
رواية ارض الدوم الفصل السادس والعشرون26 بقلم رحمة نبيل
[ أجمل من مجرد خيال ]
صلوا على نبي الرحمة .
كان الجميع يجلس في البهو بكل هدوء يتحدثون في أحاديث كثيرة وساڤا تجلس بعيدًا بتوتر ولم تكن معتادة على الجلوس مع مثل هذا العدد وتسميتها بجلسة عائلية .
ابتسم أحمد بسمة صغيرة يرفع يده يربت على كفها بهدوء، ثم مال هامسًا بصوت خافت :
_ أنتِ كويسة ؟
ابتسمت له بسمة واسعة تخفي خلفها كل مشاعرها غير المستقرة بعد، ما تزال لم تتعافى ولا تعتقد أنها ستفعل حتى تتخلص ممن تسبب لها بكل هذا .
سكينة العزيزة .
_ أنا بخير .
هز لها رأسه يتنهد بهدوء، ثم اعتدل في جلسته يمنح كامل انتباهه صوب يحيى الذي كان قد عاد بالفعل من قراءة الفاتحة الخاصة به .
لا يصدق ما يحدث، لم يتبقى لهم سوى عيسى ويتم اعتماد سحر الغجر كاقوى يسحر حتى من السحر الاسود .
دخل الجميع لهذه القرية بلا أي نية حتى في الاختلاط معهم، لكن انظروا إليهم؟
تحدثت نورهان وهي تضع بعض من الفاكهة التي احضروها معهم على الطاولة تردد بحنان :
_ فيه حاجة معينة تحبي تاكليها يا ساڤا ؟ انا بعرف أعمل كل حاجة تقريبًا، بس مش من أكل الغجر هنا ؟
وساڤا لحسن حظها وحظهم جميعًا كانت الآن في فترة انقطاع عن الطعام تقريبًا قبل أن يدرك الجميع اضطرابها تجاه الاكل.
_ لا عادي مش شرط غجري، اساسا مكنتش بأكله غير لما رايانا تعمل ليا منه لأني مش بعرف اعمله اوي .
ابتسمت لها نورهان ولم تكد تتحدث لها بكلمة حتى قاطعهم صوت رنين هاتف أحمد الذي أخرجه يبصر رقمًا غريبًا يعلو شاشته وقد اعتقد لوهلة أنه ربما رقم أحد من القاهرة بشأن كل القضايا التي قدمها قبل المجيء فتح يجيب بهدوء :
_ الو السلام عليكم .
وفجأة انتفض بشكل ملحوظ مفزوع حينما سمع صوت باكي يشهق برعب :
_ ساڤا الحقيني عمي ....عمي عايز يجوزني غصب عني لواحد مـ ....
ولم تكتمل كلماتها بسبب انقطاع الاتصال وأحمد متسع الأعين يتحدث بعدم فهم :
_ رايانا ...رايانا فيه ايه ؟
لكن صافرة انقطاع الاتصال جعلته يبعد الهاتف بسرعة وهو يعيد الاتصال بها، وساڤا التي أعطت رقم أحمد لها كي تتواصل معها، انتفضت من مكانها مرتعبة تقترب من أحمد تتساءل بعدم فهم وهي تتلمسه بخوف :
_ أحمد مالها رايانا ؟
والجميع تحفز ينتظر إجابة أحمد على نفس السؤال، والاخير لم يمتلك سوى أن يقول :
_ عمها ...معرفش هي بس قالت الحقيني عمي ومكملتش الجملة والخط قطع، تقريبًا عمها بيأذيها .
اتسعت عيون عيسى الذي انتفض من مكانه فجأة ودون كلمة يوجهها لأحدهم كان يندفع خارج المنزل مرتعبًا على رايانا .
ويحيى يراقبه بصدمة كبيرة وقد كانت هذه المرة الأولى التي يبادر بها عيسى في شيء في حياته .
ابتلع ريقه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى تحرك أحمد بسرعة خلف عيسى وهو يصرخ بوجه يحيى :
_ اتصل بمسلم بسرعة يا يحيى وخليه يجي على بيت رايانا .
وجه كلماته لأخته حينما أبصر نية ساڤا في اللحاق بهم :
_ نورهان متخرجيش ساڤا ابدا، وأنتِ يا ساڤا خليكِ هنا متخرجيش مهما حصل .
نظرت له ساڤا برفض، لكنه لم يمتلك الوقت ليجادل يركض مع الجميع للخارج، يدعو الله أن يمر ما يحدث على خير وقد بدأ يغضب ويمل من تصرفات المحيطين بهم، وخاصة أهل رايانا وعمها هذا، يقسم بالله سيتركه لمسلم هذه المرة ولن يتدخل .
اخرج يحيى هاتفه يتحدث بصوت لاهث بسبب ركضه خلف عيسى ولم يلحق به :
_ مسلم أنت فين.
حاول التنفس يسمع كلمات مسلم قبل أن يردد بجدية :
_ لا متجيش على البيت تعالى على بيت البارو .
ابتلع ريقه يبصر منزل البارو وقد بدأ يظهر لهم :
__ رايانا اتصلت بساڤا وهي بتصرخ، عمها نازل فيها ضرب عشان تقبل تتجوز واحد ....
ومن بعدها انقطع الاتصال ليس من جهته، بل من جهة مسلم، تجاهل الأمر وهو يتبع عيسى يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة .
وصل يحيى مع عيسى واخيرًا أحمد صوب منزل البارو ليقتحموا الساحة الخارجية يبصرون بعض الرجال يقفون وكأنهم يجرون حوارًا مهمًا شيقًا قبل أن يقطعوه هم .
استدار معتز بهدوء وبطء صوب الجميع يراقبهم ببرود شديد رافعًا حاجبه بعدم فهم :
_ خير يا ولاد المريدي، منوريني ليه في بيتي ؟
واول من تقدم وتحدث وعكس المتوقع لم يكن يحيى، بل كان عيسى الذي كانت ملامحه مشدودة بشكل مرعب يشرف على البارو من الاعلى وقد كان اشدهم طولًا تقريبّا :
_ فين رايانا ؟
رفع معتز حاجبه مبتسمًا بسمة ساخرة وهو ينظر لرجاله من حوله وقد بدا أنه يستهزأ بعيسى، وبسمته تتسع شيئًا فشيء، ينظر له من الأعلى للاسفل باستهزاء :
_ وأنت بقى عايز رايانا ليه يا حبيبي ؟
مال عيسى برأسه متحفزًا لاستهزاء معتز به، يتقدم منه خطوات مستعدًا للهجوم عليه في أي ثانية، ومعتز تراجع بحركة تلقائية من جسده دون شعور حتى أنه يتقهقر .
وعز الدين تدخل حينما أبصر والده في هذه الورطة، يقف بينه وبين عيسى والذي رغم سنه كان ذو جسد طويل يعطي انطباع أنه رجل راشد ناصج، وربما كان كذلك مقارنة بهم .
_ أنت عايز ايه أنت وأخواتك، يعني امبارح عملتوا حوار عشان جينا بيتكم وقعدتوا تقولوا البيت له حرمة وطردتونا، دلوقتي نفس الكلام ليكم، يلا برة الحوش .
والرد جاءه من يحيى والذي تقدم يزيح عيسى جانبًا مخافة أن يمسه ذلك الحقير بسوء، يبتسم له بسمة صغيرة مستفزة :
_ شوف ليلة واحدة وعلمناك الأصول أنت واللي مربينك، عقبال ما تتعلموا الرجولة إن شاء الله وتبطلوا ترفعوا ايديكم على ستات .
لم يهتم به عز الدين وهو يشير للرجال الخاصين بوالده لسحبهم خارج المكان، لكن ما كاد أحدهم يقترب منهم حتى صاح يحيى بصوت مرتفع وهو يرفع يده محذرًا :
- قسمًا بالله لو حد لمسني لكون مطلع عين اللي خلفوه، اجري يلا هات رايانا وإياك ألاقي فيها خدش .
ابتسم عز الدين يمسح وجهه وقد كان كل هذا لا يعجبه هو شخصيًا لكنها أوامر والده، نظر خلفه لوالده يحاول التحكم بنفسه، ثم استدار مبتسمًا يردد بنبرة جامدة :
_ بنت عمي لا أنت ولا اخواتك دول ليكم أي علاقة بيها نقتلها نقطعها قطع ملكش دخل بيها، وزي ما أنا مش بقولك تعمل ايه في اختكم ملكش دعوة ببنت عمي، على العموم هي انهاردة كتب كتابها لو حابين تحضروا وتاخدوا الضيافة يبقى بادبكم .. أو اقولك أنتم مش مدعويين اساسا يلا مع السلامة .
ختم حديثه يسحب يد والده للخلف صوب مجموعة الرجال الذين كانوا يتجهزون لعقد القران وقد أحضروا هذه المرة شيخ آخر من قرية مجاورة، وقد تعلموا من المرة الأخيرة .
نظر يحيى لأحمد الذي كان يراقبهم بغضب يحاول معرفة من أي طينة خُلق هؤلاء البشر، لم يدعوا للفتاة يوم واحد لتهنأ به منذ خُلقت .
ابتسم بسمة غاضبة وكاد يتقدم صوبهم ليتحدث لهم، لولا أن توقف فقط حينما أبصر الجميع يلتف حول شاب طويل القامة ذو ملامح تبدو هادئة، لكن تعابيره كانت مريبة وغريبة للغاية، يرتدي ثياب تبدو أكبر منه، هيئته تخبرك أن هناك شيء غريب لكنك لن تتمكن من إثبات هذا الشيء حتى تحدث ..
اتسعت العيون بصدمة كبيرة حينما تحدث الشاب كلمات غريبة بطريقة غريبة توحي أنه كان ...غير مكتمل العقل .
همس يحيى بصوت مسموع وصدمة كبيرة :
_ آه يا ولاد الـ *** يا *****، هيجوزوها واحد مش ...مش ...
صمت ولم يجد صفة، كان الشاب أمامهم بعقل طفل، شاب معاق ذهنيًا .
الجميع يلتف حوله ويهنأه وهو سعيد كما لو كان على وشك الحصول على لعبة جديدة، لا هو يدرك ما سيحدث ولا هم يهتمون بما يفعلون، يستغلون شابًا ويدمرون حياة فتاة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ انا قولت كلمتي الجوازة دي هتحصل بس على كفني ..
أنهت الجدة كلماتها لسكينة التي كانت تقف حاملة معها ثوب زفاف مصرة على مساعدة رايانا به، والاخيرة كانت ملقاة على فراشها مدمرة جسديًا ونفسيًا، تنظر للسقف باكية وصوتها وهي تصرخ في وجه عمها يرن في أذنها .
لم تعد تهتم بشيء، والغريب أنها لم تكن في هذه اللحظة خائفة، لقد مرت باسوء من هذا، وربما مرت بالمثل.
ضحكت بصوت شبه مسموع وقد شعرت أن هذا المشهد يتكرر كل شهرين تقريبًا، كان الأمر مضحكًا في الواقع .
تحركت عيون الجميع على جسدها الممد على الفراش بريبة وخوف مما يحدث لها، وهي فقط تضحك دون توقف حتى دفنت وجهها بالفراش وأخذ جسدها يهتز بحركات مكتومة لم يكن أحدهم يعلم إن كان بكاء أم ضحك .
تحركت سكينة بعدما نفخت بضيق تلقي الفستان على الفراش :
_ انا عملت اللي عليا اخلصوا قبل ما يطلع معتز ينكد علينا كلنا، وأنتِ يا ختي متعمليش نفسك مكسوفة كلنا عارفين اللي ....
ولم تكمل كلماتها بسبب صوت صفعة رنت في المكان بأكمله وصوت شيما هز اركان المنزل وهي تهتف بصوت مرتفع :
_ بــــــرة، بــــرة يا زبالة أنت وجوزك، برة ...
ختمت حديثها وهي تدفع سكينة خارج غرفة رايانا ومن ثم أغلقت الباب ونظرت للفراش حيث كانت تبكي رايانا وتربت عليها جدتها .
ثم أمسكت الفستان الذي ألقته سكينة للتو وخرجت للشرفة وهي تحمله في يدها تنظر للبهو حيث كان يقف الجميع وقد علمت أنها أما تتحدث الآن أو تصمت للأبد وتراقب حياة ابنتها تضيع من بين يديها .
_ اقسم بالله اللي هيقرب من بنتي لأكون واكلاه بسناني، وأنت يا معتز لو مش هاين عليك تتعب الرجالة على الفاضي وناويها على فرح، ابقى اتجوز أنت ولا ابنك والفستان جاهز اهو اياكش يكون على مقاسكم .
ختمت حديثها تلقي الفستان بقوة ليسقط على وجه معتز الذي اشتد احمراره ونظر لعز الدين والرجال حوله والصدمة تملئ الوجوه ولم يقطع صمت صدمتهم سوى صوت صفير مرتفع خرج من يحيى الذي كان يقف أمام الرجال ومن ثم رفع يده يصفق بتحية لشيما ومن ثم هتف بصوت مرتفع :
_ تسلم ايدك ولسانك يا أم رايانا، اجدع من رجالة بشنبات والله .
تنفست شيما بصوت مرتفع وشعرت بالراحة فجأة حينما ابصرتهم في الأسفل تعرفت على عيسى فقط من بينهم وقد كان هو نفسهم الذي ساعدهم ذلك اليوم حينما ضرب معتز رايانا ..
تحركت للغرفة بسرعة تميل على الفراش بلهفة وسعادة :
_ رايانا . رايانا شكل ولاد المريدي تحت، متقلقيش والله الفرح ده ما هيحصل غير على جثتي .
لكن رايانا لم تتحرك ولو حركة واحدة، لم تصدر منها حركة واحدة إلا حينما سمعت صوته، سمعت صوتًا يصدح في الاسفل، صوت جعلها ترفع رأسها بسرعة وقد ارتجف جسدها وهي تهرول بعيدًا عن فراشها صوب الشرفة تراقب منها وقد امتلئ وجهها دموع وعيونها مثبتة على الساحة .
حيث أصوات الرياح المتحركة في المكان يشكل إضافة مرعبة على الأجواء حولهم، الغيمة التي تغطي السماء فوق المنزل الفسيح والذي كان يمتلئ بهوه الأمامي بالكثير والكثير من الأجساد المتشحة في الثوب التقليدي لتلك القبيلة التي تميزت على مر عقود، بل قرون بعادات مجحفة غريبة، عادات تلاشت ربما من العقول، لكنها استقرت في النفوس وكانت كسيف على رقاب الجميع، حتى جاء هو ليحطم أول وأهم قاعدة لديهم .
" لا زواج لفتاة بغير أبناء قبيلتها "
اتسعت بسمة مسلم الذي كان يقف في وجه ما يزيد عن عشرة رجال، يدرك أن ما سيفعله لن يتسبب إلا بمقتله، لن يخرج من هنا حيًا، يعلم ذلك، لكنه قرر وانتهى .
نظر نظرة أخيرة صوب إخوته وكأنه يتأكد أنهم سيكونون بخير، وحاتم في الخلف يجهز سلاحه بتحفز، لا يفهم خطة مسلم، لكنه يعلم أنه عليه التحفز للقادم.
بسمة مسلم كانت باردة غريبة يسمع صوت معتز يهتف في الأجواء بهدوء شديد دون اهتمام وهو يبصره قد عاد مجددًا :
_ رجعت تاني أنت وعيلتك، سبق وبلغتك غرضك مش عندي، واظن آخر ضيافة ليك عندنا بينتلك كويس أوي رأيي في طلبك .
ابتلع مسلم ريقه بهدوء وهو يحرك رأسه بهدوء شديد، ومن ثم رفع عيونه في وجه معتز ينظر له بأعين باردة، قبل أن تنحرف عيونه صوب جهة بعيدة عنهم، يبصرها وجهها الحبيب لتلين نظراته فجأة ولولا الموقف الذي يقف به في هذه اللحظة لكان قضى ساعات، بل عمره القادم يتأملها .
سحب نفسه بصعوبة بعيدًا عن شباكها يردد بهدوء ردًا عليه :
_ أنت مرفضتش طلبي يا بارو، أنت ردك كان واضح، مفيش بنت في القبيلة بتتجوز بواحد اضعف من أضعف راجل عندك، وقولتلي بصراحة إني لو هقدر اثبت نفسي واعمل اللي كل رجالة قبيلتك معملوش فهي هتكون مراتي .
والبسمة الساخرة التي ارتسمت على وجوه الجميع أبلغته ردًا، ترفعت الأفواه عن النطق به، العيون أبلغته مقدار الاستهزاء الذي يحمله كل فرد في هذا المكان تجاهه .
_ ويا ترى ايه بقى اللي تقدر أنت تعمله ومفيش واحد من رجالة القبيلة يقدر يعمله ؟؟
وبمجرد أن ختم جملته كانت رصاصة مسلم تستقر بجسده ليسقطه ارضًا بشكل جعل الصرخات تعلو والأعين تتسع بصدمة كبيرة والوجوه تشحب.
وهو فقط ابتسم بسمة جانبية وما يزال يحمل سلاحه يراقب سقوطه ارضًا بشكل مزري أمام أعين الجميع، في اللحظة التي انطلق صوبه رجلين يدفعانه ارضًا بقوة، كانت عيونه لا تفارق وجهها والذي رغم كل ما به من ندوب إلا أنه كان أشبه بقمر في ليلة مظلمة، يبتسم بسمة واسعة وعيونه مثبتة عليها بقوة في تحدي للجميع، وجملة واحدة تتردد في الارجاء..
_ عشيق رايانا قتل البارو .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت بسرعة كبيرة تخرج من غرفتها بجنون وهي تهرول على درج المنزل وقد شعرت بقرب توقف قلبها، لقد أمسكوا به، وسوف يقتلونه، لم تستوعب بعد ما فعله، لقد قتل عمها .
ارتجفت من الفكرة ورغم رغبتها العميقة بالفعل في قتل ذلك الرجل الذي تتبرأ من نسبهم المشترك، إلا أنها لم تكن ترغب أبدًا أن يكون مسلم هو من يفعل ذلك ويلوث يده بدماء نجسة كدماء معتز، بل وتخسره .
تحركت بسرعة صوب مكتب والدها تدفع الباب بقوة تقلبه رأسًا على عقب حتى حصلت على مبتغاها ..
" بندقية " قديمة الطراز كالتي يستخدمها رجال عمها والحراس في القرية .
ركضت تخرج من باب المنزل لولا يد شيما التي امسكتها بسرعة وهي تبكي بخوف من صوت الرصاص الذي بدأ يرتفع في الخارج وكأن هناك حربًا قائمة:
- رايحة فين يا رايانا، ارجعي بسرعة الدنيا برة بايظة والكل طلع سلاحه وشوية ورجالة الغجر كلهم يتجمعوا وتحصل مجزرة .
وكلمات شيما لم تساعد بالمرة في تهدئة رعب رايانا، بل جعلتها ترتجف أكثر وهي تجذب يدها منها بعنف باكية :
_ وانا مش هسيبه ليهم يا شيما، سيبني مش هسيبهم يأذوه.
بكت شيما تصرخ برعب تحاول التمسك بها مرتبعة من تركها تخرج في المجزرة هذه وقد بدأت الاصوات ترتفع في الخارج، لكن رايانا لم تسمع منها شيء، وقد قررت أنه لو كُتب لمسلم ألا يخرج حيًا اليوم، فلتمت هي كذلك .
خرجت وهي تنظر لساحة منزلها التي تحولت فجأة لساحة حرب، وعيونها متسعة بصدمة مما ترى .
إخوة مسلم كانوا يضربون برجال عمها واحدهم يحمل سلاح يهدد به الجميع بعدما سحبوا مسلم من بين أيديهم، ورجال عمها قد أحاطوا بهم .
تنفست بصوت مرتفع تحاول معرفة ما سيحدث بعد هذا، تنظر لهم ثواني قبل أن تتجاهل كل شيء ترفع طرف ثوبها وهي تركض صوبهم تصرخ بصوت مرتفع تتقدم من الحلقة التي يحيط عز الدين بها مسلم ومن معه بعدما سحب الرجال عمها ليلحقوا به :
_ عـــــــز الديـــــــــن .
توقف عز الدين ونظر خلفه ليُصدم من رايانا التي كانت توجه بندقيتها صوب الجميع وعيونها تلتمع بنية واضحة في الاطلاق في أي ثانية دون تردد .
_ لمّ رجالتك وارجع لورا .
ابتسم مسلم بسمة واسعة وهو ما يزال يرفع سلاحه من الجهة المقابلة على عز فأصبح الاخير محاصرًا بينهما .
_ هتقتلي ابن عمك عشان غريب، للدرجة دي وصل بيكِ الفُجر ؟؟
ابتسمت رايانا بسمة واسعة وقد كان وجهها شبه مدمى، على وشك أن يصبح متورمًا :
- وراثة بقى يا ابن عمي ...
فجأة تلاشت بسمتها وهي تنظر لجميع رجال عائلتها بازدراء :
_ الفجر ده ورث اصيل في عيلتنا ولا ايه يا رجالة ؟
اشتعلت العيون ولم يكد أحدهم يتحرك خطوة صوبها حتى ارتفع صوت مسلم بتحذير :
_ مكانـــــك ...
توقف الرجل واستدار صوب مسلم الذي رماه بنظرة مظلمة وهو يردد :
_ لو مش عايز تلحق البارو بتاعك ارفع عيونك فيها .
كان الوضع أشبه بغابة، حيث لا قوانين ولا حاكم ولا رادع، الكل يتصرف وفق اهواءه الشخصية، ربما لهذا بدأ ذكور هذه القرية يتصرفون بهذا الشكل منذ البداية .
_ دخلت بيتنا بسلاح وضربت ابويا رصاصة الله اعلم هيعدي منها ولا لا، ومفكر هتطلع عايش منها .
_ لا هطلع متجوز منها .
رفع عز الدين حاجبه ومسلم نظر في الجميع حتى توقفت عيونه على الشيخ الذي احضروه ليوجه له المسدس يردد بجدية :
_ أنت مأذون بجد ولا تبعهم ؟
نظر له الرجل مرتعبًا وهو يقسم بالله بما يريد مسلم معرفته :
_ والله العظيم مأذون، اطلعلك البطاقة ؟
_ لا خليها ليك هتحتاجها في القسم بعد ما تخلص كتب كتابنا .
تقدم عز الدين يصرخ وقد بدأت نواجزه تبرز بشكل مرعب :
- تتجوز مين أنت اتجننت ؟؟
_ بنت عمك يا حبيبي ايه اطرش ؟
وقد كان ذلك صوب يحيى الذي تدخل حينما رأى نظرات الشر التي تخرج من عيون عز الدين صوب أخيه .
بينما أحمد ابتسم بسمة واسعة :
_ خير البر عاجله يا جماعة، فين ولي العروس عشان نخلص ؟
تعجب مسلم وقد أدرك فجأة على ذكر وليها، أين ذهب عزيز في هذه اللحظة ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الداخل وفي وسط كل هذه الأحداث كان هو يحارب اغماءته المدبرة، لا يدري متى وأين لكنه فجأة شعر بسواد يحيط به من كامل الجهات، وأصوات تأتيه من بعيد وقد أصبحت هذه الأصوات أشد وضوحًا في اللحظة التي بدأت يد تحركه بقوة وصوت صراخ يعلو ويعلو حتى اخترق غيمته التي تحيط به .
_ عـــــزيـــز فوق يا عزيز والحق بنتك ..
كانت كلمات شيما ترن في أرجاء الغرفة وقد صدمها غياب زوجها عن الوعي منذ الصباح متأكدة أن كل ذلك من تدبير معتز لا شك، لكنها كانت منقسمة بين البقاء جواره لتطمئن عليه وبين حماية رايانا وقد اختارت الأخيرة، والآن تكاد تفقدها .
بكت وهي تتحرك في الغرفة تحضر كوب مياه تلقي به على وجه عزيز تجبر على الاستيقاظ، تدفعه بقوة وتضرب كتفه باكية، حتى بدأ يحرك جسده ويعي ما يحدث حوله تقريبًا وكان أول ما ابصره وسمعه صرخة شيما وهي تتحدث باكية .
_ عزيز الحق رايانا ...الحق بنتك يا عزيز .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتم بتعملوا ايه ؟! خدوه على المستشفى بسرعة .
كانت كلمات سكينة صارخة مرتعبة من ضياع معتز، ليس حبًا بمعتز بقدر ما هو خوفًا على مكانتها وحياتها إن رحل .
لكن لم يستمع لها أحد الرجال وهم يتحركون به لملحق منزله يتركونه على الأريكة وقد صرخ أحد الرجال بآخر أن يستدعي أي طبيب ليعالجه .
وسكينة لا تفهم ما يحدث لكنها فقط تبصر حياتها تضيع من بين يديها، أمسكت ثوب الرجل تجذبه بشر صارخة :
_ أنت بتعمل ايه ؟! بقولك هيموت خده على مستشفى .
أبعد الرجل يدها بازدراء وغضب صارخًا :
- بقولك ايه اخرجي من هنا مش ناقص صداع حريم، مستشفى ايه يا مهبوشة أنتِ عايزانا تروح في داهية ؟
- تروح في داهية ايه ؟! ده هو اللي مضروب بالنار، هما اللي يروحوا في داهية .
رفع لها الرجل عيونه بغضب شديد ولم يتحدث بكلمة فكيف تعلم هذه الغبية أن أصابعهم جميعًا أسفل ضرس مسلم في هذه اللحظة بسبب معرفته بأمر الأرض التي يزرعونها جوار البحيرة، وطالما كان ذلك الشاب حي هو وعائلته لا يمكنهم فعل شيء .
_ غوري من وشي مش ناقص قرف، غوري لما اتنيل اشوف هنعمل ايه في المصيبة دي ؟
انهارت سكينة بصدمة من طريقته في التحدث معها وقد شعرت بالرعب من ضياع حياتها من بين يديها :
_ مصيبة ايه ؟ مصيبة ايــــــه ؟ بقولك هيضيع مني، جوزي هيضيع مني ..
نهض الرجل بغضب من صراخها يمسك يدها يجذبها للخارج ومن ثم اغلق الباب في وجهها بضيق شديد تاركًا إياها أمام الباب تصرخ وتلطم وتندب وكأن زوجها قد رحل بالفعل .
وعلى بعد خطوات في منزل عزيز كان ابنها يقف مواجهًا لمسلم ومن معهم وبعض الرجال في صفه .
حرك مسلم عيونه بينهم مبتسمًا بسمة محذرة :
_ نزلوا اسلحتكم، الموضوع مش مستحق كل ده، ده معتز يعني مش حوار .
ازداد غضب عز الدين وهو ينقض على مسلم صارخًا بجنون :
_ يا ابن الـ*** ...
ومسلم لم يتحرك خطوة بل استقبله يصد ضربته صارعًا إياها ارضًا وقد انكب عليه بالضربات دون تفكير حتى ولا أحد تجرأ حتى بخفض دفاعات لينقذه من يد مسلم، فبمجرد أن يخفضوا أسلحتهم قد يباغتهم أحدهم برصاصة تنهي حياته .
كل ذلك أسفل عيون رايانا التي تراقب ما يحدث بأعين مشتعلة ووجه جامد لا يوحي بشيء، لكنها كانت تقيم احتفالات داخل عقلها وهي ترى إذلال عز الدين وقد مسح مسلم الأرض أسفلهم بوجهه، ولم يتقدم أحدهم للدفاع عنهم حتى .
وفي غمرة انشغال الرجل بمتابعة ما يحدث استغل حاتم الأمر ليضرب يد أحدهم ينزع السلاح ثم حمل السلاحين يوجهه عليهم .
_ متعوا عيوني بعرض اكتافكم ولبرة أنت وياه.
نظر له الرجال ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة، حتى أطلق يحيى رصاصتين أسفل أقدامهم مباشرة، ليهرول بعضهم بسرعة ولم يتبقى ثم اثنين لم يكادوا يتحركون حتى تحدث مسلم :
- استنوا خدوا زبالتكم معاكم.
ختم حديثه يضرب عز الدين ضربة أخيرة بقدمه، ليحمله الرجلين ويخرجان من المكان في الوقت ذاته التي خرج عزيز من باب المنزل يستند عليه بضعف يحاول فهم ما يحدث هامسًا بتعجب شديد :
_ ايه اللي بيحصل هنا ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ متقلقيش بإذن الله هتكون بخير، يحيى قالي أنه مسلم كان في طريقه ليهم، ومسلم هابة منه وممكن يعمل أي حاجة عشان يطلع من الليلة وهي بخير .
شعرت شاڤا بالنيران داخل صدرها وهي تتحرك يمينًا ويسارًا بتوتر شديد، وقد بدا أن كفها يحكها لقتل أحدهم وهذا الاحدهم لم يكن ليخرج من عائلة معتز الحقير، سواء كان هو أو ابنه أو زوجته .
_ رايانا متستحقش كل اللي بيعملوه فيها ده، رايانا من صغرها تستحق كل السعادة، لكن للأسف الحياة كانت ضدها طول الوقت .
ابتسمت لها نورهان بحنان رغم القلق الذي كان ينمو في صدرها، لكنها لم تبادر بقول أي كلمات قد تساهم في زيادة قلقها .
_ باذن الله مسلم يكون عوض ليها، زي ما هي عوض ليه، ربنا رزقهم ببعض عشان هما ميستحقوش غير بعض .
سقطت دمعة ساڤا بحزن شديد تدعو الله أن يجمع رايانا بمن تحب ويسعدها، يعوضها عما مرت به ...
لا تصدق أنها تجلس هنا الآن بهذه الطريقة وهي تعلم أن رايانا هناك تتعرض للتعنيف من عمها.
تنفست بصوت مرتفع وقد عقدت العزم، حتى لو تسبب هذا في غضب أحمد، فلن تخذل رايانا، لكن ما كادت تتحرك حتى ارتفع رنين هاتف نورهان فاندفعت كلتاهما صوبه وكانت ساڤا أول من التقطه ودون تفكير أجابت دون حتى أن تستأذن نورهان، لكن الأخيرة لم تفكر في الأمر وهي تقف أمامها بترقب .
وصوت ساڤا خرج مرتجفّا مرتعبًا :
_ الو يا أحمد.
_ ساڤا ...
قاطعته قبل قول أي كلمى تردد بلهفة ودموع تهبط بخوف :
_ رايانا كويسة ؟ حصل ايه ؟؟ لحقتوها صح !
وصلت لها ضحكة صغيرة من أحمد وبعدها تنهيدة منخفضة :
_ اجهزي أنتِ ونورهان عشان عيسى هيعدي عليكم كمان شوية يجيبكم هنا واه البسوا فساتين حلوة عشان الفرح .
لم تفهم ساڤا ما يقول تردد بصوت خافت متقطع :
_ مش...فساتين ايه .. أحمد هي رايانا حصل ليها حاجة ؟
_ لا لسه هيحصل فيها .
وبصوت مرتجف تساءلت :
- ايه اللي حصل بالله عليك ما تكدب عليا، أقسم بالله هاجي اقتل عمها والله العظيم يا أحمد ما هتقدر تمنعني المرة دي و...
_ هتتجوز هي ومسلم ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صوت القرآن من المسجل الصغير الذي يقبع في ركن المحل يصدح في المكان مرسلًا سكينة وهدوء في كل من يدخل المكان، الهدوء يعم المكان بأكمله إلا من صوت المسجل وصوت تسبيحات رجب .
وفجأة قطع كل ذلك الهدوء صوت فتح باب المحل بقوة واقتحام يحيى المكان بعنف لينتفض جسد رجب وهو يسقط المسبحة أرضًا وقد ارتفع صوت استغفار حتى وصل ليحيى الذي تحرك له مبتسمًا :
_ تقبل الله يا عم رجب ..
نظر حوله بفضول يبحث بعيونه عن شخص متسائلًا :
_ ألا يا عم رجب فين المدام ؟
_ وأنت مالك بمراتي مين تاني اتصاب عندكم ؟!
اخفض له يحيى عيونه بحنق :
- مراتك مين يا عم رجب أنا بتكلم عن مراتي أنا، المدام بتاعتي .
تشنجت ملامح رجب بعدم فهم يهمس مرددًا بعده :
_ المدام بتاعتك ؟
ولم يكن لدى يحيى وقت ليجيب وهو يبصرها تقترب منهم مبتسمة تحمل بين يديها بعض عبوات الحليب :
_ عم رجب اللبن ده صلاحيته باقي فيها ....
صمتت فجأة حينما أبصرت وجه يحيى والذي لم تراه منذ ذلك اللقاء القصير في الشرفة، وعلى ذكر الشرقة اشتد خجلها تبعد عيونها عنه تحاول أن تتلاشى النظر له وهو ابتسم لها بلطف شديد .
_ سألت عنك في البيت وقالولي أنك هنا، وكمان أنا استأذنت ابوكِ وجدك إني اخدك معايا .
واخيرًا نظرت له بعدم فهم :
- تاخدني معاك فين ؟
_ فرح .
- فرح ؟؟
_ كان نفسي اقولك فرحنا، بس للاسف هو فرح اخويا، مسلم ورايانا هيتجوزوا .
اتسعت عيون رجب بصدمة من الخبر، وكذلك كارا أشرق وجهها بعدم تصديق، ويحيى استدار صوب رجب يقول بجدية :
- شكّلنا بقى يا عم رجب شوية عصاير وكيك كده عشان الفرح، وكمان كنت عايز أسألك عندك سماعات صوت وكمان مشترك طويل ؟
نظر له رجب ثواني قبل أن يشير برأسه صوب الباب الذي يؤدي للمخزن :
_ فيه واحد في البلد بيأجر السماعات دي، ألف مبروك يا بني ربنا يتمم ليهم على خير .
_ الله يبارك فيك يارب عقبال يارب عطية .
_ عطية مين يابني، ربنا يدينا ويديك طولة العمر لسه بدري عليه، ده لسه عيل .
_ بس متقولش عيل بالاسم ده، عمرك ما تسمعه ويجي في بالك أنه اسم طفل، ده اسم راجل ملو هدومه في منتصف عمره.
ولم يدع لرجب الفرصة ليجيبه، ينظر صوب كارا التي كانت تراقبهم ببسمة واسعة لم تُمحى منذ علمت بأمر زواج رايانا ومسلم .
_ أنا...ممكن ارجع البيت أغير، عايزة البس فستان حلو .
_ مفيش مشاكل طبعًا ياريت لو ابيض محدش ضامن ايه اللي ممكن يحصل فجأة، الإنسان دلوقتي بقى يبقى قاعد في أمان الله فجأة يلاقي نفسه على كوشة.
رمشت بعدم فهم ليلوي وجهه بحنق مشيرًا صوب الباب :
- يلا روحي البسي أي نيلة وتعالي، ده أنت طينة خالص .
ابتسمت له باحراج من كلماته وقد تأخرت في فهم مقصده، أو ربما ادعت عدم الفهم لتتلاشى الخجل، هزت رأسها تتحرك ليمسك عبوات الحليب التي تحملها :
_ هاتي يا أمي اللبن ده رايحة فين، يلا بسرعة عشان منتأخرش .
هزت راسها بتوتر :
_ حاضر مش هتأخر متسبنيش وتمشي يا يحيى .
ويحيى ذاب من من رقتها يضم عبوات اللبن لصدره مبتسمًا لها بحب :
_ امشي اروح فين، مستنيكِ يلا .
اتسعت بسمتها بسعادة كبيرة وهي تهرول بعيدًا عنه خارج المحل وقد كاد يخرج لها جناحين من البهجة، كان هذا بمثابة أول موعد لها مع يحيى .
رجب كان يراقب ما يحدث مبتسمًا دون كلمة، ويحيى استدار له يميل على المكتب مستندًا عليه وهو ما يزال يحمل بين يديه اللبن :
_ قولي يا عم رجب شعورك إيه وأنت هتناسب حد زيي ؟
_ لا نقول سوى اللهم اجرنا في مصيبتنا يا بني، قضاء ربنا هنعترض يعني والعياذ بالله ؟!
_ مصيبتكم ؟ أنا لو مصيبة، يبقى ياريت كل المصايب يحيى يا عم رجب ....
ـــــــــــــــــــ
_ والله لهلا مو مصدق أنك عملتها .
اتسعت بسمة مسلم بقوة، هو نفسه لا يصدق كيف حدث وتيسرت كل الامور بهذه السهولة، تلك اللحظة التي توقف بها أمام البارو وطلب منه دون أن يرف جفنه يدها .
_ سبق وجيت ليك طلبت منك طلب ووقتها رفضت، هعيد طلبي للمرة التانية لأني مرضاش لرايانا تتجوز بولي أمر غير والدها وهو لسه عايش، مرضاش ليها تكون من غير أب في جوازها زي ما كانت في حياتها.
رفع له عزيز عيونه وقد كان وعيه ليس حاضرًا بالكامل، يحدق في وجه مسلم الذي كانت يده تحتكه لنزع سلاحه وتهديده أو تحطيم جسده من الضرب حتى يعلم خطأه في ترك ابنته لهم .
لكن صبرًا والله سيتزوجها الآن ولن يسمح لأحدهم أن يلمح طرفها حتى .
حرك عزيز عيونه بين الجميع وقبل التحدث بكلمة صدر صوت قوي في المكان يرن في الأجواء .
_ يا شيما ..
ركضت شيما خارج المنزل بسرعة بعدما كانت تختبئ خلف باب المنزل مخافة أن تظهر فتفسد اي شيء .
_ نعم يا جدة .
_ اتحركي لمسجد القرية ونادي الشيخ امين قوليله اليوم عقد قرآن زينة بنات الدوم، خليه يسرع ويجي .
ختم حديثه تنظر صوب ذلك الشيخ الذي كان يرتجف جانبًا :
_ وأنت اخفي من وشي، اللي كان عايز يزوج حفيدتي لواحد فاقد الأهلية ما يستحق يزوجها لشريك حياتها .
نظر المأذون صوب مسلم بخوف ليحرك الأخير عيونه له سامحًا له بالهرب وهكذا فعل ففي ثواني لم يبصره أحدهم .
تحركت عيون الجدة صوب عزيز تبتسم له بسمة غاضبة وهو كان يقف لا يفهم ما يحدث وهناك تشويش على عقله بالكامل :
_ معتقدش عزيز بيكون عنده مانع، أو حتى رأي يخص بنته، هو دايما بيوافق على أي اقتراح لحياتها حتى ولو كان الاقتراح هيدمر حياتها، ولا ايه يا عزيز ؟
وعزيز نظر لعيون والدته الحادة يبصر نيرانًا، ولم يمتلك من أمره سوى أن حرك عيونه صوب مسلم يفكر أن ما يحدث سيفتح عليه نيران معتز، لكنه ملّ، هو ليس حيًا ليخاف على حياته بهذا القدر .
_ نادي الشيخ يا شيما ....
أطلقت شيما زغاريد مرتفعة رجت المكان ورايانا لاول مرة تطلق زفرة مرتفع مرتاحة، باكية لا تصدق أن والدها لاول مرة يختارها، وصوت خبيث وسوس لها أن هذا لأن لا عمها ولا عز الدين موجودين، لكنها لا تهتم والله لا تهتم .
استدارت صوب مسلم تحدق في عيونه وهو ابتسم لها ولم يكن ينزع عيونه عنها يقترب منها خطوات صغيرة حتى توقف على بعد صغير منها يراقب البندقية التي اسقطتها ارضًا بمجرد انتهاء كل شيء .
_ خلصت فروشكا، وبدأت حكاية جديدة .
سقطت دموعها أكثر وفي ثواني كانت تهرول داخل المنزل لا تستطيع الوقوف أمامه، وهو يراقب طيفها مبتسمًا باتساع وحب ..
استفاق من شروده على صوت حاتم الذي بدأ يهمس له بصوت منخفض :
_ مسلم لقد أرسل لك جوليان شيئًا .
حرك مسلم عيونه ببطء صوب حاتم بعدما كان شاردًا في حياته :
_ بهذه السرعة ؟
_ يبدو أن ذلك الحقير لم يفقد مهارته في القذارة بعد، ما يزال خنزيرًا جيدًا .
ضحك مسلم ضحكة صغيرة وهو يلتقط هاتف حاتم يحدق فيه وقد بدأت بسمة واسعة ترتسم على فمه، بسمع أوسع من أي بسمة سبق وابتسمها يومًا، لا يدرك هل هذا لأن حلم جده اقترب تحقيقه، أم حلمه هو ؟
فجأة انتفض جسده وجسد حاتم الذي شعر بتوقف مفاجئ في قلبه قبل أن تعود ضربات بقوة حينما ارتفع صوت اغاني قوي فجأة .
نظر الجميع حول بعضهم البعض بعدم فهم ليروا سيارة صغيرة تقف أمام منزل البارو تحمل سماعات غناء ضخمة صوتها يرج المكان بأكمله.
نظر مسلم بعدم فهم لحاتم .
بينما أحمد والذي كان يقف جانبًا يراقب كل ذلك تحرك بعدم فهم صوب الخارج ليرى يحيى ينزل من سيارة تبدو مختصة بحمل البضائع، على ظهرها تقبع سماعات ضخمة موصولة بمولّد تصدح منها كلمات اغنية شعبية .
هبط يحيى من مقدمة السيارة وركض لظهر السيارة وعدّل وضعية سماعات الصوت ليكون اتجاهها تحديدًا صوب منزل ...معتز، ثم وقف جوارها وهو يرقص بحركات شبابية ويغني معها بصوت مرتفع .
_ انهاردة فرحي يا جدعـــــان.
وكارا في الاسفل تجلس في المقعد المجاور للسائق تدفن وجهها بين يديها ولا تدري خجلًا أم كبتًا لضحكاتها على أفعال يحيى .
وفي الاسفل كانت ضحكات حاتم تصدح في المكان ومسلم جواره يحدق بما يفعل شقيقه بصدمة .
وأحمد يقف جانبًا يضع يده على فمه كاتمًا ضحكاته بصعوبة حتى كادت عيونه تدمع .
وعلى بعد خطوات وصل عيسى مع الفتيات ليُصدم أن الزفاف قد بدأ دونه، فركض يقف جواره السيارة وهو يرقص ونورهان والتي كانت طوال الطريق غير مصدقة لتسارع الأحداث وتغيرها في مجرد ساعات قليلة أخذت تطلق زغاريد مرتفعة وقد أقاموا الزفاف بالتحديد أمام منزل عز الدين .
وكل ثانية كان يحيى يرفع من صوت الاغاني يدفع السماعات أكثر صوب المنزل بغية مشاركتهم فرحتهم .
وبعد دقائق وصلت شيما مع الشيخ الذي تحرك داخل المنزل يلقي التحية على الجميع وهو مبتسم ابتسامة واسعة .
دخلت ساڤا المنزل متجهة مباشرة صوب غرفة رايانا تقتحمها دون مقدمات لتبصرها تقف هناك أمام المرآة الخاصة بها ترتدي ثوب من اللون الاحمر الناري مع خيوط من اللون الاسود " الثوب التقليدي لقبيلتهم " وتنظر لنفسها في المرآة لا تصدق أنها الآن على موعد مع فصل جديد في حياتها، ستتزوج مسلم، اليوم الذي بدأ بمحنة انتهى بمنحة ..
نظرت بسرعة صوب ساڤا وقد كانت ملامحها مدمرة من الضرب، وجه لا يليق بعروس يوم زفافها، بكت دون شعور وهي تهرول تلقي بنفسها بين أحضان ساڤا تردد كلمات غير مفهومة .
وساڤا تبكي من الخوف والسعادة في آن واحد :
_ كسر أيده، والله العظيم هطلع عينه هو ومراته وابنه بس اصبري عليا.
أما عن رايانا كانت فقط تبكي دون تصديق :
- مش ...مش مصدقة يا ساڤا وخايفة يحصل حاجة متكملش فرحتي .
_ اتفائلي خير، خلاص يا رايانا اللي راح عدى وربنا كان حافظ ليكِ كل نصيبك من السعادة في اللحظة دي، فعيشيها يا حبيبتي ومتفكريش في حاجة .
في هذه اللحظة اقتحم الغرفة شيما وهي تطلق زغاريد مرتفعة سعيدة يتبعها نورهان وكارا وجدتها .
بكت رايانا أكثر لسعادة الجميع لها وهي ترحب بهم حتى وصلت لشيما، فمالت تقبل يدها بسرعة باكية، ومن ثم استقامت تضمها بحب :
_ شكرا.... اوي يا ماما، شكرا اوي .
وشيما تجمدت من كلمتها ترتجف بصدمة تنظر لرايانا متسائلة فابتسمت الاخيرة بحب :
_ لو كانت ماما عايشة يمكن مكانتش عملت نص اللي عملتيه، معرفش هي عاملة ازاي بس عمري ما كنت اتمنى تكون احلى منك .
بكت شيما وهي تضم رايانا بقوة تقبل رأسها ووجهها وهي تدعو لها من قلبها.
الله لم يبتليها في رحمها، إلا ليرحمها، ويرزقها في المقابل رايانا، ارسلهم الله لبعضهما البعض، ارسل رايانا لها لتعوضها عن ذريتها، وارسلها لرايانا لتعوضها عن والدتها .
ابتسم الجميع بتأثر، ورايانا ابتعدت تمسح دموعها ثم تحركت صوب جدتها تقبل يدها بحب، ومن ثم قبلت رأسها :
- الله يخليلي اياكِ يا جدة .
_ عساها فرحة العمر يا بنيتي، بتروحي في الآخر للي بيستاهلك، قولتلك اصبري وشوفي نتيجة الصبر .
ابتسمت لها بسمة واسعة، في اللحظة التي تدخلت بها نورهان وهي تشير لهم بالتحرك لأن الجميع ينتظر في الاسفل .
ورايانا شعرت برهبة مفاجئة، وتوتر لا تدري سببه، هي لم تكن صاحبة حظ فيما يخص الزفافات، كانت تنهي كل زفاف بيدها واليوم هي تتمسك به بروحها .
تحرك الجميع وتحركت هي خلفهم، وهبطت الدرج بتوتر وارتجاف تسمع صوت الشيخ وهو ينتهي من إجراءات عقد القرآن، ووالدها يضع يده بكف مسلم الذي كان يردد كل كلمة بروحه وليس لسانه .
حتى أبصرها بطرف عيونه .
يحرك عيونه معها حتى استقرت جوار والدها يردد بقلبه قبل لسانه :
_ أقبل...
وهي بمجرد أن استقرت تحركت عيون الشيخ نفسه يطرح عليها نفس السؤال الذي سبق وطرحه عليها سابقًا، لكن هذه المرة كانت مختلفة كليًا .
_ هل تقبلين الزواج من مسلم بن اسماعيل على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بينكما؟
رفعت عيونها بعيون مسلم الذي ابتسم لها بسمة حنونة، بسمة جعلتها تنطق دون وعي منها حتى :
_ اقبل.
وكرر الشيخ السؤال ثلاث مرات كانت اجابتها واحدة ثابتة في الثلاثة أسئلة، وبمجرد انتهاء عقد القرآن، ابتسم الشيخ بسمة واسعة :
_ تمّ العقد على بركة الله، نسأل الله أن يجعله زواجًا مباركًا وسعيدًا.
ومع هذه الجملة ارتجف كامل جسد رايانا ولم تكد تستوعب شيء حتى وجدت مسلم يجلس أمام مقعدها على ركبتيه ينظر لها بحب وكأنها شيء كثير عليه، وقد كانت ...
رايانا كانت أكثر مما حلم به مسلم يومًا، أن يرزقه الله برايانا كان أكثر مما يتمنى .
أمسك كفها بحنان وهي تنظر له بأعين ملتمعة، قبل أن تشعر بشيء بارد بين كفها، حركت عيونها ليدها بعدم فهم لتبصر مسدسه يقبع بين راحتيها، صُدمت تنظر له بعدم فهم وهو ابتسم يردد بكل جدية :
_ لو في أي لحظة اذيتك أو قربت منك بسوء أو حسيتي مني إني هعملك حاجة عمري ما كنت افكر اعملها في وعيي اضربيني رصاصة في دماغي وأنا هكتب تعهد من دلوقتي إن أي حاجة تحصلي أنا مسؤول عنها .
اتسعت عيون رايانا بصدمة من كلماته تلقي المسدس جانبًا برعب وكأنها يومًا لم تحمل سلاحًا، تحدق فيه برفض، ودون شعور منها ضمت وجهه بين يديها تبعد خصلاته عن عيونه :
_ لو بغير وعيك أنا واثقة فيك يا مسلم، مش أنت قولت أنه هو بيحبني ؟
ابتسم مسلم وللمرة الأولى ينطق بكل كيانه :
_ مش هو بس اللي بيحبك .....
كان يحيى يراقب ما يحدث ببسمة متسعة وقد شاهد لأول مرة مشهد من رواياته على أرض الواقع، حبًا بقوة القصص الملحمية التي كان يحضرها، لكن فجأة أدرك شيئًا خطيرًا لم يكن هو فقط من يشاهد، بل جميعهم وتحديدًا كارا .
استدار لها يراها تراقب ما يحدث بأعين ملتمعة وبسمة حالمة، يعلمها جيدًا، لذا مال عليها وهو يحرك يديه مبتسمًا :
_ طبعًا أنتِ عارفة إن اخرك بوكيه ورد أحمر مش كده ..
نظرت له كارا بعدم فهم فابتسم لها بسمة واسعة :
_ ده عشانك بس والله، عشان العشم مياخدكيش أوي كده، هو بوكيه ورد احمر في النص وردة بيضة وعشان الروشنة هحطلك الخاتم في نص الوردة البيضة.
فتحت كارا عيونها بصدمة من كلمات يحيى، أما يحيى فقد ابلغها رسالته وحذرها ومن ثم عاد يتابع الرواية مجددًا مع شقيقه ليراه، يخرج من جيبه خاتمًا مبهرًا كان ....الماس ؟
تشنجت ملامح بعدم فهم ينظر للجميع حوله بصدمة، من أين احضر مسلم هذا الخاتم حتى ؟
أبصر احمد وزوجته التي كانت تتابع ما يحدث بأعين متسعة وسعادة بالغة، نورهان جوار حاتم بتأثر وبسمة حنونة، واخيرًا عيسى ليتحدث له بجدية :
_ حظك أنت إن التوكتوك بتاعك مش هنا وشاف اللي بيحصل .
نظر له عيسى بعدم فهم، لكن يحيى لم يهتم وهو يراقب كارا التي عادت لمتابعة ما يحدث بشغف شديد وحب ليلوي يحيى فمه بضيق يكمل حديثه لها :
_ حتة الخاتم دي هتعمل فيها تعديل، على حسب لو قدرنا نطرد قريتك من بيوتهم ونشردهم وناخد بيوتهم منهم يبقى اجيبلك خاتم من لازورد، أما بقى لو أتأخر الموضوع فخاتم دهب لغاية ما ربك يكرمنا ونشردكم .
ختم حديثه يسد بجسده المشهد عن عيونها كي لا تبصر المزيد مما يحدث يضم ذراعيه بضيق لصدره :
_ ما تخلص يا حبيبي مش عايزين نفتح عيون الباقيين .
رفع مسلم عيونه لشقيقه وكأنه للتو أدرك وجودهم ليبتسم بسمة واسعة له ينهض من مكانه، يمسك بكف رايانا يجذبها مستأذنًا من الجميع بكلمات مقتضبة ومن ثم تحرك بها من المكان وهي تهرول خلفه لا تفهم ما يحدث تاركين الجميع خلفهم لا يفهمون إلى أين الرحيل، لكن لم يعلق أحدهم بكلمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يسبق الجميع بخطوات للمنزل وجواره كانت هي مبتسمة سعيدة مرتاحة، لأول مرة يبصر عيونها مسترخية بهذا الشكل ...
نظر لها نظرة سريعة قبل أن يبعد عيونه للطريق :
_ مبسوطة ؟!
استدارت ساڤا له تهز رأسها بقوة، ثم اتسعت بسمتها خلف النقاب وقد شعرت لاول مرة في حياتها براحة كبيرة، راحة أنه واخيرًا نالت رايانا ما تستحق :
_ جدا، أنا مبسوطة ومرتاحة جدا، مش مصدقة إن أخيرًا رايانا أخدت اللي تستحقه .
صمتت ولم تتحدث بما يجول في خاطرها، وهو شعر أن هناك حديث باق لكنها كتمته، ولم يعلق على هذه النقطة يتساءل بجدية شديدة :
_ نفسك تعملي كده ؟
نظرت له بعدم فهم وهي تكمل طريقها معهم، لا تصدق أنه جاء الوقت الذي تعود به لمنزل وعائلة بعد كل مناسبة بدل العودة لمنزلها البارد والغرق في موجة اكتئاب مع طعامها حتى تنهار .
_ كده ؟
_ يعني ...احتفال بوجود الكل، تحبي ..اعملك احتفال بمناسبة كتب كتابنا ؟
ختم حديثه ببسمة صغيرة وقد بدا كما لو أنه يمزح معها ليخفف الأجواء على سبيل المثال، لكنه كان جاد وللغاية، لم يكن يمزح في أي كلمة نطق بها .
توقفت فجأة تنظر له ببسمة غير مصدقة لم يظهر منها سوى انعاكسها في عيونها :
_ نحتفل ؟ الموضوع كأننا متجوزين بجد ؟
ابتسم لها أحمد بسمة غير مفهومة :
_ أمال احنا ايه يا ساڤا ؟!
_ احنا مجرد مرحلة في حياة بعضنا يا أحمد، بلاش تضيع فرحتك الأولى، وبلاش تحرق أول احتفال ليك في حياتك على حاجة مش هتدوم .
تلاشت بسمة أحمد شيئًا فشيء وهو ينظر لها نظرات غريبة وهي فقط ابتسمت له بسمة صغيرة وقد عزّ عليها نطق كل ذلك، التفكير في هذا ..
ترك أحمد لامرأة غيرها تستحقه، تمنحه ما لم تستطع هي منحه إياه، كان قمة العدل لأحمد والظلم لها ولنفسها، التمعت عيونها بدموع وهي تنظر أمامها للطريق، وقد خرج صوتها مرتجفًا :
_ خلينا نكمل، تعبانة وعايزة أنام..
ولم تكد تبتعد خطوة حتى امسك احمد يدها بقوة بضغط عليها وهو ينظر لعيونها التي أخذت تهرب من نظراته، يحاول معرفة ما يدور داخل صدرها :
_ ساڤا فيه حد كنتِ تتمني يكون مكاني ؟
وكان لأول مرة يفكر في الأمر، هل أحبت غيره ولم تنله فاختارت اسلم الحلول ..الاقتران به هو ؟
وهذه الفكرة جرحته وقتلته وجعلته يشعر بشر مرعب داخل صدره لشخص مجهول، شخص ربما يسكن هناك داخل صدر زوجته، زوجته هو ...
وهي صُدمت من تخمينه تحاول فهم ما يقصده :
_ أنا عمري ما تمنيت حد يكون مكانك يا أحمد أنت بتقول ايه، لو كان فيه راجل أنا اتمنيت يكون مكانك في يوم من الايام فهو أنت، لكن ده مش ....مش هينفع اساسا يستمر ومش كل الامنيات بتتحقق .
ارتجفت يد أحمد وهو ما يزال يتمسك بها وكأنه يخشى أن تتلاشى من بين يديه، لكنها فجأة جذبت يدها من بين قبضته تتحرك بسرعة خلف نورهان، تاركة أحمد خلفها مصدومًا مما يحدث لحياته .
لأول مرة لا يمتلك زمام حياته، للمرة الأولى لا يمتلك توقعًا للقادم، لا يعلم ما سيفعل، يعجز عن تقرير الخطوة القادمة .
_ أنت منيح ؟!
رفع أحمد عيونه صوب حاتم الذي نظر له بترقب ليبتسم أحمد بقلة حيلة وهو يراقب أثر زوجته :
_ معرفش والله اذا كنت منيح ولا لا .
_ اييه ما عليه يا خوي، بكرة بتتعود على الوجع يلا .
ختم حديثه يضم كتف أحمد وهو يتحرك به ليتنهد الأخير بصوت مرتفع لا يدري أين كان يختبئ كل هذا له ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تمام كل حاجة عندك ؟
انتهى الرجل من تفحص السيارة الخاصة به والسماعات التي توسط له رجب في ليستأجرها للزفاف بعدما رفض الرجل أن يؤجرها له .
_ تمام .
ودعه يحيى وهو يشير لكارا لتلحق به كي يوصلها للمنزل، وهي سارت جواره بخجل تنظر ارضًا، قبل أن يتحدث يحيى بجدية قلما خرجت منه :
_ اتبسطي ؟!
رفعت كارا عيونها له قبل أن تبتسم باتساع :
_ ايوة جدا، رايانا كانت قمر وكتب الكتاب كان جميل اوي ربنا يسعدهم يارب.
شرد بها وبلطفها وبسمتها وقال بعد صمت بسيط :
_ وأنتِ برضو جميلة يا كارا، وهتكوني أجمل عروسة في الدنيا .
نظرت له كارا بخجل وابتسمت بسمة صغيرة وكادت تشكره، لولا أنه توقف فجأة ينظر لها بجدية وقد شعر أنه يجب عليه قول ذلك :
_ كارا اللي قولته النهاردة كان هزار، أنا عمري ما هقصر في أي حاجة أنا عارف أنها هتسعدك، ولو الخاتم الالماس وكل ده هيسعدك انا مستعد اقدمه ليكِ، بس كله على قد استطاعتي، مش عايزك تحسي لثانية إن ممكن اقصر معاكِ .
صمت ثواني قبل أن يبتسم لها بحنان :
- ممكن اقصر في أي حاجة، حتى في حق نفسي يا كارا، الحاجة الوحيدة اللي عمري ما هقصر فيها هي سعادتك خليكِ فاكرة الكلمتين دول .
شعرت كارا بأنها على وشك البكاء، تبتسم له بحب :
_ ومين قالك اني عايزة خاتم الماس ولا كل ده يا يحيى، انا عمري ما فكرت اساسا في كده، انا بس حبيت ...حبيت مشاعرهم لبعض مش الهدايا.
هز رأسه يتنهد براحة :
_ طب الحمدلله وفرتي عليا الخاتم الالماس .
اتسعت عيونها بصدمة منه، فضحك يحيى بصوت مرتفع على نظراتها :
- بهزر يا ستي مالك هجيبلك خاتم .
رمته بنظرة منزعجة لافساده الأجواء الرومانسية النادرة بينهما، ترحل بغيظ شديد وهي تكبت ضحكتها بصعوبة، وهو لحق بها بسرعة يحاول أن يصل لها :
- يابنتي بهز معاكِ والله، تعالي بس هجيبلك خاتم من لازورد يا كارا ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلست على الأريكة في البهو وهي تخلع الحذاء عن قدمها تريحها، تبصر الجميع يتوجه صوب الغرف لتتساءل بجدية :
_ أحمد هجهز أكل للكل اعمل حسابكم ؟
ابتسم لها أحمد وهو يميل مقبلًا رأسها بحنان :
_ هتعبك معايا يا نونو، بس اعملي على قد ساڤا عشان مش بتاكل كويس ومحتاجة تاخد علاج .
هزت رأسها بايجاب :
_ حاضر .... وأنت يا عيسى هتاكل ؟!
تحرك أحمد خلف زوجته في حين توقف عيسى يتثائب بتعب :
_ لا يا نونو بالهنا والشفا انا عايز انام، بس اعملي حساب يحيى اكيد هيرجع جعان ..
هزت رأسها بحسنًا ولم تكد تنهض حتى أبصرت حاتم يخرج من غرفة مسلم بعدما دخلها مباشرة حينما وصلوا، يحمل بين يديه حاسوب مسلم الشخصي، لتوقفه هي بتردد :
_ حاتم...
توقفت أقدامه بتفاجيء من كلماتها يستدير لها بفضول وهي بلعت ريقها تحاول دفع نفسها للحديث بنبرة عادية غير مرتجفة :
_ هــ ...هو أنا...كنت يعني هجهز أكل للكل، تحب اعمل حسابك في الأكل ؟
ابتسم لها بسمة صغيرة بسمة عادية وقد ضغط على نفسه وأجبر نفسه على التعامل معها بشكل طبيعي، هي لا تستحق أن تُعامل بنبذ من طرفه فقط لأنها لا تحبه، هو لا يستطيع أن يجبرها على مبادلته نفس مشاعره ...
_ ما بدي عذبك معي، الحمدلله شبعان، بالهنا والشفا على قلبك يارب .
ولم يكد يتحرك حتى أوقفته هي وقد شعرت أنها لم تنتهي الأمر آخر مرة بشكل طبيعي وقد جعلت الأمر يبدو كما لو أنها تنفره .
_ حاتم ...
توقفت أقدامه مرة ثانية وهو يغمض عيونه، كانت المرأة في الخلف لا تساعد بأي شكل في أن يتجاوزها، هذا إن استطاع أن يفعل، وآه لو تعلم أن مشاعره صوبها ليست مشاعر وليد اللحظة يمكنه التخلص منها بهدوء .
آه لو تعلم أنه احبها وتمناها قبله، أنه تمناها شريكة لحياته قبل أن يظفر بها غيره ويا ليته حافظ عليها، بل حطمها حتى لم تعد صالحة له أو لغيره .
وأكثر ما يغضبه في الأمر هي أنها سمحت له أن يدمرها حتى في غيابه، حتى وهو ليس هنا ما تزال آثاره باقية متأصلة في نفسها .
_ نعم ؟
_ أنا... آخر مرة ...مكانش ...مكنتش اقصد ابدا إني اجرحك بالشكل ده، صدقني الموضوع مش ...مش زي ما انت فاكر..حاتم أنا بعد الطلاق مش ....
وحاتم علم ما تود قوله لذا اعتدل في وقفته واستدار لها بالكامل يقول ببساطة وهدوء شديد :
_ ما بتحتاحي تبرري لمين من كان ليش رفضتي أو قبلتي شي، هاد قرارك والكل مجبر يحترمه .
وهذه الكلمات لم تزدها سوى ندمًا أكبر لجرحه، تنظر ارضًا ثم هتفت بصوت مكسور :
_ بس حبيت أنك تعرف أن القرار مكانش رفض لشخصك أبدًا صدقني أنت....
توقفت عن الحديث وقد شعرت أنها ستتمادى، لذا توقفت عند هذا الحد تبتسم بسمة صغيرة :
_ ربنا يرزقك باللي تسعدك أنت تستحق كل خير .
ابتسم حاتم بسمة مكسورة بعض شفتيه بقوة وقد بدا أنها تتفنن في ايلامه، لكنه لم يعد يهتم في الواقع :
- ايه دعواتك، إن شاء الله عن قريب ....
ومن ثم رحل دون كلمة أو حتى نظرة إضافية تاركًا إياها تراقبه بصدمة كبيرة من كلماته ماذا يقصد بـ عن قريب ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف بها واخيرًا حيث أراد لها أن تكون، على طرف البحيرة تمامًا حيث ابصرها أول مرة .
_ احنا هنا ليه .
استدار لها مسلم ببسمة واسعة ينظر لها تحت ضوء القمر يتأمل كل همسة تصدر منها وكأنها النظرة الأخيرة له :
_ حبيت اعمل أول حاجة جات في بالي أول مرة شوفتك واقفة على البحيرة هنا في أول يوم ليا .
نظرت له بتعجب ولم تفهم ما يقصد، لكنه لم يمنحها حتى فرصة التفكير في الأمر وهو يقترب منها فجأة يجذبها بكلها لاحضانه يطبع قبلة على وجنتها بحنان شديد، ومن ثم دفنها بين أحضانه بقوة، يرتشف وجودها وكأنه يمده بالحياة .
أما عنها فتنفست براحة بين أحضانه، تبتسم بسمة واسعة تستمد من وجوده الأمان الذي افتقدته قبله، مسلم والذي مثل لها في كل لحظة منذ ظهوره وقبل حتى معرفته لها، أمانها .
نظراته لها منذ أول مرة ابصرها، دفاعه عنها دون معرفته حتى لهويتها، مساعدتها في كل مرة لجئت له بها .
_ أخيرًا، لقيت الشرير اللي هيكمل قصتي .
ابتسم مسلم وهو يدفن وجهه بين كتفها ورقبتها يهمس بحنان :
_ طول عمري كنت شرير يا فروشكا وعمري ما كنت فخور بكده، لكن لو تحبي اكونلك أمير، هكون ليكِ أمير زي ما تحبي أكون .
ورايانا شعرت أن قلبها يرتجف من كلماته، لم تكن تصدق حتى أنها تحيا هذه اللحظات الآن، وكل تفكيرها أنها ربما الآن تجلس في ركن غرفتها بعدما ارهقها عمها من الضرب، وأن ما يحدث مجرد خيال من عقلها فقط للهروب من الواقع .
_ مسلم ...
_ عيوني .
_ خايفة اكون بحلم.
كلمة خرجت منها خافتة واصابت منتصف صدره، اصابت جزء حساس داخله، جزء كان يخشى كل لحظة أن يستيقظ فجأة ويجد أن كل ذلك حلم، حلم أنتجه عقله المريض وهو ما يزال مسجون في ركن تلك الغرفة الفارغة حيث روائح الدم أكثر من الأكسجين والدماء أكثر من الغبار .
لمرات ومرات ظن أنها خيال، خيال جميل أنتجه عقله ليحارب به واقعًا مرفوضًا .
_ على طول كنت بفكر أنك خيال، مجرد خيال عقلي صنعه عشان محسش بوجع تاني، بس ....
تنفس بصوت مرتفع يهمس لها بصوت مرتجف جوار أذنها:
_ أنت أجمل من أنك تكوني خيال في عقلي يا فروشكا .
وهذه كانت حقيقة مجردة، رايانا أجمل من أن تكون مجرد خيال صنعه عقله المريض .
التمعت عيون رايانا بمشاعر عديدة وهي تقف على أطراف أصابعها كي تصل لكتفه تتعلق برقبته تضم رأسه بحنان وكل مشاعرها تجاه هذا الرجل تضاعفت في لحظة وقد أصبح اهم لها من أنفاسها القادمة .
وهو فقط مال بجسده، يرفعها عن الأرض بين أحضانه لتتسع بسمتها بقوة وحب .
شرد بهذه البسمة ينطق بأول شيء جاء لذهنه في هذه اللحظة :
_ رايانا .
_ نعم ؟!
_ أنا مريض بيكِ ......
ـــــــــــــــــــ
رايانا أجمل من أن تكون مجرد خيال صنعه عقله المريض .