مشي سليم ونظرت إليه وهو لا يزال ينظر إلى الباب الذي غادر منه سليم أمانًا، بعد ما ضربه قدام رجاله.
نظر حاتم إلى رجاله اللي كانوا منزلين وشهم في الأرض، ومشوا من أمامه.
أما حاتم فنظر إلى ياسمين اللي قالت: أنا آسفة.
قال حاتم: على إيه بالظبط؟
قالت ياسمين: على اللي سليم عمله.
قال حاتم: وإنك منعتيني.
لان فور ما شافت ياسمين سليم وهو ينهال بالبوكس على وش حاتم، اترعبت وبصّت لحاتم اللي ما شافش فعل كده قبل كده، بل كان سيتحول إلى شخص إجرامي.
فركضت إلى حاتم عاملة نفسها قلقانة عليه: أنت كويس يا حاتم؟
نظر لها وعينه فيها غضب، لكنها كانت تنظر له برجاء خافت وهي تمسك يده على بنطلونه وكأنها تمنعه من استخدام سلاحه.
كانت أعينها تترجاه، فكان ينظر إليها فزلزل غضبه أمام عينيها.
بينما سليم رآهم يعشقون بعضهم أمامه في إعلان طلاقه بسهولة تامة لرؤية خيانته أمام عينيه.
قال حاتم لياسمين: خوّفتي عليه.
قالت ياسمين: افتكر إني عملت كل ده عشان سليم، وإنت وعدتني هتتجنب أذيته والعداوة دي.
افتكر حاتم ياسمين قبل ما تاخد منه قرار واضح، قالت: "تضمنلي إن يخرج وإنت متأذيهوش؟"
نظر إليها، كان هي وعدها، لكن آخر جملة ما فهمهاش، قال: "القضية وبس يا مدام ياسمين."
قالت ياسمين: "ولو من غير القضية ووافقت وإنت أذيته... مش هعرف أعيش مع حد ممكن يأذي سليم، مبقولكش احميه، على الأقل العداوة دي تنفك."
قال حاتم: "معتقدش."
قالت ياسمين: "ليه سليم ما ذاكش وأنا واثقة من ده."
قال سليم: "منين ثقتك فيه؟"
قالت ياسمين: "سليم عمره ما يأذي حد معملوش حاجة... ده اللي أنا واثقة منه.. مش فاهمة عداوتك مع الهواري سببها إيه."
قال حاتم: "أقدر أوعدك إني مش هأذيه هو شخصيًا... لكن لو سليم اتعرض ليّا وقتها هنكث الوعد ده."
صمتت ياسمين، فهي أدركت أن حاتم أتى لها بالخلاصة، فهو ليس من الأشخاص الذين يمكن أن تقنعهم أو تجبرهم على شيء، كما أنها هي من تحتاجه.
***************نور الهادى
في منزل ميار…
كان سليم نايم على سريرها داخل أوضتها، بعد ما نقلته لهنا
الطبيب كان بينهي تضميد جروحه، بينما ميار واقفة تراقبه بقلق واضح.
قال الطبيب وهو يخلص علاجه:
ـ الإغماء كان بسبب فقدان الد.م.
لو مكنتيش لحقتيه… كان خسر د.م أكتر بكتير.
نظرت ميار إلى سليم بصمت.
كان نايم بهدوء غريب…
عكس الفوضى والعاصفة اللي كانت شايفاها جواه من شوية.قالت ميار بهدوء للطبيب:
ـ شكرًا يا دكتور.
أومأ لها الطبيب وغادر، تاركًا إياها وحدها معه.
فضلت ميار قاعدة للحظات تنظر إلى سليم النائم أمامها.
كان هادئ بشكل غريب…
كأن الشخص اللي كان من شوية بيكسر الدنيا كلها اختفى تمامًا.
قربت منه ببطء، ومدت إيدها تمسك إيده السليمة، مش المجروحة.
ثم بدأت تفك زرار قميصه عند معصمه، ورفعت الكم قليلًا…
لكن فجأة توقفت عيونها.
كان هناك أثر خياطة صغيرة في إيده.
بصت للعلامة بتركيز، وكأنها بتتأكد من شيء في عقلها.
ثم رفعت عينها لسليم…
لتتفاجئ إنه فتح عينه، وكان ينظر لها مباشرة.
اتخضت ميار فورًا.
أما سليم فنظر لإيده اللي بين إيديها، وكأنها كانت بتحاول تفتش عنه أو تتأكد من حاجة فيه.
سحب دراعه منها بسرعة وقال ببرود:
ـ بتعملي إيه؟
قالت ميار بسرعة وهي تحاول تخفي ارتباكها:
ـ كنت بشوفك عايش ولا ميت.
لكن سليم ما ردش.
رفع عينه يبص للأوضة اللي هو فيها، واستوعب إنه في بيتها.
فقام فورًا من السرير.
ومشى ناحية الباب بدون أي كلمة.
قالت ميار من وراه بضيق:
ـ أنا أنقذتك تاني…
مش هتشكرني؟
لكنه لم يرد.
خرج من منزلها، وقفل الباب بقوة خلفه.
تنهدت ميار وهي تحط إيدها على راسها بتعب، ثم قالت لنفسها بقلق:
ـ مكنش وقتك خالص يا ياسمين…
هتضيعي كل اللي بعمله.
****************
كان الكل قاعد في توتر واضح، القلق مالي المكان كأنهم مستنيين خبر أسوأ لحظة ممكن تحصل…
كأن أي ثانية ممكن ييجي فيها خبر مقتل حد على إيد سليم.
فجأة…
سمعوا صوت باب البيت بيتفتح بقوة.
كل العيون اتجهت ناحيته.
دخل سليم.
وقف مهران أول ما شافه…
والقلق باين في عينه بشكل واضح، لأنه عارف إمتى سليم بيوصل للحافة دي.
ولما ركز…
شاف دم على إيد سليم.
اتصدم وقال بسرعة:
ـ سليم… إنت عملت إيه؟!
لكن سليم ما ردش.
كان شكله مش مركز مع أي حد.
قال بصوت ثابت ومختصر:
ـ الورقة فين؟
بصله مهران بعدم فهم، مش قادر يستوعب من شدة القلق.
وفجأة سليم مد إيده وخد ورقة الطلاق اللي كانت على الترابيزة.
وفي لحظة صمت ثقيل…
مضى عليها.
كل الموجودين اتجمدوا مكانهم.
وسابهم كلهم في صدمة صامتة، كأن اللي حصل مش مجرد توقيع… لكن انهيار كامل لعلاقة كان واضح إنها كانت أهم من أي حاجة تانية.الكل كان متفاجئ، مش قادر يستوعب إزاي سليم طلقها بكل البغض ده، بعد ما كان خارج من البيت وحالف يرجعها مهما حصل، وقال إنها في خطر ومش هيسيبها.
لكن رجع دلوقتي بشكل مختلف تمامًا…
مكسور، والغضب والجرح باينين في عينه، وبدون أي تردد مضى على ورقة الطلاق وأنهى كل حاجة في ثواني.
سيرين قالت بصدمة:
ـ إيه اللي حصل؟
دخل جلال نظرو تليخ
قربت منه ثريا بخوف وقالت:
ـ جلال… أخوك حصله إيه؟ الدم اللي على إيده ده منين؟ والشاش ده
قال جلال بهدوء يحاول يطمنها:
ـ اهدى يا ماما… سليم بخير
قال مهران بسرعة:
ـ طيب إيه اللي حصل؟
رد جلال بصوت أقل:
ـ سليم طلق ياسمين.
اتسمرت سيرين مكانها وقالت بصدمة:
ـ طلقها؟!
سكتوا كلهم…
لأنهم مش قادرين يستوعبوا إن دي النهاية بعد كل اللي حصل، وبعد ما كانوا فاكرين إن ده حب حقيقي عمره ما ينتهي.
قال مهران ببرود بعد ما تأكد إن ابنه كويس:
ـ كفاية كده… اللي حصل حصل.
الصفحة دي تتقفل.
وبعدها مشي مهران.
وساد صمت تقيل على المكان…
صمت فيه كل واحد بيحاول يفهم إزاي القصة اللي كانت شكلها حب، انتهت بالشكل ده فجأة.
********************
.في فيلا حاتم، وعلى العشاء، كان جالسًا ومعه ابنته، لكن ياسمين لم تكن حاضرة.
كانت ابنته تترقب ولم تأكل على غير عادتها، وكانت نيرة تقف بجانبها.
قالت نيرة:
—انسه جنى، الأكل مش عاجبك؟
لم ترد جنى عليها.
نظر حاتم لابنته، فهي كأنها تنتظر ياسمين.
نظر لنيرة التي قالت بتوضيح:
— بعتنالها.
كان حاتم عارف إن ياسمين مش هتنزل بعد الصلح.
قال حاتم:
— جنى.. كلي.
لكنها لم تطع أبيها.
فجأة ابتسمت، ونظر حاتم فلقى ياسمين نازله.
نظرت إليه، وجلست على الطاولة بهدوء.
نظر حاتم إليها، ورأى ردة فعل ابنته لما ياسمين مسكت المعلقة، فمسكتها هي كمان وأكلت معها وكانها انعاكسها
كانت جنى تنظر إلى ياسمين لأنها تراها حزينة.
أكلوا بهدوء رغم إن حاتم اتفاجئ بوجود ياسمين، وظن إنها هتحبس نفسها ليلتين كاملين بسبب طلاقها.
قاطع العشاء دخول الحارس وقال:
— حاتم بيه.
نظر حاتم إليه، لأنهم لا يقطعونه على العشاء إلا إذا كان الأمر مهم.
قال حاتم:
— في إيه؟
قال الحارس:
— من الهواري
.توقف الطعام في حلق ياسمين دون أن ترفع عينيها.
أعطى الحارس حاتم دوسيه، فأخذه ونظر فيه بصمت وهدوء.
لقد كانت ورقة طلاق ياسمين موقعة بخط سليم.
قال حاتم:
— واضح إن الموضوع طلع أسرع مما توقعت.
وضع الورقة أمام ياسمين وقال:
— واضح إنه كان مستني اللحظة دي.
لم تنظر ياسمين.
نظر حاتم إليها ليجدها تكمل طعامها بهدوء، لكنها لم ترفع وجهها من على الصحن.
كان يريد أن يرى ضعفها، دموعها، لكنها لم تفعل ذلك، فبدأ يقلق عليها اكتر فهذا الصمت غير طبيعى
لكنهل كانت تضع الطعام في فمها، وتمضغ أكثر من اللازم وكأنها لا تقدر على بلعه، لكنها تبتلع غصتها وهي لا تريد أن تلفت نظرها إلى الورقة بجانبها كي لا تنهار.
فهي تعلم أن الأمر قد انتهى بسهولة، ولم يعد موجودًا غير الكره بينهم، الكره الذي كانت هي سببًا فيه بما فعلته اليوم وما فعلته سابقًا.
______
كان حاتم يجلس في الجنينه بمفرده.
كان الحارس واقفًا بجانبه وقال:
— حاتم بيه.
قال حاتم:
— اقعد يا عماد
.كان عماد نفس الرجل الذي رفع سلاحه على سليم، وكان سيضربه عندما اقترب من حاتم، لكن حاتم منعه بإشارة منه.
قال عماد بتأسف:
— أنا غلطت النهارده، بس خوفت عليك بعد ما سليم الهواري هدد بقتلك وقرب منك.
قال حاتم:
— متاخدش أي فعل إلا بأذني.
أومأ عماد، ووضع مسدسه أمام حاتم بمعنى عقاب وأنه يستغني عنه فترة، لكن حاتم قال:
— خليه معاك، مش هاخده منك.. إنت من أهم رجالتي.
صمت عماد ونظر إلى شفة سيده المجروحة، ثم قال:
— ليه مردتهاش يا حاتم بيه؟ هل كان بسببها؟
نظر له حاتم.
قال عماد:
— أنا عارفك مش بتسكت، لكن المرة دي سكت بسبب ياسمين هانم.
قال حاتم:
— منعتني.
قال عماد:
— بس أنا شوفتك منعت نفسك عشانها.. هي ملهاش تأثير عليك ولا غيرها.. لكن إنت اللي اخترت ما تعملش حاجة عشانها.. باختيارك.
قال حاتم:
— ممكن أشفقت عليها.
قال عماد:
— ممكن أسألك سؤال... ياسمين رائف عجباك؟
نظر حاتم إليه وهو بيخرج سيجارته، فأشعلها عماد بصمت.
قال حاتم:
— روح على شغلك
.اومأ عماد ومشي، وده حاتم نفس عميق وأخرجه.
كان يتذكر ياسمين حينما أمسكت بيده، برغم إنها كانت قاصدة منعه وليس لمسه، لكنه نظر في عينيها وهي تقول:
—حاتم إنت كويس؟
كانت تمثل القلق وتخبره بعينها أن يتوقف، فلم يكسر كلمتها، وارتد الوحش الذي ظهر داخله من طلبها مطيعًا أمرها.
زفر وهو يريح ظهره وينظر خلفه إلى نافذة غرفتها، ويردد بين شفتيه:
— ياسمين... البنت اللي خلت سليم الهواري كان هيبقى مجرم بجد عشان يرجعها له.
************
كان جلال واقف مع سيرين، قالت:
— كنت موجود وهو بيطلقها؟
قال جلال:
— بتسألي ليه؟
قالت سيرين:
— مستغربة إزاي ده حصل وهما بيحبوا بعض.
قال جلال:
— لسه مقتنعة إن كان في حب أصلًا؟
قالت سيرين:
— ليه بتقول كده؟
قال جلال:
— لأن ياسمين اتخطت كل أنواع الحقارة
صمتت سيرين وقالت:
— أنا وإنت اللي عارفين الحقيقة.
لفّت ووقفت قدامه وقالت:
— فاكر يوم لما ياسمين قالت إنها مستعدة تروح لحاتم وتساومه على الشركات ويخرج سليم؟
صمت جلال.
قالت سيرين:
— معقول تكون هي السبب في خروجه؟ أعتقد لازم نقول لسليم حاجة زي دي.
قال جلال:
— نقوله ليه؟ عشان يحس إنها فعلًا مجبرة ويحاول تاني ويتكسر أكتر؟انا فاكر يا سيرين... بس برضه مش ناسي إنها قالت جملة مش قادر أنساها: إن في كلام بينها وبين حاتم الشافعي وإنها قادرة تتناقش معاه عكسنا كلنا.
لو قولنا لسليم كل نقاشنا بالحرف، هيتأكد من الجملة دي إنه فعلًا اتخان.
قالت سيرين:
— ممكن تكون قصدها باحترام متبادل...
قال جلال:
— إنتِ اللي بتدافعي عنها يا سيرين بعد اللي سمعتيه منها آخر مرة وهي هنا؟
سكتت بضيق.
قال:
— كل ما أفتكر إني شوفتها وهي بتصلي لوحدها وبتعيط من الخوف، أرجع أشك في كل اللي بيحصل.
فقالت سيرين:
— يبقى مجرد تمثيل.
قال جلال:
— هتمثل قدام مين؟ ربنا؟ رب القلوب اللي عارف كل حاجة؟
هي مش محتاجة تمثل وهي لوحدها... هتمثل لمين؟ لنفسها؟
ياسمين كانت متخبية، محدش شافها، وأنا شفتها صدفة... يعني بتعمل كده لسليم. لو مكنش يهمها، ما كانتش هتعمل كل ده.
قال جلال:
— أنا مشفتهاش وهي بتدعي له، بس مشوفتهاش وهي بتمشي مع حاتم وسايباه.
أنا كمان حاسس إن خروج سليم وراه موضوع كبير... بس المهم إنه بخير، ومتأكد إنه هيتخطى ياسمين، لأن اللي زيها مش بياخد وقت في النسيان.
قالت سيرين:
— اللي بيحب بجد مش بينسى يا جلال، حتى لو قعد سنين يحاول. القلب عمره ما بينسى اللي حبه. وإنت عارف ده كويس...انا بس مش عايزه سليم يتوجع ودلوقتى اعتقد لو حاولت اساعده ممكن اخد السماح منه.
صمت جلال وهو ينظر إليها من كلامها.
********
كانت ياسمين تقف أمام مراية الحمام، تبص لرقبتها المعلمة من قبضة سليم، وبتفتكر إزاي لفت عشان تشوفه، لكن لقت قبضته على رقبتها بيشدها مرة واحد ويزقها في الحيطة.
افتكرت عينيه المجروحة اللي كان سببها إنه عايز يقتلها، كان كبرياء رجل، كان جرح من خيانتها له، كان انكسار من حبه...
لكن قلبه كان يعارضه، حيث نسي كل ذلك ولم يستطع أن يقتلها، وتركها وقال جملة واحدة:
— أنا حبيتك.
سمعتها بصوت شجن حزين من ضعفه قدامها، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه أحبها.كانت عينه بتسألها: ليه عملتي معايا كده؟
نزلت دموع من عينها، وحطت إيدها على بقها وهي بتعيط وبتمنع صوت شهقاتها بالعافية وهي بترتجف.
نزلت على الأرض ودموعها تتسابق، كل ما تتذكر عينيه اللي كانت بتطاردها... العيون اللي كانت بتعشقها... دلوقتي بقت عذاب ووجع كبير لها.
***********
في اليوم التاني في فيلا سليم
كان واقف تحت الدش، تحت مياه شديدة البرودة، كانت بتنزّل من فوقه
كانت ثريا شايلة صينية الأكل بنفسها لغرفة سليم، طالعة من كتر قلقها، ما قدرتش تنام.
طلعت على أوضته وخبطت، لكن محدش رد.
قالت ثريا:
— سليم؟
لسه هتخبط تاني، الباب اتفتح.
نظرت له، أول حاجة شافتها إيده الملفوفة بشاش
قال سليم:
— إنتو لسه ممشيتوش؟
قالت ثريا:
— هنمشي إزاي ونسيبك لوحدك يا سليم؟
قال سليم:
— أنا عشت لوحدي كتير... هتفرق إيه؟
قالت ثريا:
— الوقت الحالي مختلف.
قال سليم:
— ماله الوقت الحالي... إيه صعبان عليكم؟
نظرت ثريا إليه، ابتعد سليم عنها وقال:
— النهارده امشوا، أنا متجننتش ولا فيا حاجة تستدعي القلق.
لبس جاكت وقال:
— مش أنا اللي اتكسر عشان واحدة.
قالت ثريا:
— إنت رايح فين؟
قال سليم:
— عندي شغل.
نظرت إليه، فهل سيذهب اليوم؟ قالت:
— إنت ملحقتش ترتاح.
قال سليم:
— لو غفلت عيني تاني المرة دي هلاقي نفسي على حبل المشنقة.
لبس ساعته وقال:
— الضربة هتكون مني المرة دي.
قالت ثريا بقلق:
— سليم...
كانت تبص له من كلامه وعينه المطفيه بقلق شديد، وقالت:
— إنت ناوي على إيه؟
قال سليم:
— قا.تل ابني بيتفرج عليا يا أمي.
نظرت له بشدة، فقال:
— هديه الفرصة يظهر نفسه، سواء كان حاتم أو غيره.
قالت ثريا:
— إنت لسه بتقول إن ابنك اتقتل.
مسكت إيده وقالت:
— سليم هيفيد بإيه الولد خلاص مات، وياسمين أمه خانتك وراحت لغيرك.
قال سليم بغضب:
— أعملها إيه؟ أقتلها .لك؟
قالت ثريا:
— مفيش داعي للي بتعمله.
قال سليم:
— وإنتِ فاكرة إني كنت بسعى وبدور عشانها هي؟
قرب سليم منها ووقف قدام أمه وقال:
— ابني اللي مات... ابني اللي استنيته... فاهمة يعني إيه؟
سكت لحظة ثم قال:
— يعني ياسمين عمرها ما هتحدد انتقامي
صمتت ثريا وهي تنظر إليه بقلق، ثم مشى سليم من أمامها، وعين ثريا كانت عليه.
قالت:
— مش هتاكل طيب؟
لكن لم يرد، وكأن عمله أهم من طعام تافه.
*********
كانت ياسمين لا تزال نائمة على ذلك السرير الناعم، لكن صحيت على صوت طرقات على الباب.
فتحت عينيها وكأنها لم تكن نائمة أصلًا، قامت وفتحت الباب فوجدت الخادمة.
قالت الخادمة:
— أنا آسفة، بحسب حضرتك صاحية.
قالت ياسمين:
— في إيه؟
قالت الخادمة:
— حاتم بيه قال قبل ما يمشي نتأكد لو مش محتاجة أي حاجة.
سكتت.
قالت الخادمة:
— مهرفناش نصيحك تفطري؟ نعملك الأكل؟
قالت ياسمين:
— مش جعانة.
كانت الخادمة هتعترض، لكن ياسمين رجعت قفلت الباب في وشها، فمشت الخادمة.
---
كانت ياسمين بتغسل وشها، وبترفع عينها تبص في المرايا.
كان شعرها مبتل من حوافه بسبب الميه، فمسكته وسحبته، وانسدل شعرها الحرير أمام عينيها.
نظرت إليه، ثم سمعت صوت سليم في ودنها وهي بتفتكره واقف وراها، حاطط إيده على كتفها وقريب منها.
دق قلبها وكأنها تراه في المرايا ويلمس شعرها وينظر في عينيها:
— بحب شعرك.
ابتسمت ياسمين وقتها وهي تنظر له وقالت:
— كنت بفكر أعمل قصة مختلفة.
لكن عينيه تشخصت عليها وقال:
— متقربيش من ممتلكاتي
نزلت عيونها وهى بتسند ع الحوض
************
في شركة سليم، نزل من عربيته وهو يقفل أزرار جاكت بدلته
كان صحفي بترصّد الشركة من بعيد وبيقول:
— رجعوا يشتغلوا من تاني!
قال المصور:
— هيعرفوا يعوضوا الخسارة إزاي؟ وبعدين بيشتغلوا إزاي من غير مدراء؟
ضربه الصحفي في رأسه وقال:
— يا مغفل، الشركة مليانة مديرين على كل قسم، إنما سليم هو صاحب الشركة.
قال المصور:
— آه صح...
ثم سكت وقال:
— إيه ده؟ بيعمل إيه سليم مهران هنا؟
قال الصحفي:
— سليم إيه؟..
لف فورًا وشاف سليم، ونظراته كانت بدهشة:
— معقول ظهر!
نَتَش الكاميرا من المصور بسرعة وقال:
— بسرعة! ده المتوقع من وريث مؤسسات الهواري، وحش العقود والتنفيذ.
بدأ يصوره وهو بيتحرك وسط حراسه بثقة، وكأنه لم يكن الشخص ده متهم في قضية كبيرة منذ أيام.
دخل شركته وتهاوى عن الأنظار، فابتسم المصور وقال:
— هيبقى خبر تحفة... إحنا اللي قدرنا ناخد صور ليه بعد خروجه.
ضربه على كتفه وقال:
— اجري قبل ما حد يشوفنا
ركض الاثنان فورًا.
سليم دخل شركته، وقفت السكرتيرة فور رؤيته وابتسمت وقالت:
— أبلغ حضرتك بالمواعيد؟
قال سليم:
— سبّقيني على مكتبي.
أومات بإيجاب ومشت.
وهو ماشي، لقى الموظفين واقفين رغم إنه ماعداش عليهم، لكنهم كانوا بصّين له وأومأوا بتحية من عيونهم واحترام كبير له.
صمت سليم وبادلهم تحية هادئة من عينيه، وذهب. فابتسم الجميع، فهذا هو رئيسهم.
لم يكن سليم متسلطًا، بل كان ديموقراطيًا دائمًا، يقدّر الموظف ولا يعطيه قيمة صغيرة، لأنه كان مقتنعًا أن الموظفين جزء من نجاحه، لذلك حرص أن يبني شركته من موظفين مخلصين للمكان الوظيفي الذي يجلسون فيه.
وصل سليم لمكتبه، وكانت السكرتيرة معه جدول، سلمته إليه وقالت:
— مواعيد حضرتك يا فندم، مكنتش أعرف إن حضرتك هتيجي النهارده، ممكن نبدأ المواعيد؟
قال سليم:
— مفيش مشكلة، خلي النهارده فاضي عشان عندي شغل.
أومات بتفهم ومشت.
فتح سليم درج مكتبه، لكن توقف لما ملقاش حاجة كان متوقع يشوفها.
فتح كل الأدراج وهو متفاجئ.
عمل مكالمة وقال:
— ألو، سليم بيه؟
قال سليم_أنت مش قلت سلمته في غيابي؟
قال الآخر:— مظبوط.
قال سليم:— مفيش حاجة.
قال الرجل:
— إزاي يا سليم بيه؟ والله سلمته بنفسي.
جاء صوت من الباب وقال:
— بتدور على ده؟
لف سليم، وشاف جلال ماسك ملف في إيده.ومن عين سليم بان إن ده فعلًا اللي كان بيدور عليه، قفل سليم مكالمته وبص لجلال ببرود وقال:
— بتدخل مكتبي في غيابي؟
قال سليم:
— الملف اتسلم في الفيلا يا سليم.
أخذ سليم الملف وفتحه وكأنه بيتأكد إنه متغيرش.
قال جلال:
— مش واثق فيا؟
قال سليم:
— اعذرني، أصل عارف علاقتك الحميمه بحاتم.
صمت جلال، أما سليم فتأكد إن المستند نفسه هو.
قرأ المدون وابتسم، وخد الملف ومشي.
قال جلال:
— سليم.. أنت هتعمل إيه بالملف ده؟
قال سليم:
— بتسأل ليه؟
قال جلال:
— هساعدك.
نظر سليم إليه وقال:
— أنت قريت اللي هنا؟
قال جلال:
— مش محتاج أقرأه، كنت عارف كل حاجة عن حاتم من لما اشتغلت معاه.. كنت مخونه كده كده، فكنت بأمّن نفسي.
صمت سليم، فيعلم إن جلال ليس غبيًا ليجعل حاتم يستخدمه ضده.
قفل سليم الملف.
قال جلال:
— ناوي على إيه؟
قال سليم:
— مستغني عن مساعدتك.. ساعد نفسك.
قال جلال:
— أعرف المكان اللي جلال بيُوزع منه البضاعة.
توقفت عيون سليم من شدة الاهتمام، ونظر إلى جلال من اللي قاله
*************
رجع حاتم من عمله، طلع يشوف جنى في أوضتها.
نظرت إليه وقالت:
— بابا.
قال حاتم:
— رجعتي من المدرسة إمتى؟
قالت نيرة:
— الساعة 4.
نظر حاتم إليها لأنه ما سألهاش، هو كان عايز يشوف بنته هترد ولا لا.
بص يمين وشمال وقال:
— فين ياسمين؟
قالت نيرة:
— مشوفتهاش من الصبح، اعتقد في أوضتها.
مشيت جنى، ونظر حاتم إليها، وقف مكانه واتسعت عينيه من الصدمة.
كانت ياسمين خارجة من أوضتها، لكن شعرها كان مقصوص.
اتسعت عين نيرة وقالت:
— شعرها!
حطت إيدها على فمها بخوف من حاتم، لكن حاتم كان باصص لياسمين بشدة.
كانت بتنزل من على السلم بكل هدوء وكأنها لا تشعر بفارق التغيير اللي عملته في نفسها.
اقتربت جنى منها، فوقفت ياسمين عندها ونظرت إليها من عيونها
كانت جنى تنظر إليها بصمت، قالت
— جميلة.
سكتت ياسمين من كلام الطفلة، مسكت إيد جنى وقالت:
— شكراً.
مشى حاتم من أمامهم، ونظرت له ياسمين لكن لم تلتفت إليه.
صدر صوت من بطن جنى، مسكتها الصغيرة بحرج.
بصت لها ياسمين وقالت:
— جعانة؟
أومات جنى بالإيجاب.
قالت ياسمين:
— أعملك أكل؟
أومات جنى مرة تانية بالإيجاب.
---
في الغرفة، جاءت خادمة وقالت:
— حاتم بيه، آنسة ميار في مكتب حضرتك.
تنهد وهو بيخلع قميصه.
نزل على تحت وشاف أخته وقال:
— في حاجة يا ميار؟
قالت ميار:
— مجرد زيارة عادية.
قال حاتم:
— الفترة الأخيرة كانت زيارتك بسبب الهواري.
قالت ميار:
— خلينا متفقين إنك عملت حاجات كتير يا حاتم، والأخير جوازك... مش ملاحظ إنك غريب؟قال حاتم:
— في إيه بظبط؟
قالت ميار:
— إنت بجد هتتجوز ياسمين؟
قال حاتم:
— إيه الغريب في كده؟
بصت له من سلامته الشخصية، تنهّدت وقالت:
— وسليم كان عندك إمبارح.. كنت بحسب في إصابات.
ابتسم حاتم منها ونظر إليها.
قال حاتم:
— اقعدي، واقفة ليه؟
قالت ميار:
— تعرف ياسمين منين عشان تتجوزها؟ إزاي الدناءة وصلت بيك إنك تاخد واحدة من جوزها؟
قال حاتم:
— أنا أعمل أوحش من كده يا ميار.
قالت ميار:
— إنت بجد مبقتش حاتم، أنا كل ما ببصلك بستغرب منك. اتمنى توقف كل حاجة.
قال حاتم:
— متقلقيش، هوقف اللعب.
قالت ميار:
— بمعنى؟
قال حاتم:
— معاهدة صلح مع الهواري... مؤقتة.
قام وهي عينها فضلت عليه وقالت:
— عارفة إن ورا الحوار ده سر كبير وهعرفه يا حاتم، تأكد إني هعرفه... بس هسألك سؤال: إنت مش ندمان؟
مردّش عليها.
مشيت، بس قال حاتم:
— مش هتتعشي معانا؟
تنهدت منه ومشت.
وبتشوف نيرة قالت:
— جنى فين؟
قالت نيرة:
— مع ياسمين هانم.
سكتت ميار، لأنها مش متعودة على الجملة دي، فقالت:
— فين يعني؟
في المطبخ، كانت جنى قاعدة على الكرسي، والطباخ بيقول لها:
— يا هانم، حاتم بيه هيضايق عليّنت.
لم ترد ياسمين عليه، وعملت حساء دافئ وصبته، وحطته لجنى اللي كانت بتنظر لها نظرات غريبة.
لم تكن تعلم إنها كانت ترى طيف أمها يحوم حولها وهي بتعمل الأكل، وبتقول:— هعملك شوربة خضار جميلة.
جنى ضمت شفتاها، قالت سارة بضحك عليها:— هتعجبك، دوقيها الأول.
بتاكلها سارة وجنى بتضحك، وأمها تحملها على ذراعيها.
قالت ياسمين:— جنى.
بصّت جنى للشوربة، قالت ياسمين:
— قلتي جعانة.
أومات جنى وبدأت تأكل.
قالت ياسمين:
— سخنة خلي بالك.
ادت جنى المعلقة لياسمين، ونظرت إليها وهي مستنية.
قعدت ياسمين جنبها باستغراب وفهمت هي عايزة إيه، خدت معلقة بهدوء ونفخت فيها براحة، وأكلت جنى من إيدها.
نظرت ياسمين إليها وقالت:
— حلوة؟
أومات جنى بابتسامة وفتحت بؤها تاني مستنيه.
ابتسمت ياسمين من شكلها، المرة دي ابتسامة حقيقية وظهر أسنانها، وخدت معلقة وبتأكل جنى بحنان.
كانت ميار واقفة عند الباب بتبصلهم باستغراب شديد، وبتبص لجنى وفرحتها الكبيرة وقالت:
— دي جنى؟!!
كانت بتفتكر شكلها وهي مش بتحرك لسانها تقريبًا، ما هذه الابتسامة؟ بل إنها تتحدث!
قالت جنى:
— عايزة تاني
.صبت ياسمين لها طبق آخر، وده طبعًا تحت أنظار ميار المدهوشة.
بصت ميار لحاتم أخوها اللي واقف جنبها بيبص لبنته مثلها، وقالت:
— حاتم... مين دي؟!! دي جنى فعلًا؟!!
قال حاتم:
— جنى يا ميار.
كانوا بيبصوا لتلك البنت الصغيرة وياسمين التي بمثابة أم لها.
كانت تطعمها بيدها، وتهف كي تبرد الطعام على لسانها، وكان الشعر يسيل على وجه ابنته الصغيرة فتزيحه ياسمين بيدها.
قال حاتم:
— سألتيني لو كنت ندمان.
بصت له ميار، قال حاتم:
— معتقدش إن هيجي يوم وأندم.
قالت ميار:
— حتى لو ياسمين حزينة.. حتى لو سببت حزن لاتنين ملهمش ذنب؟ ده لو كانوا فعلًا بيحبوا بعض وإنت فرقتهم، تأكد إن ذنبك عظيم.
قال حاتم:
— مبهمنيش، المهم عندي جنى.
قالت ميار:
— وياسمين متهمكش؟
قال حاتم:
— بصى لياسمين شايف انها هي كمان محتاجه لجنى.
نظرت ميار الى ياسمين وكأنها أمها بالغعل
*****************
وصل سليم بعربيته لفيلا، بس وقف لما لقى عربية عارف صاحبها، وكانت واقفة ساندها عليها، ولابسة نظارتها.
وقف سليم عند البوابة، اتفتحت فور وصوله.
نزل منها وقلعت نظارتها لما شافته، وقالت:
— ده كله عشان أشوفك؟
نظر سليم إلى ميار، اقتربت منه ووقفت أمامه وقالت:
— محدش عمل ده قبل كده وخلاني أستنى ساعتين متواصلين يا سليم مهران.
قال سليم:
— بتعملي إيه هنا؟
قالت ميار:
— باين أوي إني جايلك، ومش صدفة.
صمت، لم يغضب وجهه، لكن قال:
— مدخلتيش ليه مستنية بره؟
قالت ميار:
— حراسك منعوني.
بص سليم للحراس اللي خفضوا رؤوسهم، ثم رجع بص لميار اللي بصّت على إيده وقالت:
— إيدك عاملة إيه؟
لم يرد سليم عليها، وقال:
— ادخلي.
دخل سليم، ونظرت له، وإنه سمح لها بالدخول يبدو أهدأ من آخر مرة شافته، يبدو أنه قد عاد إلى طبيعته... لكن ده يخوّف أكتر، لأن الهدوء في وضعه مش حاجة كويسة... فإما يكون هدوء ما قبل العاصفة أو هدوء قاتل.
*************
في الليل، كانت ياسمين نائمة في أوضتها، الباب خبط.
بصّت وقالت:
— مين؟
اتفتح الباب، فتعدّلت ياسمين، لكنها لقت جنى.
نظرت لها باستغراب وقالت:
— بتعملي إيه هنا يا جنى؟
قالت جنى:
— ممكن أنام هنا
صمتت ياسمين لما لقتها قالت جمله بحالها افتكرت حاتم"جنى مش بتتكلم بتعانى من مشكله ف نطقها"
وسعت ياسمين لها بهدوء
قربت جنى منها ونيمتها ياسمين، وقالت:
— مالك؟
قالت جنى:
— إنتِ ماما مش كده؟
صمتت ياسمين من اللقب، ثم قالت:
— لا، محدش ياخد مكان أمك.
مسحت على شعرها وقالت:
— لكني هحاول أكون زيها.
فجأة قربت جنى منها وحطت إيدها على بطنها.
نظرت لها ياسمين باستغراب شديد.
قالت جنى:
— بيبي.
كانت جنى فاكرة اليوم اللي كانت ياسمين فيه حامل، بتفتكر بطنها الكبير.
ياسمين افتكرت ابنها اللي خسرته، واللي كان المفروض يكون بين إيديها، فدمعت عينها.
نزلت دمعة من عين ياسمين من أمومتها اللي ما نسيتهاش.
جنى زعلت وقربت منها وحضنتها، وكأنها فهمت إن الحضن بيريح ياسمين.
بادلتها ياسمين العناق، وكأنها بتدور على ابنها في البنت دي.
مش مفروضة عليها، لكنها بتعاملها كأنها ابنها لو كان عايش، كانت هتعامله كده.
لعل ربنا عمل كل ده عشان تلاقي جنى اللي خسرت أمها وبتعاني بسببها تكون لها أم، وجنى تكون لها ابنها.
جروحهم متشابهة، وكأنهم بيكملوا بعض.
*******************
في مكان مهجور كان يشبه المخازن القديمة، كانت الإضاءة ضعيفة ورائحة المواد الكيميائية تملأ الجو.
رجال واقفون حول طاولات طويلة، يفتحون أكياسًا كبيرة ويعبّئون منها مواد خفيفة تشبه البودرة داخل أكياس صغيرة بإتقان وسرعة، بينما الصناديق المكدسة حولهم تؤكد أن المكان ليس مجرد مخزن عادي... بل وكر كامل للمخدرات.
كانت الأيدي تتحرك بسرعة معتادة، وكأنهم يفعلون ذلك يوميًا دون خوف، بينما عماد واقف بينهم يراقب العمل بعين حادة.
اقترب منه رجل وقال بصوت منخفض:
— التسليم التاني فين؟
قال عماد وهو يشعل سيجارته:
— في نفس مكاننا... ده أضمن، بعيد عن عيون الحكومة.
أومأ الرجل بتفهم، لكن قبل ما يكمل كلامه...
---
في نفس اللحظة، كانت عربيات الشرطة تشق الطريق بأقصى سرعتها، وأصوات الفرامل الحادة دوّت في المكان لحظة توقفها أمام المخزن بالضبط.
نزل ضابط بسرعة وقال بحدة:
— هو ده المكان اللي اتبلغنا بيه... انتشروا حالًا!
بدأت القوات تنتشر حول المخازن في ثوانٍ، وأصوات خطواتهم الثقيلة تضرب الأرض بعنف.
في الداخل، أول ما لمح الرجال الشرطة، اتصدموا وتجمدت الحركة للحظة.
ضرب رجال الشرطة الباب بقوة هائلة ليسقط على الأرض، ثم رفعوا أسلحتهم فورًا وهم يقتحمون المكان.
لفّ أحد الرجال بصدمة، بينما صرخ الضابط بصوت دوّى داخل المخزن:
— ارفعوا إيديكم وسلموا نفسكم!
************
في الليل، كان حاتم صاحي قاعد لوحده وسط ظلمات الليل التي تشبهه.
قام وطلع فوق، يبص على أوضة بنته ويعدّي عليها، لكن لما فتح الباب وقف مكانه، لأنه لم يجد جنى على سريرها أصلًا.
سمع صوت، فبص ولقى ياسمين خارجة من أوضتها.
نظرت له وهو فاتح أوضة بنته قالت:
— جنى نايمة عندي.
نظر حاتم إليها، ثم مشت ياسمين ولم تُطل الحديث.
---
نزلت على تحت ودخلت المطبخ، أخذت زجاجة مية باردة وبدأت تصب لنفسها.
دخل حاتم وراءها، ونظر إليها ومن بين هدوئه قال:
— صاحيه لحد دلوقتي ليه؟
قالت ياسمين:
— منمتش عشان أصحى.
قال حاتم:
— ده لأنك مش بتدي لنفسك فرصة تحاولي.
كانت تمسك الكوباية وقالت:
— الجهاد مع النفس بحد ذاته جهاد حربي.
شربت، فاقترب حاتم منها وقال:
— كنتِ بتحبيه؟
صمتت ياسمين.قعد حاتم وقال_ اتكلمى انا سمحلك ف دقيقه دى تعترفى
قال حاتم:— لما إنتِ بتحبيه أوي كده، وصلت بيكي إنك تتخلي عن شعرك عشان متفتكريهوش... سبتيه ليه؟
قالت ياسمين:
— اللي بيحب حد بيضحي عشان بس يكون بخير.
قال حاتم:
— اخترتي راحته عن راحتك إنتِ؟
قالت ياسمين:— ده هو الحب.. معنديش مانع أتعذب دام هو هيكون بخير.
قال حاتم:
— حتى لو معرفش تمن تضحيتك في يوم؟
قالت ياسمين:— مش مهم، أنا عملت عشان هو ومش طالبة منه معرفة.. كده كده الصفحة اتقفلت.
قال حاتم:— الحب؟!! أنا مش بؤمن بيه، عشان كده مش مقتنع بكلامك.
قالت ياسمين:— إيه اللي إنت مؤمن بيه؟
قال حاتم:— راحتي وسعادتي أنا... السفن تجري بما أشتهي أنا، مش ما يشتهيه الناس.
قالت ياسمين:— لأنك عمرك ما حبيت، هتشوف كلامي واللي عملته غباء.
قال حاتم:— ممكن.
نظرت له ياسمين، والتفتت ووقفت أمامه وقالت:
— ليه عندك عداوة مع الهواري؟
صمت حاتم من سؤالها.
بصلها وقال
— لو سبتلك الجواب ده، هتسيبيلي إنتِ جواب عن حبك لسليم؟
قالت ياسمين:— جواب عن إيه؟
قال حاتم:
— بتقولي إنك بتحبيه، لكن أنا شايف إن الحب ده كان لازمته فراق في الآخر.قرب حاتم منها ووقف أمامها وقال:
— اتبنى على وجع طرفين... جلال وسيرين، غير إنها كانت خيانة زوجية منه.
نظرت ياسمين له بشدة.
قال حاتم:
— قوليلي يا ياسمين، فاكرة إن جوازك من سليم حتى لو كان في السر بسبب ظروف مجهولة.. فاكرة إنه حلال؟
قالت ياسمين:
— اتجوزنا بعقد وموثق.
قال حاتم:
— بس نسيتوا شروط العقد الحقيقي... الجواز إشهار، وبمجرد ما ينتفي الإشهار بيبقى زيه زي العلاقات المحرمة.
قالت ياسمين بغضب:
— إنت بتقول إيه؟
قال حاتم:
— ضايقتك الحقيقة؟ افتكري سيرين، هي برضه اتوجعت لما لقت جوزها كان مع واحدة غيرها... والواحدة دي كانت حامل.
قالت ياسمين:
— اسكتتت... أنا مكنتش أعرف أصلًا إنه متجوز، وإلا كنت رفضتتت.
سكتت ياسمين، وحاتم نظر إليها وقال:
— رفضتي؟!! ومتعرفيش انه متجوز؟!! مع إنه كان جوزك، المفروض تعرفي كل حاجة عنه.
قالت ياسمين بحنق بعدما أوقعها في الكلام:
— إنت بتحاول تعمل إيه؟
قال حاتم:
— جوازكم وراه سر مش كده؟ وأعتقد كان جواز متعة... جوازك من أوله لآخره حرام يا ياسمين
.ياسمين نزلت بالقلم على وشه، لكن حاتم مسك إيدها والغضب في عينه هذه المرة.
قرب منها وقال:
— المرة الأولى كانت في المكتب وقدرت سوء فهمك، لكن ردة الفعل المرة دي ممكن تأذيكي.
نظرت ياسمين له بغضب وقالت:
— إنت آخر واحد تتكلم عن الحرام يا أستاذ حاتم، لأن فلوسك وحياتك كلها مبنية على الحرام.
قال حاتم:
— مقولتش إني ملاك، لكن بفهمك إنك كنتِ مذنبة.. كلنا بنرتكب معاصي... وإنتِ كل ده فاكراه حب؟حب اتبنى على الوجع والخيانة والحرام، تفتكري ممكن يكمل؟
قرب حاتم منها أكثر وقال:
— عشق محرم يا ياسمين... نسيانه واجب.... ودلوقتى وفراقكم كان امر محتم.... بس سألتك نفسك هل هو حبك زيك
سالت دمعة من عينها، ونظر حاتم إليها من ذلك الحزن اللي كسى عينيها.
قالت ياسمين:
— سبني.
ترك حاتم يدها بهدوء، وابتعد عنها، بينما مشت من أمامه وتركته واقفًا في مكانه وحده.
افتكر حزنها وانه ضيقها برغم ده فهى لا تبكي امامه تحافظ ع قوتها
جت مكالمة لحاتم، رد وقال:— ألو.
فجأة وشه اتغير وقال:— إنت بتقول إيه؟!
قفل حاتم تليفونه ومشي فورًا.
---
وصل حاتم لمكان المخازن، ونظر إلى الرجال الواقعة على الأرض.
دخل، لكن رجاله منعوه.
جاء عماد وهو لابس كمامة وقال:
— حاتم بيه، متدخلش... البس قناع الأول، لو شميت حاجة هتفقد وعيك.
قال حاتم:
— إيه اللي حصل؟
قال عماد:
— الرجالة مش ميتين، هما شمّوا ريحة المخدرات لما اتحرقت. حاولنا نخرج جزء منها، لكن زي ما إنت شايف... كل اللي شم فقد وعيه بالكامل.
قال حاتم بغضب:
— انطق... حصل إيييه؟!
فلاش...
كان عماد في المخازن، فجاء رجل وقال بسرعة:
— عماد بيه، البوليس قريب مننا.
قال عماد:
— إنت بتقول إيه؟
قال الرجل:
— الرجالة اللي على الشارع شافوهم.
بص عماد للرجالة وقال فورًا:
— اقلبوا المكان حالًا.
الكل لف الترابيزات بسرعة، ودخلوا المخدرات داخل الطاولات نفسها، ثم أخرجوا قماش ومغازل وحطوها فوق الترابيزات، وتحول المكان في لحظات من مخزن مخدرات إلى ورشة عادية.
بدأوا يخفوا أي أثر، ورشوا معطرات قوية غطّت الرائحة، وتغير جو المكان بالكامل في ثوانٍ.وصل البوليس للمكان، وفجأة ركضوا وفي لحظة ضربوا الباب بقوة فاتكسر من أول ضربة.
رفعوا أسلحتهم وقال الضابط بصوت حاد:
— ارفعوا إيديكم وسلموا نفسكم!
الرجالة رفعوا إيديهم، ولف عماد للبوليس اللي بص للرجالة والقماش اللي في إيديهم باستغراب شديد.
قال عماد:
— في إيه يا باشا؟
قال الضابط:
— هتعرف في إيه دلوقتي... فتشوا المكان، شوفوا المخدرات فين.
قال عماد بصدمة مصطنعة:
— مخدرات؟!! إنت عارف إن المخازن دي تبع عماد الشافعي؟ وده اتهام كبير.
قال الضابط وهو يخرج مذكرة:
— دي مذكرة تحقيق، ولو لقينا ورقة مخدرات واحدة... هتتعلقو النهارده.
نظر له عماد وقال ببرود:
— لو ملقتش... اعرف إن التمن هيكون غالي، إنت عارف حاتم بيه، محدش يلعب معاه.
توتر الضابط قليلًا، لكنه قال بغضب:
— إنت هتعبط في الكلام؟ يلا!
ضرب على الترابيزة بعنف وقال:
— دوروا كويس! اقلبوا الدنيا وطيّروها!
بدأ رجال الشرطة يفتشون المكان بعنف، يرمون كل شيء على الأرض، يقلبون الصناديق ويبعثرون الأقمشة، بينما أصوات التكسير والضرب تملأ المخزن.
لكن كل اللي كانوا بيلاقوه... قماش، إبر، وماكينات خياطة فقط.وقف رجال الشرطة بعدما انتهى التفتيش، وبصوا للضابط الذي نظر إليهم وفهم من نظراتهم إنه لا يوجد شيء.
قال عماد بابتسامة ساخرة:
— شوفت يا حضرة الظابط إن مفيش مخدرات؟
قال الضابط وهو ينظر حوله بشك:
— ومن إمتى وحاتم بيه فاتح مصنع خياطة؟
قال عماد:
— حاتم بيه خيري زي ما إنت عارف، وإحنا داخلين على السنة الجديدة، فبنعمل هدوم للأيتام... والرجالة مصممين محترفين، مش بنعمل أي حاجة.
لم يرد الضابط عليه، فاقترب عماد وقال:
— إيه حكاية المخدرات بقى؟
قال الضابط بحدة:
— امشوا... واعرف إننا هنرجع تاني.
خرجوا وهم يشعرون بضيق شديد.
قال الضابط وهو راكب العربية:
— إزاي...؟!
تحركت سيارات الشرطة وغادرت المكان.
عماد بضيق وقال بغضب:
— مين بلّغ؟! أول مرة البوليس ييجي هنااا!
كان الرجال صامتين.
لف عماد وكان سيخرج، لكنه لمح دراجة نارية تمر بسرعة وتلقي شيئًا داخل المكان.
رجع عماد للخلف باستغراب شديد، ثم بصّ للأرض... واتصدم.
كانت قنبلة.
رجع للخلف فورًا، والرجالة اتصدموا وقالوا:
— إيه ده؟! دي قنبلة!
لكن شكلها كان غريبًا، وفجأة بدأت تُخرج بخارًا حارقًا كثيفًا.
صرخ عماد فورًا:
— اجروااا! ده مادة مشتعلة! خرجوا البضاعة!
لكن لم يلحقوا.
بدأ البخار ينتشر بسرعة مرعبة، وكل من اقترب شعر وكأن جلده يحترق حيًا.
الرجالة جريت في كل اتجاه، وبعضهم وقع وهو يصرخ من الألم، بينما المادة كانت تحرق الجلد وقد تذيبهم أحياء بعظامهم.
ركض عماد للخارج وهو يسعل بعنف وينظر خلفه بصدمة، ثم بص بعيد فجأة وكأنه لمح شيئًا.
صرخ بغضب هستيري:
— اجروا اعرفوا مين ابن الـ... ده! هاتوه حالًااا!
---باك
عاد حاتم من شروده على صوت عماد وهو يكمل:
— ده اللي حصل يا حاتم بيه
كان حاتم واقف يبص لمخزنه، ثم نتش الكمامة من إيد عماد ولبسها بنفسه ودخل لجوه، وعماد خلفه مباشرة.
دخل حاتم، والمكان لا يزال ساخنًا، لكن غضبه كان أشد اشتعالًا من النار نفسها.
وقف ينظر لكل شيء ذاب واحترق بالفعل... تجارته التي تساوي الملايين تحولت لخراب أمام عينيه.
قال حاتم بصوت منخفض لكنه مرعب:
— ضربتين في يوم واحد... أولهم البوليس، والتاني حرق بضاعة بالحجم ده.
فجأة مسك عماد من هدومه بعنف وقال:
— عارف البضاعة دي بكااام؟!
قال عماد بسرعة:
— أعتقد إن اللي بلغ هو نفسه اللي عمل كده في المكان.
قال حاتم بغضب:
— البوليس مش هييجي إلا لو البلاغ مؤكد... في حاجة قوية يا غبي. مين ممكن يكون ماسك عليّا حاجة؟!
قال عماد:
— حضرتك بتاخد حذرك من كل حاجة.
قال حاتم بعصبية أشد:
— يبقى مين اتجرأ يعمل حاجة زي دي معاياا؟!
تركه بغضب، ثم نظر لمخزنه المحترق، واشتدت قبضته حتى برزت عروق يده.
جاء حارس وقال:
— عماد بيه.
لف عماد، فوجد الحارس يحمل وردًا أسود.
استغرب جدًا وقال:
— إيه ده؟
قال الحارس:
— معرفش... لقيناه باسم حاتم باشا.
توقف حاتم والتفت ببطء، ثم أخذ الورد من يده بعنف ونظر إليه.
كان وردًا أسود... ورد يُقدَّم في العزاء.
استغرب كثيرًا، لكن هاتفه رن برسالة.
فتحها فورًا.
“دي البداية.”
تجمعت قبضة حاتم بغضب، ثم قال من بين أسنانه:
— سلييييم.
