رواية فتاة ضابط المخابرات الشقراء الفصل الخامس5 بقلم تقي محمد عبدالرحمن


رواية فتاة ضابط المخابرات الشقراء الفصل الخامس5 بقلم تقي محمد عبدالرحمن


النفق كان ضلمة وكتمة، ريحة الرطوبة والتراب بتخنق. سوسن ماشية قدام بكشاف صغير، وآدم في النص، ومايا في الآخر ماسكة في طرف جاكيت آدم عشان متقعش. صوت نفسهم بس هو اللي مسموع، وصوت المية اللي بتنقط من السقف.  

"النفق ده حفره الملك فاروق سنة 1948." سوسن قالت بصوت واطي. "كان للهروب لو حصل انقلاب. محدش يعرفه غير 3 في الجهاز كله. وأنا واحدة منهم."  

مايا كانت حاسة إنها فيلم. من 24 ساعة كانت مترجمة عادية بتشتكي من زحمة الزمالك، دلوقتي ماسكة مسدس وقاتلة واحد وبتهرب في نفق سري مع ظابط مخابرات وعقيدة أسطورة.  

"هنروح فين؟" همست.  
آدم رد من غير ما يبص وراه: "بيت آمن. في القرافة. آخر مكان فيكتور يفكر فيه."  
"القرافة؟ المقابر؟"  
"أيوه. الميتين مبيتكلموش، والأحياء هناك مبيسألوش."  

بعد 20 دقيقة مشي، وصلوا لسلم حديد مصدي طالع لفوق. سوسن طلعت الأول وزقت فتحة في السقف. طلعوا لقوا نفسهم في حوش مهجور، وسط شواهد قبور مكسرة. الفجر كان بيأذن، والسما لونها رمادي.  

عدوا 3 حواري لحد ما وصلوا لبيت قديم، بابه خشب ومحفور عليه آية قرآنية. سوسن خبطت 3 خبطات، وقفت ثانية، وخبطت خبطتين. الباب اتفتح.  

راجل عجوز، فوق السبعين، بجلابية ودقن بيضا، بس عينه صقر.  
"يا مرحب يا سوسن هانم."  
"ازيك يا عم سيد. ضيوفك وصلوا."  

دخلوا. البيت من جوه بسيط، كنب بلدي، حصيرة، وراديو قديم شغال قرآن. بس مايا لمحت كاميرات صغيرة في الأركان، وسلك تحت السجادة. البيت ده حصن.  

عم سيد بص لمايا وابتسم: "شبه أمك يا بنتي. كنت بحرسها هي واللواء حسن لما كانوا بيهربوكي وأنتِ لسه لفة."  
مايا اتسمرت: "أنت تعرف أمي؟"  
"كلنا كنا عيلة واحدة. الشبح، والزنبقة، وأنا، وسوسن، وأبو آدم الله يرحمه. كنا بنسمي نفسنا 'عيال برلين'."  

آدم قعد على الكنبة وبدأ يفك رباط دراعه. الجرح كان بينزف تاني. سوسن جابت شنطة إسعاف وبدأت تخيطه وهي بتزعق: "100 مرة أقولك البس واقي يا غبي! فاكر نفسك في فيلم؟"  
آدم ضحك من الألم: "الواقي كان هيعطلني وأنا بنط على السقالة. اختاري، يا بموت برصاصة، يا بموت بالوقعة."  

مايا قعدت جنبه، وماسكة شاش وبتساعد سوسن. أول مرة تقرب منه وهو مش بيجري ولا بيضرب نار. شافت الجروح القديمة على صدره. ندبات سكاكين، حروق، آثار رصاص. جسم محارب.  

"بتوجع؟" سألته بصوت واطي.  
هو بصلها. عينه السودا كانت مرهقة، بس فيها دفا.  
"لا. الوجع الحقيقي إنك كنتِ هتقعي من السقالة وأنا مش هلحقك."  

اللحظة طالت. سوسن كحّت: "احم. روميو وجوليت، نأجل الغراميات دي لحد ما نقتل الروسي الأول؟"  

مايا وشها احمر وبعدت. آدم مبتسم نص ابتسامة ومركز مع الخياطة.  

بعد ساعة، كانوا التلاتة قاعدين على الطبلية، قدامهم شاي وفلاشة "ملف برلين" في النص زي قنبلة.  

سوسن فتحت لابتوب قديم مبيوصلش بالنت: "الخطة كالآتي. فيكتور مش هيسيب مصر غير لما ياخد الملف أو يتأكد إننا حرقناه. فلازم نستدرجه."  
آدم هز راسه: "ونقتله هنا. في أرضنا. عشان الرسالة توصل لكل كلاب السك اللي زيه."  
"بالظبط. بس عشان نستدرجه، لازم نرمي له طُعم." سوسن بصت لمايا.  

مايا فهمت فوراً: "أنا الطُعم."  
"أنتِ الوحيدة اللي هيطلع من جحره عشانها. هو مقتنع إنك مفتاح الملف، وإنك نقطة ضعفنا."  

آدم خبط على الطبلية: "لا. مستحيل. مايا مش مدربة. لو لمس شعرة منها..."  
"لو ملمسهاش، هيلمس شعر ناس تانية." سوسن قاطعته بحسم. "فيكتور بدأ الخطة ب. رجالته خطفوا كلاوس، مدير مايا في السفارة. الصبح هيبعتولها صباعه في علبة."  

مايا حطت إيدها على بؤها. كلاوس. الراجل الألماني الطيب اللي كان بيعاملها زي بنته.  
"لازم أروح له." قالتها من غير تفكير.  
"وده اللي فيكتور عايزه." آدم قال بغضب. "تطلعي براسك ويصطادك."  
"يبقى نصطاده إحنا." مايا بصتله بتحدي. "أنت قولت إحنا فريق. القاعدة رقم 3، فاكر؟ ولا الفريق ده أنت وسوسن بس وأنا الديكور؟"  

سوسن ضحكت: "بنت إلينا وش. نفس الغشومية."  

آدم سكت 10 ثواني. بيوزن المخاطر. وفي الآخر، هز راسه باستسلام: "ماشي. بس بشروطي. أنا هكون ظلك. لو شميت ريحة خطر، بلغي العملية فوراً. اتفقنا؟"  
"اتفقنا."  

الخطة اترسمت في ساعتين.  
مايا هتتصل برقم فيكتور اللي سابهولها الراجل الروسي قبل ما يموت. هتقوله إنها مستعدة تقابله وتديله الفلاشة مقابل حياة كلاوس. المقابلة هتكون في مكان عام، متحف الحضارة، الساعة 8 بالليل. زحمة، كاميرات، صعب يخطفها منه.  
وفي نفس الوقت، سوسن هتسرب نص "ملف برلين" للمخابرات الألمانية. أول ما الأسماء تنزل، فيكتور هيتحول من صياد لفريسة، وهيرتكب غلطات.  
وآدم؟ آدم هيكون القناص اللي مغطي مايا من سطح المتحف.  

الساعة 7 بالليل، مايا كانت واقفة قدام المراية في أوضة في بيت عم سيد. لابسة فستان أسود بسيط، وشعرها الأشقر سايب، ومكياج خفيف. شبه أمها في الصورة بالظبط.  

سوسن بتركب لها سماعة صغيرة في ودنها: "سامعاني؟"  
"سامعاكي."  
"كويس. ميكروفون في زرار الفستان. متتوتريش، اتنفسي، وافتكري إنك بنت الزنبقة. هو اللي لازم يخاف منك، مش العكس."  

الباب خبط. آدم دخل. كان لابس أسود، وفي إيده شنطة بندقية قنص مفكوكة. أول ما شافها، وقف.  

مايا كانت متوقعة تعليق ساخر، أو نصيحة عسكرية. بس هو فضل ساكت. عينه بتفحصها من فوق لتحت، ومش عارف يشيل عينه.  

"في... في حاجة غلط؟" مايا سألت بتوتر.  
آدم قرب خطوتين: "لا. بالعكس. أنتِ... شبهها أوي."  
"شبه مين؟"  
"شبه الأمل."  

الوقت وقف تاني. سوسن كحّت من برة: "الله! يا ناس، الحرب مستنياكم! مش وقت مسلسلات تركي!"  

آدم اتنحنح ومد إيده بعلبه قطيفة صغيرة: "خدي. دي بتاعة أمك. كانت لابساها آخر مرة شوفتها فيها في برلين. أبوكي اداهالي قبل ما يموت، قالي اديها لبنتها لما تبقى قد المسؤولية."  

مايا فتحت العلبة. سلسلة دهب رفيعة، فيها دلاية على شكل زنبقة بيضا.  
لبستها وإيدها بتترعش.  
"أنا قد المسؤولية؟"  
آدم ربط لها السلسلة من ورا. صوابعه لمست رقبتها ثانية.  
"أنتِ قدها ونص. بس... لو حسيتي بخطر، سيبي كل حاجة واجري. الفلاشة، المهمة، أنا، كلنا نتعوض. أنتِ لأ."  

كان هيقول حاجة تانية، بس سوسن دخلت: "يلا، العربية جاهزة."  

الساعة 8:00، متحف الحضارة.  

المتحف زحمة سياح. مايا ماشية ببطء في القاعة الرئيسية، قدام المومياوات الملكية. قلبها بيدق 200 دقة. في ودنها صوت آدم: "شايفك. معاكي. على 3 أمتار وراكي، واحد لابس كاب أزرق، ده تبعنا. على يمينك، البنت اللي بتصور، تبعنا. متخافيش."  

صوت سوسن دخل على الخط: "الهدف وصل. الباب الشرقي. لابس رمادي."  

مايا لفت. فيكتور رومانوف واقف هناك. لوحده. مبتسم. شكله رجل أعمال راقي، مش سفاح. قرب منها بخطوات واثقة.  

"آنسه مايا. أخيراً اتقابلنا وش لوش. أنتِ أجمل من أمك بكتير."  
"فين كلاوس؟" مايا ردت بجمود، زي ما آدم دربها.  
"سليم. لسه بكل صوابعه. وهيفضل كده لو سمعتي الكلام. الفلاشة؟"  

مايا طلعت فلاشة من شنطتها. فلاشة فيك، عليها فيروس هيفرمت أي جهاز يتوصل بيه.  
"الأول، خليني أكلم كلاوس."  
فيكتور ابتسم وطلع موبايله، عمل فيديو كول. كلاوس ظهر، مربوط، وعلى بؤه لزق، بس عايش.  

"كفاية. الفلاشة أهي." رمتها له.  

فيكتور مسك الفلاشة، ولسه هيتكلم...  
فجأة، كل نور المتحف قطع.  
إنذار الحريق اشتغل.  
الناس بدأت تصرخ وتجري.  

صوت آدم صرخ في السماعة: "خيانة! الخطة اتكشفت! اجري يا مايا! ده كمين!"  

فيكتور كان أسرع. مسك دراع مايا بعنف: "كنتِ فاكرة إني هصدق فيلم الكاميرات والزحمة ده؟ أنا اشتريت مدير أمن المتحف من إمبارح!"  
طلع مسدس ولسه هيوجهه لراسها.  

مايا افتكرت التدريب. "اضربي عشان تعيشي."  
بكل قوتها، ضربته براسها في مناخيره. صرخ وفلت منه ثانية. جريت وسط الناس.  

صوت رصاص. مش من فيكتور، من فوق. آدم بيغطي عليها من السطح وبيضرب على رجالة فيكتور اللي ظهروا من كل حتة.  

"على الباب الجانبي!" آدم صرخ.  

مايا بتجري، وفجأة حد مسكها من وسط الزحمة.  
كلاوس.  
"مايا! اهربي!"  
كان دمه سايح. مربوط، بس هرب.  

قبل ما تستوعب، رصاصة جت في صدر كلاوس. وقع قدامها وهو باصصلها. مات.  

مايا صرخت. الدموع نزلت، والغضب عماها. طلعت مسدسها. لأول مرة، مش خايفة. لأول مرة، عايزة تقتل.  

لفت، وفيكتور وراها بـ3 متر.  
رفعت المسدس.  
هو رفع مسدسه.  

الاتنين ضغطوا على الزناد في نفس الثانية.  

رصاصة مايا جت في كتف فيكتور. رصاصته هي خربشت خدها.  
فيكتور وقع على ركبة واحدة، بس ضحك والدم مالي بؤه: "زي أمك... عنيدة... بس أنا اللي كسبت..."  

طلع جهاز صغير من جيبه وضغط عليه.  
"المتحف كله... هيتفجر... في دقيقة... مع السلامة يا بنت الزنبقة."  

وجري وهو بيعرج، ورجالته بيغطوا عليه.  

صوت آدم في السماعة: "مايا! في قنبلة! اخرجي حالاً! في عربية إسعاف مزيفة مستنياكي برة!"  

مايا بصت لجثة كلاوس، وبصت للمتحف اللي هيتفجر بالسياح اللي فيه.  
وبصت للباب اللي فيكتور هرب منه.  

خدت قرار.  
"آدم، الفلاشة الحقيقية لسه معايا. أنا رايحة ورا فيكتور."  
"مايا! لا! دي أوامر! ده انتحار!"  
"القاعدة رقم 3 يا آدم. إحنا فريق. وأنا مش هسيبه يهرب تاني."  

وقفلت السماعة.  
وجريت ورا فيكتور، ناحية مرسى النيل اللي ورا المتحف.  

آدم نزل من السطح زي المجنون وهو بيصرخ في اللاسلكي: "سوسن! مايا راحت ورا فيكتور! فعلوا الخطة د! حالاً!"  

على مرسى النيل، كان في يخت صغير مستني فيكتور. نط فيه وهو بينزف.  
مايا وصلت في نفس اللحظة. من غير تفكير، نطت وراه على اليخت.  

اليخت اتحرك.  

آدم وصل المرسى بعد ثانية. شاف اليخت بيبعد، ومايا على ضهره بتصارع فيكتور.  
وقع على ركبه وهو بيصرخ: "ماياااااا!"  

في اليخت، مايا وفيكتور بيتصارعوا. هو مصاب، بس لسه أقوى. خنقها.  
"أمك ماتت في إيدي... وأنتِ هموتي زيها..."  

مايا بدأت تفقد الوعي. إيدها بتتحرك عشوائي، لمست الدلاية الزنبقة اللي في رقبتها. افتكرت كلام أمها في التسجيل: "احرق الدنيا كلها عشانها."  

بآخر قوتها، شدت المسدس اللي في حزام فيكتور، وحطته تحت دقنه.  
"ده... عشان أمي."  
وضغطت الزناد.  

دم فيكتور رش على وشها، وعلى مية النيل. وقع في النيل، وجثته عامت على وش المية.  

مايا وقعت على ركبها، بتنهج، والدموع والدم مغرقين وشها. قتلت الشيطان اللي قتل أمها.  

اليخت ماشي لوحده في النيل. وهي لوحدها.  

وفجأة، سمعت صوت ماتور جاي بسرعة. لنش سريع. وعلى ضهره، آدم.  

نط من اللنش لليخت من غير ما يقف. جري عليها، ومسكها في حضنه. جامد، كأنه خايف تختفي.  
"غبية! غبية! كنتِ هتموتي!" وهو بيصرخ، بس حاضنها.  
مايا دفنت راسها في صدره وهي بتعيط: "قتلته... قتلت فيكتور... عشان أمي... عشان كلاوس..."  
"ششش. خلاص. خلص. أنتِ بطلة. أنتِ أشجع واحدة شوفتها في حياتي."  

بعد عنها ثانية وبص في عينيها، مسح الدم من على خدها بإيده.  
"أنا... أنا كنت هموت لو جرالك حاجة. أنا..."  

مكملش الجملة. لأن مايا، من غير كلام، شدت وشه وباسته.  

بوسة مش رومانسية. بوسة حياة. بوسة نجاة. بوسة وجع وغضب وخوف وحب، كلهم مع بعض.  

آدم اتجمد ثانية، وبعدين بادلها البوسة. بنفس الشدة، بنفس اليأس. كأنهم بيتأكدوا إنهم لسه عايشين.  

لما بعدوا، كانوا الاتنين بينهجوا.  
آدم سند جبهته على جبهتها: "القاعدة رقم 4: ممنوع البوس في المهمات."  
مايا ضحكت من بين دموعها: "فات الأوان."  

صوت هليكوبتر جي. بس المرة دي عليها علم مصر. سوسن وصلت.  

سوسن نزلت بحبل على اليخت، بصت لجثة فيكتور في المية، وبصت لمايا وآدم الحاضنين بعض، وهزت راسها:  
"أنا قولتلكم مش وقت مسلسلات تركي! يلا، لازم نختفي قبل ما الإعلام يوصل. وبلد بحالها لازم تنضف من وراكم."  

آدم شال مايا. وهي سابت نفسها. لأول مرة من يوم ما أبوها مات، حست بأمان.  

وهم طايرين في الهليكوبتر، والنيل تحتهم أحمر بدم فيكتور، مايا بصت لآدم:  
"خلصنا؟"  
آدم بص للفلاشة الحقيقية اللي في إيدها، وبص لسوسن اللي بتكلم القيادة، وبص للنيل.  
"لا. دي كانت أول جولة بس. ملف برلين لسه معانا، وفي 46 اسم لسه عايشين. وحربنا معاهم لسه مبدأتش."  

مايا سكتت، وبعدين حطت راسها على كتفه.  
"طب... نقدر ناخد أجازة 5 دقايق الأول؟"  
آدم ابتسم لأول مرة من قلبه: "نقدر ناخد 5 دقايق."  

وسابها تنام على كتفه، وهو صاحي بيحرسها.  
لأن "فتاة ظابط المخابرات الشقراء" لسه قدامها حرب طويلة... بس مبقتش لوحدها.  

                 الفصل السادس من هنا

تعليقات



<>