رواية هتلر الفصل السادس والعشرون26 بقلم اسماعيل موسي

رواية هتلر الفصل السادس والعشرون26 بقلم اسماعيل موسي

#هتلر

            ٢٦

بعد أيام قليلة من الاستيلاء على صفقة السلاح كان محمود جالسًا داخل مخبأ صغير بين الجبال أمام خريطة قديمة وصندوق خشبي مفتوح مليء بالذخيرة وكانت رجاله تتحرك حوله بصمت بينما يحمل الهواء داخل المكان رائحة الرمال والبارود والدخان
رن الهاتف فجأة وكان ذلك الرقم نفسه الذي لا يحمل اسمًا ولا بيانات فنظر محمود إلى الشاشة للحظات قبل أن يرد وحين جاءه الصوت كان هادئًا بنفس البرود القديم لكنه هذه المرة حمل شيئًا مختلفًا يشبه الرضا
جاءه صوت الرجل الغامض منخفضًا وواضحًا وهو يقول مبروك يا دكتور فظل محمود صامتًا يستمع بينما أكمل الرجل بهدوء المهمة نجحت والوكر اللي دخلته كان أخطر مما تتخيل
سكت لحظة قصيرة ثم تابع ناس كتير حاولت توصله قبل كده وفشلت وأنت دخلت وطلعت ونضفته بالكامل وكان محمود يدخن بصمت وعيناه ثابتتان على الجبل المظلم أمامه بينما الرجل يواصل حديثه بنفس النبرة الباردة
قال له هيوصلك إحداثيات جديدة قريب أماكن أدق وأخطر ثم فجأة تغير صوته قليلًا كأنه يبتسم خلف الكلمات وهمس ومش هسألك صفقة السلاح راحت فين يا دكتور
تجمد وجه محمود للحظة لكنه لم يتكلم وقبل أن يرد كان الخط قد أُغلق بالفعل فظل ممسكًا بالهاتف لثوانٍ طويلة ثم ابتسم ابتسامة خافتة بلا راحة حقيقية لأنه صار يعرف الآن أنهم يرون أكثر مما يُظهرون ويعرفون أكثر مما يقولون لكنهم رغم ذلك ما زالوا يتركون له مساحة يتحرك فيها بحرية وهذا وحده كان مقلقًا أكثر من أي تهديد مباشر
بعد تلك الليلة تغير كل شيء بسرعة وبدأ محمود يتحرك داخل شمال سيناء كأنه شبح يخرج من العدم فكل عدة أيام كانت تظهر أخبار عن وكر سقط أو شحنة اختفت أو مجموعة مسلحة اختفت من الجبال بلا أثر
كان يهاجم بعنف غير متوقع وأحيانًا بتهور جعل حتى رجاله يشعرون بالخوف عليه فكان يدخل الكهوف ليلًا ويتحرك وسط مناطق مزروعة بالمراقبين والمسلحين ويهاجم أوكارًا كان الجميع يتجنب الاقتراب منها
بعض عملياته كانت تنتهي خلال دقائق فقط كضربات سريعة ونظيفة بينما البعض الآخر كان يتحول إلى معارك طويلة داخل الجبال يشتعل فيها الرصاص بين الصخور ويرتد الصوت داخل الكهوف كالرعد
لكن في كل مرة كان محمود يخرج حيًا ومع كل ضربة كان اسمه يكبر أكثر داخل سيناء حتى لم يعد مجرد مهرب أو قائد مجموعة بل تحول إلى كابوس حقيقي لكل الخارجين على القانون هناك
رجال التهريب صاروا يغيرون طرقهم خوفًا من ظهوره والجماعات المسلحة بدأت تعتبره خطرًا مباشرًا على وجودها وحتى الأوكار التي لم يقترب منها بعد بدأ أصحابها يهربون منها بمجرد انتشار شائعة أنه يتحرك ناحيتها
العداء نحوه أصبح يتسع بسرعة ولأول مرة بدأت جماعات مختلفة تتعاون معًا رغم خلافاتها القديمة من مهربين ومسلحين وتجار سلاح وكلهم صاروا يملكون هدفًا واحدًا فقط وهو التخلص من محمود
بدأوا ينصبون الكمائن في الممرات الجبلية ويرسلون العيون خلفه وينشرون مكافآت ضخمة لمن يأتي برأسه بينما في المقابل كان محمود يزداد جرأة أكثر وكأن الحرب التي اشتعلت حوله بدأت توقظ شيئًا أعمق داخله شيئًا لم يعد يخشى الموت أصلًا
وفي إحدى الليالي وقف فوق قمة جبلية عالية يراقب أضواء بعيدة تتحرك أسفل الوادي بينما كان رجاله يجهزون السلاح خلفه بصمت والرياح الباردة تضرب وجهه بقوة
اقترب أحد رجاله منه وقال بصوت منخفض كل اللي تحت مستنيين يقتلوك فابتسم محمود ابتسامة باردة ثم أخرج سيجارته وأشعلها بهدوء وقال دون أن يرفع عينيه عن الوادي يبقى خلاص ابتدينا الحرب بجد

داخل جبال سيناء كان محمود جالسًا مع رجاله حول جهاز لاسلكي قديم بينما تتراقص ألسنة النار الصغيرة أمامهم داخل الكهف الضيق وكانت الوجوه مرهقة بعد أسابيع متواصلة من المطاردات والاشتباكات وكانت الهواتف مغلقة أغلب الوقت والتحركات تتم بصمت كامل لأن المنطقة كلها تحولت إلى أرض مفتوحة للموت
وفجأة وصل الرجل الذي كان ينقل لهم الإمدادات من إحدى القرى البدوية وكان وجهه شاحبًا بشكل غير معتاد وأنفاسه متقطعة كأنه ركض لمسافة طويلة فتوقف أمام محمود وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالخوف لازم تمشوا حالًا
رفع محمود عينيه نحوه ببطء بينما أكمل الرجل الدنيا اتقلبت عليكم وفيه ناس كبيرة نزلت بنفسها الجبال وفيه مجموعات اتجمعت من كل حتة والكلام كله عليكم
ظل محمود صامتًا يستمع بينما الرجل يخرج هاتفًا صغيرًا ويعطيه له وكانت هناك رسالة قصيرة جدًا مكتوب فيها ارجع القاهرة فورًا سيناء اتحولت لمصيدة
قرأ محمود الرسالة أكثر من مرة ثم رفع رأسه ببطء وكانت عيناه تحملان ذلك الهدوء المخيف الذي يسبق الكارثة فأمر رجاله بالتحرك فورًا دون نقاش ولم يجمعوا كل شيء بل تركوا صناديق وسلاحًا ومعدات خلفهم وتحركوا عبر الممرات الجبلية بسرعة غير معتادة
كانت السيارات تسير في الظلام دون أضواء تقريبًا بينما الرياح المحملة بالرمال تضرب الزجاج بقوة وكان محمود يجلس في السيارة الأمامية وعيناه لا تتوقفان عن مراقبة الجبال المحيطة بهم لأن شيئًا داخله كان يخبره أن الأمر أكبر من مجرد مطاردة عادية
بعد أكثر من ساعة من التحرك دخلوا طريقًا جبليًا ضيقًا تحيط به مرتفعات صخرية من الجانبين وكانت المنطقة هادئة بشكل مريب ثم حدث كل شيء دفعة واحدة حين انفجار هائل ضرب السيارة الأخيرة في الموكب فارتفعت النار إلى السماء وتناثرت الصخور والرمال فوق الجميع
وفي اللحظة التالية انهمر الرصاص من أعلى الجبال كالمطر وكانت الطلقات دقيقة وقاتلة تخرج من أكثر من اتجاه في وقت واحد مع رشاشات ثقيلة وقناصة وقذائف تضرب الأرض حولهم بعنف حتى صرخ أحد رجال محمود كمين لكن الكلمة نفسها ضاعت وسط الجحيم المفتوح حولهم
السيارات بدأت تنحرف وتصطدم بالصخور بينما الزجاج يتحطم والرصاص يخترق الأبواب والأجساد وكان العدو مستعدًا جيدًا فالنيران مركزة بدقة على نقاط الحركة وأماكن الانسحاب مقطوعة بالكامل
فتح محمود باب السيارة بعنف وقفز خلف صخرة كبيرة بينما الرصاص يشق الهواء فوق رأسه بشكل متواصل وسقط أحد رجاله بجواره بعدما اخترقت رصاصة عنقه بينما احترق رجل آخر داخل السيارة المشتعلة وهو يصرخ بطريقة مزقت المكان
لكن محمود لم يتجمد بل بدأ يتحرك بسرعة وسط الفوضى يصرخ بالأوامر ويحدد أماكن النيران المعادية وكان يفهم بسرعة أنهم ليسوا أمام مجموعة عشوائية لأن الكمين منظم بشكل مرعب والرجال الذين يهاجمونهم مدربون جيدًا على القتال داخل الجبال
القناصة كانوا يمنعون أي رفع للرأس والرشاشات الثقيلة تجبرهم على البقاء خلف الصخور وحتى أجهزة الاتصال تعطلت فجأة وكأن هناك من يعطل الإشارات عمدًا فتحولت المنطقة كلها إلى ساحة قتل حقيقية ومع كل دقيقة كان عدد رجال محمود يتناقص
لكن وسط الجحيم لمح محمود شيئًا مهمًا وهو أن جزءًا صغيرًا من المرتفع الأيسر لا يغطيه الرصاص بنفس الكثافة ففهم فورًا أن تلك هي الفجوة الوحيدة المتاحة للنجاة
بدأ يطلق النار بشكل متقطع لجذب انتباه القناصة ثم تحرك بسرعة جنونية بين الصخور وهو يجر خلفه ثلاثة فقط من رجاله الذين ما زالوا قادرين على الحركة وكانت الطلقات تضرب الأرض حولهم بشكل متواصل بينما الرمال تتطاير في وجوههم مع كل خطوة
أحد الرجال سقط قبل أن يصل بعدما اخترقت ظهره عدة رصاصات دفعة واحدة لكن محمود لم يتوقف ووصل إلى المرتفع أخيرًا ثم ألقى قنبلة يدوية نحو موقع الرشاش الأقرب فانفجر المكان بقوة هزت الجبل للحظة ومنحت الناجين فرصة قصيرة للتحرك
استغل محمود الثواني القليلة بأقصى سرعة ممكنة وقاد من تبقى من رجاله عبر ممر صخري ضيق خلف الجبل وكانوا يركضون وأنفاسهم تتمزق بينما الرصاص ما زال يطاردهم من الخلف وأكثر من مرة ظنوا أنهم انتهوا لكن الظلام والجبال ساعدتهم أخيرًا على الاختفاء
بعد ساعات طويلة من السير والتخفي توقفوا داخل كهف صغير بعيد عن الطريق الرئيسي وكان عددهم قليلًا جدًا مقارنة بمن بدأوا الرحلة وكانت الوجوه مغطاة بالدم والغبار والصدمة
جلس محمود بصمت وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بينما ينظر إلى الرجال الباقين حوله ثم رفع عينيه نحو مدخل الكهف المظلم وهمس بصوت خافت لكنه مليء باليقين دي مكنتش مطاردة دي كانت حرب كاملة عشان يخلصو علينآ
بعد الكمين الدموي داخل الجبال أدرك محمود أن البقاء في سيناء أصبح انتحارًا مفتوحًا وأن كل ساعة إضافية هناك تمنح مطارديه فرصة جديدة للوصول إليه لذلك لم يعد يتحرك بالسيارات ولا عبر الطرق المعتادة بل اختفى تمامًا داخل الممرات المهجورة التي يعرفها البدو والمهربون القدامى فقط وكان يتنقل ليلًا ويختبئ نهارًا داخل كهوف ضيقة أو بين الصخور البعيدة عن أي حركة
الأيام التالية مرت ببطء قاسٍ وكان من تبقى معه من الرجال يتحركون بصمت شبه كامل بعدما تحولت المطاردة إلى شيء أكبر من مجرد ثأر أو انتقام وكانت طائرات الاستطلاع تظهر أحيانًا فوق الجبال البعيدة بينما انتشرت نقاط التفتيش بشكل غير مسبوق حتى إن بعض القرى البدوية بدأت ترفض استقبال الغرباء خوفًا من التورط
محمود كان يعرف أن كل خطوة خاطئة قد تنهي كل شيء لذلك تخلى عن أغلب المعدات الثقيلة ولم يحتفظ إلا بالسلاح الضروري والقليل من الطعام والمياه وأحيانًا كانوا يسيرون ساعات كاملة فوق الصخور الحادة دون أن ينطق أحد بكلمة بينما الرياح الصحراوية تضرب وجوههم بقسوة والتعب والجوع ينهشان أجسادهم ببطء
وفي إحدى الليالي توقفوا فوق مرتفع جبلي بعيد وكانت أضواء نقاط التفتيش تظهر كنجوم صغيرة وسط الظلام فجلس محمود يراقب الطريق البعيد بصمت طويل قبل أن يقول أخيرًا بصوت منخفض هنعدي القناة الليلة دي مهما حصل
تحركوا قبل الفجر بساعات عبر طرق جانبية مهجورة تمر بين مناطق شبه خالية وكانوا يتجنبون أي اقتراب من المدن أو الطرق الرئيسية حتى وصلوا أخيرًا إلى أطراف القناة بعد رحلة استمرت أيامًا كاملة وكانت أجسادهم مرهقة وملابسهم مغطاة بالغبار والدماء القديمة لكنهم نجحوا أخيرًا في العبور إلى الضفة الأخرى وكأنهم خرجوا من حرب طويلة لا نهاية لها
حينها فقط شعر محمود أن أنفاسه بدأت تهدأ قليلًا لكنه كان يعرف أن الخطر لم ينتهِ بعد وأن ما ينتظره في القاهرة قد يكون أخطر من الجبال نفسها
وفي الليلة نفسها بينما كان جالسًا داخل شقة مهجورة في أطراف القاهرة رن الهاتف مرة أخرى بذلك الرقم الغامض الذي صار يعرفه جيدًا فرد محمود بصمت فجاءه الصوت الهادئ نفسه لكن هذه المرة كانت نبرته أكثر جدية
قال الرجل الغامض كنت عارف إنك هتطلع حي فظل محمود صامتًا يستمع بينما أكمل الرجل اللي حصل في الجبل مكنش من المجرمين بس
تجمد وجه محمود قليلًا ثم جاءه الصوت ببطء أشد الرجل الكبير دخل في اللعبة بنفسه
شعر محمود بشيء بارد يتحرك داخل صدره بينما أكمل الرجل الغامض بهدوء هو اللي حط الجايزة على راسك
لمعت عينا محمود فجأة وكأن كل شيء بدأ يتضح أمامه دفعة واحدة فالكمين الضخم والأسلحة الدقيقة والتنسيق المرعب بين الجماعات المختلفة لم يكن ممكنًا دون قوة ضخمة تجمعهم وتدفع الأموال لهم
الرجل الكبير لم يعد يراه مجرد عنصر خطر أو تابع متمرد بل أصبح يعتبره تهديدًا حقيقيًا يجب التخلص منه نهائيًا
عاد الصوت يقول من اللحظة دي أي حد يشوفك هيعتبرك كنز مفتوح ثم سكت قليلًا قبل أن يضيف خليك حذر يا دكتور لأن الحرب الحقيقية لسه ما بدأتش
انتهت المكالمة وبقي محمود جالسًا وحده داخل الظلام بينما ضوء المدينة البعيد يتسلل من النافذة المكسورة فأخرج سيجارة ببطء وأشعلها ثم أخذ نفسًا طويلًا وعيناه ثابتتان في الفراغ
كان يعرف أن كل ما مر به حتى الآن لم يكن سوى البداية وأن الرجل الذي صنعه يومًا قرر أخيرًا أن يمحوه بيده

تعليقات



<>