رواية ما لا يحكي الفصل الثالث3يقلم دينا شعبان
فضل واقف مكانه، نظراته لسه متثبتة مكان أثرها، وكأنه بيعيد كل اللي حصل قدامه من أول وجديد، كل كلمة وكل نظرة، كأنها بتتكرر جواه للمرة الألف.
داليا استغربت صمته، قربت منه وهزت كتفه بهدوء وهي بتقول بقلق مصطنع:
ـ عاصم أنت كويس؟
هز رأسه بهدوء من غير حتى ما يبصلها.
خافت يكون بيفكر يرجع في كلامه بعد اللي حصل، وكل الأحلام اللي رسمتها في خيالها تنهار في لحظة، لكن بسرعة رسمت ابتسامة خبيثة على وشها وقالت بحزن مزيف:
ـ أنا عارفة يا حبيبي أنت بتفكر في إيه دلوقتي... أكيد زعلت من نور وما توقعتش تتصرف معاك كده صح؟ بس هي اللي هتندم صدقني... يعني أنك تتجوز تاني لا عيب ولا حرام، وبعدين ما أنت أكيد كنت هتعدل بينا وكنا هنفضل عايشين سوا عيلة مع بعض... بس هي اللي هتندم لما تخسرك.
كانت قاصدة كل كلمة بتقولها، وعارفة تأثيرها على عاصم هيبقى عامل إزاي، مستحيل يسمح لأي مخلوق إنه يكسره أو يطلع منه خسران.
واتأكدت من مفعول كلامها أول ما شافت نظراته اللي اتحولت تمامًا بعد كلامها، وقالت بتمثيل متقن وهي تقرب منه أكتر:
ـ عاصم أنت عارف إني وافقت أتجوزك رغم إنك راجل متجوز، بس عشان بحبك ومتأكدة إنك بتحبني... غير كده عمري ما كنت أفكر أدخل بينك وبين مراتك، لكن يا حبيبي لو وجودي هيدمر علاقتك بمراتك أنا ممكن أنسحب...
مسك إيدها فجأة وضغط عليها بقوة، ونظراته كانت حادة وقوية وهو بيبصلها:
— فرحنا الأسبوع الجاي... ولازم تعرفي إن عاصم إبراهيم لما بيقول كلمة بيبقى قدها... وهي اللي هتندم، مش أنا.
ابتسمت بتصنع وهي بتحاول تداري فرحتها:
ـ فعلًا يا حبيبي... هتخسر حد قلبه كبير زيك.
وبصت حواليها في كل ركن في الشقة بخطفة سريعة، قبل ما ترجع تبصله تاني وتقول بدلال:
ـ بس يا حبيبي محتاجين نجدد عفش البيت كله... يعني يرضيك أبقى لسه عروسة جديدة وأتجوز على عفش مستعمل؟
— لا طبعًا، بكرة ننزل سوا، وكل اللي تختاريه اعتبريه بقى عندك.
داليا حست بفرحة ضخمة أول ما سمعت كلامه، وبدأ إحساس الانتصار يتمكن منها أكتر، كلها أيام وعاصم يبقى تحت أمرها في كل حاجة... وده بالظبط اللي كانت عايزاه من البداية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡…
فضلت واقفة قدام باب الشقة، مسحت دموعها كويس عشان أمها ما تخافش عليها أول ما تشوفها، حاولت تاخد نفس طبيعي رغم إن صدرها كان مكتوم وكأن في جبل فوق قلبها، وبعدها رنت الجرس.
أول ما فتحت صفاء الباب وشافتها، وشافت شنطة هدومها جنبها، قلبها انقبض جامد وكأنها حست إن في مصيبة مستخبية ورا نظرات بنتها.
— نور مالك يا حبيبتي؟ فيه إيه؟ أنتِ كويسة؟ وعاصم فين؟ أنتوا اتخانقتوا؟
نور فضلت واقفة، مش عارفة تقول إيه، خايفة تقول الحقيقة، وفي نفس الوقت مش قادرة تشيل كل الوجع ده لوحدها أكتر من كده.
حاولت تبتسم واتكلمت بهدوء وهي بتحاول تطمنها:
ـ مالك بس يا حبيبتي؟ اهدي... أنا جاية أطمن عليكي وأقعد معاكي كام يوم، ولا خلاص بقى ماليش مكان؟
صفاء حطت إيدها على قلبها وأخدت نفس طويل خرج مع تنهيدة مرتعشة:
ـ يا حبيبتي ده بيتك... إيه بس اللي بتقوليه ده؟ تعالي.
وقربت منها بسرعة وخدتها في حضنها:
ـ حبيبتي يا بنتي... وحشاني أوي يا عيوني، كل الفترة دي متسأليش عليا بردو يا نور؟
خرجت نور من حضنها وهي بتضحك ضحكة خفيفة باهتة:
ـ والله،اممم مين اللي بتكلم معاه كل يوم فيديو وفون؟ ده أنا قولت أكيد زهقتي مني.
ـ أنا؟ أنا عمري ما أزهق منك... وبعدين اه وحشاني، إيه يعني كلام التليفون ده؟ طيب لما أحضنك أحضن التليفون؟
ضحكت نور بخفة:
ـ خلاص يا ستي ولا تزعلي نفسك، أهو جيت... لما أشوف هتزهقي مني ولا لا، ويلا بقى ندخل يا ماما، هنفضل كتير كده واقفين على السلم؟ أنا رجلي ورمت من كتر الوقفة.
ـ يوووه نسيت خالص، يلا تعالي.
ومسكت معاها الشنطة ودخلوا.
قعدوا على الأريكة، وفضلت نور باصة لأمها بصمت طويل، قبل ما تقرب منها وتحط دماغها على رجليها وتفرد جسمها على الأريكة وقالت بصوت مليان تعب واحتياج:
ـ وحشتيني أوي يا ماما...
رفعت صفاء إيدها وبدأت تمررها على شعرها بحنان:
ـ وأنتِ كمان يا نور عيني وحشتيني أوي... عارفة؟ رغم إن كل يوم بنتكلم، بس بيبقى نفسي أخدك في حضني وأطبطب عليكي... لما تروحي بيتك ما تبقيش تنسيني يا قاسية وتيجي تشوفيني دايمًا.
نور همست لنفسها بصوت مكسور:
ـ خلاص... مبقاش بيتي يا ماما... هفضل قاعدة معاكي على طول.
ومسحت دمعة نزلت منها بسرعة قبل ما صفاء تشوفها، هي مش عايزة تخوفها أو تقلقها عليها.
اتعدلت في قعدتها بسرعة ورسمت ابتسامة مزيفة على وشها: ـ وهو أنا أقدر أبعد عنك يا صفصف بردو؟ دانتي اللي في القلب كله.
ـ ماشي يا ستي اضحكي عليا بكلمتين... لما تيجي صاحبتك خليها تشهد على كلامك ده.
ـ سارة هي فين؟ أنا قولت أول ما تسمع صوتي عندك هلاقيها نطت عندنا على طول.
ـ زمانها في الشغل دلوقتي، لما تيجي هتعدي عليا زي كل يوم.
ـ أوكي هقوم أنا بقى أنام شوية يا صفصف.
ـ نوم إيه دلوقتي؟ أنتِ جاية تقعدي معايا ولا تنامي؟
ـ يا ماما ما قاعدة معاكي على طول، مش هيفرق كتير بقى لو نمت دلوقتي ساعتين بس.
استغربت كلامها وقالت بقلق بدأ يزيد جواها:
ـ قاعدة معايا على طول إزاي يا نور؟ أنتِ متخانقة مع عاصم؟
نور اتوترت ومخدتش بالها من كلامها:
ـ لا يا ماما مفيش حاجة، متخافيش يا حبيبتي كله تمام.
وقبل ما صفاء ترد عليها، كملت بسرعة وهي بتحاول تهرب من أسئلتها:
ـ أنا داخلة أنام يا ماما، ابقي صحيني كمان ساعتين.
سابتها ودخلت أوضتها وقفلت على نفسها.
هي مش عايزة تنام، ولا أصلًا هتعرف تنام الليلة دي، بس كانت عايزة تهرب... تهرب من أسئلة أمها، ومن الحقيقة، ومن قرارها اللي لأول مرة تحسه تقيل بالشكل ده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡…
كل الموظفين متجمعين عند باب المكتب، والسكرتيرة مرعوبة تدخل من صوته العالي اللي هز أركان الشركة كلها.
الكل مستغرب... أول مرة حد يسمعهم بيتخانقوا بالشكل ده، خصوصًا إن معروف عنهم إنهم أعز أصحاب.
الفضول كان قاتلهم عشان يعرفوا إيه اللي ممكن يخلي يونس وأحمد يوصلوا للحالة دي.
داخل المكتب...
يونس كان ساند بإيديه الاتنين على المكتب، ورأسه بينهم، وكأن الغضب والضغط هيكسروا أعصابه في أي لحظة.
أما أحمد فكان واقف قدامه، والغضب واضح في عينيه بشكل مخيف.
أحمد بانفعال:
ـ يعني إيه نسيبه ياخد العميل مننا بكل بساطة؟
يونس وهو لسه على نفس وضعه:
— يعني عايزني أعمل إيه؟
ـ تعمل إيه؟ وإحنا في الحالات اللي زي دي بنتصرف إزاي يا يونس؟ هو أنا اللي هعرفك طريقة شغلنا؟
— العميل هو اللي المفروض يندم يا أحمد... مش إحنا.
ـ الكلام ده لو هو لغى الصفقة بمزاجه، مش واحد حقير زيه سرقها مننا.
رفع يونس رأسه ببطء، وسند بضهره لورا وهو بيبصله بنظرة غامضة:
— يعني إيه؟
ـ أنت فاهم قصدي كويس يا يونس... وفاهم أنا بتكلم على مين، عايز أعرف هنفضل لغاية إمتى نعدي اللي بيحصل ونسكت؟ كل ده ليه؟ عشان خايف على مشاعرها مثلًا؟
بدأ الغضب يظهر على ملامح يونس، مسك القلم اللي على الملف وضغط عليه بعنف لدرجة إن صوابعه ابيضت.
أحمد كان ملاحظ كل ده، وعارف إن كل كلمة بيقولها دلوقتي بتوجعه، بس لازم يفوقه قبل ما كلهم يغرقوا ويخسروا كل حاجة.
يونس بصله وهو بيحاول يسيطر على أعصابه:
— أحمد... أنا مش فاضي دلوقتي، ياريت نأجل الكلام في الموضوع ده.
أحمد كان متوقع رده، لكنه المرة دي قرر ميهربش زي كل مرة، حاجة واحدة بس كانت بتتكرر في دماغه: "كفاية خسارة لحد هنا."
ورد عليه بصوت عالي مليان قهر على صاحبه:
ـ لأ لازم نتكلم يا يونس! ما هو مش كل مرة هنقفل الموضوع على نفس النقطة! كفاية لحد كده... كفاية! لحد إمتى هتفضل تسمح له ياخد العميل مننا بعد شغل وسهر وتعب شهور؟ وهو ييجي ياخد كل ده بسهولة؟
أنا عارفك كويس يا يونس... عمرك ما سمحت لحد يحط عينه على أي شغل يخصنا، بس بتيجي عنده وتقف! ليه؟ كل ده عشانها؟ للدرجة دي لسه بتحبها؟ فوق يا يونس! دي واحدة متجوزة يعني مستحيل تبقى ليك! ولا عشان فشلت إنك تخليها مراتك، تبقى تخسرنا في شغلنا كمان؟!
مرة واحدة، وقبل ما يكمّل كلامه، هبط يونس بكفه على المكتب بعنف مرعب، لدرجة إن كل اللي فوقه انتفض في الهوا للحظة قبل ما يقع مكانه من جديد، وصوت الخبطة دوّى في المكتب كله.
رفع عينيه ليه، وكانت نظراته مليانة غضب لأول مرة بالشكل ده:
— لآخر مرة بحذرك... أوعى تفكر تجيب سيرتها على لسانك، أنت فاهم؟
صدقني لو فتحت الموضوع ده تاني، مش هيبقى عندي أي تردد إني أخسرك للأبد... ومش هيشفع ليك لا صحبتنا ولا أي حاجة تانية.
ومتنساش مكانك... أنا هنا مديرك، وأنت تنفذ كلامي من غير اعتراض... فاهم؟
أحمد حس للحظة إنه ولا حاجة عنده.
كان عارف إن كلامه قاسي، بس عمره ما تخيل إن صاحب عمره ممكن بسهولة يهدده بالشكل ده عشان أي حد.
ضحك بسخرية، لكن السخرية كانت مخلوطة بوجع حقيقي:
ـ يبقى أنت اللي اخترت يا صاحبي... مش هتشوف وشي تاني،ومعلش... أنا فعلًا شكلي نسيت إنك تبقى مديري وبس.
مدالوش فرصة يرد، ولف عشان يخرج.
أول ما فتح الباب كانت سارة واقفة قدامه، وباين عليها إنها سمعت كل حاجة.
قالت بقلق وهي باصة لأحمد:
ـ أحمد استنى من فضلك... خلينا نقعد نتكلم، أنت عارف يونس لما بيزعل بيقول أي كلام وخلاص.
ـ خلاص يا سارة... الموضوع انتهى، وبعدين هو اللي اختار.
سابها وخرج.
وأول ما شاف الموظفين واقفين قال بزعيق:
ـ أنتي واقفين كده ليه؟ اتفضلوا... كل واحد على مكتبه.
وفي ثانية، الكل اختفى من قدامه.
يتبع♡…
نور هتفضل مخبية عن أمها اللي حصل فعلًا؟ ولا صفاء هتكتشف الحقيقة بنفسها؟
وعاصم... هل فعلًا بيتجوز داليا عشان بيحبها؟ ولا عشان يثبت لنفسه إنه ما اتكسرش؟
وداليا بتخطط لإيه بالظبط؟ وهل فعلًا حبها لعاصم حقيقي ولا وراه هدف تاني؟
أما يونس... إيه الحكاية اللي مخبيها جواه لحد دلوقتي؟ وإيه اللي حصل بينه وبين نور زمان وخلاه يوصل للحالة دي؟
وأحمد... هل فعلًا هيمشي من الشركة وينهي سنين الصداقة بسهولة؟
