رواية أسيرة الغريم الفصل السابع7 بقلم ولاء رفعت علي

رواية أسيرة الغريم الفصل السابع7 بقلم ولاء رفعت علي
 تحمل صينية الطعام بين يديها، تتقدم في الممر بخطوات هادئة، توقفت أمام باب الغرفة، ثم رفعت يدها وطرقت عليه طرقات خفيفة.

لم تمضِ لحظة… حتى صدح صوت شقيقتها من الداخل، غاضبًا متبرمًا، كمن ضاق صدره بكل ما حوله:
— ما قولتلكم مش عايزة أشوف أي زفت!، إنتو ما بتفهموش؟!

تنهدت أسما في صمت قصير، دفعت الباب وفتحته ببطء، قبل أن ترمق شقيقتها بنظرة يختلط فيها العتاب بالسخرية الخفيفة:

— متشكرة يا ست دارين.

كانت الأخرى مستلقية فوق السرير في هيئة فوضوية؛ شعرها مبعثر، وملامحها شاحبة، وما إن رأت شقيقتها حتى اعتدلت سريعًا ونهضت من فوق السرير، ثم زفرت بضيق وقالت بنبرة أقل حدة:
— ادخلي يا أسما… أنا مقصدكيش.

دلفت شقيقتها إلى الداخل، ووضعت صينية الطعام فوق الطاولة القريبة من السرير، ثم التفتت إليها قائلة بنبرة تحمل عتاب واضح:
— أنا قولت أجيبلك الفطار بنفسي وأقعد معاكي شوية… رغم إني زعلانة منك.

ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وأضافت بامتعاض:
— إنتي بتضحكي عليّا، وامبارح تفهميني إنك عايزة تنامي، وفي الآخر خرجتي من ورانا وروحتي تسهري وتشربي؟!

لم تجبها الأخرى، بل اتجهت في صمت نحو علبة سجائر موضوعة على الطاولة، جلست على طرف السرير، وأخرجت سيجارة منها، رفعتها إلى شفتيها، أشعلتها بالقداحة وكأنها تبحث في دخانها عن مهرب من ضيقها.

لكن شقيقتها لم تدعها تكمل، فقد اقتربت منها بسرعة، واختطفت السيجارة من بين شفتيها قبل أن تتمكن من سحب نفس واحد، تخبرها بنبرة آمرة يغلفها القلق:
— يا بنتي ارحمي نفسك شوية… افطري الأول، واعملي بعدها اللي إنتي عايزاه.

لكن الكلمات لم تهدئها… بل كأنها أشعلت في صدرها نار جديدة، إذ انتفضت دارين و وقفت فجأة، صرخت في وجه شقيقتها بانفعال حاد:
— ومن إمتى أنا بعمل اللي أنا عايزاه في البيت ده؟!

ثم تابعت بصوت يرتجف من الغضب والمرارة:
— أنا حريتي وحياتي كلها من وقت ما اتجوزت صفوان بيه، وبقت رهن إشارة من إيده!

نظرت إليها شقيقتها لحظة طويلة، عقبت بجدية خالية من المجاملة:
— وعشان ترفضي وضعك معاه… تروحي تأذي نفسك وسمعتك؟! 

ثم أضافت بنبرة أقسى قليلًا:
— عشان تقوليله أنا أهو بعمل اللي على كيفي ولا يهمني إنت ولا أخواتك اللي بيحبوكي وبيخافوا عليكي وبيعتبروكي أمهم؟! 

اهتز جسدها قليلًا مع وقع الكلمات، امتلأت عيناها بالدموع فجأة، فاستدارت سريعًا وأعطت شقيقتها ظهرها، تمسح دموعها على عجل كأنها تخشى أن تُفضح هشاشتها.

ثم اخبرتها بصوت خافت متعب:
— ماليش غيركم إنتي وفايا.

وصمتت لحظة، قبل أن تضيف بمرارة ثقيلة:
— وفي نفس الوقت… إنتم بره عن اللي بيني وبين صفوان.

اقتربت شقيقتها منها، واستدارت حتى أصبحت في مواجهتها، نظرت في عينيها مباشرة وقالت بحزم صادق:
— إنتي اللي عاملة في نفسك كده يا دارين.

ثم تابعت بلهجة أكثر صراحة:
— ولو هو غلطان… إنتي غلطك أكبر.

وأردفت، وهي تشير بيدها بحركة حاسمة:
— موقفة حياتك كلها عليه، فوقي بقى لنفسك بالله عليكي… حبي نفسك شوية.

ثم أضافت بأسى:
— هوسك بصفوان هيخلي عمرك يجري ويضيع على الفاضي... فين دارين بتاعت زمان اللي كلها حيوية وطاقة.

تراجعت الأخرى بخطوة، جلست على السرير ببطء كأن الكلمات دفعتها إلى حافة هاوية، لم تعد تملك القوة لتقف عندها.

عقبت بصوت منكسر:
— كان زمان… قبل ما أبقى ملك ليه.

تنهدت شقيقتها وجلست إلى جوارها،  رمقتها بنظرة امتعاض تمتزج بالشفقة، تخبرها بحزم:
— إنتي مش ملك حد.

ثم أكملت وهي تنظر في عينيها مباشرة:
— حياتك وأمرك ملك إيديكي أنتي... 
 هو رافض إنك تتجوزي بعده… بلاها جواز حتى لو فترة مؤقتة.

 تابعت بنبرة مشجعة:
— ما توقفيش حياتك على راجل، استثمري وقتك في حاجة مفيدة... شوفي كنتي بتحبي إيه واعمليه... فاكرة لما كان نفسك يبقى عندك براند للشنط والشوز، وكنتِ بترسمي تصميمات تحفة.

ارتسمت على شفتي دارين ابتسامة ساخرة باهتة، لا روح فيها، ثم ردت بمرارة باردة:
— كان زمان…

صمتت لحظة، قبل أن تضيف بصوت خال من الحماس:
— حاليًا… ماليش نفس أعمل أي حاجة.

— عشان محبطة وحابسة نفسك في دايرة مفرغة، محدش هيخرجك منها غيرك إنتي… أقولك إنتي علاجك إيه... قربي من ربنا.

اندفعت الأخرى بحنق: 
— شايفاني حفيدة أبو لهب!، خلي نصايحك لنفسك يا شيخة أسما.

لكن شقيقتها لم تتراجع، بل تقدمت قليلًا في موقفها، واخبرتها بصوت ثابت يحمل مزيج من الحزم والشفقة:
— أنا أختك اللي أصغر منك، وخايفة عليكي، وبنصحك بالصح، ومش هسيبك.

ثم أضافت بنبرة أهدأ لكنها أعمق أثرًا:
— ومش معنى لما بقولك قربي من ربنا يبقى إنتي كافرة...  بالعكس أنا عايزة أشوفك في أحسن حال... قربك من ربنا هينقي نفسك من كمية الذنوب اللي زي موج البحر… بيفضل يسحبك ويشدك لجوه عشان تغرقي.

رمقتها دارين في صمت طويل، كأنها تقيس الكلمات داخلها ثم رفعت عينيها قليلًا وسألت بصوت خافت:
— وقلبي… إيه علاجه؟

أجابتها شقيقتها دون تردد:
— كل اللي أنا قولته لك دلوقتي.

ساد الصمت لحظة، قبل أن ترفع الأخرى رأسها فجأة وتوجّه سؤال بدا خارج السياق، لكنه كان أكثر الأسئلة ألمًا:
— وإنتي قدرتي تنسي أكثم وتحبي هشام؟

تبدل وجه أسما للحظة، كأن ذكر الاسم قد لامس موضعًا حساسًا في داخلها، لكنها تماسكت سريعًا، وقالت بثبات تُحسد عليه:
— قلوبنا مش بإيدينا… بس ربنا رزقنا بعقل يبقى رمانة الميزان اللي يخلينا نعيش صح.

ثم تابعت وهي تنظر إليها مباشرة:
— بمجرد ما وافقت على جوازي من هشام، كنت حاطة في دماغي خلاص… ما ينفعش أفكر في حد تاني، عشان لو مشيت ورا هوايا هابقى خاينة.

رفعت شقيقتها حاجبها قليلًا، ثم سألت:
— وإجابة السؤال التاني؟

أخذت الأخرى نفس هادئ، فأجابت:
— هشام جوزي وأبو بنتي… عمري ما شوفت منه حاجة وحشة طول الـ٨ سنين.

صمتت لحظة وكأنها تذكرت أمر هام فتابعت:
— بس فيه سؤال دايمًا بييجي في بالي… وكل ما أسأله لك بتديني إجابات مش منطقية... ليه لما وافقت على جوازي من هشام… قعدتي تحذريني منه؟

رمقتها دارين بنظرة حاولت أن تخفي بها اضطرابها الداخلي، ثم أجابت بصوت هادئ:
— عشان مش شايفة إنه لايق عليكي... مش شبهك.

ثم أضافت بسرعة لتخفي توترها:
— إنتي نقية وقلبك أبيض… لكن هو عكس كل ده.

ردت الأخرى  بهدوء نابع من صفاء نيتها:
— مش يمكن اختلافنا ده هو سبب نجاح جوازنا؟... وأهم حاجة… أنا فهماه وهو فاهمني.

سألتها الأخرى بترقب:
— متأكدة إنك فاهماه؟

— أه.
قالتها أسما بثقة، ثم نظرت إليها باستفهام، وكأنها شعرت بشيء في نبرتها، فسألتها بقلق:
— إنتي تعرفي حاجة ومخبياها عني؟

هزت شقيقتها رأسها سريعًا، وقالت محاولة إنهاء هذا الحوار:
— مفيش حاجة… أهم حاجة إنك مبسوطة، فأنا كمان مبسوطة عشانك.

وفي لحظة مفاجئة، فتحت دارين ذراعيها، فاندفعت شقيقتها نحوها وارتمت بين ذراعيها في عناق دافئ حمل في طيّاته الكثير من الكلمات غير المنطوقة.
ربتت على ظهرها بحنان صامت وهمست:
— ما تزعليش مني يا أسما. 

انكمشت ملامح الأخرى بألم خافت، لكنها رغم ذلك اخبرتها بصوت هادئ:
— أنا زعلانة عشانك مش منك...  ونفسي أشوفك مبسوطة، فكري في كلامي… أنا عايزة مصلحتك.

ابتسمت شقيقتها ابتسامة باهتة:

— هحاول.

هزت الأخرى رأسها بأسى مازح: 
— عنيدة… هسيبك تفطري، ولما تخلصي تعالي نقعد في الجنينه.

ثم خرجت من الغرفة، بينما كانت تخفي في صدرها ألم خفيف، وخزات  تداهمها كل حين وآخر… لكنها لم تلتفت أو تكترث إليه، ربما تخشي حالياً اكتشاف أسباب تلك الأعراض. 

                         ❈-❈-❈
فتح باب مكتبه فجأة، فاندفعت نظراته إلى الداخل لتستقر عليها…  تقف أمام الزجاج العريض الممتد من الأرض حتى السقف، غارقة في شرود عميق، توقف للحظة على العتبة، يراقبها في صمت، وقد أدرك أنها لم تشعر بوجوده بعد.

 فانسحب بخفة واقترب نحوها حتي وقف خلفها، دنا من أذنها وهمس فجأة بصوت منخفض اخترق سكونها:
— إيه اللي شاغل بالك أوي كده؟

انتفضت فايا بفزع  والتفتت بسرعة نحوه، فاختل توازنها للحظة وكادت تسقط إلى الخلف، لكن يده كانت الأسرع؛ أحاط خصرها بثبات، بينما تشبثت هي بتلابيب سترة بدلته في رد فعل تلقائي.
تجمدت الأنفاس بينهما لثوانٍ، أعينهم تلاقت لتحكي الكثير في حوار صامت، و قبل أن تدرك الموقف، ابتعدت عنه سريعًا وكأنها تستعيد وعيها، تجنبت النظر إليه، ثم تحركت بخطوات متوترة نحو حقيبة يدها، تحاول استعادة توازنها فاخبرته: 
— أنا هاروح أسأل على مكتبي.

ما إن همّت بالانصراف، حتى تقدم أمامها فجأة، طوله الفارع سد طريقها بالكامل، واضعًا يديه في جيبي بنطاله بثبات هادئ يخفي وراءه حزم واضح. 

رفع حاجبه قليلًا، سألها بامتعاض:
— هو أنا سمحتلك تمشي؟

توقفت مكانها، ونظرت إليه، فكانت نظراته هذه المرة مختلفة؛ جادة، لا تحتمل المراوغة. 
ابتلعت ريقها بتوتر ظاهر، ثم أجابت:
— أنا جاية أتدرب… مش هقضيها قعاد من غير شغل ولا تدريب.

لم يرد مباشرة، بل عاد إلى مكتبه بخطوات هادئة، وجلس أمام جهاز الحاسوب، ثم قام بتشغيله والتفت إليها مجددًا، يخبرها بنبرة يغلفها الدهاء خلف قناع الجدية:
— تدريبك هيبقى هنا في مكتبي.

اتسعت عيناها قليلًا، وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته، ثم رفعت حاجبها وسألته بسخرية:
— أبيه… حضرتك بتتكلم بجد ولا بتهزر؟

ارتفعت نبرته فورًا، حادة وقاطعة:
— مش قولت مفيش أبيه في الشغل؟!، أنا هنا مديرك… فاهمة ولا أفهمك؟

هزت رأسها سريعًا:
— فاهمة… فاهمة.

تنفس بهدوء مصطنع، ثم أشار إلى المقعد أمامه وقال بنبرة عملية:
— تعالي يا باشمهندسة… عندي ليكي مهمة صغيرة.

تقدمت بخطوات مترددة، بينما ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، وأشار إلي المقعد الخاص به فأمرها:
— اقعدي هنا.

جلست خلف المكتب أمام الحاسوب بينما وقف خلفها قليلًا، يراقب ما تفعله دون أن يتدخل. 
— أنا محتاجك تدخلي على النظام الداخلي للشركة، وتراجعي بيانات السيرفر بعد التحديث اللي اتعمل امبارح... شوفي هل كل الملفات اتنقلت صح، ولا فيه حاجة ناقصة أو فيها Error.

ثم أضاف بجدية أكثر:
— ولو لاحظتي أي مشكلة في الإعدادات أو في الاتصال بالشبكة، سجليها في ملف تقرير بسيط وسيبيه على الديسكتوب عندي.

أومأت برأسها قائلة بثقة رسمية:
— تمام يا فندم.

انشغلت أصابعها فوق لوحة المفاتيح، تتحرك بسرعة بين النوافذ والملفات، وعيناها معلقتان بالشاشة، تراجع كل سطر بدقة لافتة. 
مرت دقائق ثقيلة، لا يُسمع فيها إلا صوت النقر الخافت.

ثم توقفت فجأة، ضغطت زر أخير والتفتت نحوه قليلًا، تخبره بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:
— التحديث اتثبت بالكامل يا فندم… وكان فيه ملفين ما اتنقلوش بشكل صحيح، رجعتهم للمسار الأساسي وعدلت الإعدادات.

انحنى قليلًا نحو الشاشة، كأنه يريد التأكد بنفسه، لكن المسافة بينهما تقلصت فجأة بطريقة أربكتها.

شعرت بأنفاسه الدافئة تقترب من وجنتها، فتيبس ظهرها دون وعي، وتصلبت أصابعها فوق الفأرة، تسارع نبضها فجأة وكأنه فقد إيقاعه المعتاد.

قال الأخر بصوت منخفض وهو يتفحص الشاشة:
— ممم… برافو.

لكنها لم تكن ترى الشاشة وحدها… بل كانت تشعر به أقرب مما ينبغي، أقرب من حدود العمل التي وضعتها في عقلها.

حاولت أن تبقي نظرتها ثابتة على الجهاز أمامها، وكأن الشاشة صارت ملاذها الوحيد من هذا الاضطراب الخفي.
 نهضت بسرعة، وابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت محاولة إخفاء توترها:
— شكرًا... يا فندم. 

لكنها ما كادت تبتعد خطوة، حتى تعثرت قليلًا، فعادت إلى المقعد من جديد دون قصد.
اقترب منها مرة أخرى، ونظر إليها بتعجب واضح، ثم سألها:
— إنتي إيه حكايتك؟، يا تناديني أبيه يا إما يا فندم!

ابتلعت ريقها مجددًا، واجابت بسرعة:
— مش حضرتك قولتلي أنا في الشركة مديرك؟، وهنا سمعتهم بيقولولك يا فندم أو يا هشام بيه.

مد يده بهدوء، وأزاح خصلة من غرتها الطويلة إلى جانب وجهها، يخبرها بنظرة تحطم حصونها واحد تلو الأخر:
— هم غصب عنهم بينادوني كده… لكن إنتي لاء.

رفعت عينيها نحوه وسألته:
— يعني أناديلك بإيه؟

ابتسم وحدقها بنظرة ثاقبة، تلك النظرة القديمة التي لم تتغير منذ سنوات، رد بهدوء حاسم:
— قوليلي يا هشام… هشام وبس.
قالها و دنا منها، ظنت إنه سيقبلها و مجرد الظن شعرت بالفزع، نهضت فجأة وركضت نحو الباب،  لحق بها منادياً: 
– فايا، استني. 

خرجت بخطى سريعة فذهب خلفها، فوجد مساعدته تقف أمامه وتخبره: 
– الوفد الألماني وصل في غرفة الإجتماعات، و قاعدين مع صفوان بيه. 

جز علي أسنانه وذهب خلف مساعدته، و في طريقه أخذ يلتفت و يتفقد أثر التي فرت منه لم يجد لها أثرًا! 
                           ❈-❈-❈

 اندفع جسد مؤمن إلى الداخل بعدما دفعه أمين الشرطة بعنف، حتى كاد أن يسقط أرضًا لولا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة.

ارتطم جسده بجدار الزنزانة الخالية، ثم استدار نحو الباب بعينين مضطربتين، وقد علا صوته بمرارة ممزوجة بالاستغاثة:
— وربنا ما أعرف حاجة عن الشنطة، مش بتاعتي، ليه محدش فيكم بيسمعني؟!

لم يكد يُتم كلماته حتى صاح به أمين الشرطة بغلظة، وهو يدفع الباب بقدمه في استهانة:
— اخرس يا ابن الـ....

التفت الأخر إليه بسرعة، واشتعل الغضب في عينيه رغم ما بدا عليه من إرهاق واضطراب، ثم قال بحدة مكتومة:

— ما تغلطش في أمي... بدل ما أغلط في أهلك.

ساد صمت قصير، أعقبه ضحك ساخر و بارد يحمل في طياته احتقار صريح. 
هز رأسه بازدراء، ثم ردد بلهجة متهكمة:
— تغلط في أهلي؟!... ده إنت ليلة أهلك أسود بلاك عليك و علي دماغك... طلبتها ونولتها يا روح أمك!

ثم مال قليلًا نحو الباب، ورفع صوته موجهًا حديثه إلى العساكر الواقفين في الخارج:
— ادخلوا لابن الـ.... ده... وروقوا عليه.

لم تمض ثوانٍ حتى اندفع ثلاثة من العساكر إلى الداخل، يحمل كل منهم عصا سوداء غليظة. 
 تقدموا نحوه بخطوات ثقيلة، تتردد أصداؤها في الزنزانة الضيقة، وقبل أن يفيق مؤمن من صدمته، انهالت عليه الضربات.

ضربة أولى على كتفه، جعلته يترنح إلى الخلف، ثم أخرى على ظهره، أعقبها صوت تأوه مكتوم خرج من صدره رغمًا عنه.

توالت الضربات بلا رحمة؛ عصي سوداء تهوي على جسده من كل اتجاه، وصيحات ألم تتفجر من حنجرته مع كل ضربة يتلقاها، لكن صوته ضاع في الهواء دون أن يلقى رحمة أو شفقة.

في الخارج، أغلق الأمين الباب الحديدي بعناية، فدوى صريره في الممر، أخرج هاتفه من جيبه ببرودٍ تام، وضغط على رقم محفوظ، منتظرًا حتى جاءه صوت أجش عبر الهاتف:
— إيه الأخبار؟

اعتدل الأمين قليلًا وهو يجيب بنبرة مطمئنة:
— اطمّن يا جسار بيه، كله تمام… وخليت العساكر يدخلوا يعملوله أحلى حفلة ترحيب.

وفي تلك اللحظة، وصل صوت صياح مؤمن المكتوم بالألم عبر الهاتف، فعبس جسار في الطرف الآخر قليلًا، قبل أن يقول بحزم بارد:
— ما تخلّهمش يتغابوا عليه… أنا عايزه سليم.

رد الأمين بطاعة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية:
— ما تقلقش حضرتك، ضربهم بيوجع… بس ما بيعورش. 

— لو كده يبقى تمام… خد بالك منه لحد ما أجيله بعد بكرة.

— أمرك يا جسار بيه… مع السلامة.
أنهى المكالمة، وأعاد الهاتف إلى جيبه في هدوء بارد، كأن شيئًا لم يحدث.
ثم اقترب خطوة من الباب الحديدي، وانحنى قليلًا لينظر عبر الفتحة الصغيرة فيه.

ومن خلف القضبان، وقعت عيناه على المشهد نفسه الذي تركه قبل لحظات... 
رجاله ما زالوا ينهالون على مؤمن بالضرب المبرح، بينما يتردد صدى أنينه داخل الزنزانة الضيقة، أنين يختلط بوقع العصي على جسده، في مشهد قاس لا يحمل سوى القهر… والانتظار.

                         ❈-❈-❈

بعد أن أنهى مكالمته الهاتفية، أغلق محرك السيارة، ثم ترجل من السيارة بخطوة هادئة. 
 أغلق الباب خلفه بصوت خافت، وما إن رفع بصره حتى انتبه إلى تلك التي خرجت في تلك اللحظة من الباب الزجاجي الإلكتروني للشركة.

 تسير بخطوات متثاقلة، . لم تتجه نحو البوابة الرئيسية كما يفعل الآخرون، بل انحرفت نحو الحديقة الجانبية التي تحيط بمبنى الشركة. 

ما إن وقعت عيناه عليها حتى انقبض قلبه بقلق مفاجئ، شيء ما في خطواتها، في انكسار كتفيها، وفي ذلك الشرود الذي يلف حركتها، أيقظ في داخله إحساس غامض بالاضطراب.

تردد للحظة، ثم تحرك خلفها دون أن يشعر بنفسه، كأن قدميه تقودهما رغبة خفية في الاطمئنان عليها أو ربما لأن القلق عليها صار أقوى من قدرته على تجاهله.

عبر الممر الحجري المؤدي إلى الحديقة، حتى أبصرها تجلس على المقعد الرخامي الواقع في منتصفها، توليه ظهرها، وقد انحنت قليلًا إلى الأمام، ولم يبدو أنها انتبهت إلى اقترابه.

اقترب خطوة تلو الأخرى في هدوء حذر، حتى بلغ مسافة قريبة منها، وحينها فقط وصل إلى سمعه صوت بكائها.

بكاء خافت، لكنه كان كافيًا ليغرس في صدره غصة حادة، غصة نهشت قلبه فجأة بلا رحمة.
تردد لحظة، ثم لم يحتمل الوقوف متفرجًا على وجعها، أخرج من جيب سترته الداخلي محرمة مطوية بعناية، واقترب منها أكثر.

وقبل أن يتكلم، تنحنح بخفوت متعمد حتى لا يفزعها بوجوده وهو يقف خلفها.

لكن فات الأوان، فقد التفتت إليه فجأة بذعر واضح، واتسعت عيناها بقلق حاد، كأنها كانت تتوقع أن ترى شخصًا آخر.

غير أن ملامحها ما لبثت أن ارتخت قليلًا حين تحققت أنه ليس هشام، تنفست الصعداء بوضوح، وكأن ثقلًا كان يجثم على صدرها فانزاح.

جلس إلى جوارها بهدوء، محافظًا على مسافة واضحة بينهما، ثم مد يده بالمحرمة إليها سألها باهتمام:
— إنتي كويسة؟

ترددت قليلًا قبل أن تمد يدها وتأخذ المحرمة منه، لكنها لم تنظر إليه مباشرة، 
 تخشى التحديق في عينيه.

تلك العينان الحادتان اللتان تحملان دائمًا نظرة صارمة ترعبها كلما التقتا بعينيها، بل إن هيبته كلها، حضوره الطاغي، وطريقته الصامتة في النظر… كانت تثير في قلبها خوفًا لا تستطيع تفسيره.

لذلك تزحزحت عنه قليلًا حتى بلغت طرف المقعد، وأجابت باقتضاب وهي تجفف دموعها سريعًا:
— اه.

ظل يحدق بها في صمت مدركًا تمام الإدراك مدى تعمدها تجنب التعامل معه، 
ولم تكن تلك المرة الأولى... فمنذ رآها لأول مرة، وذلك الحذر المرتسم في نظراتها نحوه لم يغب لحظة واحدة. 

تنحنح مرة أخرى، كأنه يبحث عن كلمات أقل حرجًا:
— آنسة فايا… محتاجة أي مساعدة؟

هزت رأسها بالنفي سريعًا:
— "لأ… متشكرة يا جسار. 

ثم مدت يدها بالمحرمة نحوه:
— ميرسي.

نظر إلى المحرمة لحظة، واخبرها بهدوء:
— خليه معاكي.

وقفت على قدميها فجأة، كأن الجلوس بقربه صار يربكها أكثر مما تحتمل، تركت المحرمة إلى جواره على المقعد.

التفتت إليه بنظرة متوترة، وقالت:
— شكرًا على اهتمامك.

وهنا… للمرة الأولى منذ عرفته، لم ترَ تلك النظرة الحادة المعتادة في عينيه، بل يرمقها بنظرة مبهمة، غامضة، لا تستطيع أن تقرأ ما يختبئ خلفها... نظرة زادت توترها أكثر، خاصة حين ظل يحدق بها بصمت طويل دون أن يقول شيئًا.

ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت يكاد يُسمع:
— بعد إذنك.

و كل ما يحدث في الحديقة يجري تحت مرأى عينين تراقبان في صمت مشحون، 
عبر النافذة الزجاجية العريضة لغرفة الاجتماعات، تلك المطلة على الحديقة الجانبية للشركة، وقف هشام يحدق إلى الأسفل بنظرة ثابتة، بينما كانت خلفه طاولة الاجتماع تعج بالأحاديث الرسمية والابتسامات الدبلوماسية.

 شقيقه يجلس على رأس الطاولة، يتناقش مع أعضاء الوفد الألماني في أمور العمل، تتعالى بين الحين والآخر كلمات إنجليزية وأخرى مترجمة، وأوراق تُقلب، وأقلام تدون الملاحظات.

لكن ذهنه هو لم يكن حاضرًا هناك، فكان يقف عند النافذة، منشغل البال بتلك التي تركته منذ قليل ولم تعبأ بندائه لها.

والآن… ها هي تجلس في الحديقة، إلى جوار الحارس الخاص بشقيقه، وكأنهما في لقاء غرامي هادئ!

اشتد التوتر في ملامحه، وكوّر قبضة يده حتى برزت عروقها، بينما نضحت عيناه بنظرة وعيدٍ قاتمة.

وفي الحديقة... تحركت بحذر فوق العشب الأخضر، تحاول مغادرة المكان بعدما انتهى حديثها القصير مع جسار.

خطت بضع خطوات مترددة، وقبل أن تقطع مسافة كافية، أوقفها صوته وهو يناديها:
— آنسة فايا؟

توقفت في مكانها بفزع مفاجئ، ثم التفتت إليه، وجدته يشير بيده نحو الأرضية الصلبة القريبة من الممر الحجري، وقال بنبرة جادة:

— اطلعي على الرصيف بسرعة.
عقدت حاجبيها في دهشة من أمره المفاجئ، لكن لم تمض لحظة حتى فهمت السبب.

فقد ارتفعت من بين الأعشاب فجأة مضخات الري المخفية، وانطلقت منها المياه على هيئة رذاذ كثيف، اندفع في الهواء قبل أن يهطل كالمطر من كل اتجاه.

شهقت بفزع وهي تجد نفسها محاصرة بذلك المطر المفاجئ... تدفقت المياه عليها من كل حدب وصوب، فتراجعت بخطوات مرتبكة فوق العشب الزلق، تتحرك بهلع دون أن ترى أمامها بوضوح.

وفي لحظة خاطفة، شعرت بقربه منها، 
خلع سترة بدلته سريعًا، ثم فردها فوق رأسها كأنها مظلة، وهو يقول بلهجة آمرة:
— اتحركي معايا بسرعة.

بينما في الأعلى… لم يتحمل هشام رؤية ما يحدث من خلف الزجاج، نفد صبره.

استدار فجأة عن النافذة، واتجه نحو شقيقه الجالس في الاجتماع، ثم انحنى قليلًا وهمس له:
— أنا خارج أعمل مكالمة ضروري… وراجع على طول.

رمقه شقيقه بنظرة امتعاض، وقال بصوت خافت متحفظ:
— وإنت شايف ده وقته؟

أجابه بعجلة ظاهرة:
— شذى موجودة بدالي… مش هتأخر.
 استدار وغادر الغرفة قبل أن ينتظر ردًا.

وفي الأسفل… قد وصلت إلى الرصيف أخيرًا، لكن بعد فوات الأوان، وقفت تحدق في ثيابها التي ابتلت تمامًا، وقد التصق قميصها بجسدها من شدة الماء، بينما كانت تمسك بشعرها الذي صار مبللًا بالكامل، وكأنها خرجت لتوها من تحت صنبور الاستحمام.

تأملت حالها لثوان…ثم فجأة انفجرت بالضحك، ضحك صادق، خرج منها رغم الموقف.

فلم يتمالك جسار نفسه، وضحك هو الآخر، رفعت رأسها نحوه بدهشة، توقفت عن الضحك فجأة.
فتوقف هو أيضًا، وخفض بصره معتذرًا:
— بعتذر منك… مش قصدي أضحك عليكي.

ابتسمت وهي تقول بدهشة صادقة:
— أنا مش متضايقة… بس مستغربة جدًا، أول مرة أشوفك بتضحك.

رفع بصره إليها لحظة…لكن قبل أن يتفوه بشيء، خفض نظره سريعًا في شيء من الحرج، فقميصها الأبيض المبتل، الملتصق بجسدها، كان يُظهر بوضوح ما ترتديه تحته.

مد يده إليها بسترته، وهو ما يزال يغض بصره باحترام، وقال:
— اتفضلي… البسي البليزر عشان ما تبرديش.

هزت رأسها قائلة:
— مفيش داعي… أنا كده كده هاطلب تاكسي وهاروح.

تنحنح قليلًا، كأنه يحاول أن يجعلها تفهم ما يقصده دون أن يحرجها:
— أنا هاوصلك… بس لازم تلبسي البليزر.

وقبل أن تنظر إلى قميصها، لفت انتباهها انعكاس صورتها على زجاج المبنى الكبير، الذي بدا كمرآة عملاقة من الخارج.

وقعت عيناها على هيئتها…فشهقت بخجل شديد، الآن فقط أدركت ما كان يقصده.
أخذت السترة منه بسرعة، وارتدتها على الفور لتستر نفسها.
أشار إليها بلباقة قائلاً:
— اتفضلي… العربية هناك.

تقدمت أمامه بخطوات مترددة نحو السيارة، فتح لها الباب الخلفي باحترام.

و قبل أن تتحرك خطوة لتدخل…تجمّد جسدها في مكانه، فقد دوّى صوت آخر خلفها فجأة…صوت جعل الدماء تفر من وجهها في لحظة.

— على فين يا أستاذة فايا؟

تجمدت في موضعها للحظة خاطفة، كأن الصوت أصابها في مقتل، أغمضت عينيها لبرهة قصيرة، تحاول أن تجمع شتات رباطة جأشها، ثم فتحتهما ببطء وهي تلتفت نحوه لتتأكد مما خمنت.

نعم… إنه هو –زوج شقيقتها–
وقف أمامها متصلب القامة، يحدق فيها بنظرة طويلة فاحصة، بدأت من قدميها المرتجفتين قليلًا فوق الرصيف، وصعدت ببطء بارد حتى استقرت عند وجهها الشاحب. 
 لم يكتفِ بذلك، بل ألقى نظرة أخرى جريئة على قميصها الأبيض المبتل، الذي التصق بجسدها التصاق فاضح بفعل الماء.
شعرت بحرارة الخجل تتفجر في وجنتيها، فسارعت تضم تلابيب السترة التي ترتديها فوق القميص، تحاول أن تستر ما فضحه البلل، ثم أجابت بنبرة حاولت أن تبدو واثقة، لكنها لم تستطع أن تخفي هشاشتها:
— هاروح وجسار هيوصلني، زي ما حضرتك شايف هدومي وشعري مبلولين، ومش هاينفع أدخل الشركة بالمنظر ده قدام الموظفين.

ارتفع جانب فم هشام في ابتسامة ساخرة، تشي باستهزاء واضح، واخبرها بتهكم جلي:
— مهما كان اللي حصل، مش المفروض تبلغي مديرك حتى في التليفون؟!، ولا إنتي فاكرة الشركة وكالة من غير بواب!

رمقته بنظرة سخط مكتوم، وقد ضاق صدرها من نبرته المتعالية.
وهنا فقط تخلى جسار عن صمته الذي التزمه منذ ظهور هشام، فقال بنبرة رسمية هادئة:
— أكيد كانت هتبلغك يا هشام بيه… بس زي ما حضرتك شايف حصل لها ظرف طارئ، وأنا هاخدها أوصلها.

التفت الأخر إليه ببطء، وألقى عليه نظرة تحذيرية باردة، ثم سأله بحدة وتعجرف:
— أنا وجهت لك كلام؟!

توقف لحظة، قبل أن يضيف بنبرة أكثر احتقارًا:
— بترد بالنيابة عنها بصفتك إيه؟

ابتلع جسار الإهانة بصمت ثقيل، لكن عينيه اشتد بريقهما، واحتدت نظرته حتى غدت قاتمة كليل أسود حالك.

نظرة كانت كافية ليقرأ هشام ما يعتمل في صدر حارس شقيقه من رفض وعدم ارتياح له.
بينما فايا لم تتحمل تلك الإهانة التي وجهت إلى جسار بسببها، فقالت معترضة:
— وهو قال إيه غلط يا أبيه؟!، هو كان معايا لما ميه رش الزرع غرقتني في الجاردن. 

لكنها ما إن أنهت كلماتها حتى أدركت خطأها، رمقها الأخر بنظرة وعيد مظلمة جعلت قلبها يرتجف في صدرها، فابتلعت ريقها بصعوبة.

وبعد ثوان ثقيلة، حررها من تلك النظرة، قبل أن يلتفت إلى جسار ويقول بنبرة حازمة، تحمل بين طياتها رسالة مبطنة لا تخطئها الفطنة:
— ياريت يا جسار تخليك في تخصصك… وشغلك مع صفوان زي ما إنت، ومالكش دعوة بحد من الموظفين.

ثم فجأة، امتدت يده وقبض على ذراع فايا بقوة، يجذبها نحوه وهو يقول بلهجة آمرة:
— يلا… قدامي.

شهقت وهي تحاول أن تساير اندفاعه:
— أبيه… استنى. 

كادت تتعثر وتسقط، لكن قبضته كانت محكمة لا تسمح لها بالوقوع، 

بينما جسار مازال يقف يتابع ما يحدث بصمت يغلي بالغضب، غضب على وشك الانفجار من ذلك المتعجرف المغرور.

ولولا احترامه العميق وولاءه الصادق لــصفوان، لكان قد أمسك بهذا الهشام ولقنه درسًا لا يُنسى.

توقف هشام فجأة قبل أن يصل إلى سيارته، ثم التفت نحوها، اقترب منها خطوة واحدة فتراجعت بلا وعي، وقد تملكها خوف حقيقي، تخشى أن يتهور ويفعل شيئًا أحمق.

وفجأة شهقت، فقد مد يديه إلى تلابيب السترة التي ترتديها… وخلعها عنها بعنف، 
ثم خلع سترة بدلته هو، ومدها إليها وهو يأمرها من بين أسنانه بصوت منخفض لم يصل إلى مسامع القريب منهما:
— البسي الجاكيت… وحسابك معايا بعدين.

أمسكت السترة بين يديها، لكنها لم ترتدها.
وفي تلك الأثناء، قد عاد إلى جسار، وألقى في وجهه سترته التي كان قد أعطاها لها، محذرًا ببرود جارح:
— ياريت تخليك في حالك… أحسن لك.

تلقى الأخر السترة بين يديه، وقد بدا عليه التعجب من رد فعل هذا الأحمق المبالغ فيه.

بينما هشام فعاد إلى فايا، فوجدها ما تزال تمسك سترته دون أن ترتديها.
رمقها بنظرة تنضح بالشرر، سألها بحدة:
— ما لبستيش الزفت ليه؟!

ألقت السترة في وجهه فجأة، وهي تقول بعناد غاضب:
— مش عايزة، ومش مروحة معاك ولا مع حد… أنا هاطلب تاكسي. 

وفي تلك اللحظة… ظهرت على ملامحه ابتسامة مرعبة… ومخيفة، تعرفها جيدًا.
تعلم أنها ليست إلا نذير لفعل أهوج سيقدم عليه لا محالة.

— مش عايزة تلبسي؟!… أحسن برضه.

وبحركة مفاجئة، قبض على ذراعها بعنف، وجذبها خلفه رغم مقاومتها، سحبها حتى وصل إلى سيارته.

فتح الباب الأمامي بعصبية، ثم دفعها إلى الداخل لتجلس، وأغلق الباب بقوة مدوية، جعلتها تنتفض في مقعدها.

ثم دار حول السيارة سريعًا، وجلس خلف المقود، وما إن أدار المحرك، حتى انطلقت السيارة كالرياح. 

                          ❈-❈-❈

وفي الحارة، لدي المبني الذي يقطن به عمرو ووالدته، حيث توجد شقة والده والتي تقيم بها والدته في الطابق الثاني، بينما شقته توجد في الطابق الخامس.
و ها هو يقف أمام باب غرفة الأطفال المغلق من الداخل، يطرق الباب بقبضته طرقًا خفيفًا في البداية، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
— افتحي يا ريم… ويلا تعالي افطري، مامتك كلمتني من بدري وزمانها على وصول، ما ينفعش تيجي تلاقيكي عاملة كده!

في الداخل، تجلس على حافة السرير، تقضم شطيرة على مهل، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد. وما إن سمعت صوته حتى ألقت بالشطيرة جانبًا، ومسحت فمها سريعًا، ثم صاحت بنبرة مصطنعة يغلفها حزن مبالغ فيه:
— مش واكلة… ولا عايزة حاجة، ومالكش كلام معايا لحد ما أمي وأخويا يجوا يردوا على كلامك ليا إمبارح. 

وقف زوجها أمام الباب لحظة، ثم أطلق زفرة طويلة كمن يحاول أن يطرد عن صدره غيظ ثقيل. 
 تمتم مستغفرًا ربه، قبل أن يقول بنبرة أكثر لين:
— طب افتحي بس… وتعالي نتكلم مع بعض... ما ينفعش ندخل حد ما بينا من أول يوم جواز… لا من عندك ولا من عندي.

في الداخل، نهضت من مكانها وتقدمت حتى وقفت خلف الباب مباشرة، كأن الخشب الفاصل بينهما يمنحها جرأة أكبر. صاحت بسخط متصنع:
— يعني بتشكك في شرفي وسمعتي، وجاي دلوقتي تقولي تعالي نتكلم؟!، ومش عايزة أطفح. 

قبض على مقبض الباب، ثم قال محاولًا أن يظل هادئ:
— طب افتحي الباب، واستعيذي من الشيطان… وتعالي نتفاهم.

لكنها أطلقت صرخة بكاء عالية، كان في نبرتها قدر مدهش من الإتقان والافتعال:
— قولتلك مش هافتح… غير لما أهلي يجوا. 

في تلك اللحظة، نفد ما تبقى من صبره، 
ضرب الباب بقبضته ضربة قوية، ثم قال بعدما حاول عبثًا أن يتمالك نفسه:
— تمام يا ريم… اعملي اللي تعمليه، ولو عايزة تحرجي أهلك، ابقي احكيلهم حرف واحد.

ثم ركل الباب بقدمه ركلة غاضبة، واستدار مبتعدًا بخطوات مشحونة.

بينما في الداخل... فما إن ابتعد صوته حتى اختفى البكاء فجأة، جلست على السرير، والتقطت هاتفها بسرعة، وبدأت تكتب رسالة إلى ابن عمتها.

«خليته يجيب آخره… ولسه لما أمي تيجي... إما خليته يندم ويبوس الأيادي، ما بقاش أنا ريم»

لم يطل انتظارها، وصلها رده سريعًا:
«ما توسعيش الحوار لأخوكي المجنون يكون جاي مع أمك، وعمرو يقوله حاجة، وهتتقلب على دماغك في الآخر... ساعتها أخوكي مش هيسمي عليكي»

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، ثم كتبت مطمئنة:
«ما تقلقش… أمي اللي جاية بس... كانت مكلماني من شوية وقالتلي أخوكي شكله عنده شغل ومش جاي»

جاءها رده بعد لحظات:
«ما أنا قولتلك يا بنت الناس… كان بإيدك ما تكمليش، وكنا اتجوزنا»

ارتفع حاجباها قليلًا، ثم كتبت بنبرة لا تخلو من التهكم:
«مش لما تعرف تصرف على نفسك الأول… ده إحنا دفنينه سوا»

جاءها الرد سريعًا هذه المرة، لكنه كان أقصر وأكثر حدة:
«بتعايريني؟!»

عضت شفتها السفلى قليلًا، ثم كتبت:
«ما قصدش»

لكن الرد الذي وصلها بعد لحظات كان كصفعة باردة:
«لا… تقصدي... وعدتها لك المرة اللي فاتت، كده اللي بينا انتهى، وربنا يسعدك مع ابن عمي يا عروسة»

كانت الرسالة تحمل معنيين واضحين؛
أحدهما يشبه العتاب… والآخر يقطر سخرية لاذعة.

جزت على أسنانها في ضيق، وتمتمت وهي تنظر إلى شاشة الهاتف:

— غبية… أهو زعل مني.

وبسرعة كتبت له رسالة أخرى:
«سيد… حقك عليا، وربنا ما قصد أزعلك»

انتظرت لحظة… ثم أخرى، لكن الرسالة لم تُرسل.
قطّبت جبينها، وضغطت على الشاشة مرة أخرى، قبل أن تتسع عيناها فجأة حين أدركت ما حدث.
شهقت بصدمة، ورددت بغيظٍ مكتوم:

— يا ابن المجانين!… عملتلي بلوك؟!

                          ❈-❈-❈

 دوى جرس الباب برنين متتابع  شق سكون الشقة، رفعت ريم رأسها فورًا، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.
 عدّلت وقفتها، واستعدت للبدء في وصلة بكاء أخرى زائفة، ثم اتجهت بخطى وئيدة نحو باب الغرفة، لتقف خلفه مباشرة. 

وفي الخارج، دوى صوت عمرو وهو يقول بنبرة تنضح بالضجر مكبوت:
— ريم… خالتي بترن الجرس... يلا اطلعي، وبطلي اللي بتعمليه ده.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، لا تمت للحزن الذي ادعته بصلة... رفعت رأسها قليلًا، وهمست بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
— إنت لسه شوفت حاجة… اصبر عليّا.

بعد لحظات، سُمع صوت فتح باب الشقة، ثم صوت والدتها وهي تلتقط أنفاسها من صعود الدرج، بينما استقبلها عمرو قائلًا بترحابٍمهذب:
— أهلًا وسهلًا يا خالتي… إيه كل ده؟!

دلفت إلى الداخل وهي تحمل عددًا لا يُحصى من الأكياس والحقائب، تتدلى من يديها محمّلة بالكثير، تلهث قليلًا من أثر الدرج الطويل، فهدأت أنفاسها تدريجيًا.

اقترب عمرو منها سريعًا، وأخذ الحقائب من يديها ليدخلها المنزل، فقالت له بابتسامة بسيطة:
— دي حاجة بسيطة يا ابني.

ثم التفت ينظر حوله، وسألها متعجبًا:
— أومال فين مؤمن؟

هزت رأسها وهي ترد:
— جه جدع من رجالة البيه النائب، خدوه من الصبح ولسه ما رجعش.

انعقد حاجبيه في حيرة، ردد بتعجب:
— غريبة! صفوان بيه باعتله ليه؟

رفعت كتفيها في جهل صادق، وأجابت:
— علمي علمك يا بني… يوه، إديني نسيت أقولكم صباحية مباركة يا أحلى عرسان… فين العروسة؟

كاد أن يخبرها… لكن في تلك اللحظة انفتح باب الغرفة فجأة، خرجت ابنتها بخطوات مسرعة، وعيناها تغرقان بدموع غزيرة، تنساب على خديها بانكسار مثير للشفقة.

شهقت والدتها بفزع وهي تندفع نحوها:

— إيه؟! في إيه يا بت؟!

لم تجب ابنتها، بل اندفعت فجأة تلقي بنفسها في حضن أمها، واجهشت في  البكاء. 

نظرت الأم بقلق شديد نحو زوج ابنتها، وسألته بحدة:
— فيه إيه يا عمرو؟!

تنحنح قليلًا، ثم قال محاولًا أن يبدو هادئًا:
— مفيش يا خالتي… هي بتدلع شوية.

ابتعدت ريم قليلًا عن حضن أمها، ونظرت إليه من بين دموعها بنظرة مشحونة بالوعيد، رد عليها عمرو بنظرة تحذيرية حادة، لكنها لم تعبأ بها قط.

بل التفتت إلى أمها، وقالت بصوتٍ منكسر من بين دموعها الزائفة:
— البيه يا ماما… بيسألني كنت أعرف حد من قبله ولا لأ! 
تعليقات



<>