رواية خيانة تحت سقف واحد الفصل الثاني2 بقلم هاجر سلامة



رواية خيانة تحت سقف واحد الفصل الثاني2 بقلم هاجر سلامة

استجمعت رحيل بقايا قوتها، وتحاملت على جسدها المرتعش وهي تتصل بوالدها. لم تكن الكلمات تخرج من فمها بل كانت تخرج غصاتٍ مكتومة. 

نبرة صوتها المنكسرة كانت كفيلة بأن تجعل "الحاج محمد" يترك كل ما بيده ويهرع إليها كالبرق.

بعد أقل من ساعة، اهتزت العمارة بصوت خطواتٍ ثقيلة وصياحٍ غاضب.

 دخل الحاج محمد ومعه شقيق رحيل واثنان من أقاربه، كانت نظراته كفيلة بإحراق الأخضر واليابس.
 وجد ابنته محطمة في حضن حماتها التي كانت تبكي خجلاً مما فعله ابنها.
صاحت هبة وهي تحاول الاعتذار:- "حقك عليا يا حاج محمد، ابني غما عينه الشيطان، والله رحيل في غلاوة بنتي وأكتر."

رد الحاج محمد بصوتٍ رخيم يملؤه الحزم:- "مخلصتش يا ست هبة.. ابنك ممصانش الأمانة، والبيت اللي ميتصانش فيه عرض بنتي ميلزمناش فيه حجر واحد.. اطلعي يا رحيل لمي هدومك، والرجالة هينزلوا العفش كله دلوقتي."

في تلك اللحظة، دخل حمدي الشقة وعلى وجهه علامات التحدي، ظنًا منه أن وجود الرجال في منزله مجرد استعراض قوة.
 وقف بوقاحة وقال:- "في إيه يا حاج؟ داخلين بجيش ليه؟ وبعدين العفش ده ملوش حق ياخد منه حاجة، ده بيتي!"

لم يمهله الحاج محمد ليكمل جملته، بل تقدم نحوه بخطواتٍ ثابتة، وقبل أن يستوعب حمدي ما يحدث، كان قد تلقى "قلماً" مدوياً على وجهه أسقطه أرضاً من شدة قوته.
 خيم الصمت على المكان، ونظر الحاج محمد إليه باحتقار وقال بلهجة تقطر وعيداً:- "لو سمعت صوتك تاني أو فكرت تقرب من بنتي، هتزعل على نفسك أوي.. بنتي دخلت هنا بالمعروف، وتخرج بحقها وبالقانون، والرجالة هتاخد كل فتلة تخصها وغصب عنك."
بدأ الرجال في فك العفش ونقله، وسط ذهول حمدي الذي كان يغلي من الداخل. 
وقع الطلاق في جوٍ مشحون بالتوتر، وبينما كان العفش يُحمل في السيارات، وقف حمدي ينظر لراحيل وهي تخرج من باب الشقة دون أن تلتفت خلفها، فصاح بغلٍ:- "ماشي يا رحيل.. افتكري إنك أنتي اللي اخترتي، وبكرة ترجعي تعيطي وتقولي ندمانة، بس ساعتها هكون اتجوزت ست ستك!"

لم ترد رحيل، بل ركبت السيارة بجانب والدها، وهي تشعر بمرارة في حلقها، لكنها أقسمت ألا تضعف مرة أخرى.

مرت الأيام كالجبال على قلب رحيل، كانت تتابع بوجع أخبار زواجه السريع من تلك الفتاة، لكنها قررت أن تخرج من شرنقة الحزن. 

نزلت للعمل في إحدى الشركات الكبرى، استعادت أناقتها وثقتها بنفسها، وبدأت الابتسامة تعود لوجهها الصافي.

وفي يومٍ عادي، كانت تجلس في مكتبها، حين رأت ظلاً مألوفاً يقف أمامها. رفعت رأسها لتجد "أدهم" ابن خالتها، الذي كان قد سافر إلى تركيا منذ سنوات طويلاً. كان يبدو عليه النضج والوسامة، ونظرته إليها كانت تحمل بريقاً لم تفهمه وقتها.
ابتسم أدهم وقال بهدوء:- "حمد الله على السلامة يا رحيل.. أنا أول ما عرفت اللي حصل، مغلبتش نفسي في التفكير، نزلت أول طيارة عشان أقولك كلمتين مأجلهم من سنين."

ارتبكت رحيل وقالت:- "أدهم؟ أنت جيت إمتى؟ وبعدين كلام إيه اللي عايز تقوله؟ أنا مش في حمل كلام دلوقتي."

اقترب أدهم وجلس أمامها بجدية:- "أنا بحبك يا رحيل، وكنت مستني اليوم اللي تكوني فيه ليا.. أنا عارف إن ثقتك في الرجالة اتهزت، بس أنا مش حمدي، ولا عمري هكون.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إن الدنيا لسه فيها خير."

بينما كانت رحبل تبدأ حياة جديدة، كان "حمدي" يغرق في مستنقع اختياره. 

تزوج من حبيبته التي خربت بيته، لكنه سرعان ما اكتشف أن "الحب" الذي كان يتغنى به لم يكن إلا سراباً. 

كانت زوجته الجديدة مهملة، لا تهتم ببيت ولا بزوج، تقضي ليلها في الحديث بالهاتف ونهارها في النوم، والأسوأ من ذلك أن الشهور مرت ولم يحدث حمل، فبدأت تنهال عليه بالاتهامات وتدعي أن "العيب فيه هو"، مما كسر رجولته وجعله يعيش في جحيم نفسي لا ينتهي.وفي ليلة سوداء، كان حمدي يتصفح هاتفه بملل، حتى وقعت عيناه على منشور "فضيحة" يهز منصات التواصل.. صور لزوجته في أوضاع حميمية مع رجل آخر، والتعليق عليها كان كالسيف: "دي البت المتجوزة اللي عايزة تخرب بيت راجل متجوز.. اهي دي حقيقتها".

شعر حمدي بأن الأرض تميد به، الدماء غلت في عروقه لدرجة أنه لم يعد يرى أمامه. استل سكيناً من المطبخ وصعد إلى الشقة كالمجنون يود لو يغسل عاره بدمها، لكنه وجد الشقة خاوية.. لقد هربت بذكاء ورفعت عليه قضية "خلع" قبل أن يلمسها، لتتركه حطام رجل، خسر أمه، وخسر زوجته الأصيلة، وخسر حتى كرامته أمام الناس.


تعليقات



<>